← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا يقال: المعية صفة ذاتية السؤال هل المعية العامة من الصفات الذاتية؟ الجواب لا، لا يطلق هذا على المعية ولا يذكر؛ لأن العلم ذاتي والإحاطة ذاتية والسمع كذلك، وهذه من معانيها، أما أن نقول: المعية ذاتية فهذا لا يجوز؛ لأن هذا قد يفهم منه أن الله مع خلقه بذاته، وهذا كفر بالله جل وعلا، وكون الله جل وعلا يكون مخالطاً لخلقه -تعالى الله وتقدس- منافٍ لعلوه، فلا يجوز إطلاق هذا القول.

стр. 72

علاج الوسوسة السؤال ما توجيهكم لمن يكون عنده بعض الشبهات التي سببها الوسوسة، كأن يقول: ما فائدة خلق البشر؟ ونحو ذلك، فكيف يطرد هذه الوساوس؟ الجواب يطردها بالعلم، وأن يؤمن بأن الله جل وعلا هو الذي كلف الخلق بعبادته، وأنهم كلهم في قبضته، وليسوا ينقصون ملكه لو عصوه أو يزيدون ملكه لو أطاعوه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن الله لا يُسأل عما يفعل، وأن الإنسان يجب أن يقف عند حده ولا يتعدى طوره، فلا يذهب ينظر في الأمور التي يعترض بها على الله جل وعلا، فإنه قد يكون هذا سبب تعذيبه، فإن الله جل وعلا يخاطبنا على حسب عقولنا فقط، ومن وقف على خطاب الله كفاه ذلك.

стр. 73

شرح العقيدة الواسطية [٦] مسألة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من المسائل الكبار التي اختلف فيها الناس، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون صفة الكلام لله ، فيقولون: إن الله يتكلم كلاماً حقيقياً، متى شاء وإذا شاء، بحرف وصوت، وصفة الكلام قديمة النوع، حادثة الأفراد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، أما أهل البدع فقد خاضوا في هذه المسألة العظيمة بعقولهم وآرائهم فتناقضوا وضلوا وأضلوا.

стр. 74

أدلة إثبات صفة الكلام لله تعالى يقول المصنف ﵀: [وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّك مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠] ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥] ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْك مِنْ كِتَابِ رَبِّك لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:١٥٥] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْته خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]] . لا يزال المصنف ﵀ في مسألة الكلام، ومسألة الكلام -كلام الله جل وعلا- اختلف الناس فيها كثيراً، ولكن أدلة الحق واضحة وجلية، ومنها هذه الآيات التي ذكرها المؤلف، وبدأها بقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ، وكذلك التصريح بالقول: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وكذلك التصريح بأن له كلمات، وأنه يتكلم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ، وكذلك التأكيد بمصدر الفعل على أنه يكلم من يشاء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذا إذا جاء بهذه الصيغة فإنه لا يحتمل إلا الحقيقة، كما نص على ذلك أهل النحو وأهل اللغة، وكذلك قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، هذا لفظ الكلام والقول، ثم يذكر النداء، والنداء لا يكون إلا بالقول الذي يستند على الحرف والصوت؛ لأن النداء لمن بعد بخلاف النجوى، فإن النجوى للقريب، والنداء للبعيد، وإن كان الرب جل وعلا كل شيء لديه قريب، ولكنه ينادي من يشاء من عباده كما سيأتي، وهذا جاء في أحد عشر موضعاً من كتاب الله جل وعلا، وهو من أصرح الأدلة على أن الله جل وعلا يتكلم كلاماً بحرف وصوت كلاماً حقيقياً، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، والإضافة تمنع أن يكون الكلام لغيره جل وعلا وقد أضافه إليه؛ والمعنى إذا أضيف يتعين أن يكون صفة، بخلاف العين القائمة بنفسها فإنها تكون من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله: رسول الله نبي الله عبد الله بيت الله ناقة الله، فهذه وإن كان يقصد بها التشريف والتكريم والاختصاص ولكن هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، بخلاف كلام الله سمع الله بصر الله وما أشبه ذلك، فإن هذا يتعين أن يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف. قال ﵀: [وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]] وهذا في قصة الحديبية وبيعة الرضوان لما بايع الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ على الموت أو على ألا يفروا حسب ما جاء في الحديث، وإذا كانوا لا يفرون فيلزم من ذلك أن الإنسان يقاتل حتى ينتصر أو يقتل ولابد، فأثابهم الله جل وعلا بأن عجل لهم مغانم خيبر التي وعدهم بها، وأمر ألا يخرج مع الرسول ﷺ إلا من حضر تلك الغزوة، فأراد بعض المنافقين -لما علموا أن الغنائم مضمونة- أن يتبعوهم وليس عندهم رغبة في الأجر، فأمر الله جل وعلا نبيه أن يقول: ((لَنْ تَتَّبِعُونَا)) [الفتح:١٥] وأخبر أن اتباعهم هذا خلف لوعد الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، ووعد الله الذي وعدهم به هو بكلامه الذي أنزله على رسوله ﷺ ، هذا على قول. والقول الآخر: أن التبديل لا يكون لخلق الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] ، وإنما التبديل يكون للكلام كما أخبر الله جل وعلا أن اليهود يبدلون كلام الله بغيره، فالكلام يمكن تبديله ولو كان الكلام مخلوقاً -كما يقول أهل الباطل- ما أمكن تبديله، هذا وجه الاستدلال من الآية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، فكونهم أرادوا ذلك فهذا يدل على إمكانه، وقد أخبر جل وعلا أن من اليهود من بدل كلام الله، أما لو كان مخلوقاً -كما يقول أهل الباطل- فإنه لا يمكن؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ [الروم:٣٠] ، فخلق الله لا يبدل، إذا خلق الله شيئاً فلا يمكن أن يبدل بغيره.

стр. 75

كلام الله هو كتاب الله قال ﵀: [وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]] هذا نوع آخر من إبطال قول بعض أهل البدع؛ لأنهم يفرقون بين كلام الله وبين كتاب الله، فالكتاب عندهم: ما كان مشتملاً على الحروف والأصوات، وما كان مكتوباً، وما كان مقروءاً، وما كان مسموعاً، فإن هذا هو كتاب الله عندهم، ولكنه مخلوق، ولم ينزل من عند الله، وإنما قاله الرسول إما الرسول الملكي أو الرسول البشري، وأمر بكتابته محمد ﷺ ، ولم ينزل الرسول إليه بشيء من عند الله، وإنما نزل بكلامه الذي عبر به عن المعنى القائم بنفس الله جل وعلا! هذا حقيقة مذهبهم وقولهم، فلم ينزل -عندهم- من عند الله كتاب، ولم يتكلم الله جل وعلا بكلام يسمع، ولم يكن كلامه مشتملاً على حروف أو أقوال، وإنما كلامه معنى واحد قائم بنفسه، وهو عبارة عن أمور أربعة هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وزعموا أن معناها واحد، ولكن إذا عبر عنها بالأمر صارت أمراً وإذا عبر عنها بالنهي صارت نهياً، وإذا عبر عنها بالخبر صارت خبراً، وإذا عبر عنها بالاستفهام صارت استفهاماً، فلا فرق بين هذه الأمور في الواقع عندهم، وكذلك إذا عبر عن هذا المعنى باللغة العربية صار قرآناً، وإذا عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، وإذا عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وعلى هذا تكون آية الدين هي عين آية الكرسي، وسورة (تبت) هي عين سورة (قل هو الله أحد) ؛ لأن المعنى الذي عبر عنه واحد قائم بنفس الله جل وعلا، وهذا لا يعقله عاقل، بل هو باطل شرعاً وفطرة وعقلاً وإجماع من لم تتغير فطرته، وهذا مذهب كثير من الناس إلى اليوم! والناس المقصود بهم العلماء، ومن المصائب الكبيرة أنهم ينسبون هذا إلى رسول الله ﷺ وهو بريء من ذلك، فأراد المؤلف أن يبين بطلان هذا بذكر هذه الآيات: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٢٧] ، فالكتاب والقرآن والتنزيل والكلام والوحي كله سواء عند أهل الحق، لا فرق بين هذا، والذي يفرق بين هذه الأمور هم أهل البدع، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢] ، والإشارة إلى ما نزل على محمد ﷺ ونزل به جبريل وألقاه على قلبه فعلمه وعقله ثم بلغه إلى أصحابه، وأصحابه بلغوه إلى الأمة، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ، المقصود هنا لفظ التنزيل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام:٩٢] ، ﴿َلوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الحشر:٢١] ، والتنزيل يعرفه أهل اللغة، بل يعرف العقلاء أنه ما نزل من فوق إلى تحت، فهو نزل من الله؛ لأن الله في العلو فأنزله مع رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ .

