← Тафсир

Тафсир · id 30518

مباحث التفسير لابن المظفر الرازي

أبو الفضائل ابن المظفر الرازي

Полный текст (272 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ـ[مباحث التفسير لابن المظفَّر (وهو استدركات وتعليقات على تفسير الكشف والبيان للثعلبي)]ـ المؤلف: الإمام أبو العباس أحمد بن محمد بن المظفَّر بن المختار الرازي الحنفي (المتوفى ٦٣١ هـ) دراسة وتحقيق: حاتم بن عابد بن عبد الله القرشي الناشر: كنوز إشبيليا - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل]

стр. 2

القسم المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الفاتحة ١ - قال أبو إسحاق الثعلبي ﵀: " العلة في كسرة ﴿باسم الله﴾ أن الباء حرفٌ ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة ". قلت: هذا باطل بالتاء فإنه حرف ناقص ممال ومع هذا لا يُكسر إذا أُلصقَ بالاسم بل يفتح فيقال تَالله. ٢ - قال: " الدليل على أن الاسم هو المسمى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ثم قال: " يا يحيى نادى الاسم ".

стр. 3

قلت: ما نادى الاسم وإنما نادى المسمَّى بالاسم تعريفاً. ٣ - قال: " أصل الاسم سِمْو واشتقاقه من سما يَسمو وكأن المُخْبَرَ عنه معدوم وما دام معدوماً فهو في درجة يَرتفِع بها إذا وُجد ويَعلو بدرجةِ وجوده على درجة عدمه ". قلت: هذا باطل بأسماء الله فإنه لا يتصور أنْ يُقال كانَّ المخبَر عنه معدوم ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه وهذا محال بل كفر، ثم هذا الذي ذكره

стр. 4

من اشتقاق الاسم مِنْ سما يَسمو وأن أصله سموٌ قول البصريين، فأمَّا قول الكوفيين فأصل الاسم من الوسْم وهو العلامة قُلِبت الواو ألفاً. وقول البصريين أقوى بدليل التصريف.

стр. 5

٤ - قال: " في الحديث أن عيسى ابن مريم أرسلَتْهُ أمُّه إلى الكُتَّاب ليتعلم فقال له المعلم قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال له عيسى: الباء بهاء الله ". قلت: إن صح الحديث فلا يُعتَرَض عليه، ولكن دليل أنه غير ثابت وجوه: الأول: أنه صح أن عيسى كان في بطن أمه يحفظ التوراة والإنجيل وكان يقرؤها وهو في بطنها بحيث يُسمع أمه فكيف أرسلتْه إلى الكُتَّاب ليتعلم

стр. 6

وهي تعلم من حاله ذلك، والدليل على ذلك أنه حين تكلم وهو طفل رضيع قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. والثاني: أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إنما قُرِئت وكتِبت بعد نزولها على نبينا ﷺ ، وقبل ذلك كانوا يكتبون باسمك اللهم. والثالث: أن معلم عيسى، وعيسى كانوا يقرؤون بالسّريانية لا بالعربية وهذا عربي. والرابع: كيف قال عيسى: الباء بهاء الله والسين سناء الله، والباء حرف زائد والسين حرف أصلي، وعلى تقدير أن تكون التسمية في الإنجيل تكون بالسريانية لا بالعربية. فلا تكون بهذه الصيغة وهذه الحروف فلا يتصور أن يقال ذلك في تفسيره.

стр. 7

٥ - ثم فسر ﴿بسم الله﴾ بالملك والمجيد وهذا بعيد جداً؛ لأن الباء حرف زائد والسين والميم أصليان فكيف يسوي بين الكل؟ ثم إنا نعلم يقيناً أن الباء ههنا للإلصاق والابتداء ألحقوها بالاسم، وهما حرف واسم مركبان لمعنى معلوم مشهور لا يُفهم غير ذلك المعنى، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير الألفاظ عن معانيها الموضوعة لها لغة، وتحريف الكَلِم عن مواضعها وذلك غير جائز. ٦ - قال: " أُدخِلَت الألف واللام بدلاً من الهمزة المحذوفة في (إله) فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة، وأجريتْ على الأصل، ولهذا لم يَدخُلْ عليه في النداء ما يَدْخُل على الأسماء المعرّفة من حروف التنبيه، فلم يقولوا: يا أيها الله ".

