← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3052

شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ

صالح آل الشيخ

Полный текст (197 стр.). Показаны 176–197 · переход к 181.

стр. 176

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كريب قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ (١) قَالَ: رَأَيْت مُجَاهِدًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَهُ أَلْوَاحُهُ قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اُكْتُبْ حَتَّى سَأَلَهُ عَنْ التَّفْسِيرِ كُلِّهِ. وَلِهَذَا كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ. وَكَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ. وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. وَأَبِي الْعَالِيَةِ. وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وقتادة. وَالضِّحَاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ.

стр. 177

وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَتُذْكَرُ أَقْوَالُهُمْ فِي الْآيَةِ فَيَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ تَبَايُنٌ فِي الْأَلْفَاظِ يَحْسَبُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ اخْتِلَافًا فَيَحْكِيهَا أَقْوَالًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ أَوْ نَظِيرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنُصُّ عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، وَالْكُلُّ بِمَعْنَى وَاحِدٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَاكِنِ، فَلْيَتَفَطَّنْ اللَّبِيبُ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْهَادِي. وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَغَيْرُهُ: أَقْوَالُ التَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ لَيْسَتْ حُجَّةً، فَكَيْفَ تَكُونُ حُجَّةً فِي التَّفْسِيرِ؟! يَعْنِي: أَنَّهَا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ، وَهَذَا صَحِيحٌ أَمَّا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى الشَّيْءِ فَلَا يُرْتَابُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَلَا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَلَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى لُغَةِ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ عُمُومِ لُغَةِ الْعَرَبِ أَوْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ. [الشرح] بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى لآله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فصلة لما سبق من الكلام عن طرق التفسير، ذكر أنّ القرآن يفسر بالقرآن، ثم القرآن يفسر بالسنة، ثم يفسر بأقوال الصحابة، هذا سبق شرحه وبيانه فيما مضى. والآن صار إلى تفسير القرآن بأقوال التابعين، والتابعون في مآخذهم في التفسير أخذوا من عدة اتجاهات أو مدارس:

стр. 178

الأولى هي مدرسة ما سمعوه من الصحابة وهي الأكثر، تجد أن الملازم للصحابي يفسر بتفسيره، الملازم لابن مسعود يفسر بتفسيره، الملازم لأبيّ يفسر بتفسيره، الملازم لعلي ﵃ أجمعين يفسر بتفسيره، وكذلك من لازم ابن عباس ﵄ فإنه يفسر بتفسيره. كما لأطال هنا في الكلام عن مجاهد وهو من أوضح الصور في التزام مدرسة ابن عباس في التفسير، هذا هو المأخذ الأول. المأخذ الثاني: أن يجتهد التابعي في التفسير فيفسر باجتهاده، وهذا الاجتهاد راجع إلى نظره في الآيات، أو نظره في السنة أو إلى ما سمعه ويكون لديه من علوم مختلفة، وهذا كثير الاجتهاد عند التابعين، كثير باعتبار ما سمعوه أو اللغة أو ما شابه ذلك، ولهذا كثر اختلافهم من أجل كثرة اجتهاداتهم. القسم الثالث أو النوع الثالث في مآخذهم: هو حال التّابعي في التفسير؛ يعني في أثناء تفسيره، وهو تارة يفسر فيختصر بكلمة لأنه سئل عنها، وتارة يفسر فيطيل لأن المقام يقتضي ذلك، ولهذا تستغرب؛ لأن التابعين حينما فسروا، تجد أن من تفاسيرهم ما هو مقتضب جدا، ومنه ما هو مطول تجده يسهب في تفسير الآية. وسبب ذلك اختلاف الحال التي فسر فيها، وهذه الأحوال في الغالب لا تُنقل لنا، وإنما ينقل لنا القول الذي قاله دون الحال أو بساط الحال الذي جعل التابعي يُطنب أو يختصر، كما هو أيضا في حال الصحابة رضوان الله عليهم. وذكر لك عددا من أسماء مفسري التابعين ممن نُقل عنهم التفسير، وهؤلاء مشاهير تفاسيرهم منقولة في التفسير بالأثر.

