Полный текст (524 стр.). Показаны 491–524 · переход к 496.
стр. 491
حال حديث: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان)
السؤال
هل ورد أن الرسول ﷺ قال: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان، لو لم أدرك النبوة لأدركها أبو بكر) ؟
الجواب
لم يرد، الوارد كما في المسند وغيره: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) .
стр. 492
فضل الصحبة لا يمكن لأحد إدراكه بعد الصحابة
السؤال
هل أجمعت الأمة على أن من صاحب الرسول ﷺ ولو مدة يسيرة، هو أفضل ممن يأتي بعدهم من التابعين والعلماء إلى قيام الساعة؟
الجواب
نعم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدرك فضل صحبة النبي ﷺ ، والصحابة أدركوا هذا الفضل، الصحبة تطلق على الرجل إذا لقي النبي ﷺ مؤمناً به ولو ساعة، فكل من لقيه مؤمناً به ومات على ذلك فهو أفضل ممن يأتي بعده، هذا في الجملة.
стр. 493
الحسن بن علي ﵄ من الخلفاء الراشدين
السؤال
هل الحسن بن علي يعتبر من الخلفاء الراشدين لأنه كمل الثلاثين؟
الجواب
نعم، وهذا ذكره الرسول ﷺ فقال: (ابني هذا سيد، وسيصلح الله جل وعلا به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، وفي رواية: (لعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، وكلمة (لعل) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ يقول العلماء: إنها للوجوب، وإنها تقع، وليست للتعليل أو الترجي.
стр. 494
زوجات النبي ﷺ في الآخرة
السؤال
ذكر بأن زوجات الرسول ﷺ في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، فهل للرسول ﷺ زوجات من الحور العين؟
الجواب
الرسول ﷺ أفضل الخلق لا يسأل عما له، فإن هذا شيء لا يدرك.
стр. 495
قبول صلاة من صلى أمام الإمام
السؤال
من صلى أمام الإمام هل تقبل صلاته؟
الجواب
القبول عند الله ولا أحد يعرف هل صلاته قبلت أو ما قبلت، وإنما الإنسان إذا جاء بالعبادة بشروطها وبأركانها فيرجو أن الله يقبل ذلك منه، ويخاف أن الله يردها، فيجب أن يكون بين الخوف والرجاء دائماً، أما أنه يجزم بأنها قبلت صلاته فهذا لا يمكن إلا بوحي يوحيه الله جل وعلا.
стр. 496
حكم خلع لباس الإحرام قبل التقصير أو الحلق
السؤال
رجل اعتمر ولم يقصر إلا بعد أن خلع لباس الإحرام وارتدى ثيابه المخيطة فما حكم ذلك؟
الجواب
هو أخل بذلك، ولكن ما دام أنه قد قصر فيكفيه هذا.
стр. 497
شرح العقيدة الواسطية [٣٠]
الروافض والنواصب وإن كانوا من طائفتين متناقضتين إلا أنهم يشتركون في طعنهم في صحابة النبي ﷺ ، أما أهل السنة والجماعة فإنهم يعرفون حق الصحابة، وينزلونهم منزلتهم، ويمسكون عما شجر بينهم، ويعتقدون أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم.
стр. 498
إمساك أهل السنة عما شجر بين الصحابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب بالجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟ ثم القدر الذي ينكر من فعلهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله] .
من أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لصحابة الرسول ﷺ ، ومعنى سلامة القلوب ألا يكون في قلوبهم غل أو حسد أو حقد على أحد منهم، أو أن يكون في قلوبهم عقيدة بأنهم قد بدلوا أو غيروا، أو أنهم قصروا فيما أمروا به، أو أن غيرهم خير منهم من هذه الأمة، فيجب أن يكون قلب المسلم سليماً لصحابة الرسول ﷺ .
أما سلامة الألسن فيجب أن يكون اللسان سالماً من ثلبهم وذكر ما فيه شيء من معائبهم، فإن ذكروا فيذكرون بالثناء والاستغفار لهم والدعاء لهم، كما أمر الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، وهذه عقيدة أهل السنة في صحابة الرسول ﷺ .
وكذلك الإعراض عما حدث بينهم من الخلاف، وما حدث من القتال؛ لأن الذي يشتغل به لابد أن يقع في شيء مما هو خلاف الواجب من عقيدة أو قول؛ فلهذا من مذهب أهل السنة أن يعرضوا عن ذلك؛ لأنها أمور وقعت وانتهت، وأقل ما يقال فيها: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] .
ولكن الناس في هذا أقسام، وذكر المؤلف عقيدة أهل السنة، وأنهم يتبرءون من الذين يخالفون أهل السنة في هذا النهج، وهم ما بين مُفْرط أو مُفَرط.
стр. 499
تبرؤ أهل السنة من طريقة الروافض
الروافض يتبرأ أهل السنة من طريقتهم، والرفض معناه الترك، والروافض: هم الذين يبغضون صحابة الرسول ﷺ ، ويشتمونهم، ويرون أنهم على ضلالة، وأنهم إما أنهم ارتدوا أو أنهم تعمدوا الكذب على رسول الله ﷺ والتبديل والتغيير، وكل قولهم مبني على الكذب الذي كذبه عليهم الزنادقة، وأرادوا بذلك تغيير الدين الإسلامي، فلهذا يقول أبو زرعة وغيره من العلماء: إذا رأيت الإنسان يتكلم في صحابة الرسول ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ لأن الله حق، والرسول حق، والإسلام حق، والصحابة رضوان الله عليهم هم الواسطة بين الأمة وبين الرسول ﷺ الذين نقلوا الدين إلى الأمة، فإذا ثبت القدح فيهم فمعنى ذلك أن القدح يكون في الدين الإسلامي وفي الرسول ﷺ .
وقوله: الذين يبغضون الصحابة، جعل هذا وصفهم، فوصف الروافض أنهم يبغضون الصحابة، فكل من أبغض الصحابة فهو منهم، سواء كان بالعموم أو بالخصوص، وسبق أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة على هذا الترتيب، هذا هو مذهب أهل السنة في بيان مراتب فضلهم.
وسبق أن من العلماء من قال: إن صحابة الرسول ﷺ كلهم في الجنة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥] .
أما الخصوص فقد جاء في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: (إن الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وثبت في سنن أبي داود والترمذي ومسند الإمام أحمد أنه ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، واستثنى صاحب الجمل الأحمر فقال: (إلا صاحب الجمل الأحمر) ، وصاحب الجمل الأحمر هو الجد بن قيس، وكان منافقاً، وبينما كان الرسول ﷺ يبايع الصحابة كان مختفياً تحت جمله حتى لا يبايع، فلم يبايع.
فالرافضة هم الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، والبغض والسب من سماتهم وأوصافهم.
فكل من كان مبغضاً للصحابة أو ساباً لهم فإنه رافضي، وفرق بين الرافضي وبين الشيعي، فالشيعة القدامى لم يخرجوا عن أهل السنة، وهم الذين اختلفوا في أيهما أفضل: علي أو عثمان، فقدموا علياً على عثمان، أما أبو بكر وعمر فلم يختلف الشيعة القدامى الذين هم شيعة علي ﵁ في تقديمهما؛ ولهذا لما كلم شريك بن عبد الله في هذا -وكان من الشيعة- قيل له: تقدم أبا بكر وعمر على علي وأنت من شيعته؟ قال: من لم يقدمهما عليه فليس بشيعي، وقد سمعناه مراراً وتكراراً يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، والله ما كذب ولا كان أهلاً للكذب.
أما الرفض فإنه كان بعد ذلك حينما خرج زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وتبعه جماعات كثيرة من الشيعة، فسألوه وقالوا: ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال: هما وزيرا جدي، وترضى عنهما، فعند ذلك تركوه ورفضوه، فقال: رفضتموني، فسموا الرافضة من ذلك الوقت، وأتباعه سموا الزيدية.
