Полный текст (524 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حكم الحلف بلفظ: ورب القرآن
السؤال
هل يجوز الحلف بهذا اللفظ: (ورب القرآن) ؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن القرآن ليس مربوباً، بل هو كلام الله، ولكن يجوز أن يقول: والقرآن.
أو: والمصحف.
لأن الذي يحلف به هو كلام الله، ومع ذلك فقد سبق أن قلت: إنه جاء عن ابن عباس وعن ابن مسعود ﵁ عنهما أن الذي يحلف بالقرآن ثم يخالف أنه يلزمه بكل حرفٍ كفارة، وذلك لأنه أمر عظيم.
وأما أن يقول: (ورب القرآن) فهذا لا يجوز؛ لأن المربوب مخلوق، والقرآن ليس مربوباً، بل هو صفة من صفات الله جل وعلا، ولا يجوز الحلف إلا بالله أو بصفة من صفاته.
стр. 317
المراد بلقاء الله الحاصل للمنافقين
السؤال
قول الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤] يدل على ثبوت الرؤية للمؤمنين، فإن كان يدل على الرؤية فكيف يجاب عن قول الله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٧] ، ومن المعلوم أن المنافقين لا يرون الله؟
الجواب
اللقاء هنا يقصد به الجزاء الذي يجزون به يوم القيامة، ويصح أن يقال لكل أحد: إنه سيلقى ربه.
أي: لقاء المحاسبة والجزاء، فيفسر بالحساب والجزاء الذي يحصل له.
стр. 318
شرح العقيدة الواسطية [١٩]
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، لا يتم الإيمان إلا به، فيجب أن نؤمن بما بعد الموت من الأحداث التي ذكرها الله تعالى وذكرها رسوله ﷺ ، ومن ذلك فتنة القبر، وما يكون فيه من النعيم أو العذاب، ثم ما يكون بعد ذلك من النفخ في الصور، وبعث الأجساد، ووقوف الناس في الموقف، وغير ذلك مما جاءت به النصوص.
стр. 319
الإيمان بفتنة القبر من الإيمان باليوم الآخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.
وأما المرتاب فيقول: هاه هاهز لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرون بها] .
стр. 320
سبب كثرة التحذير والتفصيل في أمور الآخرة في هذه الأمة
قال: (ثم من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت) .
وهذا عام شامل وسيذكر لنا أمثلة مما يجب أن يؤمن به، وإلا فالتفاصيل كثيرة جداً، وقد جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسوله ﷺ ما لو كتب فيه مجلدات لما وسعت ذلك، فلم يأت نبي من أنبياء الله بمثل ما جاء به نبينا ﷺ في تفاصيل يوم القيامة، وذلك لأنه آخر الأنبياء وعلى أمته تقوم الساعة، ولهذا جاء بذلك مفصلاً مبيناً موضحاً، وجاء بأشياء لا تقبل التأويل ولا تقبل الصرف عن ظاهرها، ولهذا كان من أنكر ذلك خارجاً عن الدين الإسلامي.
стр. 321
عموم فتنة القبر لجميع البشر
[فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر] .
المقصود بفتنة القبر سؤاله، ويكون لكل ميت سواء قبر أو لم يقبر، وكذلك العذاب؛ لأن القبر اسم لما بعد الموت، سواء دفن الميت في الأرض، أو ألقي في البحر، أو أكلته السباع، أو احترق بنار، أو ترك على وجه الأرض أو غير ذلك، فلا بد من السؤال، وبعد السؤال لا بد من العذاب أو النعيم.
وهذا شيء عام، إلا أن الأحاديث جاءت باستثناء بعض عباد الله، مثل الذي يموت مرابطاً في سبيل الله، ومثل الشهيد الذي يموت شهيداً في المعركة، ونحوهما مما جاءت الأخبار به؛ فإنه قد صحت الأخبار بأنه يأمن من فتنة القبر.
وأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم، ومعنى الفتنة الاختبار، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ والمقصود بالرجل كل ميت من ذكر أو أنثى، وقد اختلف في الصغار هل يفتنون أم لا؟ فمن العلماء من أثبت ذلك، واستدل بعمومات جاءت عن الرسول ﷺ ، ومنهم من قال: إنه غير مكلف فلا يفتن.
وجاءت بعض الآثار تنص على أنه يسأل في قبره.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فالتثبيت في الحياة الدنيا أن يكون ثابتاً على عقيدة الحق ولو ابتلي وامتحن أو قتل أو حرق، فيثبته الله على ذلك إذا أراد به الخير.
وأما في الآخرة فالمقصود به ما بعد الموت، وذلك إذا وضع في قبره، وقد تواترت الأحاديث بقوله ﷺ : (إن الإنسان إذا وضع في قبره وانصرف عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان بعدما تعاد إليه روحه، فيسألانه يقولان: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ أما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وهذا رسول الله ﷺ .
فيقولان له: وما يدريك -أي: ما دليلك على ذلك-؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به.
وأما المنافق والكافر فيقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) ، وفي رواية: (فيقول: لا أدري رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته.
فيقولان له: لا دريت ولا تليت.
فيضربانه بمطرقة من حديد لو ضربا بها جبلاً لتدكدك، فيلتهب عليه قبره ناراً، فيصيح صيحة يسمعه كل من يليه ما عدا الجن والإنس) .
فقوله: (كل من يليه) أي: من الشجر والحجر والبهائم القريبة منه.
وليس كل شيء يسمع صوته، ولكن يسمعه من كان قريباً من صوته من حجارة وشجر وبهائم، وقد جرب الناس ذلك قديماً، فكانوا إذا استمسك بطن الفرس أو الناقة أتوا بها إلى المقابر فترتاع وتهرب، فينطلق بطنها من شدة الخوف الذي سمعته وهي بهيمة، وهذا من باب التجربة، وقد أطلع الله جل وعلا من يشاء من خلقه على أشياء كثيرة من هذا.
والسؤال يكون عاماً في الظاهر كما في هذا الحديث؛ فإنه للمؤمن والمنافق والكافر، ووقع الخلاف في الأطفال، ولم يأت نص صريح عن النبي ﷺ أنهم لا يسألون ولا أنهم يسألون، وإنما أخذ ذلك من عمومات النصوص عن النبي ﷺ ، فلهذا اختلف العلماء، فمنهم من أثبت ذلك كـ القرطبي في التذكرة وغيره، واستدلوا بأشياء ذكروها من الآثار ومن الأحاديث الصحيحة بمفهومها، ومنهم من نفى ذلك وقال: إنهم غير مكلفين، وإنهم ولدوا على الفطرة.
واستدلوا بأشياء أيضاً، والله أعلم.
стр. 322
القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
وبعد ذلك يكون القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وقد ثبت أنه بعد السؤال إذا ثبت الإنسان وأجاب الجواب الصحيح يفسح له في قبره مد البصر، وأنه يفتح له باب إلى الجنة ويقال له: انظر إلى منزلك الذي أعده الله لك.
فيأتيه من روحها ونعيمها وهو في قبره، عند ذلك يقول: يا رب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومنزلي.
وإذا كان منافقاً أو فاجراً فإنه يضيق عليه قبره ويلتهب عليه ناراً، ويفتح له باب إلى النار ويقال له: انظر إلى مكانك ومنزلك الذي أعد الله لك.
عند ذلك يقول: رب! لا تقم الساعة.
لأنه يعرف أن ما بعد هذا الوقت أشد منه، وأن النار هي العذاب الشديد، نسأل الله العافية.
ثم التثبيت في هذا السؤال يكون حسب ما كان عليه الإنسان في الدنيا، فإذا كان ثابتاً في الدنيا على العقيدة ليس عنده شك ولا ارتياب فإنه يثبت في القبر؛ لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبقى في قبره على ما كان عليه في الدنيا، وكذلك يبعث على ذلك.
