← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

معنى قول: (القدر قدرة الله) السؤال ما معنى قول الإمام أحمد يرحمه الله: القدر قدرة الله؟ الجواب معنى قول الإمام أحمد: (القدر قدرة الله) أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع إلا ما يشاء، ويدخل في قدرته جل وعلا علمه بكل شيء، وكتابته لكل شيء، فيكون قد شمل بكلامه هذا مراتب القدر، ولهذا استحسن هذه الكلمة من الإمام أحمد العلامة ابن عقيل ﵀، فكان يقول: هذا يدل على عمق الإمام أحمد في علمه.

стр. 422

كيفية توجيه القول: إن الحسنة والسيئة من الله السؤال كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ؟ الجواب نقرأ الآية من أولها: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] ، ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨-٧٩] المقصود بالحسنة في هذا: مثل نزول المطر، وكثرة الخير من النعم، ووجود الولد، أما المصيبة: فمثل الجدب وموت الولد وذهاب المال هذا هو المقصود بها، وكان الكفار يتشاءمون بالأنبياء فإذا أصيبوا بخير قالوا: هذه النعم من الله، وإذا جاءهم شر قالوا: هذه بشؤم محمد يتطيرون به، فقال الله جل وعلا: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني: التقدير والجزاء والخلق والإيجاد كله من عند الله، مع أنها تابعة لأسبابها، ولهذا قال بعد ذلك: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) يعني: النعم من العافية والرزق وغيره هي من الله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يعني: بسبب نفسك؛ لأنك لا تصاب إلا بسبب ذنوبك، فليس فيه تعارض.

стр. 423

معنى قوله: (وهديناه النجدين) السؤال قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، هل هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الكفر أو الإسلام؟ الجواب هناك أدلة كثيرة أوضح من هذا وأبين تدل على إثبات هداية التوفيق من الله تعالى، أن الله أمر بالإيمان ونهى عن الكفر. وقد جعل في وسع المرء أن يختار الهداية، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، أما قوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) فمعناه: أن الهدى مقدر، سواء فيما يدخل في الحياة والوجود أو فيما تئول إليه حياته ووجوده من خير وغيره، ومعلوم أن كل شيء بيد الله جل وعلا.

стр. 424

شرح العقيدة الواسطية [٢٥] منكرو القدر يتفاوتون في درجات إنكارهم له، فمنهم من ينفي عن الله العلم والكتابة، وهؤلاء كفار، ومنهم من ينكر عموم الخلق والمشيئة، ومثل هؤلاء لا يكفرون إن علم حسن مقصدهم، وإنما يكفر الزنادقة من أئمة هذا المذهب، وقابل هؤلاء تماماً من أنكروا اختيار الإنسان وقدرته مطلقاً، وأخبث من يندرج تحت هذه الطائفة من قالوا: إن كل من تحرك فهو في طاعة سواء عصى أو أطاع، فجعلوا الأمر الشرعي معارضاً للأمر القدري، وهذا كفر لم يبلغه إبليس.

стр. 425

تدرج منكري القدر في إنكارهم له وتفاوت الحكم عليهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها] . عرفنا أن القدر على درجتين، وكل درجة -كما قال الشيخ ﵀ تتضمن شيئين، والدرجة الأولى: علم الله جل وعلا، وأنه عليم بكل شيء. والثانية: كتابته لعلمه المتعلق بالمخلوقات، وسبق أن قلنا: إن منكر هذه الدرجة كافر، وأنه كان هناك من ينكر أن يكون الله جل وعلا عليماً بكل شيء، وأنه كتب كل شيء؛ لأنهم يقولون: إن الله يعلم الأشياء إذا وجدت، ولا يعلمها سابقاً، ويقول الشيخ: منكر ذلك اليوم قليل. يعني: أنه يوجد أناس من هذا النوع، وهؤلاء لا شك في كفرهم، وهم ينكرون العلم والكتابة، وقد جاءت النصوص في كتاب الله جل وعلا بإثبات أن الله كتب كل شيء، وكذلك في أحاديث الرسول ﷺ . الدرجة الثانية: وهي تتضمن شيئين: وهي مشيئته الشاملة، وخلقه لكل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا في كلا الدرجتين خلاف قول أهل البدع من المعتزلة ونحوهم، فالمعتزلة لا يؤمنون بعموم المشيئة، ولا يؤمنون بعموم الخلق، ولكن هل يحكم بأن هؤلاء كفار لأجل ذلك؟ لا شك أن النصوص ظاهرة وجلية في أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكذلك كونه الخالق وحده وما سواه مخلوق، وإنما وقعوا في شبه من باب القياس والمرض الذي في قلوبهم، فقالوا: إن الله لا يشاء الشرور، ولا يشاء الكفر، ولا يشاء المعاصي، وزعموا أن هذا من باب التنزيه، فالسبب الذي منع من تكفيرهم أنهم قصدوا -بزعمهم- أن ينزهوا الله جل وعلا، وإن كانوا لم يفهموا ذلك، إلا أن يكون داعية إلى بدعته، وقد سبق أن قلنا: إن من أئمة هؤلاء ومؤسسي بدعتهم زنادقة، أرادوا هدم الإسلام، فمثل هؤلاء لا شك في كفرهم، أما الذين أرادوا مقاصد حسنة وإن أخطئوا فهؤلاء لا يكفرون، وهؤلاء هم الذين رد عليهم العلماء في وجوه الشبهة حيث قالوا: (إن الله لا يشاء الكفر، وإنما الكفر بمشيئة الإنسان، فالله يشاء من الإنسان أن يؤمن، ولكن يلزم على هذا أن مشيئة الكافر هي التي وقعت، ومشيئة الله لم تقع، وهذا نقص لا يجوز أن يكون) . ومثل ذلك يقال في المعاصي، وكذلك قولهم في الخلق، وأن الإنسان يخلق أفعاله، وأنها لم تدخل في عموم خلق الله، وهذا أيضاً ضلال؛ لأن الله أخبرنا أنه خالق كل شيء، وأنه خلق الإنسان وخلق صفاته وأعماله، وسبق أن عرفنا الدليل على ثبوت ذلك بالعقل والنص. بقي أنهم يقولون: إننا إذا قلنا: إن الله قدّر على الإنسان عمله وعذبه عليه، فإن هذا يكون داخلاً في باب الظلم، والظلم من حيث هو اختلف الناس في تفسيره.

стр. 426

إنكار الأشاعرة لصفات الله الفعلية وتعريفهم للظلم والمشهور في مذهب الأشاعرة وغيرهم: أن الظلم هو التصرف في ملك الغير بغير حق، أو التصرف في ملك الغير بغير إذنه -وبعض الناس من أهل السنة يغتر بذلك، وهذا في الواقع خطأ كبير، فليس الظلم: التصرف في ملك الغير بغير إذنه، أو بغير حق- وعلى هذا قالوا: إن الظلم لا يمكن أن يقع من الله؛ لأن كل شيء ملك لله جل وعلا يتصرف فيه، فهو يتصرف في ملكه، وإذا ملّك مخلوقاً شيئاً فهذا تمليك مستعار، وإلا فالحقيقة أن الملك لله، فإنه المالك لكل شيء. كيف ينفي الرب جل وعلا عن نفسه شيئاً لا يقع، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] ، يقول المفسرون في هذه الآية: الظلم هو أن تكتب عليه سيئة لم يعملها، والهضم: أن يؤخذ من حسناته التي عملها، وكذلك يقول جل وعلا في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) ، فهل يحرم شيئاً لا يمكن وقوعه، هذا لا يمكن!