стр. 76

أقسام النزول في القرآن والنزول جاء في القرآن على أقسام ثلاثة: ١- نزول مقيد بأنه من الله، وهذا في مثل هذه الآيات. ٢- نزول مقيد بأنه من السماء ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون:١٨] . نزول مطلق كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد:٢٥] ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] ، فالنزول في هذه الآية مطلق؛ لأنه يجوز أن يكون: نزول الماء من الفحل في رحم الأنثى، وأما الحديد: فيجوز أن يكون من الأمكنة المرتفعة كالجبال وغيرها، أما النزول المقيد بأنه من السماء -والسماء ما كان فوق- فهذا خاص بإنزال المطر، وأما النزول المقيد بأنه من عند الله فهو خاص بالقرآن، فصار إنزال القرآن صفة من صفاته تعالى، وقيده بأنه نزل من عنده، وأنه أنزله على رسوله، وليس هناك نزول غير هذه الأمور. أما كون الجبل لو نزل عليه هذا القرآن لتصدع وتفطر فعلى ظاهره، وفي هذا أن الجمادات لها إحساس يعلمه الله جل وعلا وإن كنا لا نعرفه نحن، فهي تسبح لله وتخاف الله، وقد أخبر جل وعلا: أن بعض قلوب بني آدم تكون أشد قساوة من الحجارة، وبين أن الحجارة منها ما يتصدع ويخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، والهبوط هو الخضوع والذل حقيقةً. وفي هذه الآية يخبر أنه لو نزل هذا القرآن على جبل يعني: لو خوطب الجبل به لخشع وتصدع من خشية الله، وإن كان من حجارة قاسية، ولكن كثيراً من الناس لا تتأثر قلوبهم بهذا القرآن، وهذا يدل على أن التصدع والخشوع والتسبيح أمر محسوس يعلمه الله ويسمعه، وأما خلقه فإنه يسمعهم ما يشاء من ذلك، وقد علم أن الطعام كان يسبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه سلم، والحصى سبح بين يديه، وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي يقول: السلام عليك يا رسول الله) ، ومن الأمور المشهورة أنه لما كان يخطب صلوات الله وسلامه عليه على جذع نخلة يابس في مسجده، ثم أمر أن يصنع له منبر من الخشب، فلما صنع له ترك الجذع، فأول ما قام يخطب على المنبر صار ذلك الجذع يحن كحنين الناقة العشراء إذا فقدت ولدها، وسمعه كل أهل المسجد حتى نزل من على المنبر والتزمه فصار يهدؤه حتى انخفض صوته مثل الطفل حتى يبكي فتلتزمه أمه، وهذا أمر حقيقي، وقد أخبر الله جل وعلا أن كل شيء يسبح بحمده ولكن الناس لا يفقهون تسبيحه. إذاً: فهذا على ظاهره، وهذا هو الواجب: أن يحمل الكلام على ظاهره إذا لم يأت دليل يمنع ذلك، ولا دليل هنا إلا العقل الذي لا ضابط له، فكل يدعي أن العقل معه.

стр. 77

الرد على من قال: إن كلام الله معنى واحد قال ﵀: [وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]] . المقصود بهذا الرد على الذين يقولون: إن كلام الله معنىً واحد، وأنه لا يبدل ولا يغير ولا ينسخ ولا يرفع منه شيء، ولا يكون منه شيء بدل شيء؛ لأنه معنى واحد، أراد المؤلف بهذا الرد على هذه الفرية، وفي قولهم هذا تعجيز لله جل وعلا، وكأنهم يدعون أنهم أكمل من الله تعالى، مع أنهم لا يقبلون أن يقال: إنكم تعجزون الله جل وعلا أن يتكلم، ولكن هذا هو الواقع حيث جعلوه جل وعلا: غير مخاطب وغير متكلم وغير منزل قوله! ثم من المعلوم أن هذا يلزم منه ألا يكون الرب جل وعلا أرسل أحداً، بل ولا خلق شيئاً، بل ولا يقدر على شيء؛ لأن خلقه يكون بقوله إذا أرد شيئاً: (كن) فيكون تعالى الله وتقدس، فنفي ذلك إنكار لصفات الكمال لله جل وعلا؛ وذلك لأن الكلام هو الأصل في هذا، ومن ينكر الكلام يلزمه أن ينكر الرسالة؛ لأن رسالة الله جل وعلا لعبارة عن أمره عباده ونهيه لهم، وتشريعه لهم فمن أنكر ذلك لزمه إنكار الرسالة. وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] ، هذا الإنزال مقيد بأنه من الله، وهذا خاص بالقرآن الذي نزل من الله قولاً وقوله: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] ، يعني: أن الهدى في القرآن، ومن اهتدى فإنما يهتدي بالوحي الذي أوحاه الله، وقد أمر الله جل وعلا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ﴾ [سبأ:٥٠] فإذا كانت هداية الرسول ﷺ بما أوحاه الله إليه فغيره لا يمكن أن يهتدي إلا بالقرآن الذي أنزله الله تعالى، وهذا معناه: أنه لا يجوز للمسلم أن يعبد الله بغير شرع الله جل وعلا، وقوله: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] ، البشرى: بضم الباء ما يعطاه المبشر، والبشارة مأخوذة من البشرة، والناس يسمون بشراً؛ لأن أبشارهم بارزة ليس فيها شعور تغطيها كالبهائم؛ فسموا بشراً لذلك، وإذا بشر الإنسان فإن أثر البشارة يظهر على وجهه، والبشارة إذا أطلقت فالغالب أنها تكون في الخير، أما إذا كانت في الشر فإنها تقيد. وقد جعل الله جل وعلا هذا القرآن بشرى للمسلمين؛ وذلك لأن فيه: وعد الله بالجنة لهم، ووعده لهم بالنصر والتأييد والظهور في الدنيا إذا تمسكوا بهذا القرآن، والمسلم هو المنقاد للأمر، المستسلم لله جل وعلا، الذي ليس عنده اعتراض أو إباء وامتناع، بل هو منقاد مستسلم راغب في أمر الله، هذا هو المسلم حقيقةً، ومن كان بهذه المثابة فهو مبشر بالنصر والظهور في الدنيا، ومبشر بالجنة بعد الموت. وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] وفي هذا قصة وهي: أن الرسول ﷺ -قبل الوحي- كان يجلس إلى رجل أعجمي، فلما جاء بهذا القرآن قالوا: إن ذلك الرجل الأعجمي هو الذي علمه هذا القرآن! كيف أعجمي ويعلمه القرآن العربي المبين الفصيح؟! فهذا من الافتراء ومن الكذب الذي يدركه كل أحد. هذه الأدلة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى يقرر فيها: أن الله جل وعلا يتكلم، وأن كلامه يسمى حديثاً، ويسمى كلاماً، وأنه أنزل كلامه، وإذا كان كلامه منزلاً على رسوله فلابد أن يكون مسموعاً مقروءاً، ولابد أن يكون بالحروف والصوت، وكذلك لا فرق بين كونه يسمى كلاماً أو كتاباً أو أنه تنزيل من رب العالمين أو غير ذلك مما وصفه الله جل وعلا به، وأما التفريق بين ذلك فهو تفريق أهل البدع، وهو تفريق باطل.

стр. 78

مذاهب الناس في صفة الكلام اختلف الناس في مسألة الكلام اختلافاً كثيراً، ولكن الموجود الآن من المذاهب هو الذي ينبغي أن يبين، فمن الأقوال المخالفة مخالفة صريحة وظاهرة، إنكار صفة الكلام، وإنكار كونه نزل من السماء إلى آخر أقوالهم الشنيعة التي يلزم منها إنكار وجود الله جل وعلا، وهذا معلوم بطلانها، ولا أحد من المسلمين يلتفت إلى مثل هذه الأقوال، ولكن قد يشتبه على بعض الناس إذا سمع من يقرر المذهب الباطل ويذكر بعض الشبه؛ ولذلك وجب التنبيه، فنذكر المذاهب المشهورة المعروفة:

стр. 79

مذهب الجهمية والمعتزلة المذهب الأول: مذهب الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، ولا يجوز أن يتكلم الله جل وعلا بكلام يسمع؛ وذلك لأن الكلام الذي يسمع ويقال يلزم منه أن يكون حالاً في المحل الذي يتكلم به، ومن المعلوم أن الكلام حروف متعاقبة، والتعاقب يحتاج إلى زمن، ويكون هذا بعد هذا، فإذا قلت: باسم الله، فإن الباء قبل السين، والسين قبل الميم، والقبلية والبعدية زمن، والزمن يكون محلاً للحوادث، فهذه حوادث، والله ليس محلاً للحوادث، هكذا يقولون، وهذه حججهم في نفي كلام الله جل وعلا.

