Полный текст (524 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الشروط بين المسلمين والكفار ينظر فيها إلى المصلحة
السؤال
هل يجوز الاستدلال بصلح الحديبية على أنه من جاء من عند الكفار إلينا وهو مسلم أن نرجعه إليهم في هذا العصر؟
الجواب
على كل حال هذه الشروط التي شرطها الرسول ﷺ لاشك أنها سنة، إلا الشيء الذي يثبت أنه خاص به صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ينظر إلى المصلحة، والرسول ﷺ عرف أن هذا لا يتم، ولهذا لما جاء أبو جندل يرسف في حديده، طالب به والده، فروجع فأبى، فنفذ الأمر، وهو شرط معتبر، ثم إن الذين جاءوا إليه ﷺ وأرجعهم كونوا لأنفسهم عصابة حرب، وصاروا يحاربون قريشاً، ولا يتركون لها شيئاً يخرج إلا أخذوه، وفي النهاية طلبت قريش من الرسول ﷺ أن يؤويهم وأن يأخذهم ويفكهم منهم، فالرسول ﷺ يعلم بالوحي الذي يوحيه الله إليه ما لا يعلم غيره، ولكن إذا قدر أن مثل هذه الشروط وقعت بين إمام المسلمين وبين الكفار فمرجعها النظر إلى المصلحة.
стр. 457
الفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
السؤال
هل يوجد فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟
الجواب
الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة، ولكن قد تكون ناجية بلا نصر، يعني: تنجو وإن كانت مقتولة، ولا يستلزم أن يكون لها نصر؛ لأن الإنسان قد يثبت على حق فيقتل فيكون ناجاً، ولا يلزم أن يكون منصوراً على الكفار، فالنصر في الواقع هو الثبات على الدين.
فكون الإنسان يثبت على دينه حتى يلاقي ربه فهذا هو النصر.
стр. 458
الذين يدخلون الجنة بغير حساب ليسوا معينين من طائفة بعينها
السؤال
ورد في الحديث أن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فهل هؤلاء كلهم من الصحابة؟
الجواب
ليس لازماً، والله أعلم بهم، ومثل هذا لا يوجد فيه نص على أنهم كلهم من الصحابة، ولا أنهم من غير الصحابة.
стр. 459
شرح العقيدة الواسطية [٢٨]
أهل السنة والجماعة يحبون صحابة رسول الله ﷺ دون غلو أو تقصير، ويعرفون فضلهم وسابقتهم على غيرهم، ويقدمون الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الخلافة، ويقولون بنفاق كل من طعن فيهم وأساء إليهم.
стр. 460
عقيدة أهل السنة تجاه صحابة رسول الله ﷺ
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، وطاعة الرسول ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل.
ويفضلون المهاجرين على الأنصار.
ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ] .
ينتقل المصنف ﵀ إلى أصل آخر، فيقول: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 461
تعريف الأصل واستعماله
الأصول: جمع أصل، والأصل: هو الذي يبنى عليه غيره، وتتفرع منه فروع.
ويطلق في اصطلاح العلماء على أمور: الأول: الدليل، كما يقولون: الأصل في هذه المسألة الكتاب أو السنة أو الحديث الفلاني.
الثاني: يطلقون الأصل على الراجح من أحد الأمرين، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة.
الثالث: يطلقون الأصل على القاعدة المستمرة، كقولهم: جواز أكل الميتة على خلاف الأصل.
الرابع: يستعمل في القياس الذي يكون له أصل وفرع.
فهذه الاستعمالات الأربعة مشهورة في استعمال العلماء، سواء في الفقه أو في الأصول، ولكن المقصود هنا هو: الأصل الذي تبنى عليه العقيدة.
стр. 462
سبب إضافة أهل السنة إلى السنة
وقوله: (أهل السنة) أهل السنة أضيفوا للسنة لأنهم يتمسكون بسنة الرسول ﷺ ، والجماعة صفة لهم؛ لأنهم يجتمعون على الحق ولا يكون بينهم افتراق، فالفرقة مذمومة وممقوتة، بل هي محرمة، فالافتراق بين أهل الحق محرم كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] فلا يجوز التفرق، وإنما إذا حصل خلاف في وجهات النظر فيجب أن يتلافى هذا الخلاف، وأن يُرجع إلى الكتاب والسنة لكي يزول الخلاف، وإن لم يزل فمعنى ذلك أن الأمور مدخولة وأن الإيمان مزعزع.
стр. 463
موقف أهل السنة من الصحابة وذكر أسبابه
قوله: (سلامة قلوبهم وألسنتهم) .
أما سلامة القلوب فمعناها: أن تسلم القلوب من الغل والحقد والبغضاء، فلا يبغضونهم، ولا يحقدون عليهم، وليس في قلوبهم لهم غل، بل لابد أن القلوب تكون على عكس ذلك، فيتسلم من هذه الأمور، ويكون فيها حبهم، وموالاتهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة مقاماتهم، وتقدمهم، وأنهم أفضل الخلق بعد الرسل والأنبياء، وألسنتهم كذلك تسلم من سبهم، ولعنهم، وإيذائهم، وثلبهم، وذكر ما يمكن أن يكون فيه تنقص لهم.
فمن أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله بذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، هذه صفة كل من يأتي بعد الصحابة إلى يوم القيامة من أهل الإيمان، فإن كان بهذه الصفة فهو منهم، وإلا لم يدخل فيهم.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر:١٠] يعني: أنهم يدعون لهم ويستغفرون لهم لأمور: الأول: أنهم سبقوهم بالإيمان، وأنهم هم الذين نقلوا إليهم الإيمان والشرع، فهم الذين بلغوا عن الرسول ﷺ الدين، وهم الواسطة بيننا وبين رسولنا ﷺ في نقل ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه عن ربه جل وعلا.
الثاني: قيامهم مع رسول الله ﷺ ، وجهادهم معه، وإنفاقهم ونصرتهم له.
الثالث: تعلمهم من الرسول ﷺ العلم والإيمان بلا واسطة.
وهذه أمور تميزوا بها لا يمكن أن يشاركهم فيها غيرهم إلا في التبليغ والدعوة، فكل من قام بالدعوة والتبليغ فله نصيب مما جاء به الرسول ﷺ ، ونصيب من قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] .
وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، الذي يكون عنده الغل يشتمل على الحسد، وعلى البغضاء والكراهية والحقد، وعلى كل ما يمكن أن يكون مؤدياً إلى الأذى وعدم المحبة والرضا.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، هذا مطلق، وأولى من يدخل فيه هم صحابة الرسول ﷺ .
стр. 464
ذكر بعض فضائل الصحابة ﵃
وقوله: (وطاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وجاء في سبب ذكره أن خالد بن الوليد ﵁ تكلم على عبد الرحمن بن عوف، فقال الرسول ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، والكلام موجه لأحد الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح؛ لأن خالد بن الوليد ﵁ أسلم بعد صلح الحديبية، وصلح الحديبية هو الفتح على القول الصحيح؛ فسورة الفتح نزلت فيه، وقد نص الله جل وعلا على ذلك في آيات متعددة وأخبر أنه لا يستوي الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا مع الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح، ومع ذلك أخبر الله جل وعلا أنه وعد كلاً الحسنى.