стр. 427

تحريف المعتزلة لكلام الله من أجل إثبات مذهبهم في الأسماء والصفات قال المعتزلة ومن تبعهم: إن الله إذا أمر عبداً بشيء من الأشياء ثم لم يعنه على فعله بالأشياء التي يقدر عليها يكون ظالماً له، وعلى هذا: فلا يجوز أن يقال: إن الله أضل فلاناً وهدى فلاناً، وقد جاء في بعض النصوص: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] . فما معنى هذا الإضلال والهدى عند هؤلاء الضلال؟ فلا يجوز أن نأخذ عنهم، أو أن نستمع إلى كلامهم، ولكن يجب أن نرد شبهاتهم. وقالوا: إذا قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] يعني: إنه يسميه ضالاً، أو يسميه مهتدياً!! وهذا كلام سخيف جداً وتأويل بارد غير مقبول! فهم يقولون: إنما هي مجرد تسمية، وقالوا في قوله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] ، التزيين والتحبيب: هو أن يبين لهم الرغبة فيه وما يترتب عليه، هذا هو التزيين والتحسين عندهم، وهو خلاف الواقع، وهذا ليس تأويلاً، بل هو تحريف لكلام الله جل وعلا؛ لأن اللفظ لا يحتمل ذلك، وإنما التزيين والتحسين هو أن يُخلق في القلب تحبيبه وتزيينه له، فيصير محباً له، ويصير مزيناً في عينه، وراغباً فيه، فالعمل يتبع ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] فبين أن هذا من فضله. فإذا قالوا: إذا كان منعه ذلك فعذبه عليه يكون ظلماً. فنجيبهم بقولنا: إن كان منعه حقه كان ذلك ظلماً، ولكنه منعه فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وقد أعطاه القدرة والعقل والاستطاعة على العمل، ولكن هو في نفسه امتنع من العمل، فاستحق بذلك العذاب، فهو يعذب بعمله، والله لم يمنعه من العمل، وإنما هو امتنع باختياره، وكل أحد يعرف ذلك من نفسه، فهو إن عمل فهو يعمل باختياره وبقدرته، وإن أحجم عن العمل وامتنع فهو يحجم باختياره وبقدرته. أما توفيق الله وتزيينه الإيمان لعبده، أو عدم ختمه على قلبه فهذا فضل الله، والله أعلم حيث يضع فضله، فإنه لا يضعه إلا في موضعه؛ لأنه حكيم، وليس كل أحد يصلح أن يكون محلاً للفضل. ولهذا لما دخل أبو إسحاق الإسفرايني على عبد الجبار المعتزلي، وكان في مجلس الصاحب ابن عباد، وفيه جمع من الأدباء والعلماء، قال عبد الجبار في نفسه: إنه سوف يخزي أهل السنة في شخص أبي إسحاق، فلما وقف عليهم وسلم قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقول عبد الجبار هذا يعني به أن أهل السنة يقولون: إن الله قدر على الكافر وعلى العاصي الكفر والمعاصي ثم عاقبه على ذلك، فهذه فحشاء، وقد فهم مراده أبو إسحاق فرد على الفور: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، وكان هذا الجواب مسكتاً له. وهذا القول يعني: أنت وأصحابك تقولون: إنه يقع في الكون ما لا يشاؤه الله من الكفر والمعاصي، ونحن ننزه الله عن ذلك، حيث إنكم صرتم كالمجوس عندما جعلتم مع الله خالقين، تعالى الله وتقدس. فأيهما أخزى؟ عند ذلك قال عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال له أبو إسحاق: أيعصى ربنا قسراً -أي: وهو لا يريد- فيحدث في ملكه ما لا يشاء؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن حكم عليّ بالردى، ومنعني الهدى؛ أحسن إلي أم أساء؟ فقال له أبو إسحاق: إن كان منعك حقك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له، فهو يؤتي فضله من يشاء! عند ذلك قال الحاضرون: والله ليس عن هذا جواب، فكأنما ألقم المعتزلي بحجر فسكت، فصار الخزي له وليس لـ أبي إسحاق. فالمقصود: أن حجة هؤلاء داحضة؛ لأنهم مبتدعون، وليس معهم إلا مجرد القياس أو الشبهات والهوى، وهذا يبطله الحق إذا جاء، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] ، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] ، فإذا جاء الحق ذهب الباطل وزهق وانتهى، فهذه الشبهة داحضة، وليست في الواقع شبهة تستحق الوقوف عندها، ومع ذلك فهم قد ضلوا فيها.

стр. 428

إنكار أهل الجبر لوجود الاختيار من الإنسان في أفعاله وقابلهم فريق آخر قالوا: إن العبد لا تصرف له، ولا يستطيع أن يعمل عملاً؛ بل الأعمال كلها لله، والأفعال كلها لله، فإذا أضيف إلى العبد شيء من الأعمال فهو على سبيل المجاز. مثل قولك: أمطرت السماء هبت الريح طلعت الشمس مات فلان، وما أشبه ذلك، فهل فلان يموت باختياره؟ وهل الشمس هي التي تطلع باختيارها، أو أنها مدبرة مسوقة؟ كذلك يقال في نزول المطر، وهبوب الرياح، وتحرك الأشجار وغيرها. فزعموا أن أفعال الناس بهذه المثابة، وهذه أيضاً مكابرة. فلم يفرقوا بين العقلاء الذين لهم اختيار وبين المسخر المدبر الذي لا اختيار له ولا عقل، وإنما سخره الله جل وعلا بتسخيره وقدرته، لم يفرقوا بين هذا وهذا، وهذا ضلال كبير، وهؤلاء قابلوا أولئك تماماً، وقالوا: إن الإنسان لا اختيار له ولا قدرة، ويعنون: أن أفعاله كحركة الشجرة التي تكون في مهب الريح، واستدلوا على أقوالهم بشبهات، وكلا الطائفتين ضالة، ولكن من هؤلاء فريق هم أخبث الطوائف وأضلها؛ حيث وجد من هؤلاء طائفة تقول: إن الإنسان لا يخرج عن الطاعة إن تحرك، فهو في طاعة سواء عصى أو أطاع! لأنه إن عصى الأمر الشرعي فقد أطاع الأمر القدري، فجعلوا الأمر الشرعي معارضاً للأمر القدري؛ ولهذا يقول أحدهم: أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات يعني: أن كل ما يصدر منه فهو طاعة، وهذا كفر ما وصل إليه كفر إبليس -نسأل الله العافية- لأنه لم يفرق بين الإيمان وبين الضلال بين الكفر وبين الهدى، إذ جعله كله مطلوب، وكله طاعة! والإنسان إذا لم يتقيد بهدى الله الذي جاء به الرسول ﷺ فإن ضلاله لا يمكن أن ينتهي عند حد، والشيطان قال لربه جل وعلا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦] ، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩] ، والله جل وعلا أمره أن يسجد لآدم، فهل سجوده لآدم ممتنع لا يستطيعه أم أنه تركه باختياره؟ تركه مختاراً مريداً؛ ولهذا غيره من الملائكة سجدوا، وهو امتنع، وقال: أنا خير منه؛ وكأنه يقول: ليس هذا بعدل، إنما العدل أن تنعكس القضية، فيكون آدم هو الذي يؤمر أن يسجد لي؛ لأني خير منه، فإني مخلوق من النار، وهو خلق من الطين، والطين وضيع يوطأ بالأقدام ويمتهن، أما النار فهي تعلو وترتفع، ولها قوة الإحراق، فلهذا يقولون: إن أول من قاس إبليس. والمقصود: أن إبليس هو الذي غوى مختاراً بإرادته، والإنسان لم يكلف إلا ما يستطيعه، والحق وسط بين هاتين الطائفتين الباطلتين اللتين ضلتا، وهو أن الله جل وعلا عليمٌ بكل شيء، وكتب كل شيء، وأن مشيئته نافذة فلا يقع في الكون إلا ما يشاء ويريد، وأنه الخالق وحده، وقد خلق الإنسان، وخلق له أعمالاً، وجعله يفعلها باختياره وإرادته، فجعل له اختياراً، وجعل له قدرة، فإذا وجدت الإرادة والقدرة مع الاختيار، فلا يتخلف المراد، والله هو الذي خلق له هذه الأشياء، وهذا هو الحق الذي يفصل بين الضلال، ودائماً الحق يكون وسطاً بين ضلالتين.