стр. 80

مذهب الكلابية والأشاعرة القول الثاني: أن كلام الله جل وعلا معنى قائم في نفسه، ولكنه أربعة أمور: الخبر والاستفهام والأمر والنهي، وهذا قول ابن كلاب ومن تبعه، وأما القرآن الذي بين أيدينا فهو حكاية عن هذا المعنى وعن هذه الأمور الأربعة، ومذهب ابن كلاب قد انقرض، ولكن تبعه الأشاعرة إلا أنهم غيروا شيئاً من ذلك وقالوا: إنه لا يكون أربعة، ولكنه معنى واحد؛ ولا يكون حكاية، ولكنه عبارة؛ لأن الحكاية تحاكي المحكي وتمثله، فلا يجوز أن نقول: إن القرآن حكاية عن كلام الله، ولكن نقول: إنه عبارة عن كلام الله! والمعبر إما جبريل أو محمد صلوات الله وسلامه عليه! ويلزم على هذا القول أن الله جل وعلا لا يستطيع أن يتكلم، فعلم جبريل ما في نفس الله فعبر عما في نفسه! وهم يقولون: ما علم جبريل ولكن الله أعلمه بما في نفسه فعبر عنه! وموسى ﵇ لما سمع الكلام ما سمع من الله -على قولهم- وإنما سمع كلاماً خلق إما في الشجرة أو في الهواء! ويلزم من هذا أن الشجرة هي التي قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] ، وهذا كفر بالله جل وعلا. ثم إنهم قالوا: الدليل على هذا: أن الله جل وعلا لا يجوز أن يكون مشابهاً لخلقه، والتشبيه كفر بالله، فإذا وصف الإنسان ربه جل وعلا بأنه مثل المخلوق فهذا كفر، فلا يجوز أن نقول بشيء يدل على التشبيه، ولو قلنا بالكلام الحقيقي للزم من ذلك التشبيه، كيف يلزم؟ يقولون: الكلام يتطلب لساناً، ويتطلب شفتين، ويتطلب لهوات وحبالاً صوتية، ويتطلب زمناً بعد زمن ليكون الكلام متعاقباً، وهذا كله تشبيه لله جل وعلا بالمخلوق. هذا دليلهم، وأيدوه بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] جاء هذا في آيتين من كتاب الله: في آية الحاقة، وفي آية التكوير، فهذا نص في أن القرآن قول الرسول، فإذا كان قول الرسول فلا يمكن أن يكون قول الله تعالى، هذا أهم ما استدلوا به، واستدلوا بأشياء أخرى منها: ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) ، فجعل الذي في النفس غير الكلام، وكذلك قول عمر ﵁: (زورت في نفسي كلاماً كنت أريد أن أتكلم به يوم السقيفة) ، قالوا: إذاً: يصح أن نسمي ما في النفس كلاماً وحديثاً فصح قولنا: إن كلام الله جل وعلا ما قام في نفسه، وسلمنا من التشبيه، وأثبتنا الكلام لله جل وعلا على هذا الوضع! هذا خلاصة قولهم واستدلالهم. والجواب عن هذا: أولاً: مذهب المعتزلة والجهمية يقولون: إن كلام الله مخلوق، وهذا واضح وصريح ولا إشكال في رده وفي كفره. ثانياً: الكلام ينقسم عند الأشاعرة إلى قسمين: الأول: كلام هو المعنى الذي يقوم بالنفس، وهذا هو كلام الله، ولا يجوز أن يكون مخلوقاً. القسم الثاني: كلام يكون ملفوظاً ومكتوباً ومنطوقاً به وهذا مخلوق؛ لأن هذا هو كلام البشر وليس كلام الله جل وعلا، إذاًَ: فهؤلاء يفرقون بين المعنى واللفظ، فالمعنى -عندهم- هو كلام الله، أما اللفظ فليس هو كلام الله.

стр. 81

مذهب أهل السنة المذهب الثالث: مذهب أهل السنة والحق، وهو: أن مسمى الكلام يدخل فيه المعنى واللفظ، وأن كلام الله كلام حقيقي يتكلم متى شاء إذا شاء، ويكلم من يشاء، ولم يزل متكلماً بما يشاء، ولم يكن في وقت من الأوقات لا يستطيع الكلام ثم حدث له الكلام تعالى وتقدس، بل يتكلم بما يشاء في الأزل، وجنس كلامه تعالى ونوعه أزلي؛ لأنه من صفاته الأزلية، أما أفراده فهي تتجدد وتحدث بعد أن لم تكن بمعنى: أنه إذا شاء أن يكلم أحداً كلمه كما قال الرسول ﷺ : (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة) ، ويقول جل وعلا: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] ، فحدث الله هو أمره وقوله وفعله، وهذا لا حصر له، وهذا هو القول الحق الذي يجب أن يعتقد، ولا فرق بين كتاب الله وقول الله والقرآن والنزول، وإذا شاء الله جل وعلا أن يبدله بدله بالنسخ ورفع بعضه وأنزل غيره، والقرآن يمكن تحريفه من قبل المحرفين ولكن الله تولى حفظ هذا القرآن بنفسه، فأصبح محفوظاً لا يستطيع أحد أن يبدله، وإلا فقد بدلت التوراة والإنجيل، وكونه يجوز عليه التبديل يدل على أنه غير مخلوق؛ لأن خلق الله لا يبدل.

стр. 82

الرد على الجهمية القائلين بخلق القرآن قول المعتزلة والجهمية ظاهر البطلان، ولا حاجة إلى التكلف في رد ذلك والاستدلال على بطلانه؛ لأنه معلوم أن من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله جل وعلا؛ لأنه يجعل صفة من صفات الله تعالى مخلوقة، وإذا كانت صفة من صفاته مخلوقة فيلزم من ذلك أن الله جل وعلا مخلوق تعالى الله وتقدس، وهذا كفر لا إشكال فيه؛ ولهذا نص العلماء على أن من قال: إن كلام الله مخلوق فإنه كافر، وجاء عن ابن عباس ﵁ أنه كان في المقبرة في جنازة تبعها، فقال رجل: اللهم رب القرآن اغفر له، فقال: مه! القرآن كلام الله وليس مربوباً؛ لأن المربوب مخلوق، ولكن يقال: الذي تكلم بالقرآن ويقال: بالقرآن اغفر لي أو اغفر له، فيسأل الله به ويقسم به؛ لأنه صفة من صفاته جل وعلا، ذكر فيه الأوامر والنواهي والأخبار التي يخبر بها سواء كانت في الماضي أو في المستقبل، وفيه أنه يخاطب من يشاء ويقول ما يشاء كما قال جل وعلا: (وإذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم) متى قال هذا؟ هل قال هذا القول قبل أن يوجد آدم وقبل أن توجد الملائكة؟! وأخبر الله جل وعلا أنه خاطب الملائكة وسمعوا قوله فسجدوا إلا إبليس أبى، ثم إن الله كلم إبليس وخاطبه: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وصارت محاورة، والأدلة على هذا لا حصر لها كثيرة جداً، فنقول: إن بطلان هذا المذهب ظاهر جداً؛ ولهذا نص العلماء على كفر من قال به لظهور بطلانه وللأدلة الكثيرة التي إنكارها إنكار للضروري.