وهذه الآية استدل بها ابن حزم على أن الصحابة كلهم في الجنة، فقال: هذه الآية دليل على أنه لو شهدنا للصحابة كلهم بالجنة لما كنا قلنا إلا بالحق، لأنه سبحانه قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، والحسنى: دخول الجنة.
والمقصود: أنه إذا كان هذا الكلام الذي صدر من رسول الله ﷺ موجهاً لأحد الصحابة، فكيف يقال في غيرهم ممن يتكلم في الصحابة أو يفاضل بينهم وبين غيرهم؟! وقوله: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً) معلوم أن مثل هذا لا يتأتى، بل غير ممكن أن أحداً ينفق مثل أحد، ولكن هذا على سبيل الفرض الذي لا يوجد، فلو قدر أن هذا الجبل العظيم يكون مثله ذهباً بالقدر، ثم أنفقه إنسان في سبيل الله مخلصاً في نفقته ما يريد في ذلك إلا وجه الله؛ فإنه لا يبلغ من الأجر به مثل مد واحد من الصحابة أنفقه قبل الفتح.
والمد: مكيال معروف صغير يصل إلى قرابة الكيلو جرام.
ثم هذا القول يقال لمثل خالد بن الوليد، ليس لأناس جاءوا بعد الصحابة، وبهذا يتبين الفضل العظيم الذي اختص به الصحابة رضوان الله عليهم.
وقد جاءت آيات كثيرة في فضل الصحابة، كما قال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
روى ابن بطة في (الإبانة) عن الإمام مالك أنه قال في هذه الجملة من الآية: كل من غاظه شأن الصحابة فليس من أهل الإيمان، لقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
وروى ابن بطة أيضاً وغيره عن الإمام مالك أنه قال في آية سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ [الحشر:١٠] الآية؛ كل من سب الصحابة أو أبغضهم فإنه ليس له نصيب في الفيء؛ لأن الآية في الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٧] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] .
والآيات في فضل الصحابة كثيرة كما أن الأحاديث كثيرة، وقد روى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (الله الله! لا تسبوا أصحابي، ولا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) ، وجاء فيه أيضاً أن: (من أبغض الصحابة فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) .
وقد أفردت فضائل الصحابة في كتب مستقلة، وينبغي للإنسان أن يعود إليها وأن يقرأها ولاسيما في هذا الوقت الذي صدق فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، وإذا وقع ذلك فمن كان عنده علم فليخرجه -أو قال: فليظهره- ومن لم يفعل ألجمه الله لجاماً من نار) .
والذين يرمونهم طوائف أهلها كلهم ضالون، فقسم منهم غلوا فضلوا، وقسم منهم جفوا فضلوا، فالخوارج يسبونهم ويكفرون كثيراً منهم، وقصتهم وسبب خروجهم على جماعة المسلمين معروفة، وقد قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم.
وكذلك الروافض أصلهم منافق أو زنديق جاء لإفساد الدين فدخل فيه تستراً وليس مؤمناً، فبدأ بإفساده حتى أغرى أوباشاً من العراق ومن مصر وغيرها فتجمعوا وقتلوا أمير المؤمنين عثمان ﵁، حاصروه في داره ثم اقتحموا عليه بيته وقتلوه في بيته مظلوماً، وكل هذا بسبب هذا الزنديق، ثم بعد ذلك صار ينشر دعوته المسمومة الفاسدة في أنه ما مات نبي إلا وله وصي، وأن الصحابة رضوان الله عليهم تمالئوا على الكفر والكذب والظلم إلى آخره، ومن تتبع دعوته وكلامه وما نتج عنه من الفساد علم ما وقع في المسلمين بسببه، بل لا تزال آثار ذلك باقية إلى اليوم.
стр. 465
ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائل الصحابة ومراتبهم
أما فضائلهم فكما عرفنا كثيرة جداً في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ ، وقد ألف الإمام أحمد كتاباً سماه (فضائل الصحابة) وهو موجود، وكتب في ذلك سائر الأئمة في ضمن كتبهم، فلا تجد كتاباً من كتب السنة إلا وفيه كتاب في ذكر فضائل الصحابة ومراتبهم، فهي منتشرة وظاهرة وجلية، مع ما في كتاب الله من ذلك.
وأما مراتبهم التي أنزلهم الله جل وعلا إياها فهي تختلف، وفيهم من هو مقدم ومفضل، وفيهم من هو متوسط في الفضل، وفيهم من هو دون المتوسط، ولكن ليس فيهم دني، فكلهم له الفضل والخير والجزاء عند الله، ولهذا قيل لأحد العلماء الأئمة من السلف: أيهما أفضل معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: غبار في منخر معاوية بن أبي سفيان مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بن عبد العزيز؛ لأنه لا يجوز أن يفضل أحد من التابعين وأتباع التابعين على الصحابة.
أما ما يذكره بعض الناس من الحديث الذي فيه الأمر بالصبر والقبض على الدين، وهو قول النبي ﷺ : (أمامكم أيام الصبر، القابض فيها على دينه كالقابض على الجمر، له فيها أجر خمسين، قالوا: أجر خمسين منا أو منهم؟ فقال: منكم) ، فهذا لا يلزم منه أن يكون العامل هذا أفضل منهم وإن كان له هذا الأجر؛ لأن الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح الذي ينفق منهم مثل أحد ذهباً في سبيل الله لا يبلغ نصف مد واحدٍ ممن أسلم قبل الفتح، فكيف يكون ذلك فيمن يأتي بعد الصحابة مطلقاً؟! وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونه) .
стр. 466
فضل متقدمي الصحابة على متأخريهم
وقوله: (ويفضلون من أنفق من قبل الفتح، وهو صلح الحديبية) ، هذا هو الذي نص عليه العلماء وبعض الصحابة مثل البراء بن عازب بأن صلح الحديبية هو الفتح، ومعلوم أن سورة الفتح نزلت في صلح الحديبية، وإن كان الصحابة رضوان الله عليهم كرهوا ذلك الصلح، ولكن صار الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فصار خيراً، والحديبية لا تزال معروفة إلى اليوم، وكانت بئراً قليلة الماء.
وسبب الصلح -كما هو معروف- أن الرسول ﷺ ذهب في السنة السادسة من الهجرة ليؤدي العمرة ولا يريد قتالاً، ولما وصل إلى قرب مكة صده الكفار ومنعوه، ولما قارب دخول مكة بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء، فقال: (ما خلأت، وليس ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) ، وهذا لأن الله جل وعلا علم أن الكفار لن يأذنوا له بالدخول ولن يتركوه، وأنه لو بغتهم لحصل القتال، فعدل إلى جهة الحديبية فطلب من عمر بن الخطاب أن يذهب إلى قريش ويفاوضهم، ويخبرهم أن النبي ﷺ ما جاء إلا لأداء العمرة ولينحر الهدي الذي معه ويتركهم، فقال له عمر ﵁: إن ذهبت تقاتلت معهم وقتلوني، وليس هناك من يحميني، ولكن أدلك على رجل هو أمنع مني عثمان بن عفان ﵁، فأرسله ﷺ .