стр. 429

الأسئلة

стр. 430

سب الدهر والتسخط على القدر السؤال إن مما يرى من مبتدعة هذا الزمان: التسخط على القدر، ولوم المقدر عليه، فصنعوا شيئاً يسمونه: الخبر عن طريق الأبراج الفلكية، فهل هذا جائز؟ الجواب أولاً: لوم القدر لا يجوز بحال من الأحوال، كما في الحديث القدسي الذي في الصحيحين يقول الله جل وعلا: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره) ، ومسبة الدهر هي لوم القدر. يقولون -مثلاً- أصابتنا الأيام، والسنين نحوس وكذا، وقد يلعنون الأيام والساعات كما يحدث لبعض الناس اليوم.

стр. 431

الرد على شبهة الاحتجاج بالقدر على المعاصي السؤال عندي شبهة وهي: كيف يقدر الله على العبد المعصية، ثم يعذبه عليها، وإن كان له اختيار ومشيئة فهي تابعة لمشيئة الله، فمشيئته ليست خالصة، وهذا الأمر يراه العقل ظلماً وغير معقول؟ الجواب الشبهة من عدم العلم في الواقع، والسائل ما تصور المسألة كما ينبغي، والواجب أن الإنسان يبحث ويقرأ ويسأل حتى يعرف وإلا الأمر واضح في هذا، فعلم الله جل وعلا نوعان: علم أن هذا المخلوق سيوجد في وقت كذا، وأنه سيعمل كذا وكذا فكتب علمه فيه، وعلم الله لم يرغمه على عمل المعصية؛ لأن عمل المعصية وقع باختياره، وهو الذي اختار العمل، ولا أحد أجبره على أن يعمل المعصية أو أن يترك الطاعة، وإنما هو أحب ذلك وقصده باختياره وإرادته، فيعاقب على هذا، وكون الله جل وعلا قدر عليه فهو -كما قلنا- علمه وكتابته لعلمه وكونه خلقه مختاراً لهذا الفعل، ومريداً له باختياره وفعله، فإذا عذبه فهو يعذبه بفعله وبإجرامه. مثال ذلك: لوكان لرجل ولد فأمره بإصلاح ماله، وهو يستطيع ذلك بكل سهولة، فذهب وأحرقه، ورماه في البحر، فهل يقتنع الوالد بأن هذا الشيء مقدّر مكتوب ويسكت عنه أو أنه يحنق عليه، ويؤدبه، ويلومه، ويضربه لأنه فعله باختياره؟ إذاً: الفعل فعل الإنسان، فلا يجوز أن يكون الإنسان مع الطاعة مرجئاً، ومع المعصية قدرياً، ويقول: هذه مكتوبة عليّ بقدر؛ بل ينظر إلى عمله هو. أما كونك تقول: (لماذا ما وفقت؟) ، فلا يجوز أن تقول هذا؛ لأن التوفيق فضل الله، وعليك أن تسأله إياه، وترغب إليه به، أما إذا منعته فهو من جراء أفعالك، وإنما أوتيت من نفسك فيكون اللوم عليك، وليس اللوم على الله جل وعلا ولا على الأقدار.

стр. 432

شرح العقيدة الواسطية [٢٦] لقد أمر الله بالوسطية وحث عليها، وهي المنهج الحق الذي يجب اتباعه، ولذلك فأهل السنة وسط بين الفرق والمذاهب، فهم وسط في الإيمان بين المرجئة والخوارج، فلا يكفرون العاصي ولا يجعلونه كامل الإيمان، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته.

стр. 433

الإيمان بين أهل السنة والمرجئة يقول المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر؛ كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠] .

стр. 434

تعريف الإيمان عند أهل السنة أهل السنة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) . ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم] . ينتقل المصنف ﵀ إلى مسألة الإيمان، فيقول: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل) . قوله: (أن الدين والإيمان) : المعروف أن العطف يقتضي المغايرة، فالإيمان يكون غير الدين، فالدين المقصود به الشيء الذي يدان به، أي: أمر الله ونهيه، وأمر الله ونهيه يجوز أن يفعل ويجوز أن يترك، أما الإيمان فهو الذي يتعلق بالمخلوق، والذي يوجد من المؤمن، هذا هو الفرق. والدين أمرٌ ونهي وعقيدة (نية) وكذلك الإيمان، وقد قالوا: إن الإيمان في اللغة التصديق، ونازع في هذا بعض العلماء، وقالوا: إنه تصديق خاص. وأما في الشرع: فهو قول وعمل وعقيدة، وهذا تعريفه عند أهل السنة، والقول يشمل قول القلب، وقول اللسان؛ ولهذا اقتصر بعض أهل السنة على أنه قول وعمل فقط. وبعضهم جعله مركباً من ثلاثة أشياء، ولا خلاف في هذا؛ لأن الذي اقتصر على شيئين، فقال: قول وعمل، يقصد بالقول قول القلب وقول اللسان، والعمل: عمل الجوارح، وعمل القلب هو الخشية والخوف والرجاء، والإنابة وما أشبه ذلك. ومعلوم أن الإيمان يتكون من أعمال القلب، ومن أعمال الجوارح. وقول اللسان ظاهر، وهو النطق بالشهادتين، والذكر والتلاوة، وجميع الأعمال التي تؤدى باللسان، وكذلك عمل الجوارح ظاهر كالصلاة والحج والجهاد وإماطة الأذى عن الطريق وما أشبه ذلك من الأعمال التي يأمر الله جل وعلا بها، فهي كلها داخلة في الإيمان. إذاً: الإيمان عند أهل السنة مركب من ثلاثة أشياء: من قول القلب وعمل الجوارح، وقول اللسان، وقول اللسان داخل في عمل الجوارح؛ لأنه جارحة.