стр. 500
تبرؤ أهل السنة من طريقة النواصب
والطائفة المقابلة للرافضة هي طائفة النواصب، والنواصب قسمان: القسم الأول: المروانية، وهم الذين نصبوا العداء لأهل البيت، وسبق أن أهل البيت يجب توليهم ومحبتهم وإكرامهم وتقديمهم؛ إكراماً لرسول الله ﷺ ، وأهل البيت هم بنو العباس، وبنو علي، وبنو عقيل، وبنو الحارث بن عبد المطلب، وزوجات الرسول ﷺ ، وبناته؛ فهؤلاء هم أهل البيت الذين وصى بهم رسول الله ﷺ ، وهؤلاء النواصب ينصبون العداء لهؤلاء، ولكن نصبهم العداء لهم لأمر سياسي؛ لأنهم يريدون الدنيا، يريدون المناصب، ويريدون الإمارة، وقد انقرضت هذه الطائفة ولا وجود لها.
القسم الثاني: الخوارج، فإنهم عادوا علياً ﵁ وأهل بيته، ونصبوا لهم العداء، بل وكفروهم، عكس ما فعلته الرافضة، وكلا الطائفتين يتبرأ منها أهل السنة، ويرون أنهم ضلوا، وأن الواجب تولي الصحابة عموماً، وأن يعرف حق أهل البيت، وأن يقدموا لحق رسول الله ﷺ ، وأنه لا يجوز أن يؤذون لا بكلام ولا بفعل، فمن فعل شيئاً من ذلك فهو من النواصب.
стр. 501
سبب السكوت عما شجر بين الصحابة
قال: (ويسكتون عما شجر بين الصحابة) يعني: من طريقة أهل السنة السكوت عما شجر بين الصحابة، لا كتابة، ولا ذكراً، ولا اشتغالاً فيه؛ لأن الاشتغال في ذلك لابد أن يحدث في النفوس الميل إلى أحد أو التعدي على أحد منهم؛ لأن الذي سجل الأمور التي سجلت ليس من أهل السنة، فروايات حروب الصحابة وما وقع فيها غالبها رواها أهل الكذب وأهل الرفض، وهم من أعدائهم، جلها إن لم تكن كلها، فلهذا قسم المؤلف ما روي عنهم من ذلك إلى أقسام: قسم كثير جداً كذب صرف لم يحدث، وإنما يرويه الكذابون مثل أبي مخنف وهشام بن محمد الكلبي وغيرهما من الكذابين الذين لا يجوز أن يشتغل بما رووه وكتبوه؛ لأنهم عرفوا بالكذب، وعندهم من الحقد والبغض لصحابة الرسول ﷺ ما يدعوهم إلى الكذب، وهذا كثير جداً، والكذبة في هذا كثير.
وقسم زيد فيه ما غيره وجعله على غير وجهه.
وقسم ثالث نقص منه مما جعله متغيراً عما وقع.
والصحيح من ذلك نزر يسير، وهم معذورون فيه؛ لأنهم مجتهدون، إما لهم أجران أجر الاجتهاد والإصابة أو لهم أجر واحد، والخطأ مغفور، هذا هو مذهب أهل السنة في الأمور التي وقعت بين الصحابة، فلا يخلو أحد منهم أن يكون له أجران: أجر الإصابة والاجتهاد لأنه مجتهد، أو له أجر واحد والخطأ مغفور؛ لأنه مجتهد.
стр. 502
ذنوب الصحابة قليلة ومغمورة في جانب فضائلهم وحسناتهم
وإذا كان هناك ذنوب لهم، وأمور تعد في المساوي، فإنه يجب الإعراض عنها، وهي قليلة بالنسبة إليهم، ومغمورة بالحسنات الكثيرة العظيمة، ويغفر لهم الخطأ من أجل الحسنات الكبيرة الكثيرة، كما ثبت في الصحيحين في قصة حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب بخبر رسول الله ﷺ إلى الكفار يعلمهم بذلك، ومعلوم أن هذا ليس سهلاً، هذا شيء عظيم، لاسيما والرسول ﷺ قد اجتهد في إخفاء الأمر، وسأل ربه جل وعلا أن يعمي عليهم أخباره، فأعلمه الله جل وعلا بما كتب، فلما جيء به قال بعض الصحابة: إنه منافق، وقال عمر: دعني أضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: (إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، فهذا ذنب معين، وفيه مخالفة لرسول الله ﷺ ، فكيف بالأمور التي تكون محلاً للنظر والاجتهاد، فلابد أن تكون مغمورة مغفورة، فالصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل الخلق بعد الرسل، ولهم من الحسنات ما ليس لغيرهم؛ لصحبتهم الرسول ﷺ وإيمانهم به، وجهادهم في سبيل الله، وإنفاقهم الإنفاق الذي يقول عنه الرسول ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
стр. 503
لا يثبت أهل السنة العصمة لأحد من الصحابة
قال: (وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم) .
قوله: أن كل واحد منهم معصوم يعني: أن جميعهم معصومون أن يخطئوا أو يبدلوا ما جاء به الرسول ﷺ أو يغيروه، ولكن العصمة ليست لكل واحد، وإنما هي بمجموعهم، وإلا فيجوز على أحدهم أن يقع في الذنوب من الكبائر والصغائر، ولكن يوفقه الله جل وعلا للتوبة.
وقد علمت حالة الصحابة رضوان الله عليهم، فأهل السنة يؤمنون بقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، فأفضل المصطفين الذين أورثوا الكتاب هم صحابة الرسول ﷺ ، وهذا أمر مقطوع به بلا تردد ولا شك، وإذا علم أن الناس كلهم محل للخطايا وللذنوب، وأنه ليس أحد من الناس معصوماً من ذنب سواء كان صغيراً أو كبيراً؛ فالصحابة كذلك، ولكن لم يقع منهم ما يعتقده الضلال من الكفر والانحراف والردة والبهت والكذب والجحود والكتمان وغير ذلك مما يدعيه أهل الافتراء الذين يفترون على الله، ولا يصدقون كتاب الله، ولا يؤمنون به؛ لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في آيات كثيرة، والله جل وعلا علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، ومن المستحيل الممتنع أن يثني الله جل وعلا على قوم يعلم أنهم سوف يرتدون ويكفرون، هذا لا يجوز أن يكون، فثناء الله جل وعلا عليهم دليل على ثبوتهم على الحق إلى أن يلقوه.
أما العصمة فهي للأنبياء فقط، وأهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغون عن الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: واختلف أهل السنة هل يجوز أن يلقي الشيطان في شيء مما يبلغونه عن الله ثم ينسخ الله جل وعلا ما يلقيه الشيطان ويحكم آياته؛ ليكون في ذلك فتنة لمن في قلبه مرض ولمن قلبه قاس؟ يقول: والصواب وقوع ذلك لدلالة القرآن على هذا، ولكن في النهاية ينسخ هذا، ويحكم الله جل وعلا آياته.
فالنتيجة أن العصمة ثابتة لهم فيما يبلغونه، أما في أنفسهم فيجوز أن يقع منهم بعض الذنوب الصغيرة، ولكن الله لا يقرهم عليها، بل يتوبون، وتكون حالتهم بعد الذنب أحسن منها قبله.
стр. 504
للصحابة من السوابق ما يوجب مغفرة ما قد يصدر منهم من ذنوب
قال ﵀: (ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم) مثل صحبتهم الرسول ﷺ وقتالهم بين يديه، ومثل تلقي العلم والإيمان عن الرسول ﷺ ، وهذه أمور لا يمكن لأحد أن يشاركهم فيها، ومثل إنفاقهم في سبيل الله، وقد أخبر الرسول ﷺ أن القليل منهم كثير، ولو أنفق من يأتي بعدهم مثل الجبال ما يبلغ القليل من أحدهم، فهذه من خواصهم التي لا يصل إليها أحد بعدهم.
وقد ثبت بقول الرسول ﷺ إنهم خير القرون، والقرون: جمع قرن، والقرن: هو الطائفة من الزمن إذا اجتمع فيه الناس على شيء من إمام أو دين حتى تنقرض هذه الطائفة وتنتهي، وهل هو محدد بسنين معينة أو بلا تحديد؟ الرسول ﷺ جعل الصحابة قرناً، والذين بعدهم قرناً، ومن بعدهم قرناً، فليس ذلك محدداً، ولكن حدده بعض العلماء تقريباً بمائة سنة؛ لأن الرسول ﷺ قال للصحابة يوماً من الأيام: (أرأيتم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض نفس منفوسة) ، يعني: أن نهاية الناس الموجودين في مائة سنة، والصواب أن القرن عبارة عن اجتماع قوم على إمام ودين يجتمعون عليه، ثم تنتهي هذه الجماعة.