فلما أرسله فشا الخبر بأنه قد قتل، فطلب الرسول ﷺ من الصحابة المبايعة، فقال: (لا نبرح حتى نناجزهم) فبايعوه، وكان عددهم ألفاً وأربعمائة وزيادة، فقد جاء في حديث جابر الذي في الصحيح أنه قال: كنا ألفاً وأربعمائة، وجاء في حديث البراء أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة، وجمع العلماء بين هذا وهذا بأنهم ألف وأربعمائة وكسر، فالذي قال: خمسمائة جبر الكسر والذي قال: أربعمائة ترك الكسر، وفي اللغة العربية يسوغ أن يترك الكسر في المئات.
والبيعة كانت على ألا يفروا، وبعضهم قال: على أن يقاتلوا حتى يموتوا أو يكون لهم النصر، والنتيجة واحدة؛ فإذا كانوا لن يفروا فلابد إما أن يقتلوا أو أن ينتصروا، وأما أن يبايعوا على أن يموتوا على كل حال فهذا غير مقصود، وإنما المقصود القتال، فإما أن تكون لهم الشهادة أو يكون لهم النصر.
ثم تبين أن خبر قتل عثمان غير صحيح، وإنما طلبوا منه أن يطوف بالبيت فأبى، وقال: كيف أطوف والرسول ﷺ ممنوع؟! فلم تسفر سفارته أو وساطته عن الصلح، ولكن صار عندهم تردد وأخذ واختلاف، فبعضهم يقول نتصالح، وبعضهم يقول: لا نتصالح، فصاروا يرسلون الرسل إلى رسول الله ﷺ ، ثم أرسلوا أخيراً سهيل بن عمرو، فلما رآه الرسول ﷺ عرف أنهم يريدون الصلح، فقال: (سهل الأمر) ، فكتب الصلح بينه وبينهم على أن توضع الحرب عشر سنين، وأن الرسول ﷺ من يأتيه منهم يرده إليهم، ومن يأتيهم من قبل الرسول ﷺ لا يردونه إليه، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد ﷺ دخل.
وكانت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، وكانت بنو بكر في عهد قريش، وصار نقض العهد بسبب هاتين القبيلتين كما هو معروف، فإن بني بكر أغاروا على خزاعة وأعانتهم قريش، فصار في ذلك نقض العهد.
فلما كان وقت كتابة الصلح أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أن يكتب الصلح، فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ما نعرف الرحمان، ولكن اكتب كما كنا نكتب، اكتب: باسمك اللهم، فقال ﷺ له: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ كفار قريش، فقال سهيل بن عمرو: لا تكتب: رسول الله، فإن كنت رسول الله وصددناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وقد كتبها علي ﵁، فقال الرسول ﷺ : امحها؛ الله يعلم أني رسول، فأبى علي بن أبي طالب أن يمحوها.
وقال: والله! لا أمحوها -أي: كلمة رسول الله- فقال ﷺ : أرنيها؛ لأنه ما كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، فوضع أصبعه صلوات الله وسلامه عليه، عليها فمحاها، ثم كتب الصلح، وهم في أثناء كتابة الصلح جاء أبو جندل يرسف في حديده -وهو ابن سهيل بن عمرو - مقيد؛ لأنه مسلم، فطلب منه الرسول ﷺ إلى آخر القصة) .
والمقصود: أن هذا الصلح لما انتهى نزل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] إلى آخرها، وفيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح:١٨-١٩] إلى آخر السورة، نزلت بعد صلح الحديبية مباشرة، فرأى الرسول ﷺ عمر فقرأها عليه، فقال: أوفتح هو؟ قال: نعم.
فهذا الصلح صار فيه فتح عظيم، حيث اتصل الناس بعضهم ببعض، ودخل العرب في دين الله أفواجاً بعد ذلك.
ثم في السنة الثامنة نقضت قريش العهد الذي كان بينها وبين رسول الله ﷺ ، فغزاهم ﷺ وفتح مكة، ولاشك أن فتح مكة أيضا فتح، وهو الذي جاء فيه قوله ﷺ ( ﴿لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) .
стр. 467
المهاجرون أفضل من الأنصار في الجملة
وقوله: (ويقدمون المهاجرين على الأنصار) يعني: في الفضل وفي المرتبة؛ لأن المهاجرين هم الذين قُدموا في كتاب الله جل وعلا كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وجاء في نصوص كثيرة أن المهاجرين يقدمون على الأنصار، وذلك لأنهم تركوا بلادهم وأموالهم وأهليهم في سبيل إعزاز دين الله، وفراراً بدينهم اعتياضاً بالدين عن الدنيا بأكملها.
والهجرة في اللغة هي: الترك، يقال: هجره إذا تركه، والمقصود بها في الشرع: ترك بلاد الشرك انتقالاً منه إلى بلاد الإسلام، أو ترك البلاد التي تفشو فيها البدع وتكثر إلى البلد الذي فيه السنة، والهجرة باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها؛ كما جاء في الحديث: (الهجرة باقية ما قوتل العدو) ، والعدو جاء أنه يقاتل، وأن هذه الأمة يبقى فيها طائفة على الحق منصورة إلى قيام الساعة.
أما قوله ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) فمعنى ذلك: من مكة؛ لأن مكة صارت دار إسلام، وبهذا استدل بعض العلماء على أنها تبقى دار إسلام إلى قيام الساعة؛ لقوله: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) ، وهذا استنباط من الحديث.
стр. 468
فضل أهل بدر وعدد الصحابة
وقوله: (ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-:) هذا كما جاء في الحديث الذي في الصحيح أنهم كانوا على عدد أصحاب طالوت الذين عبروا معه النهر، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، فهؤلاء هم الذين لم يشربوا من النهر، ولم يعبر معه إلا مؤمن.
أما عدد الصحابة كلهم فقد اختلف فيه؛ فمنهم من قال: هم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
ومنهم من قال: أكثر من ذلك، والذي وصل إلينا من أسمائهم قليل جداً؛ لأن الأسماء التي وصلت إلينا من أسماء الصحابة هم الذين لهم رواية، أو لهم ذكر في رواية، وأكثرهم ليس له رواية، ومن أجمع الكتب التي جمعت أسماءهم (الإصابة) لـ ابن حجر، وقد أكثر فيها، حتى إنه جعل لهم عدة طبقات: منها الطبقة التي قيل إنهم صحابة ولم يثبت ذلك، ورقمت أسماؤهم فلم يتجاوزوا اثني عشر ألفاً، فهذا العدد قليل جداً، وقد قال أبو زرعة: إن الذين حضروا مع رسول الله ﷺ وشهدوا معه حجة الوداع أكثر من مائة ألف، ومعروف أن هناك أيضاً غيرهم من الصحابة.
وتعريف الصحابي هو: من لقي رسول الله ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.
وهناك من يزيدون في التعريف ويقولون: وإن تخلل ذلك ردة، يعني: لو قدر ذلك ثم رجع فالمهم أنه يموت مؤمناً، أما البخاري فهو يقول في صحيحه: الصحابي من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.