стр. 179

هذه المدرسة مدرسة التفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، تفسير القرآن بأقوال الصحابة تفسير القرآن بأقوال التابعين، هذه تسمى مدرسة التفسير بالأثر؛ يعني بالأثر يعني من نقل عن صحابي فإنه يكون فسر بالأثر، من نقل عن التابعي فإنه يكون قد فسر بالأثر، حتى ولو كان تفسير الصحابي اجتهادا منه في اللغة، أو كان تفسير التابعي اجتهادا منه في اللغة، وليس مما نقله. وتفسير القرآن هناك مدرستان مشهورتان مدرسة التفسير بالأثر ومدرسة التفسير بالرأي. مدرسة التفسير بالرأي لها عدة مدارس بداخلها منها مدرسة التفسير باللغة. والصحابة رضوان الله عليهم اجتهدوا في التفسير باللغة وكما ذكر لكم أمثلة في الماضي إن كان [ذكري] صحيحا وكذلك التابعون فسروا باللغة؛ لكن ما نقل عنهم التفسير حتى ولو كان تفسيرا لغويا لا يصنفهم في مدرسة التفسير باللغة بل هي مدرسة التفسير بالأثر، وسبب ذلك أن اجتهادهم في اللغة ليس اجتهادا راجعا إلى اجتهاد في اللغة، هذا الاجتهاد في التفسير ليس لاجتهادهم في اللغة؛ ولكن لأن اللغة العربية هي اللغة التي يتكلمون بها وهي سليقتهم وفطرتهم لم يأخذوها بالتطبع مثلما جاء في مدرسة التفسير بالرأي فشا اللحن وفشا الفساد في اللغة فيكون تفسير العالم في اللغة يكون مما تعلمه من اللغة وليس مما طبع عليه.

стр. 180

ولهذا لم يعد العلماء تفسير التابعين ولا تفاسير الصحابة من التفاسير اللغوية، حتى ولو كان ما اجتهدوا فيه لغويا لهذا السبب وهو أن تفسيرهم باللغة كان عن طبع ولم عن اجتهاد، فسروا في اللغة صحيح اجتهدوا في اللغة التي هي طبعهم وهي سليقتهم لا اللغة التي تعلموها كما هو صنيع المتأخرين، ولذلك لا تجد في تفسيرهم باللغة تفسيرا بالنحو لا تجد فيه التفسير البلاغي لا تجد فيه تفسير ألفاظ اللغة عن طريق الاشتقاق الذي كان عند المتأخرين، وإنما هو بالسليقة العامة التي ينقلون فيها الكلام عن الصحابة أو عن من أدركوه من أصحاب السليقة العربية. تفاسير التابعين قد يكون فيها اختلاف، وقد ذكر لك المصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى أن ما اختلفوا فيه فيندر أو يقلّ أن يكون فيه اختلاف تضادّ في التفسير الواحد وإنما يكون التنوع في العبارات والمآل واحد، إما أن يكون بعضهم جاء بالعموم وبعضهم خص، بعضهم جاء بفرد من الأفراد والآخر أتى بالكل، واحد جاء بالكل وآخر جاء بالجزء، وهكذا فيما اختلفوا فيه اختلاف تنوع. المسألة الثالثة التي طرقها مسألة خيالية لا مصير إليها وهي مسألة الإجماع في التفسير، والتابعون صعب بل لا أذكر أحدا من أهل العلم قال أجمع التابعون على أن تفسير هذه الكلمة هي كذا؛ لكن شيخ الإسلام فيما ذكر هذا بناء على تنظيره المعتاد أنهم إن أجمعوا على شيء فالحجة فيما أجمعوا عليه؛ لكن في الواقع لم ينقل عنهم الإجماع في تفسير آية، وإنما الصحابة رضوان الله عليهم نقل أما التابعون فإنهم لم ينقل عنهم أنهم أجمعوا في تفسير كلمة أو آية أنها كانت تفسر بكذا. ولهذا صار خلاف المفسرين والأئمة في التفسير بتفسير التابعين سائغا لأنهم اختلفوا، وإذا كان كذلك فيرجع فيه المجتهد في التفسير إلى الحجة من القرآن أو الحجة من السنة أو طرق التفسير الأخرى.