وخير القرون قرن الصحابة الذي عاشوا فيه، ثم أتباعهم يلونهم في الخيرية، ثم الذين يلونهم، وقد عرفنا أن ثم تأتي للترتيب مع التراخي، ثم بعد ذلك -أي: بعد أتباع التابعين- يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ما لا يؤمرون.
وأخبر أن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم وهذا عام، وقد قيل: هذا فيمن أسلم بعد الفتح فكيف بمن يأتي بعد الصحابة؟ ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه وأتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر عنه به، فهذه الأمور من أسباب مغفرة الذنب المحقق، وقد ذكر المؤلف في منهاج السنة عشرة أمور من أسباب مغفرة الذنب المحقق هذه بعضها، ومنها: الحسنات العظيمة التي تكون الذنوب مغمورة فيها، ومعلوم أن حسنات الصحابة رضوان الله عليهم أفضل من غيرهم.
ومنها: التوبة فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه.
ومنها: المصائب التي يصاب بها الإنسان، فإنه ما يصيب الإنسان من مصيبة إلا كانت تكفيراً لما اقترفه من الذنوب.
ومنها: إتباع السيئة الحسنة، يعني: يأتي بحسنات بعد ذلك تمحو تلك السيئات، وهذا غير التوبة.
ومنها: دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، فإن الله يقبل دعاءهم بعضهم لبعض.
ومنها: شفاعة النبي ﷺ ، وهم أحق الناس بها، والشفاعة لأهل الذنوب.
ومنها: مغفرة أرحم الراحمين جل وعلا، فإنه جل وعلا يغفر لأهل السوابق وأهل الفضل ما لا يغفر لغيرهم.
فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر، والخطأ مغفور لهم؟! ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم -وليس من فعلهم كلهم- قليل نزر مغمور في جنب فضائلهم ومحاسنهم الكثيرة رضوان الله عليهم: من الإيمان بالله -وهو من أفضل الأعمال- والإيمان برسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، وهم أعلم الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها عقولاً، وأكثرها عملاً، رضوان الله عليهم، فالإيمان في قلوبهم أمثال الجبال الراسيات.
стр. 505
النظر في سيرة الصحابة تدل على أنهم خير الناس بعد الأنبياء
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وإنصاف لا بجهل وهوى؛ علم ما من الله عليهم به من الفضائل علماً يقينياً، وعلم أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا اختار لنبيه ﷺ أفضل الأمة وخيرها، صحبوه وجاهدوا معه، وسر بأعمالهم، وتوفي وهو راض عنهم، وقد أخبر الله جل وعلا أنه راض عنهم.
هذا هو قول المؤلف ﵀ في الصحابة، فكيف يتهم المؤلف أنه يتكلم على الصحابة بالاحتقار والانتقاد، وأنه يخرق إجماعهم، وأن يزدريهم ولاسيما كبارهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ وقد جمع ابن حجر ترجمة للمؤلف في كتابه الدرر الكامنة من أسوأ ما يكون، ذكر فيها أموراً متناقضة، مثل أنه يحتقر الصحابة، وأنه يرميهم بالجهل، وأنه يخالف إجماعهم، وأنه يزدري فضلاءهم وكبراءهم، والعجيب أنه ذكر عنه في هذه الترجمة أشياء في كتبه التبري منها مناقضتها، وما ذلك إلا دليل على اتباع المذاهب التي يتقلدها بعض الناس، وسوف يجازى كل قائل بما يقول، وإذا قارنا هذا القول مع قول هؤلاء يتبين لنا أن قولهم كذب وافتراء، والله المستعان.
стр. 506
تصديق أهل السنة بكرامات الأولياء
ثم قال: (ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، والمأثور عن سلف هذه الأمة، والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) .
من أصول أهل السنة الإيمان بكرامات الأولياء، والكرامة التي تكون للأولياء هي في الواقع من آيات الأنبياء؛ ولهذا يقرن معها المعجزات التي تكون للرسل (وهي الآيات) ، مثل ما حدث لموسى ﵇ من العصا، واليد، وفلق البحر، وإنباع الماء من الحجر، وغير ذلك، وما حدث لعيسى ﵇ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكذلك ما حدث لنبينا ﷺ من انشقاق القمر، وإنزال القرآن، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل حتى إنه حز من سواد بطن شاة لأكثر من ثلاثمائة رجل، أشبعهم من سواد بطن الشاة، وهذا الشيء لا يمكن أن يكون إلا خارقاً، وهو آية من آيات الله جل وعلا، وكذلك أشياء كثيرة، وقد كتب فيها العلماء كتباً مستقلة، سموها: دلائل النبوة.
ولكن المقصود هنا ليس هذا، المقصود ما يحدث لأفراد الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى يوم القيامة من الكرامات، وسميت كرامة لأنه يكرم بها، لأنها تقع إما لحاجته لنفسه أو أهله، أو لحاجته إلى تثبيت الإيمان في قلبه، أو للدعوة حتى تثبت أن دعوته على حق.
стр. 507
من كرامات الصحابة
من كرامات الأولياء ما حدث لـ خالد بن الوليد ﵁ عندما استعصى عليه أصحاب حصن وامتنعوا به، وقالوا: لا ننزل حتى تأكل هذا السم، وأعطوه سماً من أعظم السموم القاتلة، فأخذه ووضعه في كفه ثم قال: باسم الله، ثقة بالله، وتوكلاً عليه، واحتساه وأكله، فلم يصبه شيء، وإنما عرق عرقاً فقط، عند ذلك علموا أنه على الحق، وأن هذا حق، وأن هذا لا يمكن إلا أن يكون آية من آيات الله جل وعلا، فسلموا أنفسهم.
وكذلك ما حدث لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ في قتاله للفرس، فإنه مشى بجيشه على النهر بدون جسر بل على الماء، فإنه قال للصحابة: إنه وقع في نفسي شيء، وما أدري هل تطيعوني في ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: وقع في نفسي أن أمشي على هذا البحر؛ لأنه حال بينهم وبين عدوهم، فقال: نحن عباد الله، وفي سبيل الله، فقالوا له: سر ونحن خلفك، فخاضوا الماء بخيولهم، فصارت الخيل كأنها تمشي على الرمال، وصاروا يتحدثون وهم في وسط النهر وهو يقذف بالزبد.
وقد وقع مثل هذا قبل ذلك لـ ابن الحضرمي، وغير ذلك كثير، وهي كرامات، والواقع أنها من آيات الأنبياء.
стр. 508
معنى الكرامة والولي
سميت الكرامة كرامة لأنه يكرم بها الولي، والولي هو الذي يتقي الله ويخافه ويعمل على سنة رسول الله ﷺ ، وهذا الفصل ذكره المؤلف ليبين بطلان ما ذهب إليه بعض أهل البدع من المعتزلة وبعض الأشاعرة الذين ينكرون كرامات الأولياء ويقولون: لو قلنا بها وأقررنا بها لالتبس الأمر على الناس؛ لأننا لا نفرق بين كرامات الأولياء، وبين شعوذة المشعوذين، وبين معجزات الرسل؛ لأن الباب واحد، وبعضهم قال: إنه لا يكون ذلك إلا بالدعوة.
والمؤلف ذكر هذا ليبين أن طريقة أهل السنة خلاف ذلك، وأن الخارق للعادة ليس هو العلامة الوحيدة على أن الإنسان ولي، فليس كل من وقع له خارقاً للعادة يكون ولياً، بل لابد أن ينظر إلى حاله، فإن كان متقياً لله جل وعلا، متبعاً لسنة الرسول ﷺ ، حكم بأنها كرامة، أما إن كان مخالفاً للسنة، صاحب بدعة، صاحب معصية، متلبساً بالكذب وأكل أموال الناس بالباطل والافتراء؛ فهي حال شيطانية من أحوال الشياطين؛ لأن الشيطان يخدم أولياءه، ويأتي إليهم بأعمال لا يستطيعها الإنس من أعمال الشياطين، فهم يفرقون بين الأولياء وبين أعداء الله بالنظر إلى التقوى وإلى الاتباع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .
ثم إنكار الكرامات إنكار للواقع؛ لأنه لا يخلو وقت منها، ومن ذلك إجابة الدعاء، وهذا يحدث لكل مؤمن متق لله جل وعلا، ولكن بعضهم تكون استجابته ظاهرة وفي الحال، كما كان سعد بن أبي وقاص ﵁، فإنه كان مجاب الدعوة، وما دعا دعوة إلا ورئيت إجابتها، فإنه لما كان أميراً على الكوفة، وكانت عادتهم شكوى الأمراء، فاشتكوه ورموه بأشياء حتى قالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، وهذا من العجب! ثم سئل عنه في الكوفة، فكل من سئل عنه كان يثني عليه، إلا رجل قام فقال: أما إذا نشدتنا، فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يمشي بالسرية، ولا يعدل في القضية، فقال: اللهم إن كان كاذباً فأطل عمره، وأعم بصره، وعرضه للفتن، فوقع ذلك كما دعا، فطال عمره، وعمي، وصار يقف في الطريق يتحسس النساء، فإذا أحس بامرأة تعرض لها، وجفونه قد سقطت على عيونه من الكبر، فإذا لوم في ذلك قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح.
وكذلك سعيد بن جبير ﵁ كان مجاب الدعوة، حتى إنه كان له ديك يوقظه للصلاة، وفي يوم لم يصح الديك حين طلع الفجر، فلما رأى الفجر قد طلع قال: ما له قطع الله عنقه، فانقطع صوته في الحال، ولما دعا على الحجاج أهلكه الله، فإنه قال: اللهم اجعلني آخر من يسلط عليه من أمة محمد، فهلك بعده بزمن يسير.
стр. 509
أنواع الكرامات
جعل المؤلف الكرامات على نوعين: علوم ومكاشفات، وقدرات وتأثيرات.
فالعلوم والمكاشفات هي أن يلقى في قلبه شيء من العلم إلقاءً من الله جل وعلا، أو يكشف له عن أمر خفي إما بعيد أو مستقبل، كما حدث لـ عمر ﵁ فيما رواه أبو نعيم وغيره بإسناد حسن أنه أرسل جيشاً إلى نهاوند، وبينما هو يخطب في مسجد الرسول ﷺ ، حصلت عليهم هزيمة من العدو، فصار ينادي أميرهم واسمه سارية: يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! فسمعوا صوته في ذلك المكان البعيد، فانحازوا إلى الجبل، فنصرهم الله جل وعلا على العدو.
ومن المكاشفة أنه أخبر أنه سيولد له ولد يكون أميراً عادلاً، فولد له عمر بن عبد العزيز، وصار شبيهاً به في العدل.
وكذلك ذكر عن أبي بكر ﵁ أنه قال لابنته عائشة: إنه سيولد لكم بنت، وكانت امرأته حاملاً قبل وفاته، فولدت بنتاً كما أخبر، وغير ذلك من أنواع المكاشفات التي يجعلها الله جل وعلا فيمن يشاء من عباده.
أما القوى والتأثيرات فمثل ما ذكر الله جل وعلا عن الذي كان عنده علم من الكتاب لما قال سليمان ﷺ لجلسائه: أيكم يأتيني بعرشها؟ -يعني: عرش بلقيس- وكانت في اليمن، وسليمان في فلسطين ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٣٨-٤٠] ، وهذا الذي عنده علم من الكتاب ليس نبياً، وقيل: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم، فدعا الله جل وعلا باسمه الأعظم فجاء العرش من اليمن في تلك اللحظة الوجيزة.
ومن ذلك ما يكون من تكثير الطعام، فإنه نوع من القوى، وقد وقع لكثير من الصحابة، كما وقع لـ أبي بكر لما ذهب بأضيافه إلى بيته وقدم لهم طعامهم، فبقوا ينتظرونه، فلما جاء حلف ألا يأكل معهم، ثم تراجع وأكل معهم، فلما انتهوا من الأكل إذا هو أكثر مما كان، فحمله وذهب به إلى رسول الله ﷺ فأكل منه جماعات، وأما ما وقع للرسول ﷺ من ذلك فهو كثير.
ومن ذلك الشيء الذي يكون فيه إحياء الموتى، كما وقع لـ صلة بن أشيم، فإنه كان في الأهواز ومات فرسه، وهو يقاتل في سبيل الله، فسأل ربه أن يحيي له فرسه، فأحياه وقاتل عليه، ثم لما رجع إلى بلده ووصل إلى بيته قال لابنه: يا بني! خذ سرج الفرس فإنه عارية، فأخذ سرجه فسقط ميتاً.
وكذلك وقع لـ عبد الله بن الشخير، وكان عمر بن عقبة في الأهواز أيضاً، فاستطعم ربه، فسمع وجبة خلفه، فالتفت فإذا شيء مغطى بحرير، فأخذه فإذا هو رطب وفاكهة، وليس في تلك البلاد نخل، فأكله، ثم أعطى زوجته الغطاء الذي كان مغطى به، فبقي عندها وقتاً، وكان إذا ذهب مع أصحابه يشترط عليهم رعي ركائبهم، فيأتي الأسد ويتولى رعي الركائب وهو يصلي.
ونحوه حدث لـ سفينة مولى رسول الله ﷺ ، فإنه لما انكسرت السفينة به وصل إلى جزيرة في البحر، ووجد أسداً، فقال للأسد: إني مولى رسول الله ﷺ ، فصار الأسد يسير أمامه يدله على الطريق حتى أوصله إلى المكان الذي يهتدي إليه، ثم صار يهمهم كأنه يودعه وانصرف، وغير هذا كثير جداً.
стр. 510
قصة أصحاب الكهف دليل من القرآن على إثبات الكرامات
(وما أثر عن سالف الأمم كما في سورة الكهف) ، مقصوده من ذلك ما ذكر عن الفتية أصحاب الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم الله جل وعلا هدى، ثم إنهم أووا إلى الكهف فناموا ثلاثمائة وتسع سنين، وهذا من العجائب! ولم يتغير منهم شيء، وهم يتقلبون يميناً وشمالاً، وبعد ذلك استيقظوا، وهذا إكرام لهم.
يقول: (وفي غيرها) يعني: في غير سورة الكهف، أما ما ذكر عن الخضر وموسى، وأنه أخبر أن الغلام الذي قتله خشي منه أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً، فالصواب أن الخضر نبي يوحى إليه، ولهذا قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] يعني: أنه بأمر الله جل وعلا، ولكن يقصد المؤلف بقوله: (في غيرها) مثلما ذكر الله جل وعلا عن مريم، حيث كان يوجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف! ولما سألها زكريا عن ذلك قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وكذلك حملت بعيسى ولم يمسها بشر، وهذا من الآيات، وهي ليست من الأنبياء، وإنما هي من الأولياء، فهي صديقة كما قال الله جل وعلا، وغير ذلك مما ذكره الله جل وعلا.
والكرامات تبقى في هذه الأمة، وهي من آيات الرسول ﷺ ؛ لأنه يحدث لمن يؤمن برسول الله ﷺ ويتبعه، فلهذا جعلت من معجزات الرسول ﷺ ، وهي كما قلنا: إما أن تكون لحاجة الشخص نفسه أو تأييداً للدين؛ لأنه يدعو إلى دين الله جل وعلا، فيؤيده الله جل وعلا بما يشاء من ذلك.