احترازاً من أن الذي لو قدر أنه ارتد فإنه لا يكون منهم، وما عُرف أن أحداً من الصحابة ارتد ما عدا عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه ذكر أنه ارتد ثم رجع، والآخر الذي كان يكتب الوحي فارتد فمات فلفظته الأرض ثم دفن فلفظته الأرض.
وهناك من ذكر في خبر آخر في قصة، لكن فيها كلام لا تثبت.
قوله: (يؤمنون بأن الله جل وعلا قال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وهذا ليس من القرآن، ولكن هذا حديث قدسي رواه رسول الله ﷺ عن ربه جل وعلا، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وهي في الصحيحين، فإنه كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، وكان الرسول ﷺ قد دعا ربه جل وعلا أن يعمي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلدهم، فلما جيء بالكتاب وقرئ دعا حاطباً رسول الله ﷺ وقال: (ما هذا يا حاطب؟ قال: يا رسول الله! لا تعجل فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال له رسول الله ﷺ : وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
هذا في رواية البخاري، وجاء في رواية غيره: أن الله اطلع، ليس فيها (لعل) ، والعلماء يقولون: الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع وليس لكونه يظن أو يرجى أنه يقع ويجوز ألا يقع.
والحديث القدسي القول الصحيح فيه: أنه قول الله لفظاً ومعنى، فهو يضاف إلى الله لفظاً ومعنى، ولكن ليس فيه تحد، وليس فيه تعبد بتلاوته، ولا تصح الصلاة به، إلى غير ذلك من الفروق، هذا هو القول الصحيح في تعريف الحديث القدسي، ومعنى قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، أي: أنه إذا وقع منهم أعمال ومخالفات فإنها مغفورة بسبب شهودهم بدراً، وهذا هو الذي دل عليه قوله: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟) .
стр. 469
الأسئلة
стр. 470
حكم من يسب الصحابة
السؤال
ما هي المعاملة الشرعية لمن يسب الصحابة؟
الجواب
من يسب الصحابة لاشك أنه ضال، وأنه يجب أن يؤدب الأدب الذي يرتدع به أمثاله، ولكن التأديب يقوم به ولي الأمر.
стр. 471
تكفير من يسب الصحابة
السؤال
ورد في الحديث قول رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، ومن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ، فهل من سب الصحابة كافر؟ وهل تشمله لعنة الرسول ﷺ ؟
الجواب
هذا فيه خلاف بين العلماء: فمنهم من كفره، ومنهم من لم يكفره، وعلى الإنسان أن يرجع إلى المسألة في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (الصارم المسلول) في آخره فإنه ذكر خلاف العلماء في ذلك، وذكر القول الصحيح.
стр. 472
تثبت الصحبة ولو بالرؤية في حال الصغر
السؤال
هل يثبت فضل الصحبة بمجرد رؤية الرسول ﷺ ولو كانت الرؤية في حالة الصغر؟
الجواب
نعم، إذا رأى النبي ﷺ وكان مؤمناً وإن كان في حالة الصغر تثبت له الصحبة، ولهذا أُثبتت صحبة طارق بن شهاب؛ لأنه رأى النبي ﷺ وهو صغير، وكذلك محمود بن الربيع الذي قال: عقلت مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهي، وكان صغيراً، فمثل هذا يثبت أنه من الصحابة.
стр. 473
صفة النزول من الصفات الفعلية الثابتة لله
السؤال
عرفنا أن الهرولة ليست من صفات الله ، فهل النزول في آخر الليل من صفات الله تعالى؟
الجواب
نعم، هي صفة فعل، والأفعال قد يطلق عليها أنها صفات، لكن الأفعال تتعلق بمشيئته جل وعلا، وهو يفعلها إذا شاء، وهناك فرق بين صفات الأفعال وبين صفات الذات، والفعل يصح أن يقال: إنه صفة، وعلى هذا يجوز أن نقول: إن النزول صفة، ولكن يقيد بصفة الفعل المتعلق بمشيئته.
стр. 474
شرح العقيدة الواسطية [٢٩]
أهل السنة والجماعة يحبون جميع أصحاب رسول الله ﷺ ويترضون عنهم؛ لأن الله قد رضي عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون فضائلهم، ولا يروون مثالبهم، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لأهل الفضل والسبق منهم فضله وسابقته.
стр. 475
الكلام على الخلفاء الراشدين وخلافتهم وبعض من شهد له الرسول بالجنة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.
مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ -بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، وربعوا بـ علي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا.
لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي ضللوا فيها مسألة الخلافة؛ وذلك لأنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، وقال ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .
ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) .
ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] سبق أن من أصول أهل السنة سلامة ألسنتهم وقلوبهم من الطعن في صحابة الرسول ﷺ ، ويعتقدون أنهم أفضل الأمة؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ وتلقوا الإيمان والعلم عنه ﷺ ، وتربوا على يديه صلوات الله وسلامه عليه، فكانت لهم الميزة عن غيرهم لمناصرتهم الرسول ﷺ ومصاحبتهم له، وتلقيهم عنه.
وهذا مما خص الله جل وعلا به أهل السنة، وهذا ليس عن رأي رأوه أو مذهب تمذهبوا به من عند أنفسهم، أو على مستوى عقول أو أقيسة، وإنما ذلك اتباع لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] يعني أن الذين جاءوا بعد الصحابة يجب أن تكون صفتهم هذه: أنهم يستغفرون للصحابة ويتولونهم، ويسألون الله جل وعلا ألا يكون في قلوبهم غل لهم وحقد عليهم؛ لأن هذه صفة غير المؤمنين، بل صفة الذين يكونون خارجين من الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] ، ولهذا قال الإمام مالك وغيره من السلف: كل من غاظه شأن الصحابة فهو ليس من المؤمنين.
وكذلك النصوص التي جاءت في كتاب الله في الثناء عليهم بقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] إلى آخر الآية، وقوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآية، في آيات كثيرة.
وكذلك في أحاديث رسول الله ﷺ ، فإنه كان يذكر فضلهم ويحذر من الكلام فيهم، بل صار في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه يكرر ذلك، ويقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فإن من أحبهم فإنما أحبهم بحبي، ومن أبغضهم فإنما أبغضهم ببغضي) ، وغير ذلك مما يذكره ﷺ .
كذلك مما ينوه بفضلهم قوله ﷺ : (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فجعل خير الناس وخير الأمة هم صحابته ﷺ .
ولهذا كل من تكلم فيهم بمسبة أو لعن أو تحقير لشأنهم فإنه يكون خارجاً عن سبيل المؤمنين، والله يوليه ما تولى، ومن تولى غير سبيل المؤمنين فقد توعده الله جل وعلا بأن يصليه جهنم.
стр. 476
أقسام الأخبار التي جاءت في خلاف الصحابة فيما بينهم
ومن طريقة أهل السنة والجماعة: أنهم يتميزون عن غيرهم من أهل البدع والضلال وأهل الانحراف، في موقفهم مما حدث بين صحابة الرسول ﷺ في زمن الفتن التي أخبر بها الرسول ﷺ ، ويقولون الأمور التي جرت بين الصحابة ثلاثة أقسام: القسم الأول: رواه أهل الكذب مثل أبو مخنف، ومثل الكلبي وأمثالهم الذين يذكرون الأخبار ويزيدون فيها، وهذا لا يجوز تصديقه، لأن رواته كذبة عرفوا بالكذب.