стр. 181

فتفاسير التابعين ليست حجة إلا في حال أنهم أجمعوا، وهذه حال خيالية كما قال الإمام أحمد من ادّعى الإجماع فقد كذب؛ لأن الإجماع في المسائل الفروعية صعب، فكيف عن المسائل العلمية فالتفسير عند التابعين، سيما وأن مدارس التابعين في التفسير مختلفة متباينة، مدرسة مكة، مدرسة المدينة، والكوفة والبصرة والشام، هي تفاسير لاشك أنها عرضة للاختلاف الكبير. يمكن أن نقول هنا أن تفسير التابعين يتميز بمزايا: الأولى أنه لا خلط فيه من حيث النواحي العقدية؛ بل تفاسيرهم فيما يتعلّق بالاعتقاد صحيحة، هذا الذي جعل عددا من أئمة السنة ينقلون بعض تفاسير التابعين في كتب العقيدة والسنة، مثل ما يروى عن عكرمة وعن مجاهد في بعض المسائل التي منها مسألة الإجْلاس ونحوها. (١) فالأصل أنهم لا يقع عندهم خلل فيما يذكرونه في أبواب الغيبيات، وهذه ميزة لتفاسيرهم قد يكون هناك نزاع بين أهل السنة في مسألة مما نقل عنهم لكن الأصل أن ما نقلوه في مسائل الاعتقاد الأصل فيه السلامة؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك بما أثنى الله عليهم به وأثنى عليهم به رسوله ﷺ . الميزة الثانية أن كلامهم قليل الألفاظ كثير المعاني كسمة تفاسير الصحابة، تجد أن تفاسير التابعين إذا تأملته يمكن أن تخرج من التفاسير إشارة أو معنى كبير جدا يتطرق له الداعية، يتطرق له العالم يتطرق له الواعظ، وهكذا في كلمات وجيزة وكثيرة المعاني. السّمة الثالثة أن تفاسيرهم لا تخالف اللغة، تفاسير التابعين متفقة مع اللغة بخلاف تفاسير من أتى بعدهم فإنه قد فشا اللحن وقد يقع الخلل في التفسير اللغوي عندهم.

стр. 182

المزية الرابعة من مزايا تفسير التابعين الإجمالي أن تفاسير التابعين في كثير منها دُونت وأصبحت تنقل من طريق صحف أو من طريق أسانيد ثابتة عرفت تفاسير التابعين بها تفسير نجاهد منقول بإسناد معروف عنه، أو صحيفة مجاهد نفسها منقولة بتفسير وبإسناد واحد، وكذلك المشاهير الآخرون من التابعين، إما أن يكون عنده صحيفة في التفسير مكتوبة أو يكون هناك جادة في الإسناد واحدة منقول عنها في التفسير، ويكون الأسانيد الأخرى التي نقلت عنه في التفسير قليلة، وهذا بخلاف تفاسير الصحابة فإن الكتابة عنهم غير موجودة إلا ما ذكر عن كتابات قليلا عن ابن عباس وعلي ﵄ وابن مسعود لكنها ليست كاملة كتفاسير التابعين، والأسانيد أيضا متنوعة في الصحابة بخلاف أسانيد التابعين. هذا بعض ما يحضرني من مزايا تفسير التابعين رحمهم الله تعالى. سائل: يفسرونها تفسيرا واحدا وإنما يكون الاختلاف في العبارة، هذا كثير جدا، هل هذا يعتبر إجماع؟ لا، هذا ليس إجماعا؛ لأن الإجماع أن يكون كل من عُرف بالتفسير من التابعين نُقل تفسيره للآية فاتفقوا عليه، نجد أن المنقول في الآية ينقل عن واحد اثنين فقط، لا يسوغ أن نقول أن البقية الذين لم يُنقل كلامهم متفقون معهم في ذلك، كذلك عدم ذكر الخلاف لا يعني الإجماع، بعض العلماء يسميه إجماع سكوتي وبعضهم يقول لم يعلم لهم مخالف فكان إجماعا هذه كلها فيها تجوّز وليس موافقة لشروط الأصوليين في مسألة الإجماع.