стр. 511
الفرق بين الأولياء والمشعوذين
الأولياء لا يشهرون الكرامات عن أنفسهم ولا يطلبونها، وإنما تقع لهم عند الحاجة، بخلاف المشعوذين وأهل الدجل فإنهم يفعلون أموراً بحيل، يتحيلون على الناس، ويدلسون عليهم، ويشبهون عليهم، مثل إمساكهم الحيات، ودخولهم النار، وضربهم أنفسهم بالسلاح، ولا يمضي كل هذا إلا بحيل أو بمعاونة الشيطان؛ ولهذا لا يجوز أن يغتر بأفعالهم هذه، بل يجب أن تنظر حالتهم، ومعلوم أنه لا تشتبه حالة الرسل بحالة الكذبة الذين يدعون الرسالة ويدعون النبوة؛ لأن أفجر الناس وأكذب الناس لا يلتبس بأتقى الناس وأبر الناس، فمدعي الرسالة لا يشتبه بمدعي النبوة، لا كما يزعم المبطلون الذين يقولون: إن الفارق هو المعجزة، ليس كذلك؛ لأن الإنسان إذا قال: أنا نبي، فإما أن يكون أبر الناس وأصدقهم وأتقاهم لله، أو يكون أفجر الناس وأكذبهم وأبعدهم عن تقوى الله جل وعلا.
стр. 512
شرح العقيدة الواسطية [٣١]
أهل السنة والجماعة هم الذين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً، على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ويبتعدون عن البدع، ويرون السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية، ويأمرون بالفضائل وينهون عن الرذائل.
стр. 513
تتمة في ذكر بعض صفات أهل السنة والجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) ، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد؛ ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين.
والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة.
ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة.
ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) ، وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) .
ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء.
ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة.
وطريقهم هو دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ؛ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة) ، فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً] .
стр. 514
إثبات كرامات الأولياء والرد على من أنكرها
هذا الفصل فيه ذكر الكرامات، وأن أهل السنة يؤمنون بكرامات الأولياء، وقد انتهت العقيدة، والذي ذكره المصنف هنا هو من المكملات لعقيدة أهل السنة والجماعة، وذكر بعض الأصول التي لم يخالف فيها إلا من لا ينظر إلى خلافه ولا يعتد به، وإنما أراد ﵀ أن يبين عموم الإسلام الذي يجب أن يكون الإنسان متمسكاً به.
ووجه ذكر الكرامات في العقائد، أن بعض أهل البدع أنكرها، وإلا فليست من الأصول التي تكون في عقيدة المؤمن؛ ولكنها من الفروع.
وإذا أنكر أهل البدع شيئاً ثابتاً، فإن من طريقة أهل السنة إثباته في كتب العقائد؛ ليكون ذلك تمييزاً لأهل الحق، وأنهم يثبتونه ولا ينفونه كما ينفيه أهل البدع؛ ولهذا يذكرون في كتب العقائد المسح على الخفين؛ لأن بعض أهل البدع ينكرون المسح على الخفين، ويمسحون على القدمين.
وقد أنكر المعتزلة وبعض الأشاعرة ومن سلك طريقهم وجود الكرامات في أولياء الله جل وعلا، وحجتهم أنها تلتبس بمعجزات الأنبياء، فزعموا أنهم لو أثبتوا كرامات الأولياء، فإنه يلزم أن تكون آيات الأنبياء غير متميزة وغير خاصة، وآيات الأنبياء هي التي تسمى المعجزات.
والواقع أن هذا إنكار لما هو موجود ومشاهد بين الناس، ولما هو معلوم بالكتاب والسنة، والتعليل بأن كرامات الأولياء تلتبس بآيات الأنبياء لا وجه له، بل هو باطل، وذلك لأن الولي لا يمكن أن يكذب فيدعي النبوة، فدعوى النبوة كفر بالله جل وعلا، ومن ادعى النبوة فهو كافر، فكيف يمكن أن تجتمع ولاية وكفر؟ هذا لا يمكن، بل مستحيل، وهذه الدعوى باطلة، وليس دليل الولاية خرق العادة التي يعتادها الناس، كأن يدخل إنسان في النار فلا تضره، أو يضرب بسلاح فلا يضره، أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس دليلاً على أنه ولي، وليس دليلاً على أن هذه كرامة، فإنه يجب أن يميز بين ما هو كرامة وبين ما هو من أعمال الشيطان من الحيل التي يتحيل بها بعض الناس الذين يريدون أن يلبسوا على الناس بأنهم من أولياء الله، وهم من أولياء الشيطان، وليسوا من أولياء الله جل وعلا، وهذا معروف لمن كان عنده فقه في الدين، ومعرفة بما جاء به رسول الهدى ﷺ ، فالولي هو الذي يحصل له أمر خارق للعادة ويكون متبعاً للسنة، وإذا حصل لشخص أمر خارق للعادة وهو مجانب للسنة، فإنه من عمل الشيطان أو من الحيل، فلا يلتبس هذا بهذا.
فكيف تلتبس كرامات الأولياء بآيات الرسل، فلا يحصل التمييز بين الولي والنبي؟ هذا من أكبر الخطأ وأعظمه، ولا يحتاج إلى الرد عليه لظهور بطلانه.
стр. 515
اتباعهم السنة واجتماعهم وعدم تفرقهم
ذكر المصنف في هذه العقيدة أنهم تميزوا بأنهم أهل السنة وأهل الجماعة، والسنة في اللغة هي الطريقة المسلوكة الواضحة التي لا خفاء فيها، فلا يخفى على سالك المفازة أن هذا طريق، وقد يكون طريقاً معبداً مذللاً واضحاً وطئته الأقدام، وصار لا خفاء فيه.
أما السنة المقصودة هنا فهي سنة المصطفى ﷺ ، وهي تطلق على معنيين: الأول: يقصد بها أقواله وأفعاله وتقريراته صلوات الله وسلامه عليه؛ وهي التي جاء بها التشريع.
والثاني: يقصد بها ما هو أعم من هذا، فكل ما قاله أو فعله وسار عليه واستمر عليه هو وأصحابه عموماً فهو سنة، وهذا هو المعنى المقصود هنا، وأهل السنة يسلكونه.
أما كونهم أهل الجماعة فلأنهم يجتمعون على الحق، ويبتعدون عن كل ما يسبب الفرقة بينهم، وإذا وجدت الفرقة والاختلاف فإنها سرعان ما تزول بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ جاءا بمحاربة الاختلاف والتفرق الذي هو من سنة الجاهلية، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، فأمر بالاعتصام، ونهى عن التفرق، فهم يمتثلون أمر الله جل وعلا، وكذلك جاءت الأحاديث الكثيرة بالأمر بالاجتماع على الحق، والحذر مما يمكن أن يكون سبباً للتفرق، وهذا كثير جداً في أحاديث الرسول ﷺ ، وهذه ميزة لأهل السنة تميزوا بها عن غيرهم.
стр. 516
اتباع آثار الرسول ﷺ
وقوله: (واتباع آثار رسول الله ﷺ المقصود بالآثار الشيء الذي يؤثر عنه قولاً وعملاً وفعلاً وتقريراً، وليس المقصود الآثار الحسية التي كان يطؤها ويسير عليها أو يقيم عليها، فإن هذا لا يجوز تتبعه لما جاء من التحذير عن ذلك، وأنه سبب هلاك من كان قبلنا، وقد كان عبد الله بن عمر يتتبع آثار رسول الله ﷺ ، وكل مكان علم أنه جلس فيه يجلس فيه، أو صلى فيه يصلي فيه، حتى إنه عرف مكاناً، بال فيه رسول الله ﷺ وتوضأ ثم صب بقية وضوئه على شجرة هناك، فكان عبد الله بن عمر يصنع هذا.
وهذا مما أنكره عليه كبار الصحابة مثل والده وغيره من الصحابة، وقالوا: إن هذا العمل ليس مشروعاً، ولا يجوز فعله؛ ولهذا السبب قطع عمر ﵁ الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ تحتها الصحابة بيعة الرضوان، لما رأى بعض الناس يؤمها ويصلي عندها؛ لأن الله ذكرها في القرآن في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] فخشي أن يفتتن الناس بها، وهذا هو الذي عليه أهل السنة.
فاتباع الآثار يقصد به الأمور الشرعية، ولا يقصد به اتباع آثار الفعل من الجلوس والمبيت والصلاة في مكان ما، فإذا أدرك الإنسان الصلاة صلى فيها وإلا سار، ولا يقصدها ليصلي بها؛ لأنها غير مخصصة للصلاة، وليس فيها ميزة عن غيرها، وهذا هو الصواب الذي يقوله أهل السنة.