стр. 8

قلت: هذا لم يختص بالله فإن حروف التنبيه كما لم تدخل على الله كذلك لا تدخل على الرحمن، فلا يقال: يا أيها الرحمن. وإن لم يكن الألف واللام في الرحمن لازمتين؛ بل إنما لم يدخل التنبيه على أسماء الله سواء كان بالألف واللام، أو لم يكن؛ لأن التنبيه إنما يكون للغافل أو النائم، وتعالى الله عن ذلك. فعُلم أن ذلك ليس دليلاً، للزوم الألف واللام؛ بل دليل اللزوم أن في النداء يقال: يا الله، ولا يقال: يا الرحمن؛ بل يقال يا رحمن. فلما صار ألف الله في النداء باقياً، وغير باقٍ في الرحمن عند النداء دلّ ذلك على لزوم الألف واللام في الله. ٧ - قال: " قال الخليل بن أحمد وجماعة: الله اسم موضوع لله -

стр. 9

لا يَشْرَكهُ فيه أحد ". قلت: كما قلت في أوّل الكتاب إنّ الاسم هو المسمى يَستحيل إذاً أن يكون الله اسماً موضوعاً؛ لأنه يلزم من كون الاسم موضوعاً كون المسمى موضوعاً مخلوقاً وهو كفر صُراح تعالى الله عن ذلك. فأنت بين أمرين: إما أن تُقرَ ببطلان هذا القول، أو ببطلان كون الاسم والمسمى واحداً. ٨ - قال: " إذا أُطلق هذا الاسمُ على غير الله فإنما يقال بالإضافة كما يقال: إله كذا، أو يُنكرُ فيقال: إله كقوله: ﴿اَجْعَل لنَاَ إِلهًا﴾. قلت: لا يطلق قط هذا الاسم على غير الله لا مضافاً ولا منكراً، فإنا ما سمعنا قط يقال: إله بغداد أو إله الغلام، أو إله الدار، ولا أن يقال: فلان إله.

стр. 10

وإنما الله تعالى أخبر عن جماعة جُهّال أنهم اجترؤوا بهذا اللفظ وتجاسروا إساءة الأدب فقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ظناً منهم أن العِجْل هو الله المعبود جهلاً وكفراً تعالى الله عما يشركون. ٩ - قال: " غلَّظ بعض القراء اللام في قوله: (الله) حتى طَبَّقوا اللسان به والحنك لفخامة ذكره، وللفرق بينه وبين اللات ".

стр. 11

قلت: إنما يغلظون إذا ذهبوا إليه من النصب أو الضم، أما إذا ذهبوا من الخفض فلا. بخلاف اللات فإنه لا يُغلظ في الأحوال كلها. ١٠ - قال: " جاء في الدعاء (يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة) ". قلت: المروي: (يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما).

стр. 12

مطلب في البسملة ١١ - قال: " كان النبي ﷺ يكتبُ باسمك اللهم حتى نزل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فكتب مثلها ". قلت: إنه مناقض لما رَوى في أول الكتاب أن أول ما نزل من القرآن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وحجة هو أيضاً على من

стр. 13

يقول بأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من أول كل سورة؛ لأن قبل سورة النمل قد نزلت سُوَرٌ كثيرةٌ فلو كانت التسمية معها منزلة لم يتَوقفْ كتابتها على نزولها في سورة النمل. ١٢ - قال: " في حديث أبي هربرة يقول الله: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: مَجدني عبدي، وإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فال الله: حمدني عبدي ... ) الحديث ". قلت: حديث أبي هريرة حديث صحيح رواه مسلم عن قتيبة عن

стр. 14

مالك: (من صلى صلاة لم يقرأ بها بأم القرآن فهي خداج). إلى قوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين اقرأوا يقول العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله: حمدني عبدي ... ) الحديث. ولم يذكروا قوله: (إذا قال العبد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وذكر الخطابي

стр. 15

والبغوي في كُتِبهِما أن بهذا الحديث يستدل من لا يرى التسمية آيةً من الفاتحة؛ لأنه لم يبدأ بها إنما بدأ بالحمد لله. ١٣ - قال في حديث أنس: " (صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾). عُلِم بهذا أنه لم يَنفِ كون هذه الآية من جملة السورة ".

стр. 16

قلت: بل نَفَى؛ لأنه لو كان من جملة السورة لجهر بها كما جهر بالسورة؛ ولأنه تم استدلالهم به في ترك الجهر الذي هو عين الخلاف. ١٤ - قال: " قوله ﷺ : (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) يحتمل أنه أراد كل ما وقع عليه اسم القرآن، ويحتمل أنه أراد سورة بعينها ". قلت: لا يحتمل ذلك لأنه مطلق، والمطلق لا يحتمل التعيين. ١٥ - وقال: " بالعلة التي أوجبوا قراءة آية تامة مع قوله: (ما تيسر) أوْجَبْنا قراءة الفاتحة ".