стр. 83

الرد على الأشاعرة القائلين: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس أهل المذهب الذي يقول: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، استدلوا باستدلال باطل، والاستدلال الذي اشتركوا فيه مع الجهمية والمعتزلة هو: أن إثبات الكلام يلزم منه أن يكون الرب جل وعلا محلاً للحوادث، نقول: الحوادث وحلول الحوادث من الكلام المجمل الذي قد يراد به حقاً، ويراد به باطلاً، فلا يجوز أن نقبله ونسلم به ولا أن نرده مطلقاً، بل إذا قالوا: إنه يدل على أن الله يكون محلاً للحوادث، قلنا: ماذا تقصدون بالحوادث؟ هل تقصدون بالحوادث أن شيئاً من المخلوقات يحل في ذات الله جل وعلا؟ فهذا لا يجوز أن يقال، ومن قال ذلك فهو كافر، أما إذا قصدتم بالحوادث: قوله وأمره ونهيه، وأنه يفعل ما يشاء، فهذا حق ولا يضير الحق أن تسموه حوادث، فنحن نثبت ذلك ولكن ننفي هذا الاسم؛ لأنه يوهم باطلاً ونقول: إن الله يفعل ويقول ويخلق ويأمر، وذلك يتعلق بمشيئته، وليس ربنا جل وعلا محلاً للحوادث، أما تسميتكم للصفة حوادث فهي تسمية باطلة. هذا الجواب المجمل. وأما قولهم: إنه يلزم منه التعاقب في الزمن والحروف، والتعاقب هذا لابد أن يكون في زمن، نقول: الأمر كذلك فإن الله يتكلم، ويقول، وقوله أنزله علينا، فنقول: إن الحروف متعاقبة، وهذا من الكمال وليس من النقص، وقد عاب الله جل وعلا على المشركين أنهم يعبدون ما لا يسمع لهم قولاً، ولا يكلمهم، ولا يرد عليهم جوابه؛ لأن المتعين أن يكون المعبود سميعاً بصيراً قادراً على نفع عابده وضره إذا لم يعبده، وهذه الأصنام لا تستطيع شيئاً من ذلك، ثم إنه بإجماع العقلاء: أن الذي يتكلم أكمل مِن مَنْ لا يتكلم، والكمال الذي في الإنسان ليس من نفسه ولا من والده أو والدته وإنما هو من الله ولا يمكن أن يكون واهب الكمال عادماً له، بل هو أولى بالكمال كما قال جل وعلا لما ذكر أنهم ينزهون أنفسهم عن البنت وأنهم ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] وهم يضيفون البنت لله، ولله المثل الأعلى والمقصود: أنه يجب أن يكون لله الكمال المطلق من كل شيء، فكيف تنزهون أنفسكم عن شيء وتضيفونه إلى الله تعالى؟! تعالى الله وتقدس، وأما قولهم: إن الكلام يتطلب أن يكون من لسان وكذا وكذا إلى آخره فنقول: هذا كلام باطل، وهذا في الواقع منشؤه التشبيه الذي هو مستكن في نفوسهم ولكنهم لا ينطقون به، فحملهم التشبيه المستكن في نفوسهم على نفي الكلام؛ ولهذا ذكروا الشيء الذي يكون منهم، فاللسان والشفتان واللهوات والحبال الصوتية وما أشبه ذلك؛ صفة المخلوق، والله جل وعلا ليس كمثله شيء، ولا يجوز أن نصف الله جل وعلا بصفات المخلوق فمن قال: إن كلام الله يلزم منه ذلك فهو مبطل؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته، فاللوازم التي تلزم المخلوق غير لازمة لله جل وعلا، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن أشياء كثيرة تتكلم، ونحن لا نعرف لها لساناً ولا لهات ولا شيء، فالحجارة تهبط من خشية الله، والجبل يتصدع، وكل شيء يسبح بحمد الله ولكن لا نفقه تسبيحهم، والجذع حن أمام الناس وشهدوا بذلك، وسمعوا له صوتاً، فمن أين خرج الصوت؟! هل خرج من فم فيه أسنان وفيه لسان وشفتان؟! كلا ليس له شيء من ذلك، وكذلك الحجر الذي كان يسلم على رسول الله ﷺ ليس له لسان ولا شفتان، ويقول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٠-٢٣] . هذا كلام الله يخبرنا أن الجلود والأسماع والأبصار والأعضاء تتكلم، فهل الجلد له فم ولسان وشفتان؟! فإذا أمكن أن يتكلم المخلوق وليس له فم ولا لسان إلخ، فكيف يمتنع الكلام على الخالق البصير العظيم إلا بهذه اللوازم الباطلة؟! وبهذا يتبين بطلان هذا القول. أما قولهم: إن الكلام معنى قائم بالنفس. فنقول: هذا المعنى الواحد هل سمعه موسى كله؟ فيكون قد سمع كل كلام الله! لأنهم قالوا: كلام الله لا يتجزأ ولا يتبعض، وإنما هو معنى واحد! فيلزمهم أن موسى سمع جميع كلام الله هذا شيء، الشيء الثاني: أن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ، أرأيتم أن الله جل وعلا يتحدى الناس بالشيء الذي في نفسه ولا يعرفه الخلق! هل يمكن هذا؟! كل يعلم أن هذا من أمحل المحال، وإنما تحداهم بالشيء المنزل على محمد ﷺ (لا يأتون بمثله) أي: بمثل الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله ﷺ .

стр. 84

الرد على قولهم: إن القرآن كلام الرسول وليس كلام الله قال الأشاعرة: إن القرآن دل على أنه كلام الرسول كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٣] . هذه واحدة والأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٢] . استدلوا بهذه الآيات وقالوا: إنه قول الرسول؛ لأنه أضيف إليه. و الجواب الإضافة هنا لأن الرسول هو الذي بلغه، لا أنه ابتدأه، ويدل على ذلك: أنه أضافه مرة إلى الرسول البشري محمد ﷺ كما في قوله جل وعلا ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] . ومرة أضافه إلى الرسول الملكي كما في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] فالمراد هنا: الرسول الملكي، وأضاف القول إليه؛ لأنه بلغه، أما القائل حقيقة فهو الذي ابتدأ القول وهو الله جل وعلا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣] ، وليس في كلام الله تناقض، فكل إضافة بحسبها، فتارة إضافة تبليغ، وتارة إضافة إلى قائله، وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فإياكم وإياهم فإنهم الذين عناهم الله جل وعلا) ، فتعلقهم ببعض النصوص المتشابهه وتركهم النصوص المحكمة يُعدّ زيغاً وفتنة، وهكذا أهل الباطل يتعلقون بالمتشابه ويتركون الشيء الواضح الجلي، مع أن هذا ليس فيه إشكال، فإنما أضيف للرسول؛ لأنه أداه مبلغاً عن المرسل، ومعلوم أن الرسول يؤدي الرسالة ولا يأتي بشيء من عند نفسه، وكل من نقل كلاماً لغيره فإن ذلك النقل وذلك التبليغ لا يخرج الكلام عن كونه كلاماً لقائله الذي ابتدأه وأنشأه.

стр. 85

العقل لا يستقل بمعرفة صفات الله جل وعلا وسبب ذلك إن كلامه جل وعلا كصفاته الأخرى يجب أن تثبت لله جل وعلا كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يجوز تأويلها بالتأويلات التي تخرجها عن المعنى المراد، كما لا يجوز نفيها وتعطيلها، أو جعلها مشابهة لصفات المخلوقين. والأصل الذي بني عليه الإيمان بالله جل وعلا وبصفاته هو ما جاء من قوله جل وعلا وقول رسوله ﷺ ، أما النظريات وما يسمونه بالبراهين العقلية فهذا لا يلتفت إليه إذا خالف الوحي، وقد سبق بيان أن العلة في ذلك لشيئين: أحدهما: أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، ومعلوم أن العقل يقيس الغائب بالشاهد، فإذا لم يكن لدى العقل شيء يقيس عليه فإنه لا يستطيع أن يصل إلى الحق في هذا. الأمر الثاني: أن الله جل وعلا غيب لم يشاهده أحد حتى يمكن أن يصفه، فصار المرجع في هذا قوله جل وعلا وقول رسله الذين جاءوا بالوحي.

стр. 86

قواعد مهمة في صفة الكلام

стр. 87

كلام الله صوت وحرف الآيات التي ذكر المؤلف اشتملت على أمور منها: الأمر الأول: أن الله يتكلم كلاماً حقيقياً، وأن كلامه بحروف وأصوات، إلا أنها لا تشابه أصوات المخلوقين فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 88

لا فرق بين كتاب الله وكلام الله الأمر الثاني: أنه لا فرق بين القرآن والكتاب، فكلام الله وكتاب الله لا فرق بينهما عند أهل السنة، والذين فرقوا في هذا أهل الباطل، فجعلوا الكتاب مخلوقاً منفصلاً عن الله جل وعلا، وأما الكلام عندهم فهو: المعنى الواحد القائم بذات الرب جل وعلا، والقرآن عبارة عن المعنى القائم بذات الله، وهذا باطل حتى إن العقل يستبعده.

стр. 89

الكلام ينسب إلى قائله الذي أنشأه ولا يجوز أن ينسب إلى من بلغه الأمر الثالث: أن الكلام يضاف إلى من قاله مبتدئاً منشئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، وأما قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١-٤٢] . وكذله قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] . فهي نسبة بلاغ، ومن المعلوم أن الرسول يبلغ ما أرسل به؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧] ، فلو كان القرآن من كلام الرسول فلا يصح أن يسمى الرسول مبلغاً، بل هو منشئ ومبتدئ؛ لأنه تكلم بكلامه هو لا بكلام غيره، فهذه الآية تدل على بطلان قولهم. ثم إن النسبة قد اختلفت، ففي الآية الأولى نسبه إلى الرسول البشري فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] ، فالمراد بالرسول هنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن المعلوم أن هذا القرآن ليس من قوله وإنما هو قول الله جل وعلا، وفي الآية الثانية قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] فنسبه هنا إلى الرسول الملكي الذي هو جبريل ﵇، فلو كان قول واحد منهما ما صح أن ينسب إلى الثاني، فدل ذلك على أن نسبته إلى الرسولين البشري والملكي إنما هي نسبة بلاغ، فالرسول الملكي بلغه إلى الرسول البشري، والرسول البشري بلغه إلى أمته ويوضح هذا: أن الله جل وعلا حكم على الذي قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] أنه سيصليه سقر، فلو كانت نسبته إلى الرسول صحيحة لكان قول هذا المشرك حقاً، ولكن لما قال الله جل وعلا ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] دل على أن هذا القول كفر، وأن نسبته إلى البشر كفر. قال الله بعد هذه الآية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٢] ثم قال بعد ذلك: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣] ثم قال بعده: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] ، فدل هذا على أنه قول رب العالمين، وأن نسبته إلى الرسول نسبة إبلاغ وبيان لمن أمر أن يبلغه، فبطل بذلك تعلق أهل البدع بهذه الآية، وأن تعلقهم بها مجرد شبهة وتغبير في وجه الحق ولكن الحق واضح.