وقوله: (باطناً وظاهراً) يعني: اتباع السنة باطناً وظاهراً، ويقصد بهذا أنه لابد من العمل الظاهر، ولابد أن يكون الإنسان مخلصاً في نيته، قاصداً بذلك وجه الله تعالى، فهذان شرطان لكل عبادة تصدر من الإنسان: أن يكون متبعاً، وأن يكون مخلصاً قاصداً وجه الله، ليس فيه في عمله قصد لأمر من أمور الدنيا، أو مراءاة الناس أو غير ذلك؛ لهذا قال: باطناً وظاهراً، فالباطن هو إخلاص النية، والظاهر هو العمل المشاهد الذي يتبع فيه سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] .
وقوله: ((اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) يشمل كل من تبعهم إلى يوم القيامة، وهذا يعني أن أهل السنة يتبعون رسول الله ﷺ وصحابته، ويترسمون خطاهم؛ لأنهم يقيناً على الحق؛ لأنهم ﵃ شاهدوا رسول الله ﷺ عند تبليغه أوامر الله جل وعلا، وتلقوا ذلك عنه، وفهموا ما خوطبوا به فهماً لا يتطرق إليه أي شك، فصار معلوماً باليقين أنهم على الهدى، وأن الضلال في الانحراف عن طريقتهم.
وسبق أن المهاجرين مقدمون في الفضل على الأنصار لما سبقوا به من الإيمان ونصرة رسول الله ﷺ والجهاد في سبيله، ولما انضم إلى ذلك من ترك الوطن والمال والأهل، رغبة في نصرة الرسول ﷺ والدين الذي جاء به، والرغبة فيما عند الله جل وعلا.
стр. 517
اتباع الخلفاء الراشدين
(واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي)) ، (عليكم) كلمة تعني الحض ومعناها: الزموا وخذوا.
والخلفاء الراشدون قد عرف أنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ للحديث الذي صححه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ أن الرسول ﷺ قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً) وهذه هي مدة الخلفاء الراشدين، ثلاثون سنة وكملت بستة أشهر وهو الوقت الذي كان فيه الحسن بن علي ﵁ خليفة، ثم بعد ذلك تنازل عن الخلافة لـ معاوية فصار ملكاً، فـ معاوية ﵁ هو أول ملوك المسلمين.
وأما عمر بن عبد العزيز فقد ألحقه بعض العلماء بأنه من الخلفاء، ولكن وقته كان متأخراً عن الخلافة التي ذكرها الرسول ﷺ ، والراشد لا يلزم أن يكون في هذا الوقت خاصة، بل قد يوجد ولو في وقت متأخر، وإنما الواجب اتباعهم.
والراشد هو المهدي، وهو الذي عرف الحق فاتبعه، وضده الغاوي، وهو الذي عرف الحق فتركه وجانبه، وأما الضال فهو الذي لم يعرف الحق، فصار يتخبط في الضلال.
فيكون الناس ثلاثة أصناف: راشد، وغاوٍ، وضال، فالراشد الذي عرف الحق واتبعه وعمل به، والغاوي هو الذي عرف الحق فتركه وجانبه، والضال هو الذي لم يعرف الحق فهو يتخبط في ضلاله وغوايته.
وقوله: (المهديين) يعني: الذين هداهم الله جل وعلا لاتباع الرسول ﷺ ، والعمل بكتاب الله.
وقوله: (من بعدي) هذا يعني أنهم بعده مباشرة، فتعين أنهم الخلفاء الأربعة.
قوله: (فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) ، هذا زيادة حض وحث على التمسك بذلك، ولابد أن يكون هذا الحض والحث بسبب ما سيحدث من البدع والمخالفات كما هو الواقع الآن، وليس معنى ذلك أن الخلفاء يأتون بسنة غير سنة المصطفى ﷺ ، وإنما المعنى أنهم يقيمونها، ويدعون إليها، ويبينونها لمن تخفى عليه.
стр. 518
النهي عن البدع والمحدثات
قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور) هذا أيضاً نهي عن البدع، والمحدث في اللغة هو الشيء الذي جد، والمقصود به هنا ما أحدث في الدين، والمحدثات هي البدع، وهي من أعظم المحرمات، وكل نقص يدخل على المسلمين من جهة المحدثات أو جهة الغلو والزيادة في المشروع، والغلو داخل في المحدث؛ لأن الزيادة مثل النقص، فالزيادة محدثة كما أن النقص الذي هو الجفاء محدث، فالعبد لا يكون عبداً إلا إذا كان مقتفياً ومتبعاً لآثار الرسول ﷺ .
وقوله: (فإن كل بدعة ضلالة) (فإن) للتأكيد و (كل) للعموم، والضلالة: ضد الهدى الذي جاء به الرسول ﷺ ، وجاء في المجتبى للنسائي زيادة: (وكل ضلالة في النار) ، وهي زيادة صحيحة، وبهذا يتبين لنا أنه يتعين على المسلم اتباع رسول الله ﷺ وصحابته، وسلوك طريق المؤمنين الذين اتبعوا هذا الطريق، وأنه إذا انحرف عن ذلك فإنه على خطر عظيم.
وقوله: (يعلمون أن أصدق الكلام كلام الله) .
المقصود بهذا أن كلام الله فيه العصمة وفيه الهداية، وليس معنى ذلك أن أحداً يقول بأن كلام الله يكون فيه كذب؛ لأن رب العالمين جل وعلا علام الغيوب، وإذا قال قولاً فهو يطابق الواقع ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ، فهو صدق في أخباره، وهو عدل في أحكامه وأقضيته، وهذا هو معنى التمام في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] .
وقوله: (وخير الهدي هدي محمد ﷺ : (هدي) : هذه الكلمة يجوز أن تقرأ بالفتح هَدي، ويجوز أن تقرأ بالضم الهُدى، وإذا قيل الهُدى فمعنى ذلك أنه: الاهتداء بالوحي الذي جاء من عند الله جل وعلا، أما الهَدي: فهو السمت والطريقة والسلوك، وهو راجع إلى ذلك.
стр. 519
أهل السنة يقدمون كلام الله على كلام غيره
قوله: (ويؤثرون كلام الله على غيره) .
معنى (يؤثرون) : لا يقدمون كلاماً على كلام الله، ومعنى ذلك أنهم يأخذون بكلام الله ظاهراً وباطنا، وأنهم يعلمون أن كلام الله فيه العصمة من الضلال، وأن ظاهره حق ولا يدل إلا على الحق، وأن أقواله وأخباره صدق، فيعتقدون هذا تمام الاعتقاد، ولا ينحرفون عنه قيد أنملة.
والمقصود بهذا الرد على الذين يقولون: إن النصوص من الكتاب والسنة ظواهر لا تفيد العلم اليقيني، وإنما تفيد الظن، ومسائل العقيدة لابد أن تؤخذ من اليقينيات، ويجعلون اليقين ما يسمونه بالعقليات، وهي أمور جدلية، بل شكوك لا تثبت أمام النقد وأمام المناظرة؛ ولهذا تجد أحدهم يتقلب، وكل يوم له دين، والأئمة يحذرون من ذلك، وإذا رأوا من يجادل في هذا يقولون له: نحن لسنا في شك من ديننا؛ لأن معنا الوحي الذي جاء به رسول الله، وأما أنتم أهل الشك فابحثوا عن أمور يقينية.
ولن يجدوها إلا في كتاب الله وأخبار رسول الله ﷺ .
ومراد المؤلف هو أن يبين أن الحق واليقين والهدى في ظاهر النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن من ادعى أن ألفاظ الوحي -سواء كان من كلام الله أو من كلام رسوله ﷺ ظواهر لا تعطي اليقين وإنما تعطي الظنون، فهو ضال مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة، فيحذر منه؛ ولهذا قال: (ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس) ، وهذا عام شامل لمسائل العقيدة، أو مسائل الفقه والفروع والعمليات، ولا فرق بين مسائل العقيدة ومسائل العمليات في الأدلة التي يثبت بها هذا أو هذا، إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ وجب قبوله ووجب العمل به والقول بمقتضاه، سواء كان في مجال العمل أو في مجال العقيدة.