أما إذا كان عنده شك وتردد أو ريب فهذا الذي يتلعثم ولا يستطيع أن يجيب؛ لأن القبر من منازل الآخرة، فهو محل الجزع، فلا يستطيع الإنسان أن يحدث شيئاً يقوله يمكن أن ينفعه، وإنما يكون على حالته التي خرج بها من الدنيا، فإن كان ثابتاً موقناً مؤمناً فإنه يثبت بإذن الله وفضله عند السؤال، وإن كان بخلاف ذلك فإنه لا يثبت.
стр. 323
اسم الملكين الفتانين
ثم إن الذي يتولى السؤال ملكان اسم أحدهما منكر والآخر اسمه نكير، كما روى ذلك الترمذي وابن حبان في صحيحه، وكذلك الإمام أحمد في المسند، ونص الإمام أحمد في مسائله على أن اسم الملكين الذين يتوليا السؤال (منكر ونكير) أما ما ذكر بعضهم أن الذين يتوليان سؤال المؤمنين هما مبشر وبشير فهذا لا أصل له وليس له مستند، فلم يأت به حديث عن النبي ﷺ ، وإنما جاء الحديث في ذلك عاماً في كل أحد.
стр. 324
اختلاف عذاب القبر باختلاف العمل
ثم إنه بعد السؤال يدخل المرء في عذاب دائم لا ينقطع حتى يتصل بعذاب الوقوف ثم يتصل بعذاب جهنم، وإما أن يكون العذاب مؤقتاً ثم ينقطع، وذلك لمن كان جرمه ليس كبيراً ولا كثيراً، أو كان له أعمال تنفعه من دعوة يدعى له بها، أو صدقة تصدق بها، أو حج أو ما أشبه ذلك، فيتنفع بذلك وينقطع عنه العذاب، وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على ذلك.
فإذاً يكون العذاب في القبر على نوعين: النوع الأول: نوع يستمر ويكون ما بعده أشد منه.
والنوع الثاني: يكون مؤقتاً.
وهذا التوقيت يجوز أن يكون طويلاً ويجوز أن يكون منقطعاً بسبب أن جزاء الذي يستحقه غير طويل.
стр. 325
من أدلة عذاب القبر
في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير.
ثم قال: بلى.
إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله - وفي رواية: لا يتنزه من بوله- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ، وفي الصحيح أيضاً عن عائشة: (أنها سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: إنه حق) وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه هذا الدعاء: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدحال) ، فكان يعلمهم ذلك كما يعلمهم سورة من القرآن، والأحاديث في هذا كثيرة.
ويقول الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، فقوله: (غدواً وعشياً) أي: في أول النهار وآخره.
ويقول جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] يقول العلماء: العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والأكبر هو عذاب جهنم.
نسأل الله العافية، والآيات في هذا كثيرة، وأما الأحاديث فهي صريحة واضحة جلية، وأحاديث الرسول ﷺ تفسر القرآن وتوضحه.
стр. 326
أسئلة القبر لا يعذر أحد بالجهل بها
والسؤال يكون عن هذه الثلاث فقط: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ وهي التي يسميها العلماء الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها، وهي معرفة الرب، ومعرفة الدين، ومعرفة النبي ﷺ .
والعلماء متفقون على أنه لا يعذر الإنسان بجهلها؛ لأنه يأتي السؤال عنها لكل أحد، إلا ما وقع فيه اختلاف وهم الأطفال، أما من كان بالغاً من ذكر وأنثى فإنه لا يعذر.
ومعنى (من ربك؟) أي: من الذي خلقك وأوجدك وأوجب عليك عبادته ولهذا يقولان بعد ذلك: (وما ذينك؟) أي: الذي تعبد به ربك.
فدل على أن معنى الرب هنا الرب المعبود، والرب يأتي بمعنى (الإله) .
ومعنى (ومن نبيك؟) أي: من الذي جاءك بالدين الذي تتدين به وتتعبد به؟ فلا بد أن يكون الإنسان عارفاً ذلك وعاملاً به، أما مجرد معرفة بدون عمل فلا تجزي.
стр. 327
عذاب القبر وفتنته
قال: (وأما المرتاب فيقول: هاه هاه.
لا أدري) .
في رواية في البخاري أنه يقول: (لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت) .
معنى (لا دريت) : ما علمت العلم الذي يجب أن تعلمه وتنجو به.
(ولا تليت) ، أي: ما اتبعت كتاب الله وتلوته وآمنت به حتى يكون ذلك طريقاً إلى نجاتك وإلى إجابتك، وفي هذا أن تقليد الناس لا يجوز؛ لأنه يقول: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فلم ينفعه ذلك شيئاً، ولذلك يجب أن يعلم بنفسه وأن يتيقن ذلك، وإذا لم يجب الجواب الذي يقتنع به ويكون في قرارة قلبه فإنه يعذب؛ لأنه ترك ما يجب عليه.
стр. 328
يسمع عذاب القبر كل شيء إلا الإنسان
قال: (فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان) .
يعني أن المكلفين لا يسمعونها ولو كانوا بجواره، وقد يسمع المكلف شيئاً من ذلك تذكرة وعظة، والوقائع في هذا كثيرة جداً، وقد ألف فيها العلماء مؤلفات، وذكروا أشياء بلغت حد التواتر في ذلك، فمن ذلك أنه لما دفن الأحنف بن قيس ﵁ وأدلوه في حفرته وصاروا يصفون عليه اللبن سقطت قلنسوة الذي يتولى صف اللبن في اللحد، فأدخل رأسه ليأخذها فصاح، قيل: ما لك؟ فقال: رأيت القبر لا مدى له، قد فسح ونور نوراً لا أرى أقصاه، وشممت منه رائحة المسك.
وأشياء كثيرة من هذا القبيل جربها الناس ورأوها، ولكن لا يكون إيماننا مبنياً على كوننا نرى الشيء أو يرى لنا أو يسمع، بل إذا أخبرنا رسول الله ﷺ بذلك كفى، ثم إن هذه أمور غيبية لا نعرف حقيقتها ولا نعرف كيفتيها، أي: لا نعرف كيفية العذاب وكيفية النعيم؛ لأن المقبور إذا وضع في لحده وأتيته بعد وقت وحفرت فإنه يكون على وضعه، فهذا الوضع لا يدل على أنه لم يعذب ولم ينعم، بل يعذب وينعم وهو على هذا الوضع، ويأتيه من الشدائد أو من الراحة والنعيم الشيء الكثير وهو على وضعه.
بل يقول العلماء: إن القبر قد يوضع فيه أكثر من واحد، فقد يوضع فيه جماعة فيكون واحداً منهم منعماً والآخر معذباً، فالذي ينعم لا يصل إلى المعذب من نعيمه شيء وإن كان بجواره، وكذلك المعذب لا يصل إلى المنعم من عذابه شيء، وقدرة الله جل وعلا لا تحد، والمقصود أن هذا من أمور الآخرة الغيبية التي يجب الإيمان بها ولو لم نعرف ذلك.
стр. 329
إنكار الملاحدة لعذاب القبر
أما الزنادقة والملاحدة فهم ينكرون عذاب القبر، ويقولون: إننا لو وضعنا الميت ووضعنا في عينيه زئبقاً وحفرنا بعد وقت لوجدنا أن الزئبق على حاله لم يتغير، مما يدل على أنه ليس عنده نعيم ولا عذاب، ولو ظهر العذاب وكشف لزالت الحكمة التي يتفاوت بها المؤمن من المنافق من الملحد الزنديق؛ لأن الشيء إذا علم اضطر إلى الإيمان به كل أحد، ولهذا إذا خرجت الشمس من مغربها آمن كل الناس، ولكن لا ينفعهم ذلك؛ لأنه شيء مشاهد، وكذلك إذا خرج الدجال فإنه لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، كما في صحيح مسلم: (ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس، وخروج الدجال، والدابة) ، وذلك أن الكون يتغير وتظهر الآيات الباهرة التي تضطر الناس إلى الإيمان، ككون اليوم الواحد كسنة، واليوم الثاني كشهر، واليوم الثالث كأسبوع، ثم تعود الأيام إلى وضعها الذي وضعها الله عليه، وأما الدابة فهي تميز الناس وتبين أن هذا كافر وهذا مؤمن، وأما طلوع الشمس من مغربها فهي أيضاً آية باهرة تبهر الناس وتقهرهم على الإيمان، ولكن لا ينفعهم ذلك والمقصود أن الذي ينفع هو الإيمان بالغيب الذي يخبر عنه، أما إذا صار الأمر مشاهداً فيتساوى الناس فيه.