стр. 90

الفرق بين التلاوة والمتلو والقراءة والمقروء مسألة: التلاوة والمتلو واللفظ والملفوظ والقراءة والمقروء، والتمييز بين فعل العبد وبين صفة الرب جل وعلا فإن هذا مما التبس على كثير من الناس، وزاد الأمر التباساً كون هذا فيه اشتباه، والأمر المشتبه لا يجوز إطلاقه إلا بالبيان والتمييز حتى لا يقع الإنسان في الخطأ؛ ولهذا جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع) ولما كان هذا يخفى على كثير من الناس فقد أنكر بعضهم هذا القول عن الإمام أحمد، مثل الإمام ابن قتيبة ﵀ في كتابه (اللفظ) فإنه قال: هذا لا يصدر عن الإمام أحمد وإنما قال هذا؛ لأنه خفي عليه مراد الإمام أحمد، وإلا فهذا ثابت من طرق صحيحة منقولة عن الإمام أحمد، بل مشهور جداً عنه، ومن ذلك ما وقع للإمام البخاري ﵀ فإنه ابتلي بهذه المسألة، ولكن ما وقع له خالطه شيء من الحسد له، فحينما سئل عن اللفظ وعن التلاوة قال: القرآن كلام الله، وألفاظ العباد مخلوقة، فاشتبه الأمر -وكان قد برز علمه في ذلك الوقت فحُسد حتى من بعض مشايخه- فقالوا: إنه خالف قول الإمام أحمد، فالإمام أحمد يقول: اللفظية أشر من الجهمية. فأوذي وأخرج من بلده بسبب ذلك، والقصة معروفة ثم إنه ﵀ ألف كتابه خلق أفعال العباد، وكله يدور على هذه المسألة، فكرر القول فيه وبينه ووضحه، وكذلك في آخر كتابه الصحيح أيضاً ذكر ألفاظاً عدة في هذا المعنى. والمقصود: أن هذه المعاني قد تلتبس على بعض الناس، والواجب التمييز بين ما هو صفة لله جل وعلا وبين ما هو فعل للمخلوق، فإذا قيل: لفظي، فهذا يحتمل شيئين: يحتمل أنه يقصد الشيء الذي يتلفظ به، ويحتمل أنه يقصد حركات لسانه وشفتيه والصوت الذي يخرج منه، فيحتمل هذا وهذا، فلما كان الأمر محتملاً لما هو حق ولما هو باطل منع الإطلاق على أنه مخلوق أو غير مخلوق؛ لأنه على أي وجه قاله فإنه يحتمل الخطأ، سواء قال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، فإن قال: لفظي بالقرآن مخلوق وسكت، فهذا يحتمل أنه قصد الشيء الذي يلفظ به ويسمع، وهذا كلام الله ولا يجوز أن يكون مخلوقاً، ويحتمل أنه أراد حركة لسانه وحركة شفتيه وصوته وهذا مخلوق، وإذا قال: غير مخلوق، صار مبتدعاً حيث جعل كلامه غير مخلوق، فتبين بهذا أنه لابد من الإيضاح. أما الأشاعرة فإنهم يقولون: اللفظ مخلوق، والملفوظ به مخلوق، أما الكلام فهو المعنى الذي يقوم بالذات، وهذا الملفوظ الذي يتلفظ به هو عبارة عنه فهو مخلوق، وهذا على أصلهم وهو: أن الكلام معنى واحد يقوم بذات الرب جل وعلا، وأنه يمتنع عليه الصوت والحرف فضلاً عن النطق والإسماع بذلك، على هذا بني مذهبهم، وما بني على باطل فهو باطل، أما أهل الحق فإنهم يقولون: إذا قرأ الإنسان كلام الله فالكلام كلام الباري، ولكن الصوت صوت القاري، يعني: حركة لسانه وصوته الذي يسمع وينطق به شيء مخلوق، أما المصوت به المقروء المسموع منه فهو كلام الله جل وعلا، ولهذا جاء في حديث الرسول ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ، وقال: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، فجعل الصوت للقارئ، والمصوت به هو القرآن المتلو وهو كلام الله.

стр. 91

لا يجوز إطلاق الألفاظ المجملة في صفات الله لا يجوز إطلاق الألفاظ المجملة في صفات الله جل وعلا، مثل: لفظ الجهة أو لفظ الحيز أو لفظ العرض أو الجسم وما أشبه ذلك، فإن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حق وتحتمل باطل، وإذا كانت ما جاءت في الكتاب والسنة فيجب أن تبين وتفصل، فإذا تبين أن مراد القائل لهذه الأمور حق قبل الحق ورد الباطل، وقيل له: يجب أن تعبر عن المعاني الصحيحة بالألفاظ الشرعية التي جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أما الألفاظ المبتدعة فلا يجوز استعمالها في هذا، أما إذا تبين أنه يريد باطلاً فيقال له: اللفظ والمعنى مردود. مثال ذلك: إذا قال: إن الله في جهة، أو قال: إنه ليس في جهة، نقول: هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل: ماذا تريد بأن الله في جهة؟ فإن قال: أريد أن الله في العلو، وأنه عال على خلقه، ومستو على عرشه. نقول: هذا المعنى صحيح ومقبول، ولكن يجب أن تعبر عن ذلك بالعبارات التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله: بأن الله فوق، وأنه في السماء، وأنه استوى على العرش، وما أشبه ذلك، وإن قال: أريد أن الله في جهة تحويه أو تحيط به. نقول: هذا باطل لفظاً ومعنى، ومثل الجهة الحيز، فإذا قال: إن الله في حيز أو ليس في حيز. وكذلك كلمة العرض أو الجوهر إذا قال: إن الله ليس بعرض، أو إن الله ليس بجوهر، فمن المعلوم عند المتكلمين أن العرض: هو الذي لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره، وأما الجوهر: فهو القائم بنفسه ويرى، العرض مثل: العلم والألوان وما أشبه ذلك التي لابد أن تقوم بغيرها، فإذا قال هذا، نقول: ما مرادك؟ فإن قال: أريد بهذا أنه جل وعلا منزه عن العوارض التي تعرض للناس أو تحل بهم من النقائص، نقول: هذا حق، ولكن التعبير عن هذا يكون بالعبارات الشرعية كقوله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢] وما أشبه ذلك، فإنه لا ند له، ولا مثل له، ولا سمي له، ولا نظير له، فهذه العبارات هي التي يجب أن تعبر بها، أما هذه العبارة فخطأ، وإن قال: أريد أن أنفي عنه الشيء الذي يدل على أنه جسم مثل الكلام والسمع وما أشبه ذلك؛ لأننا لا نعقل شيئاً تقوم به هذه الأمور إلا الأجسام، فنقول: هذا الكلام باطل لفظاً ومعنى. وهكذا بقية الألفاظ المجملة يسلك فيها هذا المسلك، وهذه طريقة أهل السنة.

стр. 92

الأسئلة

стр. 93

الرد على استدلال أهل البدع بقوله تعالى: (وما يأتيهم محدث) السؤال استدل أهل البدع بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء:٥] ، وبقوله ﷺ : (الظن أكذب الحديث) فما وجه الاستدلال بالآية والحديث؟ وما الرد عليهم؟ الجواب بالعكس، هذا استدل به أهل السنة، وهو قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] ، وقد جاء في آيتين من كتاب الله، لكن الجهمية استدلوا به من طريق آخر وهو أن المحدث مخلوق، وهذا باطل؛ لأن المقصود بالمحدث: الجديد، ولا يشترط أن يكون مخلوقاً، وقد قال ابن عباس: (ما بالكم تسألون أهل الكتاب؟! وكتابكم أحدث شيء بالله، والله ما رأينا واحداً منهم أتى يسألنا) فهو محدث يعني: جديد؛ ولهذا قال أهل السنة: آحاد كلام الله يتجدد، وقد يقال: حادث، يعني: جديد، وأما جنسه ونوعه فهو قديم أزلي؛ لأنه صفة من صفات الذات الأزلية.

стр. 94

الرد على قولهم: إن كلام الله إذا عبر بالعبرية فهو قرآن وإذا عبر بالسريانية فهو إنجيل السؤال نرجو التوضيح لما جاء في أثناء الدرس في قول من يقول: إن القرآن كلام الله، وإذا عبر بالسريانية فإنه إنجيل، وإذا عبر بالعبرية فهو توراة، وهل هذا الصواب؟ الجواب هذا الكلام كلام أهل البدع كالأشعرية، فإنهم يقولون: إن كلام الله معنىً واحد قائم بنفسه لا يتجزأ ولا يتعدد، أما القرآن والإنجيل والتوراة والزبور وسائر الكتب المنزلة فإنها عبارة عن كلام الله وليست هي كلام الله، وبما أنهم قالوا: إن الكلام معنى واحد لا يتجزأ قالوا: إذا عبر عنه باللغة العربية صار قرآن -عن هذا المعنى الواحد- وإذا عبر عنه باللغة السريانية صار إنجيلاً، وإذا عبر عنه بالعبرية صار توراة، وهكذا، وهذا كله فرع عن المذهب الباطل، وهو باطل لا يدل عليه شيء من الأدلة الشرعية، ولا من العقل ولا من الفطر، بل جميع الأدلة تدل على بطلانه، وما أظنه يحتاج إلى تكلف في الاستدلال على بطلانه؛ لظهور بطلانه فتصوره يكفي في إبطاله.