القسم الثاني: مزيد فيه عن الواقع أو منقوص منه، وهذا يجب أن يمحص وينظر فيه على أصول أهل السنة، فما كان فيه من زيادة فتنفى، وما كان فيه من نقص فإنه يثبت النقص حتى يأتي على وجهه.
القسم الثالث: الثابت عنهم، ولهم فيه أعذار، وهم مجتهدون فيه، فهم لا يخلون إما أن يكونوا لهم فيه أجران لأنهم أصابوا، أو أن لهم أجراً واحداً على اجتهادهم وخطؤهم مغفور.
هذا هو قول أهل السنة، ولا يطلقون ألسنتهم فيهم، بل يكرهون الخوض في ذلك أشد الكراهة، ويقولون: لا يجوز أن يخاض في الأمور التي جرت؛ لأنها لا تخلو من هذه الأشياء، وأكثر الناس لا يميز بين الحق والباطل، فإذا قرأها لا يكاد يسلم من الإحن ومن الحقد ومن الأمور الباطلة؛ لأن هذه أوجدها أعداء الله، ولهذا يقول الإمام أبو زرعة: إذا رأيت الإنسان يقع في صحابة الرسول ﷺ فاعلم أنه زنديق.
وذلك أن الله حق، وكتابه حق، والرسول حق، والرسول ﷺ جاء بالكتاب وجاء بالوحي فتلقاه عنه صحابته، فهم الذين بلغوه عن الرسول ﷺ ، والطاعن فيهم يريد أن يطعن في الإسلام، فيطعن فيهم لأنهم هم الواسطة بين الأمة وبين نبيهم ﷺ ، فيجب أن يُحذر ويُعلم ذلك.
стр. 477
فضل أهل بدر وبيعة الرضوان
ثم مع هذا أهل السنة يرون أن الصحابة يتفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض، فأهل بدر أفضل ممن لم يشهدها، وكذلك أهل بيعة الرضوان؛ لأن النصوص جاءت فيهم، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وقال ﷺ : (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل) ، وصاحب الجمل الأحمر هو الجد بن قيس الذي اختفى عن البيعة، وكان منافقاً معروفاً، وعمر ﵁ استأذن النبي ﷺ حينما بعث حاطب بن أبي بلتعة بالكتاب إلى قريش يُعْلِمهم بمسير النبي ﷺ إليهم، فقال له: دعني أضرب عنقه؛ فإنه منافق، فنظر إليه الرسول ﷺ وقال: (وما يدريك؟ إنه شهد بدراً، وإن الله جل وعلا قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وقال غلام له: إن حاطباً سيدخل النار.
قال: (كلا؛ إنه قد شهد بدراً وبايع تحت الشجرة) .
والله جل وعلا يقول: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] إلى أن قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، يعني: كل الصحابة وعدهم الله جل وعلا الحسنى، والحسنى هي الجنة، ولهذا قال الإمام ابن حزم ﵀: هذه الآية تدل على أن الصحابة كلهم في الجنة، لأنه جل وعلا قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، وقد توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
ومع هذه النصوص وأضعافها كثير جداً إلا أن أهل السنة لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، كالعشرة الذين بشرهم الرسول ﷺ بالجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة.
وكذلك ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة عبد الله بن سلام، وكذلك الحسن، والحسين، وكذلك ثابت بن قيس بن شماس، وكذلك عكاشة بن محصن فإنه ثبت أن الرسول ﷺ لما ذكر السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قام فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم) ، فهذه شهادة له بأنه من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وكذلك غيرهم ممن ثبت به النص عن النبي ﷺ .
أما ما عدا ذلك فإن أهل السنة يرجون للمؤمنين الجنة، ويخافون على الفاسقين من المؤمنين أن يدخلوا النار، ولا يشهدون لأحد أنه من أهل الجنة، ولا بأن هذا الشخص بعينه من أهل النار، من مجرد أنه عمل معاصي أو أنه مات عليها، إلا أن يكون قد مات مشركاً أو مات كافراً، فإن من مات مشركاً أو كافراً فإنه مقطوع قطعاً لأخبار الله جل وعلا وأخبار رسوله بأنه من أهل النار.
وأهل بدر كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، وأما أهل الحديبية فكانوا ألفاً وأربعمائة أو ألفاً وخمسمائة؛ يزيدون عن الأربعمائة وينقصون عن الخمسمائة.
وقوله جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] ، يرى أهل السنة أن الفتح هو غزوة الحديبية، وفيها نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] ، وهذا هو قول الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان ابن كثير يقول: إن الجمهور يرون أن الفتح هو فتح مكة، ولاشك أن فتح مكة فتح عظيم، لكن الفتح الذي ذكر في هذه الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] هو غزوة الحديبية وليس فتح مكة، وهذا أمر ظاهر وواضح من الأدلة.
стр. 478
فضل أبي بكر ﵁
قوله: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر) ﵁ ، هذا ذكره لأن علي بن أبي طالب اُتخذ ذريعة يُرمى من خلفه صحابة الرسول ﷺ بكل باطل، بل بالكفر والضلال، فذكر أنه ثبت عنه من أكثر من ثمانين وجهاً بعضها في الصحيحين وبعضها في كتب العلماء من المسانيد والسنن -أنه قال: (خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر) ، وفي بعضها: (ولو شئت لقلت الثالث، فقيل له: أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) .
هذا ثابت عنه ﵁.
وهناك نصوص كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن أبا بكر هو أفضل الأمة، وهو أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ؛ ولهذا ثبت من طرق متعددة أن رسول الله ﷺ قال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله اتخذني خليلاً) .
وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سأل رسول ﷺ فقال له: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة.
فقال: من الرجال؟ قال: أبوها) ، والأحاديث في تفضيل أبي بكر وتقديمه كثيرة جداً، والله جل وعلا ذكر في كتابه أنه صاحب النبي ﷺ فقال: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ [التوبة:٤٠] ، فهو صاحبه في الغار، وصاحبه في الهجرة، وصاحبه الذي لازمه منذ آمن به إلى أن فارق الدنيا، وكثيراً ما كان يقول ﷺ : خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت كذا أنا وأبو بكر وعمر.
وقد جاء أنه ﷺ كان يحدث أصحابه، فقال: (إن رجلاً كان يسوق بقرة، وبينما هو كذلك إذ ركبها، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، وإنما خلقنا للحرث.
فقالوا: سبحان الله! بقرة تتكلم؟! فقال ﷺ : آمنت به أنا وأبو بكر وعمر) ، ولم يكن أبو بكر وعمر عنده يومئذٍ.
ومرة كان يحدث ﷺ فقال في حديثه: (بينما رجل كان مع غنمه إذ عدا عليه ذئب فأخذ شاة، فافتكها منه راعي الغنم، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال: من لها يوم لا يكون لها راعٍ إلا أنا؟! فقالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم؟! قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر، ولم يكن أبو بكر وعمر يومئذٍ في المجلس) ، في أشياء كثيرة تدل على أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، وكذلك يليه عمر في الفضل.