وقوله: (ولو سمعها لصعق) ؛ الصعق يطلق على الموت ويطلق على الغشي، والمعنى أنه لو سمع العذاب لغشي عليه أو مات؛ لأنه لا يتحمل ذلك؛ لأنه أمر شديد لا يشبه الأمور التي تقع في الدنيا.
стр. 330
يوم القيامة وإرهاصاته
(ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى) : قوله: (إلى أن تقوم القيامة الكبرى) يدلنا على أن هناك قيامتين: قيامة صغرى وقيامة كبرى، وهو كذلك، أما القيامة الصغرى فهي الموت، وكل إنسان بخاصته إذا مات فقد قامت قيامته الصغرى، أما الكبرى فهي العامة التي هي النفخ في الصور.
والصواب أن النفخ في الصور نفختان فقط وليست ثلاثاً، فأما قوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] فهذه النفخة المقصود بها نفخة الصعق التي ذكرت في قوله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، وهذه الآية واضحة في أن النفخ في الصور يكون مرتين فقط.
والصعق معناه الفزع، فيفزعون أولاً ثم يصعقون بعد ذلك، ولهذا جاء في الحديث أن أول من يسمع النفخ في الصور راعيان يلوطان حوضيهما، وجاء أنه ينفخ في الصور والرجلان قد نشرا ثوباً ليتبايعاه فيبقى بين يديهما، وأن الرجل يعمل عملاً ثم يبقى عمله بين يديه إذا سمع ذلك، فمعنى النفخ في الصور أنه أولاً يموت من كان حياً، وهذه هي النفخة الأولى، وقد استثنى الله جل وعلا من استثنى، والله أعلم بهم.
وقد اختلف العلماء فيهم، ففي قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] من العلماء من قال: المستثنى هن الحور العين اللاتي في الجنة؛ لأن ما في الجنة لا يموت.
ومنهم من قال: هم الأنبياء والشهداء.
ولكن الأنبياء والشهداء قد ماتوا فكيف يستثنون؟ لأن النفخة الأولى في الصور لا يحس بها الأموات، إنما هي لمن كان حياً، وهذه لها مقدمات هائلة مثل تشقق الأرض وزوال الجبال حتى تصير كالعهن المنفوش، فزلزلة الأرض كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] مقدمة لخروج الأثقال، والأثقال هي من كان في بطنها من الأموات، فإنهم يخرجون، ولكن في النفخة الثانية.
ومما يدل على ذلك ويؤكده أنه ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (بين النفختين أربعون) ، فلو كانت ثلاثاً لقال: بين النفخة الأولى والثانية، أو: بين النفخة الثانية والثالثة.
ولكن قال: (بين النفختين أربعون) قيل لـ أبي هريرة: أربعون سنة؟ قال: أبيت.
قيل: أربعون شهراً؟ قال: أبيت.
قيل: أربعون يوماً؟ قال: أبيت.
يعني أنه سمع النبي ﷺ يقول: أربعون فقط، ولم يذكر التمييز هل هو سنة أو يوم أو شهر، والظاهر أنه أربعون سنة بين النفخة الأولى والثانية، والله أعلم.
وقد اختار بعض العلماء مثل ابن كثير ﵀ وغيره من العلماء أنها ثلاث؛ لأن الله ذكر الثلاث بأوصاف مختلفة، قال في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، وهناك حديث صريح وهو حديث أبي هريرة الطويل أنه ينفخ في الصور ثلاث مرات، فتكون النفخة الأولى نفخة للفزع، والنفخة الثانية للصعق، والثالثة نفخة البعث، ولكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، بل هو روايات مزعومة بعضها من أقوال الذين لا يجوز أن يثبت بأسانيدهم ورواياتهم حكم، مثل الكلبي وغيره، فهذا الحديث لا يعتمد عليه.
стр. 331
إعادة الأرواح إلى الأبدان
(فتعاد الأرواح) يعني: بعد النفخة الثانية، ولكن قبل ذلك تكون أمور هائلة قد ذكر الله جل وعلا كثيراً منها تحذيراً كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٣] ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٣] ، وما أشبه ذلك مما يهوله الله جل وعلا ويعظمه.
كذلك قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] فترى الإنسان كأنه سكران، ولكنه مثلما قال الله جل وعلا: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] ، وذلك من شدة الأهوال، فالإنسان تنتظره أمور هائلة جداً، فيجب أن يتذكر ذلك ويؤمن به، ثم يتذكره ويكون على باله أنه سوف يقع له.
وقد أجمع المسلمون واليهود والنصارى وجميع الأمم التي جاءتها الكتب على قيام الساعة، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، فقد جاء في الحديث أنه بعد النفخة الأولى ترسل السماء بمطر كمني الرجال لا يُكِنُّ منه مدر ولا وبر، أي: لا يمنع منه بيوت ولا غيرها، مع أن الناس قد ماتوا وزال كل شيء، فيبقى أربعين يوماً يصب على الأرض، ثم بعد ذلك ينبت الناس من قبورهم.
وقد جاء في الحديث أن ابن آدم كله يبلى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب جزء صغير جداً في أسفل الظهر كالبذرة، ينبت الإنسان من هذه البذرة، فيبنت من قبره كأنه نبات، قال النبي ﷺ : (مثل الطراسيس) ، والطرسوس نبت معروف مستقيم يقع في بعض الأرض، ثم إذا تكاملوا لو أن الإنسان مر على إنسان يعرفه لعرف أنه فلان، وذلك إذا اجتمعت الأجزاء التي تفرقت في الأرض وكانت تراباً فصارت عظاماً ولحماً ولكن بلا روح.
ثم ينفخ في الصور، والصور -مثلما قال النبي ﷺ قرن عظيم ينفخ فيه إسرافيل، وقد جاء أن النبي ﷺ أخبر أنه قد التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه وحنى جبهته ينتظر الأمر) أي: ينتظر متى يأمره الله جل وعلا بالنفخ.
فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية ذهبت كل روح إلى جسدها ودخلت فيه، وهذا هو البعث، وقد أكثر الله جل وعلا من ذكره في كتابه كثيراً، قال جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] ، وقد اتفق العلماء على أن منكر البعث الجثماني كافر، وأما الملاحدة الزنادقة فإنهم يؤولون ذلك، ولكن تأويله صعب جداً لأنه واضح صريح.
стр. 332
صفة خروج الناس من قبورهم ووقوفهم عند ربهم
(فيقومون بعد ذلك من قبورهم حفاة عراة غرلاً) .
يعني على هيئة خلقتهم التامة حتى الجزء الذي قطع من ذكر الإنسان يعود فيه، وهو معنى قوله: (غرلاً) ، أي: غير مختونين.
ليذوق كل جزء من الإنسان العذاب الذي يستقبله والمحاسبة أو يذوق النعيم، ويكونون حفاة بلا نعال ولا خفاف، وعراة رجالهم ونساؤهم، ولما سمعت ذلك عائشة قالت: (واسوأتاه! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال رسول الله ﷺ : الأمر أشد من ذاك يا عائشة) أي: كل واحد شاخص ببصره لا يدري من بجواره من شدة الهول.