стр. 95

فائدة تقسيم الإنزال إلى ثلاثة أقسام السؤال إذا قال قائل: الإنزال لا يلزم أن يكون من الله، بل قد يكون منزلاً بواسطة جبريل؛ فلهذا قال الله تعالى: (أنزلناه) يعني: بصيغة الجمع، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه﴾ [ق:١٦] ، فما هو الجواب؟ الجواب الإنزال الذي ذكره الله في القرآن ثلاثة أقسام: قسمان مقيدان: الأول: مقيد بأنه من عنده، والثاني: مقيد بأنه من السماء، والقسم الثالث: مطلق، وليس في القرآن إنزال غير هذه الأقسام، أما الذي من عنده فهو خاص بالقرآن الذي نزل به جبريل، وأما الذي من السماء فمنه المطر ومنه غيره، وأما المطلق فمثل إنزال الحديد وإنزال الأنعام، فإن الله أخبرنا أنه أنزل لنا ثمانية أزواج، من أين أنزلها؟ ليس في هذا قيد، وأخبر أنه أنزل الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] ، من أين نزل؟ هل قال: من السماء أو من عنده؟ لا. والمقصود بهذا التقسيم أن نبين أن القرآن نزل من عند الله جل وعلا؛ ولذلك فهو صفة من صفاته، والذي نزل به جبريل ليس فيه إشكال، فإن الله لم يكلم الناس بنفسه وإنما كلمهم بالوحي، والوحي يأتي به أمينه الذي هو جبريل.

стр. 96

القرآن نزل يقظة لا مناماً السؤال يقول بعض العلماء في أقسام الوحي: إن القرآن كله نزل يقظةً ولم ينزل منه شيء مناماً، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان صحيحاً فكيف الجمع مع ما ورد في صحيح مسلم من نزول سورة الكوثر، عن أنس ﵁: (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة) ، فهل المقصود بالإغفاءة سنة من النوم؟ الجواب أولاً: صح عن النبي ﷺ أنه قال: (رؤيا الأنبياء وحي) ؛ ولهذا جاءت بعض الشرائع بالرؤيا التي رأى، وكذلك قص الله جل وعلا علينا قصة إبراهيم حينما أمر في المنام بذبح ابنه، وأراد تنفيذ ذلك، وأثنى الله عليه بهذا، فلو قدر أن هذا وقع فلا ضير في ذلك، ولكن الذي ذكره العلماء: أن القرآن نزل يقظةً لا مناماً، وهذا لا ينافي أن يكون ﷺ قد رأى شيئاً أنزل عليه في المنام ثم نزل به جبريل، ومعلوم أن الوحي عدة أنواع، وأشدها أن ينزل عليه جبريل عندما يكون متيقظاً ثم يتغشاه الشيء الذي يثقل عليه جداً حتى إنه ليتصبب عرقاً في اليوم الشاتي من شدة ما يتغشاه، حتى إنه أحياناً إذا نزل عليه وهو راكب على راحلته ما تستطيع الراحلة أن تحمله فتبرك لثقل الوحي، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:١-٥] .

стр. 97

حكم الحلف بالمصحف السؤال قلت في الدرس الماضي: إنه يجوز الحلف بالمصحف، فما الدليل على ذلك؟ الجواب لأن القرآن صفة من صفات الله، وليس المراد بالمصحف الورق والحبر، وإنما المراد: الكلام الذي فيه وهو كلام الله، والحلف يكون بالله أو بصفة من صفاته.

стр. 98

حفظ الله لكتابه من التحريف السؤال ذكرتم أن القرآن لا يبدل كما بدلت الكتب السماوية قبل، فهل هو بصرف الناس عن ذلك أو إعجازاً في القرآن فلا يستطيعون أن يأتوا بمثله؟ الجواب ليس لأجل التحدي ولا بالصرف كما تقول المعتزلة، ولكن لأن الله حفظه، ولولا ذلك لأمكن تبديله كما بدلت التوراة والإنجيل قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فالله تولى حفظه، ومن حفظه: أن الأمة تحفظه: صغارها وكبارها، وكذلك هو محفوظ كتابة فلو حاول إنسان أن يغير شكلة في آية فأراد أن يجعل الرفع نصباً أو النصب خفضاً؛ فإنه لا يستطيع، ولرد عليه الصبيان الذين في المدارس وهذا من حفظ الله له، بخلاف الكتب السابقة فإن أهلها لم يحفظوها. والمقصود أن الكلام يمكن تبديله، والذي لا يمكن تبديله هو خلق الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] .

стр. 99

الانتحار كبيرة من الكبائر وليس كفراً السؤال انتحرت فتاة شابة بسبب أن والدها ضربها ضرباً مبرحاً وأهانها أمام الناس، فهل يجوز الترحم عليها وأداء العمرة عنها؟ وهل ينفعها ذلك؟ الجواب يجوز أن يترحم عليها، ويعمل عنها عمرة، ويصلى عليها، والإثم على من حملها على ذلك، أما هي -وإن كانت متوعدة على هذا- لا تخرج من الدين الإسلامي، لكن إثم الذي حملها على ذلك أكبر من إثمها، نسأل الله العافية.

стр. 100

لا تبديل لخلق الله السؤال قلتم حفظكم الله: إن الخلق لا يبدل بخلاف الكلام فإنه يبدل، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] ؟ الجواب المقصود إنه إذا قال شيئاً فإنه لا يبدل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ، فهو لما أخبر أن جهنم ستمتلئ من الجن والإنس أجمعين فلا أحد يستطيع أن يبدل هذا فيجعل جهنم -مثلاً- تمتلئ من الحجارة فقط.

стр. 101

شرح العقيدة الواسطية [٧] مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين الناس، فنفاها قوم نفياً مطلقاً، وأثبتها قوم إثباتاً مطلقاً، حتى زعموا أنهم يرون الله في الدنيا، وقوم توسطوا في ذلك وساروا مع أدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، وهم أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن الله يُرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا؛ لأن الخلق الدنيوي لا يحتمل رؤية الله ، وأما في الآخرة فإن الله قد جعل رؤيته من زيادة النعيم لأهل الجنة.

стр. 102

رؤية الله يوم القيامة يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، وهذا الباب في كتاب الله كثير، ومن تدبر القرآن طالباً للهدى منه؛ تبين له طريق الحق. ] .

стр. 103

ثبوت الرؤية في القرآن إن مسألة الرؤية -رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة- من المسائل العظام، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على وقوعها في الآخرة، وأما في الدنيا فإن النصوص جاءت بنفيها وأنها لا تقع في الدنيا. قوله: (وقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ) (يومئذ) : يعني: يوم القيامة، (ناضرة) يعني: بهية وجميلة، من النضرة والبهاء والحسن من النعيم الذي نالته ومنّ الله جل وعلا عليها به، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ، ناظرة بأبصارها، تنظر إلى ربها، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يمن الله جل وعلا عليهم بدخول الجنة، فإنهم ينظرون إلى الله جل وعلا، وهذا لا يحتمل إلا هذا، أما تكلف المعتزلة وغيرهم بأن معنى ناظرة: منتظرة إلى ثواب الله؛ فهذا باطل فهم يقولون ناضرة إلى الآلاء وهي النعم، وناظرة: يعني منتظرة، وهذا تكلف محض لا يدل عليه وضع الكلام، ولا عقل ولا شرع، بل إن العقل والشرع يدلان على بطلانه، فهو تحريف لكلام الله جل وعلا. قوله: (وقوله جل وعلا: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] ) الأرائك: جمع أريكة، والأريكة هي المجالس التي يتكئون عليها في الجنة، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] ، ينظرون إلى الله جل وعلا، فهذه الآية مثل الآية التي قبلها تدل على أن النظر إلى الله يكون في الجنة للمؤمنين. قوله: (وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] ) ، الإحسان هو: الإتيان بالعمل على أكمل وجه وأتمه، فهو أن يأتي الإنسان بالعبادة كأنه يرى الله كأنه يشاهده، ومعلوم أنه إذا كان بهذه المثابة فلابد أن يحسنها غاية الإحسان، فقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] ، الحسنى: هي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، الزيادة: هي النظر إلى وجه الله جل وعلا، وهذه الآية صريحة؛ لأنه جعل الجنة ثواباً لإحسان العمل فلما عطف على الجنة الزيادة دل على أن الزيادة غير الجنة. أمر آخر يدل على أن المراد بالزيادة: النظر إلى وجه الله جل وعلا، ما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه فسر هذه الآية: (بأن الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله جل وعلا) ، فهذا تفسير مرفوع إلى النبي ﷺ لا يجوز مخالفته. قوله: (قوله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ) يعني: لهم ما يشاءون في الجنة من المآكل والمشارب وغيرها من سائر ما تشتهيه النفوس، وقوله: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ليس المزيد من جنس المآكل والمشارب، بل هو أمر آخر فوق ذلك، وهو النظر إلى الله جل وعلا؛ لأن النظر إلى الله هو أعلى نعيم أهل الجنة؛ ولذلك يقول الله في شأن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فهذا من العذاب، ولما حجب الأشقياء والكفرة دل بالمقابل على أن أهل الإيمان لا يحجبون عن الله جل وعلا.