стр. 435

تعريف الإيمان عند المرجئة والجهمية وأما أهل البدع: -المرجئة والجهمية - فقالوا: إن الإيمان هو المعرفة، أو هو العلم، وقصروه على هذا؛ ولهذا كفرهم العلماء بهذا القول؛ لأن العلم لا يقتضي الإيمان، فإبليس عنده علم، ويعلم أن الله ربه، وأن الأوامر جاءت من الله، ومع ذلك فهو كافر، بل هو رأس الكافرين وإمامهم، وكذلك سائر الكفرة إلا قليلاً؛ لأن الله جل وعلا أيد رسله بالمعجزات، والبينات الباهرة، وإنما يكون كفرهم عن الجحود بعد العلم، ولهذا يخبر الله جل وعلا عنهم فيقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ، فإنه صادق وهم يعرفون صدقه، ومع ذلك فهم كفرة، ومن أكبر المعاندين والكافرين. أما فرعون فقد جاء في كتاب الله جل وعلا ما يدل على أنه مستيقن بأن موسى صادق، وأنه جاء بالحق، يقول الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١] . ماذا قال موسى؟ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢] (لقد علمت) أي: تيقنت هذا، وفي آية أخرى: أخبر الله جل وعلا أنها: استيقنتها أنفسهم. أي: علموها يقيناً. إذاً: القول بأن الإيمان هو العلم قول ظاهر البطلان.

стр. 436

الإيمان يزيد وينقص الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق، وهم طوائف من المرجئة؛ قالوا: إن الكفر هو التكذيب وهو شيء واحد، والإيمان هو التصديق وهو شيء واحد، فأهله فيه سواء لا يتفاوتون، فجعلوا كفر فرعون مثل كفر سائر الكفرة وأدناهم، وجعلوا آحاد الناس من المؤمنين مثل أعلاهم إيماناً، وهذا من أبطل الباطل، فهم ضُلّال في ذلك. وفي الواقع فهذه من المسائل التي تشعبت فروعها، وكثر الخلاف فيها، فإن الحق فيها مع أهل السنة؛ لأنهم يتقيدون بنصوص الكتاب والسنة، والمبتدعة أهل قياس وشبهات وأهل هوى وضلال. ولهذا نص أهل السنة على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولهذا قال المصنف ﵀: (وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) . والطاعة عمل، والمعصية عمل، فهو يزيد بالعمل وينقص بالعمل، فإذا كان العمل طاعة زاد به، وإذا كان معصية نقص به؛ والأدلة على هذا واضحة وجلية. وقد جاء في آيات كثيرة النص على زيادة الإيمان، كقوله جل وعلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] ، وكقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] إلى آخرها. وكذلك ذكر جل وعلا أنها إذا أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً﴾ [التوبة:١٢٤] ، يقول جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] ، فالزيادة فيها نصوص كثيرة، والصحابة رضوان الله عليهم فهموا هذا، ولهذا جاء أن حبيب بن عمير قال لصاحب له: (تعال نؤمن ساعة، وقال: إنا إذا ذكرنا الله زاد إيماننا، وإذا غفلنا نقص إيماننا) . والذين قالوا هذا القول وعرفوه من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ هم يتقيدون بالحق، وهو ما أتى به النص ووافقه العقل، والوضع، وطابقه الحال، والإنسان يجد من نفسه أحياناً أن حالته أحسن من أحيان أخرى، فيزداد إيمانه، والله جل وعلا قسم أهل الإيمان إلى ثلاثة أقسام، فجعل بعضهم سابقين، وبعضهم مقتصدين، وبعضهم ظالمين، فقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، وهؤلاء هم أهل الجنة. فجعل قسماً منهم ظالماً لنفسه، وفُسر الظالم بأنه الذي يرتكب بعض المناهي ويترك بعض الواجبات. والمقتصد: بأنه الذي يأتي بما وجب عليه، ويترك ما حرم عليه، ويفعل المباح ويتناول المكروه. وفسر السابقون بالخيرات: بأنهم الذين يتقربون إلى الله جل وعلا بالنوافل بعد أداء الفرائض، ويتقربون إليه باجتناب المكروهات بعد اجتناب المحرمات، وهؤلاء هم الذين يكونون في أعلى الدرجات في الجنة، وعلى هذا الأساس تفاوتت درجاتهم في الجنة، ولو كانوا فيه سواء -حسب زعمهم- لكانت درجاتهم سواء وكانت الدرجة واحدة.

стр. 437

قول المرجئة: (لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة) أما قول المرجئة: (إنه لا يضر مع الإيمان معصية؛ كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة) ، فهو قول فاسد لا قيمة له؛ ولا يعتبر به، لأنه لا يستند إلى دليل شرعي، ولا عقلي، ولا وضعي، وإنما هو قول مبنيٌ على خيالات وشبهات وهوى، فلا يلتفت إليه. إذاً: فالكفر يتفاوت، وبعض الكفر أعظم من بعض؛ ولهذا صارت جهنم دركات والمنافقون في الدرك الأسفل منها، فهي دركات وطبقات وكل طبقة فوق الأخرى، كما أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، ومثل هذا قوله ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ومعلوم أن السارق والزاني والمنتهب إذا لم يستحل ذلك فهو مؤمن؛ أي: معه مطلق الإيمان، فهو لم يخرج من الإيمان إلى الكفر. والأصل في هذا أن الإنسان إذا آمن بالله جل وعلا يبقى معه الإيمان حتى يأتي بشيء يخرجه منه، مثل الشرك أو التكذيب، أو جحود الحلال، أو تحليل الحرام أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك خرج من الإيمان. إذاً: (الإيمان يزيد وينقص) وزيادته تكون بالعمل وبالتصديق وليس بالعمل فقط، أي: أن الزيادة تكون في الجوارح وفي القلب، والنقص كذلك، أما كونها في الجوارح فأمر ظاهر، فإذا ترك الإنسان العمل يكون إيمانه ناقصاً، وأما النقصان فهو أيضاً ظاهر؛ لأن إيمان بعض الناس ويقينه وتصديقه ليس كبعض، فبعض الناس عنده مجرد إيمان وتصديق، ولو شكك لشك، فإذا عوفي وسلم من الشكوك والريب ومات على ذلك، كانت نعمة عليه، وهو من أهل الجنة إن شاء الله. أما إذا وجدت فتن وأمور تشككه وتخرجه عن اليقين ربما خرج عن الإيمان، وصار كافراً، وكذلك بعض الناس، وبعض المؤمنين، لو أمر بالجهاد لم يجاهد، ولا يستطيع أن يجاهد، فيخاف من الموت أو يحب الدنيا، ومع ذلك فهو مؤمن، ولكن إيمانه ضعيف، بينما منهم من يسارع إلى ذلك، ويحب هذا ويرغب فيه كثيراً. فهل يعقل أن يكون هذا مثل هذا؟ إذاً: التصديق نفسه يزيد وينقص، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه.