ثم إذا قاموا من القبور يحشرون، والحشر أنهم يساقون إلى مكان معين يجمعون فيه، ثم بعد ذلك يقفون لرب العالمين، والوقوف أن يكونوا قياماً على أرجلهم، وتدنو منهم الشمس وتكون واقفة على رؤوسهم، وهذا يوم طويل ويوم عسير، يقول الله جل وعلا: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١-١٠] ، ((يُبَصَّرُونَهُمْ)) أي أنه يبصر كل حبيب حبيبه وقريبه، ولكن لا يسأل أحدهما الآخر، بل يود المجرم أن يفتدي من هذا العذاب بكل ما يملك ولو ببنيه وزوجته وأمه وأبيه، بل كل ما في الأرض لو كان يملكه واستطاع أن يفتدي به من عذاب ذلك اليوم لفعل، ولكن لا يمكن.
وهذا اليوم هو الذي مدح الله جل وعلا الخائفين منه، وهم الذين يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ثم يقولون: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:٩-١٠] قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١١-١٢] الآيات، وقد ذكر جل وعلا آيات كثيرة جداً يخوف عباده من ذلك، وهذا اليوم ليس فيه ظل ولا شراب ولا أكل، ومع ذلك تكون الشمس فوق الرءوس، ويشتد الكرب على الناس فيعرقون عرقاً هائلاً، حتى جاء أن عرقهم يأخذ في الأرض سبعين ذراع.
ولكنهم يختلفون فيه، فمنهم يكون عرقه لجاماً له، أي: يصل إلى فمه.
ومنهم من يكون إلى ثدييه، ومنهم من يكون إلى رقبته، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يكون إلى كعبيه، ولكن من عباد الله من لا ينالهم عرق ذلك اليوم وشره، بل يكونون في ظل العرش، وليس هناك ظل إلا ظل العرش، وأحوال الناس في هذا اليوم تكون على خلاف ما نعرف، وإلا فكيف يصل العرق إلى هذا الحد؟ ما ذلك إلا للشدة والكرب والهول، فهي على خلاف ما يعهد في الدنيا، وكل ذلك يجب أن يؤمن به.
стр. 333
الأسئلة
стр. 334
وجه دعوة نوح لابنه بالنجاة من الغرق
السؤال
ورد أن الله نزه رسله عن أن يسألوه مستحيلاً، فهل دعوة نبي الله نوح ﵇ أن ينجي ولده فيها سؤال شيء مستحيل؟
الجواب
دعوة نبي الله نوح ﵇ على حسب وعد الله له؛ فإنه وعده أن ينجيه وأهله، فظن أن ابنه من أهله، فلما سأله ذلك أخبره الله جل وعلا أنه عمل غير صالح وأنه من غير أهله؛ لأن أهله المؤمنون، أما الكافر وإن كان ولداً له فليس من أهله.
стр. 335
تعلق عذاب القبر ونعيمه بالروح والبدن
السؤال
هل عذاب القبر على الروح والبدن أم على الروح فقط؟
الجواب
على الروح والبدن معاً وإن كان قد فارقته الروح بالموت، ولكن ليست المفارقة مفارقة كلية، وقد ذكر ابن القيم أن تعلق الروح بالبدن خمسة أنواع: النوع الأول: تعلقها به وهو في بطن أمه، فهذا نوع ليس كاملاً.
النوع الثاني: بعدما يخرج من بطن أمه يكون أكمل، فهذا التعلق الثاني.
الثالث: تعلقها به حالة النوم، فإنها تفارقه نوع مفارقة ولكن لها به تعلق، حيث إنه إذا أوقظ استيقظ.
النوع الرابع: تعلقها به في القبر بعد الموت، فإنها لا تفارقه مفارقه كاملة بل تكون معه في القبر، وقد تعاد إليه كما جاء في الحديث أنها تعاد إليه روحه وأنه يحيى، ولكن حياة لا نعرف حقيقتها؛ لأنها حياة برزخية.
النوع الخامس: تعلقها به بعد البعث، وهو التعلق الكامل الذي لا يقبل المفارقة، فيبقى حياً أبداً إما منعماً وإما معذباً، فالعذاب أو النعيم في القبر كلاهما يكون على البدن والروح، والبدن وإن تفتت وصار تراباً لكنه ينعم أو يعذب، وهذا من الأمور الغيبية والتي يجب الإيمان بها كما أخبر بها رسول الله ﷺ ، أما الذي يقول: العذاب أو النعيم على الروح فقط فقوله غير صحيح.
стр. 336
عموم فتنة القبر لجميع الأمم
السؤال
هل الفتنة في القبر عامة لكل الأمم أم هي خاصة بأمة النبي ﷺ ؟
الجواب
الصواب أنها عامة، فقد قال تعالى عن فرعون وآله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، وهي في الذين من قبلنا، وكذلك أخبر جل وعلا عن قوم لوط أنهم أرسل عليهم حجارة من سجيل ثم خسف بأبدانهم فهم يعذبون بعد ذلك إلى يوم القيامة.
فعذاب القبر عام للأمم السابقة، ولكل من يموت من هذه الأمة أو غيرها، أما الذي يقول: إنه لهذه الأمة خاصة -مثل ابن عبد البر ﵀ فإن هذا قول غير صحيح.
стр. 337
فتنة القبر لمن تقوم عليه القيامة
السؤال
الناس الذين قامت عليهم القيامة كيف يكون لهم سؤال في القبر؟
الجواب
إذا ماتوا سئلوا، وقد ذكرنا أن القبر اسم لما بعد الموت، فإذا مات هؤلاء سئلوا ولو لم يكونوا مقبورين، وقد صح أن بين النفختين أربعين، فهم يسألون بعد موتهم، ثم يعذبون أو ينعمون، ولكن في صحيح مسلم أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأنها لا تقوم حتى لا يقال في الأرض: الله الله.
أي: لا يعرفون الله.
стр. 338
سماع بعض الناس لأصوات من في القبور
السؤال
ذكرتم أن الإنسان قد يسمع صيحة الميت في القبر، وقد يرى بعض ما يحدث في القبر، أليس هذا يعارض قوله ﷺ : (فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق) ؟
الجواب
هذا شيء خارج عن العموم، والخارج عن العموم ليس له حكم، ويكون ذلك آية، وقد تظهر أشياء من ذلك موعظة وذكرى لمن يشاء، فلا يكون ذلك منافياً لقول الرسول ﷺ (يسمعها كل من يليه إلا الجن والإنس) .
стр. 339
لا يعذب في الآخرة من لم يعذب في القبر
السؤال
الذي يسأل في القبر ويثبت وتكون عليه ذنوب في الحياة الدنيا هل يدخل إلى النار التي أعاذه الله منها ليطهر أم يغفر الله خطاياه؟
الجواب
إذا لم يعذب في القبر لم يعذب في الآخرة؛ لأن عذاب القبر من الجزاء، وهو أول منازل الآخرة.
стр. 340
انتفاع الوالد بعمل ولده لا ينقص من أجره
السؤال
هل كل ما يعمله الولد يكتب لوالديه دون أن ينقص ذلك من عمله شيئاً؟
الجواب
ليس كذلك، ولكن والده يؤجر على تعليمه إذا كان يربيه ويعلمه، مع أن الولد هو الذي يؤجر وإن لم يبلغ.
стр. 341
فضل الوفاة ليلة الجمعة أو يومها
السؤال
ورد في الحديث أن الرجل إذا توفي ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أمن من فتنة القبر، فهل هذا عام أم أنه خاص بالمتقين دون العصاة؟
الجواب
ينظر في صحة الحديث قبل مناقشة المعنى.