стр. 104

ثبوت الرؤية في السنة المتواترة والآحاد تقدم ذكر الآيات الدالة على الرؤية، وأما الأحاديث فسيأتي ذكر بعضها عندما يذكر المؤلف الصفات من السنة؛ لأنه أراد أن يبين أن أصل المسلم الذي يجب أن يرجع إليه هو كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ لا غير، أما ما يدعى من أن الأمور الاعتقادية لا يجوز الاعتماد فيها إلا على الأمور اليقينية القطعية، ثم يجعلون ما دلت عليه آراءهم وأنظارهم وأفكارهم القاصرة أموراً يقينية قطعية، وما دلت عليه النصوص أموراً ظنية! فالواقع أن الأمر عندهم معكوس تماماً، فإذا عكست القضية كانت هي الصواب كما هو مذهب أهل الحق. وأما نصوص السنة الدالة على إثبات الرؤية فكثيرة جداً، ومنها: حديث جرير البجلي ﵁ -وهو ثابت ثبوتاً يكاد أن يكون متواتراً- عن النبي ﷺ أنه قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، ليس بينكم وبينه حجاب) ، ولو تكلف إنسان مهما أوتي من البلاغة والفصاحة أن يبين الرؤية التي يرى بها المؤمنون ربهم بأكثر مما قاله الرسول ﷺ ما استطاع، فهي في غاية البيان، ومن خالف ما دل عليه هذا الحديث ونحوه فليس له عذر يعذر به، ويخشى عليه أن يحجب يوم القيامة؛ لأنه أنكر أمراً متواتراً وهو رؤية الله جل وعلا. والأحاديث في هذا كثيرة جداً ستأتي الإشارة إليها إن شاء الله، أما الآيات القرآنية فذكر المؤلف بعضاً منها، وترك كثيراً مما يدل على الرؤية، وهي كثيرة جداً في كتاب الله، وليست محصورة في أربع آيات أو خمس بل قد يعسر على الإنسان استقصاؤها من كتاب الله جل وعلا، ولكن العلماء ذكروها إجمالاً، فكل آية فيها ذكر اللقاء فإنها تتضمن الرؤية كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، فملاقيه: تتضمن رؤية الله جل وعلا، ولكن هذه رؤية مجملة، وليست كالرؤية التي ذكرت في الآيات السابقة، وكذلك ما جاء في حديث عدي عندما قال الرسول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان) ، ولكن هذا اللقاء يحتمل أنه للنعيم، ويتضمن الجزاء والثواب ويحتمل أنه للمحاسبة؛ فقد يجازى الإنسان بعده بالعقاب، وقد يجازى بالثواب وأما الآيات التي نص عليها المؤلف فهي صريحة وواضحة لا إشكال فيها على أن الرؤية من أعلى نعيم أهل الجنة وهذا واضح وبين في كتاب الله وسنة رسوله، ومع ذلك فإن أهل البدع يخالفون في هذا.

стр. 105

أقسام الناس في مسألة الرؤية والناس في الجملة بالنسبة للرؤية أقسام ثلاثة طرفان ووسط: الطرف الأول: النفاة الذين نفوا الرؤية مطلقاً، وهم المعتزلة والجهمية ومن سار على نهجهم من الرافضة والخوارج وغيرهم، فإنهم نفوا الرؤية نفياً مطلقاً. الطرف الثاني: وهو يقابل الطرف الأول، من يثبتونها إثباتاً زائداً على الحق، ويقولون: إنه يُرى حتى في الدنيا، وهم كثير من الصوفية، ويقولون: إنا نشاهده في بعض الأحيان، والمشاهدة لا تقبل الإنكار، فنحن نشاهده مشاهدةً بأبصارنا، ونحن مقتنعون بذلك! ويقال لهم: نعم أنتم تشاهدون ربكم، ولكن الذي تشاهدونه ليس هو رب العالمين، ولكنه الشيطان، فهو ربكم يتمثل لكم ويغويكم في ذلك، أما رب العالمين فقد قال الرسول ﷺ كما في صحيح مسلم: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) ، وكما قال الله جل وعلا في قصة كليمه موسى ﵇ لما طلب من ربه أن يراه: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فدلت هذه الآية على أن الرؤية في الدنيا غير ممكنة وغير واقعة كما دل على ذلك الحديث صراحة. الطرف الثالث: أهل السنة الذين يقولون: إن رؤية الله ممكنة في الدنيا، ولكنها غير واقعة في الدنيا، وهي واقعة في الآخرة للمؤمنين في الجنة وفي الموقف، أما في الجنة فهم يتفاوتون في الرؤية؛ فمنهم من يرى ربه بكرةً وعشياً، مرتين في اليوم، ومن المعلوم أن أهل الجنة ليس عندهم شمس ولا ليل ولا نهار، وإنما نور الجنة من نور العرش، ونوره من نور الله جل وعلا، ولكنهم يعرفون مقدار اليوم والليلة، فيرون ربهم بكرة وعشياً؛ ولهذا في حديث جرير أنهم قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا؟ قال: (هل ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ولا قتر؟ قالوا: نعم، قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ولا قتر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاتين: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) ، قال العلماء: في هذا دليل على أن المحافظة على هاتين الصلاتين يكون من جزائه رؤية الله جل وعلا في الجنة.

стр. 106

اختلاف الصحابة في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج اختلف الصحابة ومن بعدهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، فجاء نفيه عن أكثر الصحابة، وجاء إثبات ذلك عن بعضهم مثل ابن عباس، والصواب أن ابن عباس جاء عنه شيء مجمل، فقد جاءت عنه روايتان: الأولى: أنه قال: رآه، يعني: رؤية مطلقة، والثانية: جاءت مقيدة فإن رآه بفؤاده، ومن المعلوم أنه إذا جاء نص فيه إطلاق وجاء نص أخر مقيد أن المطلق يحمل على المقيد. وأما عائشة ﵂ فإنها نفته نفياً باتاً بل لما قال لها السائل: هل رأى رسول الله ﷺ ربه، قالت: لقد تكلمت كلمة قف منها شعري! من قال لك: إن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب والله جل وعلا يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، ومن قال: إنه كتم شيئاً فقد كذب والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ، فأنكرت ذلك إنكاراً عاماً، والصواب في هذا أن الرسول ﷺ لم ير ربه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر (أنه قال: قلت: يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه؟!) وفي رواية: (رأيت نوراً) وفي رواية: (رأيت ناراً) ، وهذا نص صريح في أن الرسول ﷺ لم يره. من الناس من إذا قيل له: إن صفات الله جل وعلا وأسماءه والتوحيد لم يقع فيه خلاف بين العلماء يعترض بمثل هذه المسألة، وهذا الاعتراض ليس في مكانه؛ لأن هذه مسألة فرعية في الصفات، ولو ثبتت لوجب القول بها، ولكنها لم تثبت فإذا لم تثبت فإنه لا يكون في ذلك خلاف، وأما الخلاف الذي وقع فقد ارتفع.