ثم هو أيضاً يرد على الذين يقولون: إن الوحي الثاني الذي هو أحاديث رسول الله ﷺ لا تثبت به العقائد؛ لأنها أخبار آحاد، وإنما تثبت العقائد بالنصوص القطعية كالقرآن وكالأحاديث المتواترة، وهذا قول أهل البدع من المعتزلة ومن سلك طريقهم، وكذلك قبلهم الخوارج، فإنهم أنكروا أن تثبت الأحكام القطعية بأحاديث الرسول ﷺ ، ولكن قد عرفنا أن الخوارج ليسوا أهل علم ولا أهل جدل، وإنما هم جهال أهل سيف وانحراف؛ ولهذا صاروا يقتلون المسلمين ويتركون الكافرين.
стр. 520
تقديم هدي النبي ﷺ على هدي غيره
قوله: (ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد) .
الهدي هنا يشمل القول ويشمل العمل، ومعنى ذلك: أن كل ما صح عن رسول الله ﷺ فإن الواجب هو الأخذ به؛ لأن هذا مقتضى الإيمان، وبهذا فسر العلماء شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله: العلم بأنه رسول من عند الله، وطاعته فيما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، وعبادة الله جل وعلا بشرعه الذي جاء به من عند الله، هذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله.
قوله: (ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة) أي: لأنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ عقيدة وعملاً وسلوكاً ومعاملات.
وقوله: (وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع) ، أي: الاجتماع على الحق.
قوله: (وضدها الفرقة) ، فأهل الفرقة هم أهل البدع، وأهل الجماعة هم الذين يتمسكون بالكتاب والسنة، ولا ينافي ذلك أن يكون بينهم اختلاف في فهم النصوص العملية، ولابد أن يحدث بينهم اختلاف ونزاع في ذلك، ولكن هذا لا يدعوهم إلى انفصام الأخوة والمودة والمحبة، بل يتمسكون بالأخوة الإيمانية، والمودة والمحبة التي جاء بها الشرع، ويجعلون كل واحد معذوراً في فهمه، إلا أن يتبين أن الحق في خلاف قوله، فإن تبين ذلك رد عليه قوله، ومع ذلك لا ينزع منه الولاء ويجعل مكانه البراء والمعاداة، حتى يتبين أنه مشاق لله ولرسوله ومفارق لسبيل المؤمنين.
وأهل البدعة بخلاف ذلك، فمن علاماتهم التفرق، ومن علاماتهم التكفير، فمن خالفهم كفروه ورموه بالعظائم، أما أهل السنة فالذي يخالفهم ويكون له وجه عذر ولو من بعيد يسمونه ضالاً، ولا يكفرونه حتى يترك ما يكون بتركه كفر، أو يفعل ما يكون فعله كفراً.
قال: (وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين) ، يقصد أن هذا الاصطلاح الذي حدث ليس هو المقصود بالأحاديث التي جاءت في لزوم الجماعة، فإن الأحاديث التي جاءت في الأمر بلزوم الجماعة -وكذلك الآيات- يقصد بها لزوم الحق وإن كان الذي على الحق واحداً، فيكون هذا المراد بالجماعة.
стр. 521
الإجماع عند أهل السنة
قوله: (ثم الإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين) ، هذا قد يكون غريباً ذكره هنا، ولكن لأن بعض أهل البدع أنكر الإجماع، وأنكر أن يكون الإجماع أصلاً يرجع إليه، فأراد المصنف أن يبين ميزة أهل السنة، وأن أصولهم التي يرجعون إليها في الأحكام وفي العقائد ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والإجماع.
ثم بين أن الإجماع المعتبر هو الإجماع المنضبط، وهو إجماع الصحابة ومن تبعهم من التابعين، لأنهم كانوا محصورين، والكلام المحصور يعلم.
أما بعد أن تفرقوا في البلاد، وكثر العلماء، واتسعت بلاد المسلمين، فالإجماع لا يكون منضبطاً، فمدعي الإجماع بعد ذلك يكون مدعياً لشيء يستحيل الإحاطة به، وهذا معنى قوله: (الإجماع الذي ينضبط هو إجماع السلف) يعني: الصحابة، ولابد أن يكون الإجماع مستنداً إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله؛ لأنه ليس معنى الإجماع أنه يأتي بشيء جديد، وأنه أصل يشرع به، بل لابد أن يكون مستنداً إلى أصل من كتاب الله وسنة رسوله، واستدل على هذا بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] فسبيل المؤمنين يدخل فيه ما أجمعوا عليه، فهذا أصل يرجع إليه في الإجماع.
وهناك نصوص خاصة في كل مسألة يجمع عليها، ولابد أن يكون فيها شيء يعتمد عليه من كتاب الله وسنة رسوله، فإن قيل: ما الفائدة -إذاً- من الإجماع إذا كان هناك أصل يعتمد عليه الإجماع من الكتاب والسنة؟ فيقال: الفائدة في هذا أنه لا يجوز النزاع بعد ذلك في الفهم الذي قد ينزع به من ينزع به، فإذا حصل إجماع السلف فيجب أن يرفع الخلاف، ولا يكون هناك فهم يخالف هذا الإجماع.
وأهل السنة والجماعة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من الاعتقادات ومن الأعمال، فيجب على الإنسان إذا عمل عملاً أن يرجع إلى هذه الأصول، فيرجع إلى كتاب الله فإن وجد فيه تبين أنه هدى، أو إلى سنة رسوله ﷺ ؛ لأنها جاءت لتفسير القرآن وإيضاحه وبيان ما نزل الله جل وعلا إلى الناس، فإن وجد ذلك فيها تبين أنه من الدين، أو إلى ما أجمع عليه المسلمون، فإن تبين أنه ليس لهذا العمل دليل في هذه الأصول وجب رده والبراءة منه، فهو بدعة وضلالة، وهذا معنى كونهم يزنون ما عليه الناس من أقوال وأفعال وعقائد بهذه الأصول.
стр. 522
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قوله: (ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء الأمر به في نصوص كثيرة، والله جل وعلا علق خيرية هذه الأمة على أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وقد عد بعض العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً من أصول الإسلام، فقال: أصول الإسلام ستة: الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الثاني: إقام الصلاة، الثالث: إيتاء الزكاة، الرابع: صوم رمضان، الخامس: حج البيت، السادس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجعله أصلاً من أصول الإسلام، واستدل على هذا بالآيات والأحاديث الكثيرة.
وأهل العلم من أهل السنة يعلمون أن هذا واجب، وأنه يتعين على كل من يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يفعل ذلك؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] فهذا يدل على أن الفلاح خاص بهم، وأن من عداهم يكون غير مفلح بل هو خاسر.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] والخيرية هي من أجل هذا.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فجعل ولاية بعضهم لبعض في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والنصوص في هذا كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي أحاديث رسوله ﷺ كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) يعني: إنكار المنكر بالقلب، فتبين بهذا أن إنكار المنكر فرض، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أصل عظيم، والعلماء قد تكلموا وكتبوا فيه كثيراً، ويجب على طالب العلم أن يطلع على الأمور التي لابد منها في هذا؛ ولهذا قال: (على ما توجبه الشريعة) لأن هناك أموراً كثيرة تتعلق بالأمر بالمعروف يجب أن يطلع عليها.
стр. 523
السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية
قوله: (ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً) .
يعني: هذا من طريقة أهل السنة العملية التي يسلكونها، وهي خلاف طريقة أهل البدع، فأهل السنة يصلون خلف كل إمام براً كان أو فاجراً ما لم يعلم أنه كافر، فإذا علم يقيناً أنه كافر لم تجز الصلاة خلفه، ولا يجوز أن يكون إماماً للمسلمين أو أميراً على المسلمين؛ لأن هذا علق بآيات وأحاديث جعلته من المسلمين كقوله تعالى: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] .