стр. 17

قلت: في رواية عن أبي حنيفة يجوز دون آية بأن يقرأ أدنى ما ينطلق عليه اسم القرآن. * * * سورة البقرة ١٦ - قال في سورة البقرة: " لم تكن العرب تعرف الإيمان غير التصديق، والنقل عن اللغة لم يثبت فيه؛ إذ لو صح النقل عن اللغة لرُوي ذلك كما

стр. 18

رُوي في الصلاة التي أصلها الدعاء ". قلت: بل النقل عن اللغة ثبت فيه وهو قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وقول النابغة: والمُؤمِنِ العَائذاتِ الطيرَ تَمْسَحُها ... رُكبَانُ مَكةَ بَين الغِيل والسِّنَدِ ١٧ - قال في قوله: ﴿أتجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾: " معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها أم تجعل فيها من لا يفسد فيها ". قلت: لو قدرنا هكذا لم ينتظم مع قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ومع

стр. 19

قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ١٨ - قال في قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: " دليل على جواز تكليف ما لا يطاق " قلت: هذا أمر تعجيز لا أمر تكليف، والخلاف في أمر التكليف. ١٩ - قال: " الاسم كل لفظة دلت على معنى ما، وشيء ما، وهو مشتق من السمة وهي العلامة التي يُعرف بها الشيء ".

стр. 20

قلت: لو كان حد الاسم هذا؛ لكان الاسم غير المسمى؛ لأن الدليلَ غيرُ المدلول. ولو كان مشتقاً من السمة لكان أصله وَسْم، لا سِمو، وحينئذ يكون في التصغير وُسَيم لا سُميٌ وفي الجمع أوسام لا أسماءٌ. ٢٠ - قال: " كان سجود الملائكة للَّهِ وآدم قبلة، وقيل سجد الملائكة وآدم للَّهِ، وقيل أقرَّوا له أنه خيرهم ". قلت: هذا كله خلاف مدلول قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وخلاف النقل الصحيح، والأولى أن يقول: كان سجود التعظيم لا العبادة، ثم نسخ

стр. 21

في شرعنا. والله أعلم. ٢١ - قال: " سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله كما يقال: يا خبيث ويا فاسق ولا ينصرف لاجتماع العجمة والمعرفة ".

стр. 22

قلت: قوله: " سمي إبليس لأنه أبلس " مناقض لقوله " اجتمع العجمة والمعرفة "؛ بل الصحيح أنه اسم عجمي فلذا لا ينصرف. ٢٢ - قال: " أهل الجنة مأمورون فيها بالمعرفة ومكلفون بذلك ". قلت: المكلف يكون من الكُلفة وهي المشقة، ولا مشقة في الجنة، وحد ْالتكليف أنه لو أتى به يثاب، ولو أبى يعاقب، وليس ذلك في الجنة بل هم ملهمون للمعرفة والذكر كالتنفس.

стр. 23

مطلب في آدم ﵇: ٢٣ - قال: " عن سعيد: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى سكر فأكل ". قلت: خمر الجنة لا يُسكر، ولو كان كذلك لما كان معاتباً ملوماً على أكل الشجرة.

стр. 24

٢٤ - قال: " لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلا لأربعة وعد منهم المفرِّط في قضاء رمضان ". قلت: المفرط لا رخصة له، ثم قال: " عليه القضاء والكفارة ". ٢٥ - وكذا " على الشيخ الهرم، ومن به مرض لا يُرجى زواله قال: عليهم الكفارة ".

стр. 25

قلت: عليهم الفدية لا الكفارة. ٢٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: " أمرهم بالتقوى، وكفِّ الظلم، وذكرهم سفر الآخرة، وحثهم على التزود للدارين فإن التقوى زاد الآخرة ".

стр. 26

قلت: لو كان المعنى ما ذهب إليه لكان: (وتزودوا وإن خير الزاد التقوى) بالواو لا بالفاء لاختلاف الكلامين، ولكن يشبه أن يكون المعنى في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ احملوا الزاد في طريق الحج فإن الخير الحاصل من زاد الطريق أن يتقو به مالَ الناس وأزوادَهم ولا يكونوا كلاً عليهم محتاجين إليهم. ٢٧ - قال: " عند أبي حنيفة وصاحبيه إذا طهرت المرأة لعشرة أيام حلَّ