يقول أنس ﵁ كما في البخاري: (إن أعلمنا برسول الله ﷺ أبو بكر) ، لهذا يقول السمعاني ﵀: أجمع من يُعتد بإجماعه من الأئمة أن أعلم الصحابة أبو بكر ثم عمر.
فهو أفضلهم وأعلمهم، وهو أحبهم إلى رسول الله ﷺ ، وهذا جاء في أحاديث كثيرة ثابتة.
أما الخلافة فهو خليفة رسول الله ﷺ ، وهذا شيء خاص به، أي: كونه خليفة الرسول ﷺ ، ولهذا كانت مدته شبيهة بمدة النبوة في زمن النبوة، ولم يقع فيها أي اختلاف وأي إشكال سوى الردة، ولما توفي بعدما أمضى سنتين خليفة وأوصى إلى عمر ﵁ تغير الاسم، فقيل: عمر أمير المؤمنين؛ لأنه لما قيل له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، قال هذا شيء طويل، ولكن قولوا: أمير المؤمنين.
стр. 479
فضل عمر بن الخطاب ﵁
ثم يليه في الفضل عمر ﵁، وقد سماه رسول الله ﷺ (الفاروق) ؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وقد جاء في المسند وغيره أن الرسول ﷺ قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) ، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: (إنه كان فيمن كان قبلكم محدثون، وإن يكن في أمتي فمنهم عمر) .
وثبت أنه ﷺ قال: (ما سلك عمر طريقاً إلا سلك الشيطان طريقاً غيره) ، أي: أن الشيطان كان يفر من عمر ﵁.
وهو الخليفة بعد أبي بكر وبقي في الخلافة عشر سنوات، ثم قتل وهو يصلي، طعنه مجوسي يقال له: أبو لؤلؤة من الحاقدين على الإسلام الذين يتربصون به ويريدون أن يوقفوا مدده، ولكن الأمر ليس في قتل عظماء الإسلام؛ لأن الإسلام دين الله جل وعلا هو يتولى نصره ويتولى نشره في الأرض، فلم يصنعوا شيئاً.
стр. 480
فضل عثمان ﵁
قوله: (ويثلثون بـ عثمان ﵁ أي: في الخلافة والفضل، ففضلهم على ترتيب خلافتهم، وذلك أن خلافة عثمان ﵁ كانت باتفاق الصحابة، فقد بقوا يتشاورون وقتاً حتى أجمعوا على عثمان ﵁؛ ولهذا يقول أيوب السختياني والإمام أحمد والدارقطني وغيرهم، يقولون: (من لم يثلث بـ عثمان ﵁ في الخلافة والفضل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) .
أزرى، أي: احتقرهم وانتقصهم ولم ير لهم رأياً، وذلك لأن هذا وقع بإجماع المهاجرين والأنصار، فهم أجمعوا على أن يكون هو الخليفة، وله فضائل كثيرة.
стр. 481
فضل علي ﵁، والخلاف في المفاضلة بين علي وعثمان ﵄
قوله: (ويربعون بـ علي ﵁ أي: في الخلافة والفضل.
ثم إنه ذكر أن مسألة التفضيل بين علي وعثمان مسألة وقع فيها خلاف بين أهل السنة، فمنهم من فضل علي بن أبي طالب ﵁ على عثمان، ولكن تقرر الأمر فيما بعد على أن عثمان هو أفضل.
стр. 482
الخلافة الراشدة وحكم الخلاف في ترتيبها
وأما الخلافة فليس فيها خلاف أن خلافة الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، وأنها هي خلافة النبوة؛ لما جاء في المسند والسنن وغيرها، من حديث سفينة مولى رسول الله عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً) ، والثلاثون السنة تنتهي بانتهاء خلافة علي ﵁؛ لأن خلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان ﵁ اثنتا عشرة سنة، ثم علي أربع سنوات، ويبقى من الثلاثين قليل كملت بخلافة الحسن بن علي ستة أشهر، ثم بعد ذلك صارت ملكاً، فهذه هي المذكورة في حديث العرباض بن سارية حينما قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، فالخلفاء الراشدون هم هؤلاء بنص أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذه عقيدة أهل الحق الذين يتبعون الكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فهو من أهل الزيغ والضلال.
وقوله: (إن التفضيل ليس من الأصول التي يضلل بها) ، يعني: التفضيل بين الخليفتين علي ﵁ وعثمان؛ لأن فيها نصوصاً، ومن قدم واحداً منهما على الآخر يستدل بنصوص من أحاديث الرسول ﷺ ، ولكنه رأي مرجوح؛ والراجح خلافه، وفرق بين الشيء الذي يكون مرجوحاً ويكون ضعيفاً، وبين الشيء الذي يضلل به الإنسان إذا سلكه، ويكون ضالاً من أهل الضلال، فالذي يكون به التضليل هو مسألة الخلافة، فالذي يقول مثلاً: إن الصحابة اغتصبوا الخلافة من علي، وكتموا وتمالئوا على الكذب والكتمان، بل وكفروا فلم يبق منهم إلا قليل، فهناك فرق بين من يقول هذا ومن يقول بالتفضيل.
ثم الذي يقول هذا ليس له أي معتمد، بل يقابله قوم آخرون مثل طائفة يقال لها الراوندية تزعم أن الخليفة هو العباس بن عبد المطلب، وأنه هو الوصي، وقولهم مثل قول الذين يقولون: إن الوصي هو علي بن أبي طالب، وكلها دعاوى، والدعوى لا تعجز أحداً.
أما إذا كان هناك نصوص يعتمدون عليها فهي مكذوبة على رسول الله ﷺ ، أو أنها محرفة وموضوعة، وليس هناك شيء، وإنما هي دعوى، وقد يُؤتى بشيء يُلبس به تلبيس مع أن الأمر في ذلك واضح وجلي.
والرسول ﷺ بقي مريضاً وقتاً وهو يأمر أن يصلي بالناس أبو بكر ﵁، ولما اعترض من اعترض غضب ﷺ على ذلك؛ لأن عائشة ﵂ كرهت أن يكون أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد رسول الله ﷺ ؛ لأنها قالت: لا يقوم رجل بعد رسول الله ﷺ فيكون بمنزلة النبي ﷺ ، بل يتذكر الناس مقام الرسول ﷺ فيكرهون هذا الرجل الذي قام مقامه؛ لأنه لا أحد يصل إلى مرتبة رسول الله ﷺ في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم في قلوب الناس.
فكانت تقول له: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء؛ إذا قرأ لا يُسمِع الناس من البكاء، لو أمرت غيره أن يصلي بالناس، ثم ذهبت إلى حفصة وقالت لها: قولي له هذا القول لعله يأمر غيره، فلما قالت له ذلك قال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) ، وكان يتأكد من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وثبت أن رسول الله ﷺ قال: (ائتوني بكتاب؛ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبدا) .