стр. 342
وقت رؤية الله في الجنة لأهل الجنة
السؤال
هل من الصحيح أن هناك أحداً في الجنة يرى ربه متى شاء؟
الجواب
الذي جاء أن من هم أعلى أهل الجنة ينظرون إلى ربهم بكرة وعشيّاً، وعموم أهل الجنة ينظرون إليه يوم الجمعة، كما في حديث أبي هريرة؛ فإن يوم الجمعة يسمى يوم المزيد، وهو وقت يعرفه أهل الجنة، وليس عندهم شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار، ولكنهم يعرفونه بعلامات يجعلها الله جل وعلا لهم، فإذا كان يوم الجمعة يخرجون إلى مكان معين في الجنة، فيأتيهم الله جل وعلا فيقول: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] يسلم عليهم، فيعودون إلى منازلهم وأهليهم وقد ازدادوا حسناً وطيباً، فهذا عام، أما كونه يراه متى ما شاء فلا أعرف فيه شيئاً، والله أعلم.
стр. 343
طول يوم القيامة على المؤمنين
السؤال
ما صحة ما ورد من أن وقوف المؤمنين يوم القيامة كما بين صلاة الظهر والعصر؟
الجواب
الوقوف يختلف باختلاف الأعمال، ولكنه عموماً يوم طويل، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧] و (ثقيلاً) أي: طويل وشديد وعظيم، وليس كمثل ما بين صلاة العصر إلى صلاة الظهر، ولكنه قد يكون كذلك على من يشاء الرب جل وعلا.
وقد جاء في بعض الآثار أن الناس يحاسبون، وأن هناك من عباد الله من يأكل ويشرب، فالذين أمضوا أيامهم في هذه الحياة صياماً وقياماً فإن الله جل وعلا لا يضيع أجرهم، ولكن هذا نادر.
ولما ذكر الله جل وعلا القيامة الكبرى في أول سورة الواقعة قال: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١-٣] أي: تخفض قوماً وترفع آخرين.
وذكر أن أقسام الناس ثلاثة: سابقون، وأصحاب يمين، وأصحاب شمال، فلما ذكر السابقين قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣-١٤] .
стр. 344
شرح العقيدة الواسطية [٢٠]
البعث يوم القيامة حق، والعرض والجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والنار كلها حق، ويجب الإيمان بها، كما أخبر عنها الله وكما أخبر عنها رسوله ﷺ .
стр. 345
وجوب الإيمان بيوم القيامة وأحداثه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتُنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، وتنشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه كما وُصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها] .
стр. 346
صفة الصور وعدد النفخات
قوله: (وتقوم القيامة التي أخبر الله تعالى بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق) .
القيامة المقصود بها النفخ في الصور، والنفخ في الصور الصواب أنه يكون مرتين وليس ثلاثاً، النفخة الأولى نفخة الموت والصعق، كما قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] .
والنفخة الثانية نفخة البعث، وهي المراد هنا.
والصور جاء وصفه في حديث الرسول ﷺ أنه قرن عظيم، ودائرته مثل عرض السماء، وينفخ فيه إسرافيل ﵇، فتذهب كل روحٍ إلى جسدها الذي كانت فيه بعدما يجمع الله جل وعلا الأجساد من أجزاء التراب المتفرقة التي كانت في الدنيا، ثم تنبت كما تنبت الحبة في حميل السيل، ولكنها بدون أرواح، فإذا تكامل نبتها نفخ في الصور فذهبت كل روح إلى جسدها، فيقومون ينظرون، ثم يُساقون إلى الوقوف بين يدي الله جل وعلا.
وفي هذا المساق يختلفون اختلافاً عظيماً، والحديث جاء أنهم يحشرون حفاةً عراةً غرلاً كما ذكر المؤلف هنا، فقوله: (حفاة) يعني: غير منتعلين.
والعراة يعني: غير مكسوين، يعني: أبدانهم عارية لا نعال ولا ثياب، وأما كونهم غرلاً فمعنى ذلك أن خلقهم يعود كاملاً، والشيء الذي أخذ من جزء الإنسان يعود كما كان، و (غرلاً) أي: غير مختونين.
стр. 347
القيامة متفق عليها بين الأمم
وقوله: (أجمع عليها المسلمون) أي أن القيامة أجمعت عليها كل الأمم، المسلمون واليهود والنصارى، وكل من آمن بالله جل وعلا، وإنما أنكرها شراذم من الناس، مثل الدهرية من العرب وغيرهم، وكذلك الفلاسفة من اليونان والهند وغيرهم، وكذلك الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله ولا بإعادة ولا بجنة، ولا بجزاء ولا بنار، وهؤلاء شذوا عن الفطرة، وعن أمر الله جلا وعلا وشرعه، ولا عبرة بالشاذ، فالقيامة مجمع عليها من جميع الخلائق، وإنما ذكر المسلمين هنا لأن الكلام موجهٌ إليهم، وهم الذين ينتفعون بالأخبار التي ذكرها الله جل وعلا؛ لأنهم يعملون بذلك، وأما غيرهم فهم معرضون عن هذا، ولا ينتفعون بالخبر الذي ذكره الله جل وعلا، ولا بما يشرح به ويبين.
стр. 348
يجب الإيمان بالأخبار المتعلقة بيوم القيامة ولا تقاس على أمور الدنيا
قوله: (في كتابه وعلى لسان رسوله) يعني أن القيامة ذكرت في القرآن في آياتٍ كثيرة جداً، وذلك أن القيامة تقوم على هذه الأمة، والقرآن نزل لهذه الأمة.
وقوله: (على لسان رسوله) يقصد بذلك الأحاديث التي وضَّح بها رسول الله ﷺ القيامة، وهي كثيرةً جداً وموجودة وميسورة لمن أرادها، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، وبعد القيام يختلفون في المسير إلى المحشر الذي يكون في مكانٍ معين، فيجمعون فيه من أولهم إلى آخرهم، ويكونون وقوفاً قياماً، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، أي: قياماً على أرجلهم، فمنهم من يقوم ألف سنة، ومنهم من يقوم أكثر من ذلك على حسب أعمالهم، وأمور الآخرة ليست على الشيء الذي نعهده، ولهذا جاء أنهم يعرقون عرقاً عظيماً حتى يلجم بعضهم عرقه، ويكون في جواره آخر فلا يصل إليه من عرقه شيء، ومنهم من يكون عرقه إلى حقويه، ومنهم من يكون إلى أذنيه، ومن هم من يصل إلى فمه، ومنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون تحت ظل العرش فلا يعرق.
فهذه أمور عجيبة جداً، كيف أن العرق يصل إلى هذا الحد مع أنهم لا ماء ولا أكل؟! ويكونون عراة، والشمس تكون قريبة منهم على قدر ميل، والميل ظهر أنه المسافة المعهودة المعروفة، وحر الشمس يتضاعف في هذا اليوم تضاعفاً شديداً، والناس خلقوا ليبقوا، فلا يمكن إذا زاد عليهم صهر الشمس وحرها أن يموتوا؛ لأنه لا موت بعد النفخ في الصور النفخة الثانية، ولا يكون هناك موت إلا للبهائم التي يجمعها الله جل وعلا ثم يقتص لبعضها من بعض؛ لأن بعضها يعتدي على بعض، وبعضها يكون له قرون، والآخر لا يكون له قرون، فيقتص لبعضها من بعض لكمال العدل، ثم يقال لها: كوني تراباً.
عند ذلك يتمنى الكفار أن يكونوا تراباً، ولكن هذا لا سبيل إليه.
وكذلك بعد هذا القيام الطويل والعذاب الشديد لأكثر الناس يتمنى كثيرٌ منهم أن يُقضى بينهم ولو إلى النار لشدة الوقوف وهوله وصعوبته.
ولهذا فإن كثيراً من الآيات في القرآن فيها تحذير من هذا الموقف، كما قال الله جل وعلا: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٣] وقال سبحانة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٣] ، وقال: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:١-٢] ، وهذه كلها يقصد بها القيام لرب العالمين؛ لأن هوله شديد، ويقول جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر:١٨] ، ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] .