стр. 27

وطؤها دون أن تغتسل، وإن طهرت لما دون العشر لم يحل وطؤها إلا بإحدى ثلاث: أن تغتسل، أو يمضي بها أقرب وقت الصلاة، أو تتيمم ". قلت: بل عند أبي حنيفة وأصحابه: إذا طهرت لما دون العشر لا يحل وطؤها إلا أن تغتسل، هكذا ذكر القدوري وفي رواية أو يمضي عليها وقت صلاة كامل ولم يذكر التيمم. قلت: والذي ذكر من إحدى الثلاث ليس في هذه المسألة وإنما هي في المطلقة

стр. 28

الرجعية وهي أنه " إذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيام انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل، كان انقطع لأقل من عشرة أيام لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة أو تتيمم وتصلي عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إذا تيممت انقطعت الرجعة ". ٢٨ - قال: " تقول العرب: أكفرتُه وأفسقتُه إذا نسَبْتُه إليها ".

стр. 29

قلت: أنكر القُتَبيُ هذا واستشهد ببيت لبيد: مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيرِ اهْتَدَى ... نَاعِمَ البَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلَ

стр. 30

٢٩ - وقال: " أَفَتُرى لبيداً، أراد بقوله: من شاء أضل، أي سُمي ضالاً؟ لعمر الله ما عرف هذا لبيد ولا وجده في شيء من اللغات ". هذا

стр. 31

لفظ القتبي.

стр. 32

قلت: لعل كلام القتبي يشير إلى أن نسبة الرجل إلى الشيء يكون من التفعيل لا من الإفعال وفيه تقوية لحجة أهل السنة على القدرية في قوله: ﴿يُضِل مَن يَشَآءُ﴾. ٣٥ - قال: " إن نمروذ قال لإبراهيم: أنت تزعم أن ربك يحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته، فقل لربك: يحيي الموتى إن كان قادرا، أو لأقتلنك. فقال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن بأني أحي الموتى

стр. 33

قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي، ونجاتي من القتل فإن عدو الله تَوَعدني بالقتل إن لم تحي لي ميتاً ". قلت: عدو الله ما كان يوعده بالقتل إن لم يحي الله لإبراهيم ميتاً، ولكن أوعده بالقتل إن لم يحي الله لنمروذ ميتاً بحيث يعاينه، وهذا سؤال إبراهيم إحياء الموتى كان في غيبة نمرود فلم تنقطع حجة نمروذ بالإحياء في غيبته؛ بل كان حجته قائمة من وجوه: الأول: أن يقول كيف تدعي أن ربي الذي يحيي ويميت وما عاينتَه أنت ولا أنا، وإن ادعيت أنك عاينته فلا أصدقك إذ لم أعاين. الثاني: أنك انتقلت من دليل إلى دليل آخر قبل تمام الأول وذلك انقطاع. الثالث: أنك قصرت في الاحتجاج؛ لأنه كان لك أن تقول: فاحي هذا المقتول الذي قتلته الساعة. الرابع: أنك ادعيت أن الله يأتي بالشمس من المشرق وهذا أيضاً دعوى من غير دليل ولا معاينة ومن يقول بأن الذي يأتي بالشمس من المشرق هو ربك يا إبراهيم؛ بل أنا الذي آتى بالشمس من المشرق كل يوم. الخامس: أن قولك فأت بها من المغرب معارَض بمثله فليأت بها ربك من المغرب فهل تقدر أن تسأل ربك أن يأتي بها من المغرب؟ وإن سألته فهل هو فاعل ذلك وإن ادعيت أن ربي سيأتي بها من المغرب عند قرب الساعة فلا

стр. 34

يكون ذلك حجة علي في غيبتي. وفي الجملة فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. ٣١ - قال: " معنى قوله ﷺ : (نحن أحق بالشك من ابراهيم) إنما شك إبراهيم أيجيبه الله إلى ما سأل أم لا؟ وهل يستجيب دعاه؟ وهل اتخذه خليلاً؟ ".

стр. 35

قلت: إبراهيم ﵇ لم يَدْع الله بإحياء الموتى؛ لأنه لو كان داعياً لذلك لقال: اللهم أحي الموتى أو أحيي فلاناً؛ ولكنه سأل أن يرَيه كيفية الإحياء. ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَ أولَم تُؤمِن﴾ ولو كان سؤاله ليعلم أنه هل مجيبه أم لا؟ لما قال له: ﴿أوَلَم تُؤمِن﴾ كما لم يقل لعيسى: (بل يحي) بسؤاله؛ لأن قوله: ﴿أولَم تُؤمِن﴾ سؤال عن مطلق الإيمان فيكون ضده مطلق الشك لا الشك في الخلة والإيمان بالخلة.