وقوله: (ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد) ومن ذلك صلاة الجماعة، يعني: أنه إذا كان إمام الجمعة، أو أمير الحج، أو أمير الجهاد فيه معاص، وفيه ظلم، وفيه مخالفات للشرع، فإنهم لا يتركون العمل الذي هو طاعة، بل يجب أن يعملوا معه الطاعات، وأن يتلافوا ما فيه خلاف حسب الاستطاعة، ويغمر ذلك الشيء بالمصالح الشرعية التي في الاجتماع، حتى يجتنب المفاسد الكثيرة التي تكون في التفرق والاختلاف والخروج.
وقوله: (ويحافظون على الجماعات) .
يعني: يحافظون على الصلوات في الجماعة؛ لأن هذا من العمليات التي يتميز بها أهل السنة، وهذا للأحاديث الكثيرة التي جاءت عن الرسول ﷺ في إيجاب ذلك.
وقوله: (ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)) ، النصيحة مأخوذة من النصح وهو الخلوص، يقال: نصحت الثوب إذا غسلته وأزلت وسخه، وأصبح ليس فيه درن، فالنصيحة مأخوذة من هذا، فالنصيحة هي إرادة الخير للمنصوح بكل وجه، وإزالة أسباب الشر عنه.
والمسلم للمسلم عموماً يكون بهذه الصفة، ولا يجوز أن ينطوي قلبه على غش لإخوانه أو حقد أو غل كما بينت الأحاديث ذلك، وتمثيل الرسول ﷺ للمؤمنين كالبنيان الذي يتماسك جميعاً، ويشد بعضه بعضاً؛ يدل على أنه لا يجوز أن يتميز واحد عن الآخر في النصح والعمل، بل يجب أن يكونوا سواء، وأن يكونوا ممتثلين لأمر الله جل وعلا، لا يخالفون ما جاء عنه ﷺ ، ومن ذلك قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وهذا الحديث يمثل به الرسول ﷺ ما يبين حق المسلم على المسلم، وأنه يجب أن ينصح له وأن يعمل على أن ينمي له الخير ويوجده، وأن يدفع عنه الشر ويعدمه بما استطاع، وأن يكون ناصراً له على الحق معاوناً له في ذلك، وأن يكون ذاباً عنه كل ما فيه أذاه أو سبب عذابه؛ لأنه يرى أنه كنفسه، ويحب له ما يحب لنفسه، وقد جاءت النصوص الصحيحة أن الرسول ﷺ قال: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا) ، فلابد من التحاب على الإيمان، وعلى العقيدة، وعلى الدين، لا على الدنيا، ولا على أعمال الدنيا، ولا على الأنساب، ولا على الأعراق والأعراف، بل يجب أن تكون على الدين.
وللأسف أن هذا الأمر المهم جداً يكاد يكون معدوماً عند المسلمين أو عند كثير منهم، فتجد أن المسلم يعادي أخاه، وتجد أنه لا يعطف عليه، وتجد أنه لا يهمه لو آذاه أو ظلمه، وهذا لضعف الإيمان، ولضعف الامتثال لأمر الرسول ﷺ .
وقوله: (يأمرون بالصبر عند البلاء) ؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا لابد أن يبتلى، إما أن يبتلى بقريبه أو بماله أو بأخيه المؤمن أو بنفسه، فلابد من الابتلاء؛ لأن هذه الدنيا ليست محل إقامة، وإنما هي فترة وجيزة قصيرة ثم ينتقل منها، فالإنسان في هذه الدنيا هدف تصيبه أغراض البلايا، فلابد أن يوطن نفسه على الصبر والاحتساب، وأهل السنة والجماعة يأمرون بالصبر عند إصابة البلاء، ويأمرون بالشكر عند النعم، والرضا بمر القضاء الذي يكون مراً على النفوس، والقضاء كله خير بالنسبة لله جل وعلا، وليس فيه شيء مر؛ لأن الله لا يفعل إلا ما هو حسن.
стр. 524
الدعوة إلى مكارم الأخلاق
قوله: (ويدعون إلى مكارم الأخلاق) .
مكارم الأخلاق في العمل وفي السلوك، وفي البذل والعطاء، فيدعون إلى مكارم الأخلاق التي يكون فاعلها متكرماً ومترفعاً، ويكون متميزاً على من أكرمه بذلك الخلق أو بهذا العطاء أو بهذا العمل، فسمي كريماً؛ لأنه بذل وأعطى وتميز بذلك، فهم يدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، سواء بالقول أو العمل أو البذل والعطاء.
قوله: (ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) لأن الخلق الحسن يستطيع به الإنسان أن يتحمل ما يتطرق إليه من أذى أو ظلم، وكذلك يستطيع به أن يبذل ما يملكه من نفع معنوي أو مادي.
وقوله: (ويندبون إلى أن تصل من قطعك) مثل ذوي الأرحام إذا قطعوك، فأهل السنة يندبون ويحثون ويأمرون بأن تصلهم، وأن تعاملهم بنقيض ما عاملوك به؛ لأن الأحاديث عن الرسول ﷺ جاءت بالأمر بوصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك.
وقوله: (وتعطي من حرمك) ، يعني: ممن لك حق عليه، إذا حرمك حقاً هو لك، فيأمرونك أن تعامله بنقيض ذلك وأن تعطيه.
وقوله: (وتعفو عمن ظلمك) .
لأن العفو ندب الله جل وعلا إليه في كتابه، وكذلك الرسول ﷺ ندب إليه، يقول الله جل وعلا: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى:٤٣] ، فالذي يصبر ويغفر -يعني: يعفو- هو الذي يكون له مقام رفيع عند الله جل وعلا.
وقوله: (ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام) ، هذه كلها أمور واجبة وأصول عملية، فبر الوالدين قرنه الله جل وعلا بحقه، فأمر أن يحسن إليهم إحساناً عاماً مطلقاً.
وقوله: (وحسن الجوار) كذلك أن تحسن إلى جارك وإن أساء إليك، فإن أهل السنة يأمرون بذلك؛ لأن هذا من طريقتهم.
وبهذه الأمور التي هي: صلة القاطع، وإعطاء المانع، والعفو عن الظالم، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار تقل المفاسد والمعاصي، أو تنعدم إذا امتثل بذلك.
قوله: (والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل) لأن هذه مما نص الله جل وعلا عليها، بأن يفعلوها ويلتزموا بها، وهذا تفسير لما سبق أنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقوله: (والرفق بالمملوك) الذي يملكه الإنسان من عاقل أو بهيمة، فيأمرون بالرفق بالمملوك ولو كان بهيمة يريد أن يذبحها ويأكل لحمها فإنه يؤمر بالرفق بها، والرسول ﷺ أمر الذي يريد أن يذبح أن يحد شفرته وأن يريح ذبيحته، ولا يريها الشفرة، ولا يسيء إليها بجرها وضربها، فإن هذا ليس من طريقة أهل السنة والجماعة، بل هو من طريقة أهل المعاصي وأهل السلوك الغير محمود.
وقوله: (وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي) ؛ أما الفخر: فهو التعالي والتكبر بما يكون للإنسان من صفة أو ما يكتسبه من معنى.
أما الخيلاء: فهو التعاظم في النفس وكذلك الإباء عن بذل الحق، واللجوء إلى ما تزينه النفس والشيطان.
أما البغي: فهو الظلم والعدوان بأن يعتدي على من ليس له عليه يد؛ لأن هذا من الظلم الذي يؤمر بالابتعاد عنه.
قوله: (الاستطالة على الخلق) باللسان أو باليد أو بغير ذلك، والاستطالة تكون غالباً بالكلام في الأعراض، من الغيبة التي جاء النهي عنها.
وقوله: (الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق) ، الاستطالة هي أن يتعدى الحق، فإذا تعدى الحق الذي يجب أن يسلكه فقد استطال؛ ولهذا قال: (بحق أو بغير حق) ؛ لأن الاستطالة لا تكون إلا بغير حق، والمقصود أنه لو كان هذا الذي استطيل عليه ظالماً فلا ينبغي أن يقابل بالظلم.
وقوله: (ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها) معاليها أي: محاسنها ومكارمها، أما سفاسفها فهي الأخلاق التي تكون سافلة، وهي أخلاق أهل السفول وأهل السقوط، فأهل السنة ينهون عنها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بَعث الله به محمداً ﷺ .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.