والآيات في هذا كثيرة جداً، يذكر الله جل وعلا فيها شدة هذا اليوم، وقد أخبر أنه يوم عسير على الكافرين، وأخبر أن المتقين يخافونه فقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٩-١٠] ، فالمؤمنون يخافون الوقوف في هذا اليوم، وهو خليق بأن يُخاف منه لشدة الهول فيه.
ولم يذكر المؤلف ﵀ الترتيب الذي يكون يوم القيامة؛ لأنه لم تأتِ نصوص تبين هذه الأمور مرتبة، فلم يأتِ أن هذا يكون بعد هذا، أو أن هذا يكون هذا، وإنما جاء الإخبار عنها هكذا، وإلا فالمناسب -فيما يظهر-، أن تذكر الشفاعة بعد الوقوف؛ لأن أول ما يقع بعد شدة الوقوف والهول الشديد الشفاعة -فيما يظهر- ويجوز أن يكون شيء آخر غير الشفاعة؛ لأنه لم تأتِ نصوصٌ عن الرسول ﷺ عليه وسلم ولا عن الله جل وعلا ترتب أمور الآخرة، ولهذا اختلف العلماء فيها، وذكرا المؤلف هذه الأمور حسبما جاءت الأخبار بها من غير ترتيب، والترتيب الله أعلم به، ولكن لابد من وقوع ذلك، ولابد من الإيمان به.
стр. 349
وجوب الإيمان بالميزان وذكر الاختلاف فيه
ذكر الموازين أولاً فقال: (فتنصب الموازين) .
والموازين جاءت مجموعة وجاءت مفردة، فهل هي جمع، أو أن ذكرها بالجمع يراد به التعظيما؛ لأن الميزان له كفتان ولسان -أو الجمع لغير ذلك؟
و
الجواب
قد يطلق المفرد ويراد به الجمع، كما قال جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] ، ونوح ﵇ هو أول رسولٍ أرسل إلى أهل الأرض؛ لأن قبله لم يكن شرك، ومع هذا قال: ((الْمُرْسَلِينَ)) ، وهم لم يكذبوا إلا رسولاً واحداً، ويجوز أن يكون كذلك هنا، فهو ميزان واحد.
وجاء في الصحيح من حديث أبي عامر الأشعري عن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) ، فجعله ميزاناً واحداً، وفي حديث آخر قال ﷺ : (يؤتى الرجل الضخم الجسيم فيوضع في الميزان فلا يزن جناح بعوضة) ، وهذا أيضاً مفرد، وهذا في الرجل الفاجر.
ومن العلماء من يقول: إِن الموازين حسب الأعمال، ويكون لكل عملٍ ميزان.
ولكن هذا يحتاج أيضاً إلى دليل، فكونها جمعت في القرآن وفي الأحاديث لا يقتضي أنها متعددة، والوزن يكون للأعمال، وقد يكون مع الأعمال للأبدان، أي: يوزن الإنسان نفسه، كما جاء في الحديث أن ابن مسعود كان يجني الكباث وكان دقيق الساقين، فكأن بعض الصحابة تعجب من ذلك، فقال الرسول الله ﷺ : (ولكنهما في الميزان أثقل من جبل أحد) .
وغير ذلك من النصوص التي جاء فيها أن الإنسان نفسه يوزن، ولا مخالفة في هذا للنصوص الأخرى، فيجوز أن يكون هذا وهذا، توزن الأعمال ويوزن أصحابها، وقد جاء صريحاً أن الأعمال توزن كما في حديث أبي عامر الذي ذكرنا وغيره.
وجاء في الترمذي قصة البطاقة، وفيها أن النبي ﷺ قال: (يصاح برجلٍ من أمتي على رءوس الأشهاد يوم القيامة، فيُخرج له تسع وتسعون سجلاً، كل سجلٍ مد البصر فيه سيئاته، فيقال له: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا.
فيقال له: ألك عذر؟ فيقول: لا.
لا عذر لي.
فيقال له: ألك حسنة؟ فيهاب ويقول: لا.
ليس لي شيء.
فيقال له: بلى.
إن لك عندنا حسنة وإنك لا تظلم اليوم شيئاً.
ويخرج له بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: يا ربِّ! ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟! فيقال له: إنك لا تظلم شيئاً.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة) ، فهذا صريح بأن الذي يوضع في كفة الميزان صحائف الحسنات، وفي حديث أبي عامر أن نفس الأعمال توضع.
يقول العلماء: يجعلها الله جل وعلا أجساماً.
أي: بدل أن كانت أعراضاً تكون أجساماً، فالأعراض مثل الكلام، والعمل الذي يعمله الإنسان ليس مشاهداً، ولكن يقلب أشياء مشاهدة، وليس ذلك على الله بعزيز، وهو على كل شيءٍ قدير، فتوضع في الميزان وتشاهد، والميزان له كفتان ولسان، ويميل بمثاقيل الشعر، حتى الذرة يميل بها، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] .
وأخبر جل وعلا أن الوزن حق، وأنه: ﴿مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، فالوزن في الأعمال بين الحسنات والسيئات، فمن ثقل ميزان حسناته -الكفة التي فيها الحسنات- ولو مقدار شعرة فهو من المفلحين، ومن ثقلت كفة السيئات على كفة الحسنات فهو من الخاسرين الهالكين، وهذا يكون مشاهداً أمام الخلق كلهم، وكل واحد توزن أعماله ينادى عليه بأنه ثقلت موازينه أو خفت موازينه ويفتضح.
والوقوف والوزن والمحاسبة كلها يتولاها رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يحاسب خلقه، ومحاسبته لهم في آنٍ واحد، يحاسب جميعهم في لحظات، وكل واحدٍ يقرره بذنوبه ويعرضها عليه، وهذا أنواع: نوع تقرير، والعرض نفسه، ونوع في الصحف التي سجلت عليه.
وهنا يقول: (فتوزن بها أعمال العباد) أي: أن الوزن يكون للأعمال التي يراها، وهذا هو أكثر ما جاء في الآثار والأحاديث، كما في الحديث: (أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن) ، وهذا من الأعمال التي يقوم بها الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨] يعني أن الدليل واضح على أنه أفلح، والفلاح هو السعادة: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] ، والموازين هنا جمعت بالنسبة إلى كل واحد، وهذا بالنظر إلى الأعمال، ويظهر أن الأعمال يختلف وزنها، فلكل أعمال ميزان، وكل عملٍ يوضع في الميزان على حدة، وذلك لتمام العدل وكماله؛ حتى يظهر أمام الخلق كلهم عدل الله جل وعلا.
стр. 350
سبب ذكر الميزان في كتب العقائد
والميزان ذُكر في القرآن كثيراً، والوزن ينص عليه العلماء في العقائد التي يجب أن تعلم وتحفظ وتعتقد، والسبب في هذا أن بعض أهل البدع أنكروا الميزان، مثل المعتزلة والخوارج، فالمعتزلة يقولون: الميزان عبارة عن العدل، وليس هناك ميزان حقيقي، والله جل وعلا حكمٌ عدل، فهو عبارة عن حكمه الذي يحكم به بين الناس.
وذلك أنهم ليس عندهم طريق مستقيم يسلكونه، وإنما ينظرون إلى آرائهم وعقولهم فيقيسون على الشيء الذي يروق لهم، وإلا فالموازين في كتاب الله ذكرها واضح وجلي، وكذلك في أحاديث الرسول ﷺ ، ولهذا السبب نص العلماء على ذكر الموازين.
стр. 351
تطاير الصحف والدواوين في عرصات القيامة
ثم ذكر نوعاً آخر مما يحصل في الموقف، وهو نشر الدواوين، يقول: (وتنشر الدواوين) .