стр. 36

٣٢ - قال: " لا يقال للطائر إذا طار سعى، فقوله: ﴿يَأتِينَكَ سَعْيًا﴾ أي يأتينك وأنت تسعى سعياً ". قلت: لا معنى لسعي إبراهيم في حال إتيان الطير إليه: لأنه محال انتظار إتيان الطير إليه، وفي تلك الحالة لا فائدة لسعيه، ونسبة ذلك إليه غير معقول. ٣٣ - قال في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ قال: ". إنما رد الماضي على المستقبل لأن العرب تلفظ بوددتُ مرة مع (لو) وهي للماضي فتقول: وددتُ لو ذهبتَ عنا. ومرة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول: وددت أن تذهب عنا. و (لو) و (أن) مضارعان في معنى الجزاء، ألا ترى أن العرب إنما جمعت بين (لو) و (أن) قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا﴾ كما يجمع بين (ما) و (أن) فلما جاز ذلك

стр. 37

صلح أن يقال: فعل بتأويل يفعل، ويفعل بتأويل فعل. وأن ينطق بـ (لو) مكان (أن)، وبـ (أن) مكان (لو) ". قلت: هذا غلط ظاهر ولكل جواد هفوة؛ لأن ما ذكر من الجمع بين (لو) و (أن) واحتج بقوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ غير صحيح؛ لأنه ليس بجمع بين (لو) و (أَنْ)؛ وإنما هو جمع بين (لو) و (أنّ) المشددة، وما قرأ بالتخفيف أحد قط ". وقوله: " (لو) و (أن) مضارعان في معنى الجزاء " ليس كذلك؛ لأن (أن) ليس من الجزاء في شيء؛ ولكن وجه الآية أنه تعالى إنما عطف بالماضي على المستقبل في قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأصَابَهُ اَلْكبرُ﴾ لأن إصابة الكبر ليس بمودود، والجنة من النخيل والأعناب مودود، فلما خالفا في المعنى خالفا في الصيغة، والواو في قوله: ﴿وَأصَابَهُ﴾ للحال وتقديره: أيود أن تكون له كذا وقد أصابه الكبر.

стр. 38

٣٤ - قال في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: " (ما) في محل الرفع و (هي) في محل النصب كما تقول: نعم الرجل رجلاً ". قلت: بل (هي) في محل الرفع لا في محل النصب؛ لأن (هي) معرفة وخبر نعم إذا كان معرفة يكون مرفوعاً كقولك: نعم الرجل زيد. * * * سورة آل عمران ٣٥ - قال في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾: " إن الواو واو العطف يعني يعلمه الراسخون، وحينئذ يكون قوله: ﴿يَقُولُون﴾ حالاً والمعنى: والراسخون في العلم قائلين، كقول الشاعر: فالرِيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا ... وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ فِي غَمَامَه

стр. 39

أراد والبرق لامعاً في غمامه يُبكى شجْوَه أيضاً، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانه معنى ". قلت: لا يمكن أن يكون ﴿يَقُولُونَ﴾ حالاً؛ لأنه لو كان حالاً لكان حالاً للمذكورين قبل، والمذكورون الله والراسخون؛ لأن من قال: جاءني زيد وعمرو وبكر راكبين. يلزم أن يكون الركوب حال الثلاثة لا الأخير وحده، فعلى هذا يلزم أن يكون القول حالاً للَّهِ والراسخين فيكون تقديره: (يقول الله والراسخون آمنا به كل من عند ربنا) وذلك محال؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالإيمان بمعنى التصديق. وأما قوله: ٣٦ - " الرِيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا ... وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ فِي غَمَامَه

стр. 40

أراد والبرق لامعاً ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانه معنى ". قلت: هذا لا يستقيم من وجهين: أحدهما: أن قوله: (الريح تبكي شجوها) كلام تام مستقل، وكذا (البرق يلمع في غمامه) كلام تام مستقل مفيد لا يحتاج أحدهما إلى الآخر، ولا ضرورة في عطف البرق على الريح وجعل اللمعان حالاً. والثاني: وهو أن البرق لا يجوز أن يشرك الريح في البكاء؛ لأن البرق لا يوصف بالبكاء، ولا مشابهة بينه وبين الباكي أصلاً ورأساً، وإنما يوصف البرق بالضحِك، والضياء، حتى أنّ من وصف البرق بالبكاء يُسَفهُ في رأيه، بل الريح أو الغيم يوصف بالبكاء، فيكون قوله (والبرق يلمع في غمامه) كلاماً مفيداً مستقلاً. ٣٧ - قال: " لَدُن يُخفض بها على الإضافة وُيرفع على مذهب مذ، وأنشد قول أبي سفيان بن حرب على الوجهين:
следующие страницы →