стр. 107

الأصل الذي بنى عليه نفاة الرؤية مذهبهم الذين نفوا الرؤية يعتمدون -على زعمهم- أن الرؤية لا تقع إلا على جسم، وقالوا: لو أثبتنا الرؤية لأثبتنا أن الله جسم وهذا كفر، وإذا انتفى هذا ينتفي الملزوم فلازم الكفر كفر، فعلى هذا يكون عندهم القول بإثبات الرؤية كفر، وهكذا ينعكس الأمر عند من أراد الله جل وعلا فتنته، فيصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ، وشابهوا الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات. ولذلك فإن أصل التعطيل هو التشبيه فهم عندما لم يفهموا ويعقلوا رؤية الله إلا بما فهموه من أنفسهم قالوا: إنها لا تقع إلا على شيء مقابل، والمقابل لابد أن يكون جسماً يصطدم به الشعاع الذي ينطلق من العين حتى إذا انعكس حصلت الرؤية، أما لو لم يكن هناك شيء يقابل الرائي فلا يمكن أن يرى شيئاً، هذا هو أصلهم الذي بنوا عليه نفي الرؤية، وقد سبق أن قلنا: إن كلمة جسم من الكلام المجمل الذي لا يجوز إثباته ولا نفيه، فإذا أراد بالجسم ما يعرفه به المتكلمون، فإنهم مختلفون في تعريف الجسم! ولكن الجسم في اللغة العربية: هو البدن، بدن الإنسان أو بدن الحيوان، وكذلك ما لم يكن حياً مثل الحصى وغيرها فهي أجسام، وهو كل شيء له مكان يشغله أما أهل الكلام فقد اختلفوا في تفسير الجسم، فمنهم من قال: الجسم كل ما شغل مكاناً، ومنهم من يقول: الجسم ما صح أن يقال: هو هنا أو هناك أو فوق أو تحت، ومنهم من قال: الجسم ما صحت الإشارة إليه، إلى غير ذلك من تفسيراتهم، وكلها باطلة، مع أنه لا يجوز إطلاق لفظ الجسم ولا نفيه على الله؛ لأنه إذا أطلق فقد يوهم باطلاً: قد يوهم أنه جسم كأجسام الخلق تعالى الله وتقدس، وإذا نفي فقد يوهم أن الله لم يقم بنفسه تعالى وتقدس. إذاً: فالمبنى الذي بُني عليه نفي الرؤية مبنى باطل، وما بني على باطل فهو باطل، ومع ذلك نقول: إن الواجب على العبد أن يعلم أن الله جل وعلا أكبر وأعظم من كل شيء، وأنه فوق المخلوقات كلها، وأنه تعالى يقبض السماوات كلها ويطويها بيده وتكون صغيرة بالنسبة إليه هذا أمر، الأمر الثاني: أنه يجب على العبد أن يؤمن بما قاله الله جل وعلا ولو لم يدركه عقله وكذلك ما قاله الرسول ﷺ ، أما إذا حكم على قول الله وقول رسوله بعقله فهو ضال وتائه. ومن المعلوم منطقياً وعقلياً أنه لو وجد رجلان، واحد يؤمن بما قاله الله وما قاله الرسول: من أن الله يرى رؤيةً حقيقية إلخ، والآخر يقول: هذا كفر؛ لأنك إذا قلت ذلك لزمك أن تجعله جسماً، وإذا جعلته جسماً كفرت؛ لأن التجسيم كفر، ثم مضيا إلى الله جل وعلا كل على اعتقاده، فأوقفهم الله جل وعلا بين يديه، فقال الأول لما سأله ربه: يا رب! آمنت بقولك وبقول رسولك ﷺ ، واتبعت ذلك، وعلمت أنك خاطبتنا باللغة العربية التي نفهمهما، وهذا الذي أفهمه من اللغة، وقال الآخر: يا ربي! اعتمدت على عقلي وفكري، وتأولت قولك الذي قلته وقول رسولك الذي قاله، وأرجعتهما إلى عقلي، فدلني عقلي على أن هذا كفر، فأيهما أولى بالعذر وقبول الحجة الأول أم الثاني؟ لا شك أنه الأول، أما الثاني فلا حجة لديه، وليس معذوراً؛ لأنهما لم يكلفا بعقلهما، وإنما كلفا بكتاب الله جل وعلا وسنة الرسول ﷺ .

стр. 108

أدلة النفاة والرد عليهم احتج نفاة الرؤية بقول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وقالوا: إن (لن) في لغة العرب تدل على النفي المؤبد! وهذا كما يقول ابن القيم ﵀: كذب على اللغة العربية، فإن (لن) لا تدل على النفي المؤبد، وقد جاء في القرآن ما يدل على خلاف ذلك، فإن الله جل وعلا ذكر عن اليهود أنهم لن يتمنون الموت أبداً، وزيادة على (لن) جاءت (أبداً) بعدها فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥] ، ولما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ، قيل لهم: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت؛ لأن الذي هو حبيب لله جل وعلا وقريب إليه إذا مات يكون سعيداً سعادة لا تشبه سعادة الدنيا، فإذا كنتم صادقين فتمنوا الموت، فأخبر الله جل وعلا أنهم (لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) يعني: بسبب ما عملوه، ثم أخبر في آية أخرى أنهم يتمنون الموت إذا كانوا في النار، فقال: ﴿َوَنَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، ليقض: يعني ليمتنا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، فدل هذا على أن دعواهم أن (لن) تفيد التأبيد باطلة، ثم الآية تدل على عكس ما استدلوا به، وتدل على بطلان قولهم من وجوه: الوجه الأول: أن موسى ﵇ سأل ربه الرؤية، وموسى ﵇ لا يسأل شيئاً مستحيلاً، ولا يسأل شيئاً غير ممكن، وهذا يتنزه عنه الأنبياء؛ ولهذا قال العلماء: إن رؤية الله في الدنيا ممكنة ولكنها غير واقعة لضعف خلق البشر؛ فإنهم لا يستطيعون ذلك، بل الجبل ما استطاع أن يقوم لرؤية الله بل تدكدك؛ لأن المخلوقات في هذه الحياة خلقت للفناء فلا يمكن أن تقوم لرؤية الله جل وعلا كما جاء في حديث أبي موسى الذي في صحيح مسلم: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، قال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، ومن المعلوم أن بصر الله جل وعلا لا يحجبه شيء، ولا يمكن أن يستتر عن بصر الله جل وعلا شيء، فمعنى ذلك: أنه لو كشف الحجاب لذاب كل شيء، وقوله: (سبحات وجهه) ، يعني: بهاؤه وجماله جل وعلا. الوجه الثاني: أن الله جل وعلا علق إمكان رؤيته على إمكان استقرار الجبل في مكانه، واستقرار الجبل ممكن؛ فدل على أن الرؤية ممكنة. وهناك أوجه أخرى كثيرة في الآية تدل على بطلان قولهم. أما استدلالهم بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فهو أيضاً لا يدل على ما قالوا، ونحن نقول أيضاً: إن الله جل وعلا لا تدركه الأبصار، ولكن نفي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، نحن نرى السماء ولكن لا ندركها، ونرى الشمس ولا ندركها وهي صغيرة بالنسبة للسماء فكيف برب العالمين؟! ويدل على هذا ما ذكره الله جل وعلا في قصة موسى مع فرعون فإن موسى لما أمره الله جل وعلا أن يخرج ببني إسرائيل من مصر فسرى بهم ليلاً، فلما علم فرعون أرسل في المدائن حاشرين يحشدون الجنود لاتباعهم وقتلهم، فتبعهم فرعون بجنوده فلما صار بنو إسرائيل مع موسى أمام البحر، ويرون فرعون خلفهم، فقالوا لموسى: إنا لمدركون، فنفى موسى ﵇ ذلك وقال -كما أخبر الله عنه-: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فدل هذا على أن الإدراك غير الرؤية، فتصح الرؤية مع نفي الإدراك، قالوا: إنا لمدركون، قال: كلا لن ندرك، وكل فريق يرى الثاني ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] فتبين بهذا أن الإدراك شيء آخر، وهو الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه. وجميع ما استدلوا به وتسمكوا به في الواقع أنه شبه وليس أدلة، ومن العجب أن ترى النفاة يتمسكون بهذه الشبه، ويتركون الأدلة الواضحة الجلية السالمة عن المعارضات، والكثيرة الوفيرة حتى في أدعية النبي ﷺ المروية عنه، فقد جاء فيها تقرير هذه المسألة، فجاء عنه أنه قال: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) ، فهذا دعاء الرسول ﷺ ، وقد دلت النصوص على أن أعلى نعيم يتمتع به أهل الجنة هو مشاهدة ربهم ورؤية وجهه الكريم جل وعلا.

стр. 109

رؤية الله في أرض المحشر عامة الرؤية التي تكون في المحشر هل هي للناس عامة أو للمؤمنين خاصة؟ الأحاديث التي جاءت فيها تدل على أنها ليست خاصة بالمؤمنين، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه إذا شفع الرسول ﷺ إلى ربه جل وعلا ليفصل بين خلقه يقول: ثم آتي وأقف مع الناس -يعني: في الموقف- ثم يأتي رب العزة جل وعلا فيقول: يا عبادي! أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا فيقولون: بلى يا رب! فيؤتى بكل معبود عُبد في الدنيا من الأصنام وغيرها، أما إذا كان المعبود من عباد الله الصالحين فإنه يؤتى بتمثاله بصورته بشيطان على صورة ذلك المعبود ثم يقال لهم: اتبعوهم، فيتبعونهم إلى النار ويكبكبون هم ومعبوداتهم فيها -كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]- فيبقى المؤمنون ومعهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم ماذا تنتظرون وقد ذهب الناس؟! فيقولون: فارقناهم أحوج ما كنا إليهم، وإن لنا رباً ننتظره، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه آية؟ فيقولون: نعم الساق، فيكشف عن ساقه جل وعلا فيخر له كل مؤمن ساجداً، ويبقى المنافقون ظهر أحدهم طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر على قفاه) ، وهذا تفسير لقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] ، يعني: كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود وهم أصحاء ليس فيهم علة فيأبون الإجابة، فجزاءهم أنهم منعوا من السجود، وهذا يدلنا على أن المنافقين يرون الله جل وعلا في ذلك الموقف، ولكن هذه الرؤية ليست رؤية نعيم، بل رؤية عذاب والعياذ بالله!

стр. 110

شرح العقيدة الواسطية [٨] القرآن الكريم والسنة النبوية وحي من الله تعالى، فهما متفقان لا يخالف أحدهما الآخر، وتأتي السنة مبينة ومفسرة وموضحة لما في القرآن، فيجب الإيمان بالسنة وما ورد فيها كما يجب الإيمان بالقرآن وما ورد فيه، ومن ذلك: إثبات أسماء الله تعالى وصفاته على ما وردت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
следующие страницы →