فاختلفوا عنده، فمنهم من قال: نأتي بالكتاب، ومنهم من قال: إنه مريض ويخشى أن يكون كلامه هذا ليس كلاماً في تمام عقله وصحته، فلما اختلفوا قال: (قوموا عني، فما أنا فيه خير مما أنتم فيه، ثم بعد ذلك قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم لئلا يقول قائل أو يتمنى متمنٍ، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ، فرأى أن ترك الكتابة أولى وأحسن فتركها، وإلا لو أراد أن يكتب فلا أحد يحول بينه وبين كتابته صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الكتاب لما جاء هكذا مبهماً قال أهل الباطل: إنه كان يريد أن يكتب وصية لـ علي بن أبي طالب، ولكن عمر حال بينه وبين ذلك، وهذا من الافتراء، فإنه ثبت في بعض الطرق في الصحيح، أنه قال لـ عائشة: (ادعي لي أباك وأخاك، وائتوني بكتاب أكتب له حتى لا يقول قائل ولا يتمنى متمنٍ) ، ولكن تبين له أن ترك الكتابة أولى فتركها.
وكذلك ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال لها: (ائتيني يوم كذا -يعني فيما بعد-، فقالت: أرأيت إن لم أجدك؟ -كأنها تقول: أرأيت إن متّ؟ - فقال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) .
وثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ رأى رؤيا -وهي وحي- فقال: (كنت على بئر فاستقيت منها ما شاء الله أن أستقي، فجاء أبو بكر ليعقبني فنزع ذنوباً أو ذنوبين، وكان في نزعه ضعف والله يغفر له) ، والذنوب والذنوبان عبارة عن المدة، فإنه بقي بعده سنتان فقط، قال: (ثم جاء عمر وتحولت الدلو غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى ضرب الناس -روى الناس- بعطن) ، وغير ذلك كثير من النصوص، ولهذا قال بعض أهل السنة: إن خلافة أبي بكر بالنص، ولكنها ليست بالنص الجلي وإنما هي بالنص الخفي، والصواب أنها جاءت الإشارة إليها في أحاديث عن رسول الله ﷺ ، ولكن خلافته صارت بمبايعة الصحابة له.
وقوله: (وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله) ؛ أي: للنصوص التي ذكرنا بعضها، وهذا باتفاق أهل السنة خلاف أهل البدع.
стр. 483
مكانة أهل البيت عند أهل السنة والجماعة
قوله: (ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)) .
أهل بيته هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل عقيل، وآل العباس، وآل علي، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكذلك أزواجه صلوات الله وسلامه عليه من أهل بيته، وكذلك بناته، وذريتهم إلى يوم القيامة.
وأهل السنة يحبونهم بمحبة رسول الله ﷺ ، ويحفظون فيهم وصيته، ويتولون المؤمنين منهم، أما الكافرون فليسوا له بأولياء كما نص هو ﷺ على ذلك، وقال: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله جل وعلا والمؤمنون) أي: الذين يتبعون سنته ويقتفون أثره، وآل فلان الذين ذكرهم هم من أقاربه صلوات الله وسلامه عليه.
ومعلوم أن الله جل وعلا أوجب الإيمان على كل عبد، وإذا لم يؤمن فليس بينه وبين الله صلة، حتى ولو كان ابن نبي، فإذا كان كافراً فهو من أهل النار، والله جل وعلا يقول لنوح ﵇ في ولده: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فولده الذي هو من صلبه ليس من أهله، وأخبر جل وعلا أن امرأة نوح وامرأة لوط في النار، وأن نوحاً ولوطاً لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، فالصلة التي بين العباد وبين الله جل وعلا هي الإيمان، ومتابعة الرسول ﷺ ، فأهل بيته الذين يُتولون هم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبرسوله ﷺ ، ويجب أن يُحبوا بمحبة الرسول ﷺ .
وكذلك يجب أن يُعرف قرابتهم، ويُعرف لهم قدرهم، وتحفظ فيهم وصية الرسول ﷺ بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ويميزوا عن الناس بقرابة رسول الله ﷺ في الحب والتولي، كذلك أزواجه ﷺ ، ويدل على هذا الحديث الذي ذكره هنا، وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم، وغديرخم: موضع قرب الجحفة، وخم: غيضة أشجار مجتمعة أضيف الغدير إليها، والغدير: هو الماء الذي يتجمع في منخفض في الوادي من السيل، وهذا القول كان بعد رجوعه من حجة الوداع، وكان في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فإنه خطب الصحابة رضوان الله عليهم، وقال لهم: (إنه يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله -فحث على كتاب الله وأمر بالالتزام به- ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي) ، يعني: أنه أوصى بأن يُحفظ لهم حقهم.
وفي رواية ثبتت في الصحيح أنه ﷺ قال في هذا اليوم: (إن عبداً خيره الله جل وعلا بين ما عنده وبين أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عند الله) فبكى أبو بكر، فعجب الصحابة لبكائه وقالوا: ما لهذا الشيخ؟ الرسول ﷺ يخبر عن عبد خيره الله جل وعلا بين ما عنده أو أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عنده فصار يبكي، يقول: فتبين أن العبد هو رسول الله ﷺ ، وتبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة برسول الله ﷺ ، فهو يخبر عن قرب أجله، وهذا معنى قوله: (يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب) يعني: ملك الموت الذي يقبض الروح، ثم بقي بعد ذلك قرابة ثلاثة أشهر وتوفاه الله جل وعلا.
قوله: (وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم) ، والجفاء هو: إظهار الخشونة وعدم التلطف، وعدم إظهار المحبة والمودة، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (والله! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، أي: لمحبة الرسول ﷺ .
وعم الرجل هو صنو أبيه، ولهذا كان عمر ﵁ يقول له: (والله! لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك أن إسلامك أحب إلى رسول ﷺ من إسلام الخطاب) يعني: والده.
فمحبتهم من الإيمان، لأنها من محبة ما يحبه الرسول ﷺ ؛ ولأن الله جل وعلا اصطفى بني هاشم من قريش، كما أخبر الرسول ﷺ ، والاصطفاء هو: الاختيار، قال ﷺ : (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، فهو صفوة بعد صفوة بعد صفوة، ولكن أهل بيته وقرابته لهم حق القرابة، وحق المحبة، وحق التولي زيادة على تولي المسلمين لقرابة رسول الله ﷺ .
стр. 484
مكانة أمهات المؤمنين ﵅ عند أهل السنة والجماعة
وكذلك أهل السنة يتولون أزواج رسول الله ﷺ ، ويعلمون أنهن زوجاته في الجنة كما أخبر بذلك ﷺ ، وقد أخبره الله جل وعلا بهذا، فهن أمهات المؤمنين من جهة تحريم النكاح، ومن جهة وجوب الطاعة والتولي والمحبة، لا من جهة القرابة، أو جهة الإرث، أو جواز النظر، أو جواز الخلوة؛ فإنه لا يجوز شيء من ذلك، وإنما هن أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على جميع المؤمنين بعد رسول الله ﷺ ، كما نص الله جل وعلا على ذلك، ولأنهن يجب برهن ومودتهن وطاعتهن في طاعة الله جل وعلا.
وهن زوجاته ﷺ في الآخرة، وقد توفي ﷺ عن تسع زوجات، وأفضلهن خديجة ﵂ وعائشة.