والدواوين: جمع ديوان وهو الكتاب الذي يسجل به عمل الإنسان، ولا يترك منه صغيرٌ ولا كبير، فكله يسجل في كتاب محفوظ، ويتولاه كرام كاتبون يكونون مع الإنسان لا يفارقونه في وقتٍ من الأوقات حتى يموت، فإذا مات طوي هذا الكتاب وحفظ، فإذا وقف يوم القيامة أخرج له هذا الكتاب، كما قال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] .
والصواب من أقوال العلماء في تفسير هذه الآية أن هذه هي صحائف الحسنات، والصحف التي تؤخذ بالأيمان أو بالشمائل هل هي -كما يقول بعض العلماء- صحيفة كأنها جواز يجوز بها النار ويدخل بها الجنة، أو أنها صحائف الأعمال؟ الظاهر أنها صحائف الأعمال، فهذا الذي يدل عليه ظاهر النصوص وظاهر القرآن، فصحيفة عمله إما أن يأخذها بيمينه أو يأخذها بشماله، وهذا عندما تنشر الدواوين التي هي صحائف الأعمال.
ولهذا قال: (وهي صحائف الأعمال، فآخذٌ كتابه -ديوانه الذي نُشر له- بيمينه) ، فإذا أخذها بيمينه فهو دليلٌ على أنه من أهل اليمين السعداء، والمسألة ليست باختيار الإنسان، وليس من أراد أن يأخذ الصحيفة بيمينه أخذها وإن أراد أن يأخذ بشماله أخذها، بل لا يستطيع أن يمد أحد يديه إلا من أراد الله جل وعلا أن يمدها، سواء أكانت اليمين أم الشمال، فإذا أذن الله له بمد إحداهما تبقى الأخرى ليست باستطاعته، ثم الكتاب نفسه يذهب بنفسه إلى اليد، إما أن يذهب إلى اليمين أو يذهب إلى الشمال، ومنهم من يأخذه بشماله أخذاً سهلاً، ومنهم من تلوى يده خلف ظهره ويأخذه بشماله من خلف ظهره ثم تلوى عنقه ويجعل وجهه إلى ظهره ويقال: اقرأ كتابك.
وهذا أشد من الأول، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] ، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى أن قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٦] إلى آخر الآيات.
والناس يختلفون في جرمهم وأعمالهم، ومعلوم أن أعمال الناس ليست على طريق واحد، بل هي مختلفة، فاختلف جزاؤهم على هذا النمط.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] ، فـ (كل) نصبت بفعل مقدر تقديره: ألزمنا كل إنسان.
وقوله: ((أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ) (الطائر) هنا المقصود به ما طار له من العمل الذي عمله وكان في صحيفته، فإنه يلزم هذا الشيء.
وفي ذكر أنه في عنقه دليل على أنه لا ينفك عنه؛ لأن الذي يكون في العنق يكون ملازماً لا ينفك ولا يحيد عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] يعني: كتاب أعماله التي كانت تسجلها الملائكة، ويقال له: اقرأ كتابك، فيقرأ أنه في يوم كذا في مكان كذا في ساعة كذا عمل كذا وكذا أو قال كذا وكذا.
وهذا الكتاب -كما ذكر الله جل وعلا في الآية الأخرى-: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] أي: لا يترك شيئاً.
وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦-١٨] .
قوله: ((ما يلفظ)) (ما) عامة شاملة، وليس هذا في اللفظ فقط.
بل العمل كذلك، وفي آية أخرى يقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] أي: كاتبين لا يتركون شيئاً.
وقد جاء في الأثر أن رجلاً كان راكباً حماراً، فعثر الحمار فقال: تعس الحمار فقال الذي يكتب الحسنات: ليست حسنة فأكتبها.
فأوحى الله جل وعلا إلى صاحب السيئات أن: ما لم يكتبه صاحب الحسنات فاكتبه, ومعنى ذلك أن كملة (تعس الحمار) كتبها الملك في صحائف السيئات، وهذا يدل على أن هذا أمرٌ دقيقٌ جداً؛ لأنه لا يترك شيئاً، حتى قول الإنسان: أعطني الكتاب.
أعطني القلم.
خذ هذا.
وما أشبه ذلك يُكتب، ولكن هذا هل يبقى؟ قال بعض العلماء: إن هذا لا يبقى، وإن هذا هو الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي أن الذي ليس فيه عليه عقاب ولا ثواب يُمحى، ويُثبت الذي فيه العقاب والثواب، ولكن قول الله جل وعلا في وصف الكتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] يظهر منه أنه لا يترك شيئاً، بل كل شيء يكون موجوداً، وكل شيء هو مسجل ومكتوب، ثم بعد ذلك يكون الجزاء على السيئات والحسنات.
وقراءة الكتاب ومحاسبة النفس واعترافها ليست على حالة واحدة.
стр. 352
مواقف الناس يوم القيامة في العرصات
كما أن موقف الناس يوم القيامة يختلف فهناك مواقف مختلفة، وفيها موقف لا أحد يستطيع أن يتكلم أو ينطق فيه، ولا يُسمع إلا مشي الأقدام، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] ، يقولون في تفسيرها: أي صوت الأقدام إذا صاروا يمشون، أما الكلام فليس هناك من يتكلم، وهناك موقف يتكلمون فيه، كما يقول جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات:٣٨-٣٩] ، أخبر أنهم ينطقون أيضاً في هذا اليوم، ولكن هذا ليس دائماً، بل في بعض الأماكن والمواقف، فيقبل بعضهم على بعض يتساءل، ويقول بعضهم: كم لبثتم؟ فيقولون: لبثنا يوماً أو بعض يوم.
وفي مواقف أخرى لا أحد يتكلم ولا ينطق ولا يتساءل، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:٤-١٠] .
أي: لا أحد يسأل قريبه أو صديقه.
وهذا ليس عاماً في كل المواقف؛ فإن بعض الأماكن يختلف اختلافاً عظيماً، ولهذا جاء أن بعض الناس ينكر كتابة الملائكة ويقول: لا أقبل هذا.
ويقول: يا رب! أنت الحكم العدل الذي لا تظلم شيئاً، وأنا لا أقبل على نفسي إلا شاهداً من نفسي فيقول الله جل وعلا: سنبعث شاهداً عليك.
فيفكر في نفسه عن الشاهد، فيختم على فمه فلا يستطيع أن يتكلم، فيقول الله جل وعلا لأعضائه: انطقي تكلمي فتتكلم الجلود والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل بكل ما حصل، ثم بعد ذلك يخلى بينه وبين الكلام، فيعود على أعضائه باللوم فيقول: لماذا؟ فعنكن كنت أنافح.
فيقلن: أنطقنا الله.
قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فأصبحتم من الخاسرين﴾ [فصلت:٢٠-٢٣] ، فهذا الكلام يذكره الله جل وعلا عن الجلود والأسماع والأبصار، كذلك الأيدي والأرجل تتكلم وتشهد بما وقع.
إذاً فيوم القيامة يوم عظيم جداً، وفيه من الأحوال والأهوال والأشياء ما تشيب له الولدان.
стр. 353
محاسبة الله للخلق يوم القيامة وكلامه لعباده المؤمنين .
المحاسبة تختلف باختلاف الأعمال واختلاف العباد، فالمؤمن حسابه أن تعرض عليه أعماله عرضاً، ويقال له: عملت كذا وكذا فقط، أما الكافر فحسابه: تعداد السيئات وعرضها عليه، ولكنه عرض وجزاء.
ولهذا قال الرسول ﷺ : (من نوقش الحساب عُذب) ، والمناقشة معناها: الاستقصاء في الحساب، بأن يحاسب على أعماله كلها، فالذي يُستقصى في حسابه ويُناقش فيها يُعذب ولابد؛ لأنه ليس من الخلق أحد يستطيع القيام بحقوق الله كاملة، ولكن لكرم الله وجوده جل وعلا فإنه يعفو، فعند أن قال الرسول ﷺ : (من نوقش الحساب عُذب) ، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (يا رسول الله! أليس الله جل وعلا يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-٨] ؟ قال: ذلك العرض من نوقش الحساب عُذب) أي أن المؤمن تعرض عليه أعماله عرضاً فقط، حتى يعرف فضل الله عليه وإحسانه إليه وكرمه وجوده عليه.