стр. 183

قراءة ابن مسعود مفسرة، ابن مسعود ﵁ قراءته قراءة مفسرة ابن مسعود يذكر الآية يعني الآية ويقرأ معها التفسير يعني يضيف كلمات فيها التفسير، لذلك اشتبه هذا على عدد من المتأخرين لأنهم يعتقدون أن هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود وهذا ليس بصحيح، وإنما هي متن تفسيرات ابن مسعود مثل الآية المشهورة (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ منه) هذه في قراءة ابن مسعود، وهي تفسيرية ليست بقراءته؛ لكن يقال بالتجوّز أنها كقراءة ابن مسعود لكن ابن مسعود كان يفسر يعني يقرأ ويفسر لها أمثلة كثيرة، قد ذكر كثيرا منها الحافظ ابن أبي داوود في كتابه المصاحف؛ يعني أطنب في هذه المسألة تعرفون الكتاب المصاحف لابن أبي داوود كتاب مشهور بالأسانيد نقل كثيرا من هذا. نعم [المتن] [تَفْسِيرُ القُرْآنِ بِالرَّأْيِ] فَأَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَحَرَامٌ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .

стр. 184

وَبِهِ إلَى التِّرْمِذِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حميد حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ القطعي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجوني عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ. وَهَكَذَا رَوَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وقتادة وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْقُرْآنِ وَفَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَسَلَكَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ كَمَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْمًا مِمَّنْ أَخْطَأَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 185

وَهَكَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْقَذَفَةَ كَاذِبِينَ فَقَالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] ، فَالْقَاذِفُ كَاذِبٌ، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَ مَنْ زَنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا تَحَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ؛ كَمَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَمْ أَعْلَمْ؟ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشب عَنْ إبْرَاهِيمَ التيمي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إنْ أَنَا قُلْت فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فَقَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عُمَرُ.

стр. 186

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حميد حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي ظَهْرِ قَمِيصِهِ أَرْبَعُ رِقَاعٍ فَقَرَأَ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فَقَالَ: مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَمَا عَلَيْك أَنْ لَا تَدْرِيهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا ﵄ إنَّمَا أَرَادَا اسْتِكْشَافَ عِلْمِ كَيْفِيَّةِ الْأَبِّ وَإِلَّا فَكَوْنُهُ نَبْتًا مِنْ الْأَرْضِ ظَاهِرٌ لَا يُجْهَلُ؛ لقوله تعالى تَعَالَى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٢٧-٣٠] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا. إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَا: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّمَا سَأَلْتُك لِتُحَدِّثَنِي فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا. فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ.

стр. 187

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: جَاءَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ إلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ. فَقَالَ: أُحَرِّجُ عَلَيْك إنْ كُنْت مُسْلِمًا لَمَا قُمْت عَنِّي أَوْ قَالَ: أَنْ تُجَالِسَنِي. وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: إنَّا لَا نَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا. وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا فِي الْمَعْلُومِ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: لَا تَسْأَلْنِي عَنِ الْقُرْآنِ وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَعْنِي عِكْرِمَةَ. وَقَالَ ابْنُ شوذب: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ فَإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سَكَتَ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْنُ عبدة الضبي حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ وَإِنَّهُمْ لَيُعَظِّمُونَ الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ [مُحَمَّدٍ] ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَنَافِعٌ.

стр. 188

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: مَا سَمِعْت أَبِي تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَطُّ. وَقَالَ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهُشَامٌ الدستوائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سيرين قَالَ سَأَلْت عُبَيْدَةَ السلماني عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَاتَّقِ اللَّهَ وَعَلَيْك بِالسَّدَادِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا حَدَّثْت عَنِ اللَّهِ فَقِفْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا هشيم عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَتَّقُونَ التَّفْسِيرَ وَيَهَابُونَهُ. وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ وَاَللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وَقَدْ سَأَلْت عَنْهَا وَلَكِنَّهَا الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هشيم، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: اتَّقُوا التَّفْسِيرَ فَإِنَّمَا هُوَ الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ. فَهَذِهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ وَمَا شَاكَلَهَا عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَحَرُّجِهِمْ عَنْ الْكَلَامِ فِي التَّفْسِيرِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ.