стр. 438

موقف أهل السنة من الفاسق وموقف غيرهم

стр. 439

أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة ثم يقول المصنف: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي) : (أهل القبلة) المقصود بهم: المسلمون الذين يستقبلون الكعبة. أي: يلتزمون بظواهر الدين الإسلامي، ويؤدون الصلاة، وإن كان في الباطن عندهم نقوص كثيرة، فمثلاً: إذا أتى الإنسان بالمعصية وإن كانت كبيرة، فلا يجوز أن نخرجه من دائرة الإيمان، ولكن لا يجوز أن نقول له: مؤمن مطلقاً بدون قيد فنقول: هذا مؤمن -يعني: نطلق عليه الإيمان بلا قيد- بل لا بد أن يقيد إيمانه الذي يوصف به بأنه ناقص، أو بأنه مؤمن عاصٍ، ولابد أن يقال: هذا مؤمن، ولكن إيمانه ناقص؛ لأنه مرتكب للكبائر. يدل على هذا حديث الرسول ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، فالذي نفي عنه ليس أصل الإيمان، وإنما نفي عنه كماله، فالكمال هو الذي يمنع صاحبه من ارتكاب الزنا والسرقة وشرب الخمر وهذا هو الذي نفي عنه بدليل أنه ﷺ لما رجم الزاني صلى عليه، وكذلك شارب الخمر نهى أن يسب وقال: (إنه يحب الله ورسوله) ، وبدليل قوله جل وعلا في القاتل الذي يقتل المسلم: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] . (من أخيه) : الضمير هنا يعود على القاتل، فجعل القاتل أخاً للمقتول، ومعلوم أن الأخوة هنا هي أخوة الإيمان، وليست أخوة النسب. وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ، فوصفهم بالإيمان مع وجود القتال، فدل على أن الإيمان لا يسلب من المقتتلين، ولا يخرجون باقتتالهم عن الإيمان، وكذلك سائر المعاصي، والأدلة على هذا كثيرة، ولكن مقصود المصنف ﵀: أن يبطل قول الخوارج الضُلّال مع قول المعتزلة، فإن الخلاف في هذا معهم. أما المرجئة فعندهم أن المعاصي لا تضر، فالزاني والسارق وشارب الخمر عندهم كامل الإيمان، ليس عنده نقص، وهذا ضلال بين، ويقابلهم: الخوارج، فعندهم مثل هؤلاء كفار، خرجوا من الدين الإسلامي ودخلوا في الكفر، وهم خالدون في النار، لا يخرجون، ولا تنفعهم شفاعة ولا ينفعهم عمل، وهذا ضلال بين، فلهذا قال: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة) .

стр. 440

الإيمان عند المعتزلة والخوارج وموقفهم من العصاة أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، وإنما يكفر الإنسان بالكفر الذي يكون شركاً أو جحوداً لما جاء به الرسول ﷺ أو تركاً للعمل كلية كترك الصلاة وما أشبه ذلك، وعدم الالتزام بالدين. وتعريف الإيمان عند الخوارج هو تعريف أهل السنة، ولكنهم يزيدون (الإتيان بجميع الواجبات، واجتناب جميع المحرمات) وعندهم لابد أن يأتي بجميع ما وجب، ولا يخل منه بشيء، ويترك جميع ما حرم عليه، فإن أخل بذلك فليس بمؤمن. والمعتزلة يتفقون معهم في هذا، ولكنهم اختلفوا معهم في التسمية، وفي في الدنيا ولكن في الآخرة اتفقوا معهم، فعندهم الحكم في الدنيا، أنه لا يحكم عليه بالكفر، أما التسمية فإنه لا يسمى عندهم كافراً، ولكن أيضاً لا يسمى مؤمناً، ولكنه يكون بين الكفر والإيمان، وهذا شيء اختصوا به من بين الناس، والعجيب أنهم جعلوه ركناً من أركان الدين الإسلامي عندهم، وهو ما يسمى (المنزلة بين المنزلتين) ، وهذا من البدع والضلال. أما في الآخرة فيتفقون مع إخوانهم الخوارج بأنهم لا يخرجون من النار؛ ولهذا قال: (كما يفعله الخوارج) بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، وعرفنا وجه ثبوت الأخوة مع المعاصي، كما قال : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠] . والاستدلال بهذه الآية من وجهين: الوجه الأول: قوله: (اقتتلوا) أثبت لهم الإيمان مع وجود القتال. والوجه الثاني: قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ، وأمر بالإصلاح بين هؤلاء المقتتلين، وهذا أمر شرعي يجب أن يمتثل، فهو دليل على أنهم لم يخرجوا عن الدين الإسلامي، وهو من الأدلة التي تبطل مذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة.

стр. 441

أهل السنة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام ثم قال: (ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام) : الملي: الذي التزم الملة الإسلامية في الجملة -وليس بالجملة- يعني أنه يترك منها شيئاً، والفسق هو الخروج عن الطاعة. والفاسق: هو الخارج عن الطاعة، والفسق يكون عملياً ويكون اعتقادياً كما هو معروف، فاعتقاد خلاف ما جاء به الشرع فسق، وعمل المعاصي فسق، وأهل البدع فسقة من هذا القبيل، أي: من جهة كونهم اعتقدوا خلاف الحق، وعملوا شيئاً لم يأت به الرسول ﷺ : فقوله: (لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية) . أي: لا يسلبونه الإيمان بالكلية، والإسلام: هو الالتزام الظاهري، أما الإيمان فيكون في القلب، ويتبعه عمل الجوارح، فما كان في القلب يظهر على عمل الجوارح، ومعلوم أن الدين الإسلامي قد قسمه الرسول ﷺ إلى ثلاثة أقسام، وجعله ثلاث مراتب كما في حديث جبريل، وهي: الإسلام والإيمان والإحسان، فالإحسان أخص من الإيمان، والإيمان أخص من الإسلام، فكل محسن مؤمن ومسلم، وليس كل مؤمن محسناً، وكل مؤمن مسلم ولا عكس، فقد يوجد الإسلام بلا إيمان. والمقصود: الإيمان الذي يكون بالعمل -عمل القلب واللسان- أما مجرد التصديق فلا بد منه، ولا يمكن أن يوجد إسلام بلا إيمان، الذي هو مجرد التصديق.