стр. 485
الخلاف في التفضيل بين خديجة وعائشة وذكر بعض فضائلهن
أهل السنة يختلفون أيهما أفضل خديجة أو عائشة؟ والله أعلم بأفضلهن، ولكن قد جاء لكل واحدة منهما خصائص ليست للأخرى، وجاء لكل واحدة منهن فضائل ليست للأخرى.
فمن خصائص خديجة: كونها أول زوجة تزوجها ﷺ ، وقد تزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وكانت تزيد عليه في العمر بخمس عشرة سنة، وكل أولاده كانوا منها ما عدا إبراهيم، وكانت تناصره وتساعده وتواسيه، وكلما اشتد عليه أمر يأت إليها فتواسيه وتسليه، وتقول له: (والله! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتعمل كذا وتعمل كذا) فتذكر من محاسنه وتشجعه وتسليه، وكذلك كانت تساعده في الدعوة بمالها وبنفسها، وكان يحبها ﷺ كثيراً، حتى إن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ولم أدركها، ولكن من كثرة ما يذكرها رسول الله ﷺ ، وكان إذا ذبح ذبيحة أهدى إلى صواحبها ما يكفيهن.
وبعث إليها رب العالمين السلام مع جبريل، فقال جبريل للرسول ﷺ : (هذه خديجة قد جاءتك على يدها إناء، فإذا جاءتك فأقرئها من الله السلام) ، وهذا شيء من خصائصها لم يشاركها فيه غيرها.
أما عائشة ﵂ فهي الصديقة بنت الصديق، وهي أحب النساء إلى رسول الله ﷺ ، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم: (أنه لما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة) والرسول ﷺ لا يداري أحداً، ولا يخشى إلا الله، ولا يكتم شيئاً، فلهذا لما سئل عن ذلك قال: (أحب الناس إلي عائشة، قيل له: ومن الرجال؟ قال: أبوها) .
ومن خصائصها: كثرة ما تلقته عن الرسول ﷺ من العلم، وما نشرته من الفقه والأحاديث التي سمعتها من رسول الله ﷺ ، فهي من المكثرين من الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
ومن خصائصها: أن الوحي كان ينزل على رسول الله ﷺ وهو متلحف معها في لحافها.
ومن خصائصها: أن الرسول ﷺ توفي في يومها وهي محتضنة له، فمات صلوات الله وسلامه عليه بين سحرها ونحرها.
ومن خصائصها: أن الله جل وعلا طهرها وذكر براءتها مما رميت به بالوحي الذي أوحاه إلى رسوله ﷺ ، وأصبح وحياً يتلى إلى يوم القيامة، ولهذا يقول العلماء: من رماها بشيء من ذلك فإنه يجب قتله وهو كافر بالله جل وعلا؛ لأنه مكذب لكتاب الله جل وعلا.
وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ، والثريد: هو الخبز إذا أدم باللحم، وهذا هو أفضل الطعام.
стр. 486
موقف أهل السنة من الرافضة
قوله: (ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم) .
يعني: أن أهل السنة مذهبهم البراءة ممن يبغض الصحابة ويسبهم، والبراءة معناها: البغض وإظهار العداوة، فأهل السنة يبغضونهم، ويظهرون العداوة لهم، ويتبرءون منهم.
وقد اختلف العلماء في حكم سب الصحابة، فمنهم من يرى أن سبهم كبيرة من كبائر الذنوب، وأما لعنهم فهو كفر بالله جل وعلا، ومعلوم أن هذا مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو على كل حال ضلال، ومن فعله فهو ضال.
وتقابل طريقة الرافضة طريقة النواصب، والنواصب: جمع ناصب، وهو: من نصب العداء لأهل البيت، والنواصب يقصد بهم المروانية، وهذه فرقة سياسية كانت تدافع وتكافح لوجود الرئاسات والملك، وانقرضت وانتهت ولا وجود لها.
ومن النواصب الخوارج؛ لأنهم يعادون أهل البيت وبعض الصحابة.
стр. 487
الأسئلة
стр. 488
حال حديث: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكر أن أفضل الأمة وأعلمها أبو بكر الصديق ﵁، فكيف نجمع بين ذلك وبين حديث الرسول ﷺ : (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ) ؟
الجواب
الحديث ليس بصحيح.
стр. 489
مارية القبطية ﵂ من أمهات المؤمنين
السؤال
هل مارية القبطية من أمهات المؤمنين؟
الجواب
نعم؛ لأنها كانت سرية تسراها ﷺ ولم يكن يقسم لها، وإنما كان يقسم لنسائه.
стр. 490
المقصود بإجماع العشرة
السؤال
إذا قيل: إجماع العشرة، فهل يقصد به العشرة المبشرون بالجنة؟
الجواب
هذا يختلف باختلاف أصحاب الكتب الذين لهم اصطلاحات؛ لأن كل صاحب كتاب له اصطلاح، فإذا ذكر أنه يقصد كذا فيذكر اصطلاحه، وهذا ليس من الأمور العامة.
стр. 491
حال حديث: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان)
السؤال
هل ورد أن الرسول ﷺ قال: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان، لو لم أدرك النبوة لأدركها أبو بكر) ؟
الجواب
لم يرد، الوارد كما في المسند وغيره: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) .
стр. 492
فضل الصحبة لا يمكن لأحد إدراكه بعد الصحابة
السؤال
هل أجمعت الأمة على أن من صاحب الرسول ﷺ ولو مدة يسيرة، هو أفضل ممن يأتي بعدهم من التابعين والعلماء إلى قيام الساعة؟
الجواب
نعم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدرك فضل صحبة النبي ﷺ ، والصحابة أدركوا هذا الفضل، الصحبة تطلق على الرجل إذا لقي النبي ﷺ مؤمناً به ولو ساعة، فكل من لقيه مؤمناً به ومات على ذلك فهو أفضل ممن يأتي بعده، هذا في الجملة.
стр. 493
الحسن بن علي ﵄ من الخلفاء الراشدين
السؤال
هل الحسن بن علي يعتبر من الخلفاء الراشدين لأنه كمل الثلاثين؟
الجواب
نعم، وهذا ذكره الرسول ﷺ فقال: (ابني هذا سيد، وسيصلح الله جل وعلا به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، وفي رواية: (لعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، وكلمة (لعل) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ يقول العلماء: إنها للوجوب، وإنها تقع، وليست للتعليل أو الترجي.
стр. 494
زوجات النبي ﷺ في الآخرة
السؤال
ذكر بأن زوجات الرسول ﷺ في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، فهل للرسول ﷺ زوجات من الحور العين؟
الجواب
الرسول ﷺ أفضل الخلق لا يسأل عما له، فإن هذا شيء لا يدرك.
стр. 495
قبول صلاة من صلى أمام الإمام
السؤال
من صلى أمام الإمام هل تقبل صلاته؟
الجواب
القبول عند الله ولا أحد يعرف هل صلاته قبلت أو ما قبلت، وإنما الإنسان إذا جاء بالعبادة بشروطها وبأركانها فيرجو أن الله يقبل ذلك منه، ويخاف أن الله يردها، فيجب أن يكون بين الخوف والرجاء دائماً، أما أنه يجزم بأنها قبلت صلاته فهذا لا يمكن إلا بوحي يوحيه الله جل وعلا.
следующие страницы →