وقوله: (يخلو بعبده المؤمن) أي أنه يدنيه ويقربه إليه فيضع عليه ستره، أي: يستره أن ينظر إليه الناس فيقرره بذنوبه فيقر بها ويعترف، ويظن أنه هلك، وأنه لا نجاة له، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا له: (أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم) ، ثم يعطى كتابه بيمينه.
فهذا اللفظ هو من لفظ حديث ابن عمر، كما جاء في الصحيحين أنه قيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعته يقول: (يدني الله جل وعلا عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فإذا اعترف بها وظن أنه قد هلك قال له جل وعلا: أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم يعطى كتابه بيمينه) ، ومعنى كونه يضع عليه كنفه أي: يستره عن نظر الخلائق.
والكنف هنا هو الستر، وهذا من رحمة الله جل وعلا؛ لئلا يرى الناس ما يحدث له من تغير الوجه؛ فإنه إذا عرضت عليه أعماله يتغير وجهه ويسود ويشتد كربه، فمن رحمة الله أنه يستره، وهذا للمؤمن.
أما الفاجر والمنافق والكافر فيصاح به على رءوس الأشهاد فيقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، ويقال أيضاً: إن فلان ابن فلان خسر خسارةً لا ربح بعدها أبداً.
أو: شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً.
ثم إنه جاء في الحديث: (أن العرض يكون ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، والعرضة الثالثة تتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتابه بشماله، ولكن الترمذي قال: إنه حديث فيه نظر.
ومعروف تساهل الترمذي ﵀، إلا أن الإمام أحمد رواه بسندٍ حسن، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، وكذلك في كتاب شعب الإيمان وقال: إنه حديث حسن.
وبعض العلماء صححه.
فقوله هنا: (جدال ومعاذير) يدل على أن هناك كلاماً بين الرب جل وعلا وبين عباده، وأنهم يتكلمون ويعتذرون، ولكن أكثرهم لا يؤذن لهم فيعتذرون، كما قال جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٣٨-٤٠] ، وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦] ، فقوله: ((هذا يوم لا ينطقون)) ليس هذا للخلق كلهم، وإنما لبعضهم، ((ولا يؤذن لهم فيعتذرون)) هؤلاء هم الذين جاءت النصوص في أنهم لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، هؤلاء هم الذين لا يؤذن لهم فيعتذرون، وكذلك لا يخلى بينهم وبين النطق بالكلام، وإنما الإذن والاعتذار والمعاذير تكون للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر ووقعوا في الذنوب، فمنهم من يُعذر ومنهم من لا يُعذر حتى يُدخل النار فيطهر على حسب أعماله.
وقوله: (ويحاسب الله الخلائق) جاء في وصف الحساب أن الله جل وعلا سريع الحساب، وجاء أنه جل وعلا يحاسب كل فرد على حدة، ففي الصحيح من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) .
فهل الخطاب هنا في قوله: (كل واحد منكم سيكلمه ربه) للمؤمنين خاصة، أم للأمة؟ من المعلوم أن النصوص لا تتضارب ولا يعارض بعضها بعضاً، فهنا الكلام للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين يُكلَّمون، وأكثر الخلق لا يكلَّمون ولا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأن الكفار ليس عندهم إيمان، وليس لهم حسنات فيحاسبون عليها، وليس لهم حسنات فتوضع في الميزان، ولهذا جاء نفي ذلك عنهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ، يقول جل وعلا في الذين كفروا: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] ، وفي الآية الأخرى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] ، وقوله: ((وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ)) أي أنه يُجزى يوم القيامة، فهو يظن أن له أعمالاً وأنها تنفعه، فإذا بعث يوم القيامة تبين أنها ليست بشيء، ثم يلقى جزاءه، وليس هناك محاسبة، إلا أنها تعرض عليه وتعدد له سيئاته حتى يعترف ويقر بأن الحكم عليه عدلٌ من الله جل وعلا، فيحمد الله على ذلك، ويعلم أنه لا يصلح له إلا هذا الحكم، ولا يناسب له إلا هذا الجزاء.
ولهذا لما ذكر الله جل وعلا القضاء بين الخلائق ذكر بعد الفراغ أنه يحمد جل وعلا بعد انتهاء الحساب، كما قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٨-٦٩] إلى أن قال جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] .
يقول العلماء في قوله تعالى ((وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ)) : يدل حذف الفاعل على أن هذا عامٌ مطلق، وأن جميع من قضي بينهم يقولون: ((الحمد لله)) على قضائه.
لأنه قضى بالعدل الذي لا يستحق المقضي له إلا ذلك، ولا يليق به إلا ذلك.
стр. 354
شروط قبول الأعمال
قال: (وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها) .
هذه هي المحاسبة، أي أنه يقال للكافر: هذه أعمالك التي عملتها، فهل تقر؟ ولابد من الإقرار بها.
وفي صحيح مسلم: (أن الكافر يجزى بحسناته في الدنيا، فيوافي يوم القيامة ولا حسنة له) ، وكونه يجزى في الدنيا؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من الكافر عملاً يثاب عليه؛ لأن قبول العمل له ثلاثة شروط، لابد أن يتوافر فيه ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإيمان.
كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢] .
أي: حالة كونه عمل وهو مؤمن؛ إذ لابد من الإيمان.
الشرط الثاني: أن يكون على السنة.
أي: أن العمل جاء به الرسول ﷺ ، وليس بالاختراعات والآراء والاستحسانات؛ لأن البدع كما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود عليه لا يقبل.
الشرط الثالث: الإخلاص بأن يكون العمل خالصاً لوجه الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ، فعلى هذا أي عملٍ يعمله الكافر فإنه لا يُعتد به ولا ينفعه، ولكن من كرم الله وجوده وتمام عدله أنه يجزيه به في الدنيا إذا كان العمل عمله لله، فإذا عمل الكافر عملاً لله، مثل صلة الرحم، وإطعام الفقراء، والإحسان إلى المحتاجين وما أشبه ذلك فإنه يجزى به في الدنيا.
وأكثر الكفار يقولون: نعمله إحساناً للإنسان.
ولا يقصدون به وجه الله، وإنما يقولون: نعمله للإحسان إلى الناس.
لأن الإنسان له قيمته وله كرامته، وينبغي أن يحسن إليه، وإذا عملوا ذلك يجزون أيضاً كما في هذا الحديث الصحيح، يجزون به في الدنيا، وجزاؤهم في الدنيا هو صحة أبدانهم ووفرة أموالهم وأولادهم وما يُعطون من المنافع التي يستهلكونها في الدنيا.
(أما المؤمن فإنه يعطى بحسناته في الدنيا ويجزى عليها أيضاً في الآخرة) ، وهذا أيضاً جزء من تمام الحديث الذي في الصحيح، والذي لا يحصل له شيء من جزاء أعماله في الدنيا يكون جزاؤه أكمل في الآخرة، ولهذا ذكر عبد الرحمن بن عوف -وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم- حالتهم السابقة فقال: إنا آمنا وهاجرنا، فمنا من استكمل حسناته ومنا من عجلت له بعض حسناته، وأخشى أن أكون ممن عجلت له حسناته.
يعني: ليس الذي يعجل له شيء من الحسنات كالذي مات ولم يأخذ شيئاً من الجزاء.
والله جل وعلا كرمه واسع، وقد أمرنا وشرع لنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ، فعلى المؤمن أن يسأل ربه في الدنيا والآخرة، وفضل الله واسع وكرمه يعم.
стр. 355
الأسئلة
следующие страницы →