стр. 442

التفريق بين الإسلام والإيمان عند أهل السنة وإذا انفرد أحد الاسمين -الإسلام والإيمان- دخل فيه الآخر، أما إذا اجتمعا فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة كما فسره الرسول ﷺ بذلك، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وقد جاء أن أركان الإيمان ستة: (الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره) ومن أخل بركن منها، فإن إيمانه مختل، ولكنه لا يخرج بذلك من دائرة الإيمان إلا أن يكون أخل بالإيمان بالله، فإنه لا يكون مؤمناً، وكل الأركان تتبع ذلك. أما إذا اختل شيء من هذه الأركان، بأن صار إيمانه بالملائكة مدخولاً، ولا يؤمن بها على الوصف الذي وصف الله جل وعلا، أو كان الإيمان بالرسل عنده ناقصاً، والإيمان باليوم الآخر مجملاً فقط، وكذلك الإيمان بالقدر، فإنه لا يكون مؤمناً كاملاً وإنما يكون عاصياً بقدر ما ترك، مع أن التفصيل في هذا واضح وجلي، والله ورسوله ﷺ قد بينا ذلك. أما الإسلام فهو الذي ينتقل به الكافر من دينه إليه، وهو الشهادة: بـ (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ، فهو مجرد قول، فإذا قال الإنسان: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) حكم بأنه مسلم، ولكن لا بد أن يكون عنده إيمان بالله، وأن الله أرسل الرسول ﷺ ، وأنه لا إله إلا الله، وأنه هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده ولا يعبد معه إله غيره. يعني: أنه تضمن إيماناً ولا بد، أما أن يوجد إسلام بلا إيمان فهذا لا وجود له. أما الجواب على نفي الإيمان عن بعض الناس، كما ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ : (كان يقسم مالاً، وسعد بن أبي وقاص حاضر، فأعطى رجلاً وترك آخر، فقال له سعد: يا رسول الله: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً؟ فقال: أو مسلم؟ ثم أعطى غيره، يقول: فغلبني ما أعرف منه، فقلت: يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً؟ فقال: أو مسلم؟) ، ثلاث مرات يقول: أراه مؤمناً، والرسول ﷺ يقول له: أو مسلم؟ وهذا في ضمنه الإنكار على سعد أن يقول: إنه مؤمن، وإنما أمره أن يقول: مسلم. إذاً: الإيمان أخص من الإسلام. بعد ذلك بين الرسول ﷺ أنه عندما يعطي إنساناً ويترك غيره الذي هو أحب إليه منه إنما يكله إلى ما عنده من الدين، وإنما يعطي ضعاف الدين والإيمان. وهذا معناه: أنه أنكر عليه إطلاق الإيمان عليه جزماً، وأمره أن يقول بالشيء الذي يكون متيقناً وهو الإسلام. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] يعني: أن الإيمان ما دخل في قلوبكم بعد، ولكن معكم شيء من الإيمان؛ لأنهم ليسوا منافقين، وإنما معهم شيء من الإيمان يصح به إسلامهم، وهو تصديق بالله جل وعلا وبرسوله، وأنه هو المعبود وحده. قوله: (ولا يخلدونه في النار) يعني: الفاسق الملي لا يخلدونه في النار لمجرد المعاصي، أو بمجرد الفسوق، وإنما يقولون: يجوز أن يدخل النار ولكنه يخرج منها ومآله إلى الجنة ما دام أنه مات مسلماً، فمعه أصل الإيمان، فلابد أن يكون مآله إلى الجنة وإن عذب في النار، ويوكلون ذلك إلى الله، إن شاء عفا عنه بلا عذاب، وإن شاء عذبه.

стр. 443

الأسئلة

стр. 444

ترك العمل بحجة أن الإيمان بالقلب السؤال انتشر على ألسنة كثير من الناس عندما تنصحه على أمر ما قوله: (الإيمان في القلب) ، فهل هؤلاء يكونون من المرجئة؟ الجواب إذا أُمر بأمر من الأمور الواجبة أو نهي عن أمر محرم، فقال: (الإيمان بالقلب) ، فهذا هو قول المرجئة، أي: أن العمل ليس له عبرة فيعتبر، وهذا معنى قول المرجئة: إن الإيمان كامل في القلب، والعمل لا تأثير له فيه، وإنما يجب على الإنسان إذا أمر بأمر أن يسمع ويطيع، وإذا نهي عن شيء أن يمتثل ويشكر الذي أمره، أو الذي نهاه. وهذا قول خطأ، والإنسان في قوله هذا يكون عاصياً؛ وكأنه يقول: أنا ما خرجت عن الإيمان، فالإيمان معي؛ لأنه في القلب. نعم الإيمان في القلب، ولكن إذا كان في القلب فإنه يبعث على العمل، ويمنع من الوقوع في المخالفة، ولابد أن الإنسان المؤمن يكون خائفاً من ربه جل وعلا أن لا يقبل أعماله الصالحة، فكيف إذا وقع في منكر؟! هذا أعظم والواجب أن يكون الإنسان أكثر خوفاً، وإذا نهي عن ذلك أن يمتثل ويبتعد عن النهي.

стр. 445

الإيمان قول وعمل السؤال من المعلوم أن الإيمان قول وعمل. أي: قول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل اللسان والجوارح، فهل إذا انتفت إحدى هذه الأركان كان الإنسان كافراً؟ الجواب نعم؛ لأن الإيمان مركب من هذه الأجزاء الثلاثة، فلا بد من اجتماعها عند أهل السنة، فإذا فقد واحد منها يكون الإيمان غير صحيح، وعلى هذا كفّر كثير من العلماء المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا إن حقيقة الإيمان العلم أو التصديق، كما هو عند الجهمية، ولهذا قالوا: إنهم أجهل الناس بالله؛ حيث وصفوه بما تعالى وتقدس عنه. ومعلوم أن ترك الصلاة كفر، والرسول ﷺ رتب دخول الجنة على أمور خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله -وهذه في ضمنها التصديق- وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وهذه كلها أعمال، فإذا قالوا: إن الإيمان مجرد التصديق فمعناه أنهم يرون أن الإنسان إذا ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج أنه غير معرض لعقاب ولا أنه خارج عن الدين الإسلامي، بل يرون أنه مؤمن كامل الإيمان.

стр. 446

الخلاف مع مرجئة الفقهاء السؤال هل صح عن أبي حنيفة ﵀ قوله في تعريف الإيمان: (إنه قول باللسان، واعتقاد بالجنان فقط) ، وما المراد بقولهم: مرجئة الفقهاء؟ الجواب هذا روي عن أبي حنيفة واشتهر أن هذا قوله، ولكن ليس مجرد هذا فقط، فإنه قال: إن مسمى الإيمان قول اللسان واعتقاد القلب، أما الأعمال الأخرى فهي من مقتضيات الإيمان، أو قال: (من واجبات الإيمان) أي: أنه لا بد منها، فلابد من العمل، ولا بد من الصلاة ولا بد من الزكاة، ففارق بذلك قول المرجئة؛ ولهذا قالوا: هؤلاء من أهل السنة، وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان بين الخلاف بينه وبين القائلين بهذا، وبين أن الخلاف في مسمى الإيمان خلاف لفظي، وليس خلافاً معنوياً؛ لأنه يتفق معهم بأن تارك الأعمال مرتكب للمعصية، وأنه مستحق للعذاب والعقاب.

стр. 447

شرح العقيدة الواسطية [٢٧] الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد خالف المرجئةُ أهلَ السنة في ذلك وانقسموا إلى ثلاث طوائف: طائفة قالت: إن الإيمان هو العلم والمعرفة، ويلزم من قولهم إيمان إبليس وفرعون وغيرهما من الكفار، وطائفة قالت: إن الإيمان هو القول باللسان فقط، ويلزم منه إيمان المنافقين، أما الطائفة الثالثة فقالت: إن الإيمان قول وتصديق فقط، وهذه الطائفة هي أقرب طوائفهم إلى أهل السنة على ما في قولها من الغلط.

стр. 448

حقيقة الإيمان والخلاف فيه بين طوائف المسلمين يقول المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوار، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر؛ كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم] . سبق أن الإيمان عند أهل السنة مركب من ثلاثة أشياء: القول، والعقيدة، والعمل، وتعريفه كما يعرفه أهل السنة في كتبهم هو: قول وعمل واعتقاد، وبعضهم يزيد في هذا التعريف ويقول: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

стр. 449

طوائف المرجئة والذين خالفوا أهل السنة في هذا هم المرجئة، والخوارج، والمعتزلة، وقد اتفق المعتزلة مع الخوارج في التعريف وخالفوهم في الأحكام وفي التسمية. أما المرجئة فهم ثلاث طوائف لا يخرجون عنها، كما ذكرهم أبو الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ، فقال: إنهم ثلاث طوائف. الطائفة الأولى: الذين يقولون: إن الإيمان هو: العلم والمعرفة، ويُدخلون في هذا شيئاً من أعمال القلوب، وهي الخضوع والإقرار والمحبة فقط، فيقولون: إن الخضوع والإقرار والمحبة تدخل في الإيمان، وما عدا ذلك من أعمال القلب مثل الخشية والإنابة والخوف إلى غير ذلك لا تدخل فيه. وهؤلاء افترقوا إلى أكثر من عشرين فرقة، ولكن يجمعهم هذا القول. الطائفة الثانية: الذين قالوا: إن الإيمان هو القول باللسان، وهؤلاء هم الكرامية خاصة، ويلزمهم أن يكون المنافق مؤمناً على هذا القول؛ لأن المنافق يقول بلسانه ولكن قلبه منطوٍ على الكفر. الطائفة الثالثة: الذين يقولون: إن الإيمان قول وتصديق، وهؤلاء أقرب هذه الفرق الثلاث إلى أهل السنة، وهؤلاء لهم حجج شرعية من الكتاب والسنة، ولكنها لا تدل على ذلك.

стр. 450

بيان غلط المرجئة وغلط المرجئة من حيث العموم من وجهين: الوجه الأول: ظنهم أن الإيمان والمعرفة إذا وجدت في القلب فإنها تكون هي الإيمان، وأنها تكون منفكة عن عمل القلب وتحركه، في إنابته، وإرادته، وخوفه، وخشيته، وغير ذلك، وغلطوا في هذا غلطاً عظيماً؛ لأن الإنسان يعرف التفاوت العظيم بين الناس في هذه الأمور، فضلاً عن غلطهم في إخراج عمل الجوارح عن الإيمان. الوجه الثاني: أنهم ظنوا أن كل من حكم الله جل وعلا بكفره أو حكم الرسول ﷺ بكفره، فإنما هو لخلو قلبه من العلم والمعرفة، فعندهم -مثلاً- إبليس ما عرف الله، وفرعون ما عرف ما جاء به موسى، وهكذا بقية الكفار، وهذا من أعظم الغلط أيضاً. والمقصود: ذكر الأصول التي يأخذون بها، والتي غلطوا فيها وخالفوا أهل السنة حتى يتبين للإنسان سلامة مذهب أهل السنة، وأنهم على يقين من ذلك وعلى أصل أصيل، وأن المخالفين لهم غالطون غلطاً بيناً واضحاً. أما الفرقة الثالثة التي قالت: إن الإيمان قول وتصديق، فإن بعضهم يجعل هؤلاء من مرجئة الفقهاء، ولكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن مرجئة الفقهاء لا يقتصرون على هذا، فإنهم لا يقولون إن الإيمان قول وتصديق فقط، بل يجعلون الأعمال إما من مقتضى التصديق أو من واجباته ومن لوازمه، ويتفقون مع أهل السنة على أن الذي يترك العمل الذي وجب عليه، أو يفعل ما حظر عليه من المحرمات، أنه مستوجب للعقاب، فإذا كانوا متفقين مع أهل السنة في ذلك، فيصبح الخلاف لفظياً، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان.

стр. 451

حجج المرجئة أما حججهم التي احتجوا بها: فمنها: أن الله جل وعلا غاير بين الإيمان والعمل، وهذا كثير في الكتاب، كقول الله جل وعلا: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) فعطف الإيمان على العمل، فقالوا: إن العطف يقتضي المغايرة. الدليل الثاني: أنهم قالوا: إن الله جل وعلا خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل مخاطبتهم بالأوامر والنواهي، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، ونحو هذه الآية، فجعلوا هذا دليلاً على أن العمل غير الإيمان. الدليل الثالث: يقولون: لو أن رجلاً آمن بالله وبرسوله ﷺ لحظةً قبل الظهر ثم قبل دخول وقت صلاة الظهر مات لحكم بأنه من أهل الجنة، وأنه مؤمن، وهو لم يعمل خيراً في إسلامه، فجعلوا هذا أيضاً من الأدلة على أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان. وكل هذه الأدلة منقوضة، ونقضها واضح لا يحتاج إلى الاستدلال عليه؛ لأن أدلتهم مجرد ألفاظ خالية عن المعاني التي ربط الله جل وعلا بعضها ببعض، فقد يُعطف الشيء على نظيره أو على مثيله، وقد يكون عطف عام على خاص أو بالعكس، كما هو معروف، يقول جل وعلا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:١-٤] إلى آخر هذه المعطوفات، وهي لا تدل على المغايرة. أما كون الخطاب جاء باسم الإيمان فهذا أيضاً واضح أنه ليس دليلاً على أن العمل غير داخل في الإيمان؛ لأن الذي يمتثل الأوامر هو من تحلى بالإيمان. وأما دليلهم الثالث فنقول: هذا لم يجب عليه إلى الآن أي عمل، وهو ما ترك شيئاً من الإيمان وجب عليه، وإنما امتثل في قلبه واستعد للعمل، ولكنه لم يصل إلى الوقت الذي يجب عليه العمل فيه، فليس ملوماً. وبهذا نعرف أن مذهب أهل السنة في الإيمان هو المذهب الصحيح الذي يجب أن يُعتقد، ومن أجل ذلك يذكره العلماء في العقائد. أما أهل المعاصي الذين فيهم الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة والخوارج فقد سبق الكلام عليهم، وبيان أن الذي يرتكب كبيرة لا يسلب منه الإيمان بالكلية، ولا يعطى الإيمان الكامل، فلا يطلق عليه الإيمان مطلقاً، وإنما يطلق عليه بقيد، فيقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو يقال: إنه مؤمن مرتكب كبيرة أو كبائر، أو يقال: إنه مؤمن فاسق، أو إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كما يعبر بذلك كثير من أهل السنة.

стр. 452

الإيمان يزيد وينقص أما زيادة الإيمان ونقصه فأمره واضح أيضاً، وأدلته كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والأدلة على زيادة الإيمان جاءت منصوصاً عليها في آيات متعددة، أما النقص فقد توقف فيه من توقف من أهل السنة لعدم النص عليه من الكتاب، ولكن الواقع أنه منصوص عليه في آيات متعددة، منها قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] فالذي تزيده رجساً إلى رجسه هذا فيه نقص الإيمان. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فمعلوم أن هذه الآية نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، وقد استدل البخاري بهذه الآية على أن الإيمان ينقص. ووجه الاستدلال بها: أن الذي يقبل الزيادة يقبل النقص، وأن الدين قبل أن يتم كان ناقصاً، ولا يلزم من هذا أن الذين توفوا قبل ذلك اليوم كان إيمانهم ناقصاً، بل كان إيمانهم كاملاً؛ لأن هذا هو الذي يجب عليهم. ومن المعلوم أن المرجئة أنفسهم يقرون بزيادة الإيمان، بمعنى: أنه إذا جاء شيء من الأوامر أو النواهي والتزم بها فإن الإنسان يزداد إيمانه بذلك، ولكن الخلاف في نفس التصديق الذي يكون في القلب هل يكون فيه زيادة ونقص أو لا؟ والصواب: أنه يزيد وينقص، فالتصديق الذي يكون في القلب -إذا سُلِّم بأن الإيمان هو التصديق- فإنه يزيد وينقص؛ لأن تصديق بعض الناس ليس كتصديق بعض، فبعض الناس لو شُكِكَ ولُبس عليه لشك، وبعضهم لا يقبل الشك؛ بل يكون تصديقه يقينياً، والعمل يتبع ذلك، فبعض الناس يقوم بالعمل ويأتي به على الوجه المطلوب حسب استطاعته، وبعض الناس قد يخل به، وقد يتساهل.

стр. 453

الأسئلة يقول المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوار، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر؛ كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم] . سبق أن الإيمان عند أهل السنة مركب من ثلاثة أشياء: القول، والعقيدة، والعمل، وتعريفه كما يعرفه أهل السنة في كتبهم هو: قول وعمل واعتقاد، وبعضهم يزيد في هذا التعريف ويقول: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

стр. 454

خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء السؤال ذكر شيخ الإسلام في كتاب (الإيمان) أن الاختلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء اختلاف حقيقي، وفي موضع آخر أنه اختلاف لفظي، فكيف يجمع بينهما؟ الجواب هم يختلفون، كما ذكرنا أنهم طوائف، فبعضهم الخلاف معهم لفظي، وبعضهم حقيقي.

стр. 455

أنواع الكفر وبيان غلط حصره في كفر التكذيب السؤال فضيلة الشيخ! يقول صاحب كتاب (التقرير في مسألة التكفير) في كتابه: إن الكفر المخرج من الملة هو كفر التكذيب فقط، ما صحة هذا القول؟ وهل هو من أقوال المرجئة؟ الجواب العلماء ذكروا أن الكفر خمسة أقسام: منها كفر التكذيب، ومنها كفر الإعراض، ومنها كفر الدعوة، أي: الذي يدعو غير الله، ومنها كفر النفاق، وليس محصوراً في كفر التكذيب فقط، فكون الإنسان يكذب فقد وقع في الكفر، ولكن كفر الجحود غير كثير؛ وذلك أن الله جل وعلا أيد رسله بمعجزات ودلائل باهرة يلزم منها أن يصدق رسوله، وأن يكون صادقاً، أما إذا كان التكذيب عناداً وجحوداً فهذا شيء آخر، والتكذيب بمجرد أنه ما تبين له قليل في الكفار. والمقصود: أن الكفر أنواع، وليس محصوراً في كفر التكذيب، وهناك أنواع كثيرة ذكرها الفقهاء في كتب الفقه في كتاب سموه (حكم المرتد) ، والمرتد: هو الذي ترك دين الإسلام بعدما كان مسلماً، فذكروا أشياء كثيرة، ولاسيما كتب الأحناف فإنهم توسعوا في هذا كثيراً، وبعض العلماء جمع شيئاً مما ذكره الفقهاء في كتب مستقلة، مثل ابن حجر الهيتمي، فإنه له كتاب سماه (الإعلام بقواطع الإسلام) ، وهو مطبوع، ذكر أنواعاً كثيرة جداً إذا فعلها الإنسان صار كافراً، نسأل الله العافية! ونقل كلام العلماء في ذلك، ومنها كتاب (الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة) وغير ذلك من الكتب.

стр. 456

الشروط بين المسلمين والكفار ينظر فيها إلى المصلحة السؤال هل يجوز الاستدلال بصلح الحديبية على أنه من جاء من عند الكفار إلينا وهو مسلم أن نرجعه إليهم في هذا العصر؟ الجواب على كل حال هذه الشروط التي شرطها الرسول ﷺ لاشك أنها سنة، إلا الشيء الذي يثبت أنه خاص به صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ينظر إلى المصلحة، والرسول ﷺ عرف أن هذا لا يتم، ولهذا لما جاء أبو جندل يرسف في حديده، طالب به والده، فروجع فأبى، فنفذ الأمر، وهو شرط معتبر، ثم إن الذين جاءوا إليه ﷺ وأرجعهم كونوا لأنفسهم عصابة حرب، وصاروا يحاربون قريشاً، ولا يتركون لها شيئاً يخرج إلا أخذوه، وفي النهاية طلبت قريش من الرسول ﷺ أن يؤويهم وأن يأخذهم ويفكهم منهم، فالرسول ﷺ يعلم بالوحي الذي يوحيه الله إليه ما لا يعلم غيره، ولكن إذا قدر أن مثل هذه الشروط وقعت بين إمام المسلمين وبين الكفار فمرجعها النظر إلى المصلحة.

стр. 457

الفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة السؤال هل يوجد فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟ الجواب الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة، ولكن قد تكون ناجية بلا نصر، يعني: تنجو وإن كانت مقتولة، ولا يستلزم أن يكون لها نصر؛ لأن الإنسان قد يثبت على حق فيقتل فيكون ناجاً، ولا يلزم أن يكون منصوراً على الكفار، فالنصر في الواقع هو الثبات على الدين. فكون الإنسان يثبت على دينه حتى يلاقي ربه فهذا هو النصر.

стр. 458

الذين يدخلون الجنة بغير حساب ليسوا معينين من طائفة بعينها السؤال ورد في الحديث أن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فهل هؤلاء كلهم من الصحابة؟ الجواب ليس لازماً، والله أعلم بهم، ومثل هذا لا يوجد فيه نص على أنهم كلهم من الصحابة، ولا أنهم من غير الصحابة.

стр. 459

شرح العقيدة الواسطية [٢٨] أهل السنة والجماعة يحبون صحابة رسول الله ﷺ دون غلو أو تقصير، ويعرفون فضلهم وسابقتهم على غيرهم، ويقدمون الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الخلافة، ويقولون بنفاق كل من طعن فيهم وأساء إليهم.

стр. 460

عقيدة أهل السنة تجاه صحابة رسول الله ﷺ يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، وطاعة الرسول ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم. ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل. ويفضلون المهاجرين على الأنصار. ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ] . ينتقل المصنف ﵀ إلى أصل آخر، فيقول: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .
следующие страницы →