стр. 189

فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالٌ فِي التَّفْسِيرِ وَلَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا عَلِمُوهُ وَسَكَتُوا عَمَّا جَهِلُوهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْقَوْلُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وَلِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ» . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا. وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ. وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ. وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الشرح] هذا ختام هذا الكتاب العظيم المفيد جدّا المسمى مقدمة في التفسير، وذكر فيه مسألة التفسير بالرأي. والتفسير بالرأي معناه أن نفسر القرآن بلا حجة وبلا دليل يرجع إليه، وإنما بمجرد رأي رآه هو، فليس له ما يدل على كلامه من القرآن ولا من السنة ولا من أقوال الصحابة ولا من اللغة ولا من السياق والسباق، وإنما هو رأى رأيا ففسر به. وهذا قول بلا علم، الله جل وعلا جعل القول عليه بلا علم قرين الشرك به؛ لأن الشرك به قول على الله بلا علم.

стр. 190

فلا يحل لأحد أن يفسر القرآن بمجرد رأيه، فالتفسير بالرأي المجرد مذموم ومنهي عنه؛ لأنه داخل في القول على الله جل وعلا بلا علم، فالذي يفسر بالرأي هو يقول إن معنى قول الله هو كذا بغير دليل يستدل عليه وإنما لمجرد شيء بدر له وظهر بدون حجة لا نقلية ولا لغوية، ولهذا الأحاديث التي جاء فيها الوعيد فيمن فسر القرآن برأيه، معناها ما جاء في الروايات الكثيرة يعني المتعددة في النهي عن تفسير القرآن أو الوعيد بتفسير القرآن بغير علم؛ لأنه جاء لفظان «من فسر القرآن بغير علم» واللفظ الثاني «من قال في القرآن» ، وجاءت رواية «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» فنرجع بالرأي إلى الرأي الذي ليس عليه علم، وهو الذي صار إليه شيخ الإسلام في آخر الكلام بعد النقول عن السلف الكثيرة: أولا عن لأبي بكر ﵁ بعد أن ساق الأحاديث من قال في القرآن بغير علم ذكر عن أبي بكر وإسناده عن أبي بكر حسن، وعن عمر لا تثبت في قوله ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وإنّما هي أقرب عن أبي بكر لتعدد رواياتها عنه، وفيها التحذير الشديد من أن يقال في القرآن بغير علم. أما إذا احتج بعلم إما بآية أو بسنة أو بلغة، فإن هذا علم يصح أن يفسر بناء على فهمه من آية أو حديث أو لغة، وهذا هو الذي صار من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد اجتهدوا بناء على فهم فهموه، فهو قول في القرآن بعلم وليس بغير علم، فيحمل المروي عنهم عن الخلفاء وعن الصحابة من النهي عنه تفسير القرآن بالرأي، أو أن يقول قولا في القرآن؛ لأن هذا القول هو الذي لا يستند إلى حجة ودليل. أما ما يستند إلى حجة ودليل عند صاحبه فهو مأذون له به كما هو الشائع في تفاسير العلماء في هذا الصدد.

стр. 191

إذا تبين ذلك فيجب الحذر الشديد من أن يُقدم على القرآن بتفسير الآي بغير علم، ما يكون عند الإنسان حفظ للقرآن حيث يحمل بعض الآيات على بعض وفهم لمعانيها، أو معرفة بالسنة أو معرفة باللغة، وإنما هو يفسّر بحسب وَجْدِه أو ما يطرأ له. فحينئذ فالعلم الذي تكون معه النجاة في هذا الأمر بحيث يستطيع أن يفسر بعلم وأنه إذا اجتهد بالتعبير يكون مقبولا أن يكون يراجح التفاسير الأثرية أولا كتفسير الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني رحمه الله تعالى وكتفسير الإمام أحمد فيما نقل عنه وكتفسير سعيد وابن جرير وتفسير ابن مردويه وتفسير ابن المنذر وما أشبهها من التفاسير الأثرية، وكذلك ما لخصت فيه هذه التفاسير كتفسير ابن الجوزي وتفسير الحافظ ابن كثير وغيرها. ثم هو مع ذلك يكون عنده بصر بالعقيدة الصحيحة التي قررها أئمة الإسلام وأئمة السنة حتى يفهم القرآن عليها، وعنده بصر أيضا بمواقع التفسير من اللغة بمواقع اللغة حتى يعرف الإعراب يعرف المتقدم والمتأخر ويعرف طرفا من علم المعاني حتى يعرف فائدة التقديم والتأخير وفائدة الحصر وفائدة التأكيد وفائدة تنوع وحروف وأشباه ذلك مما هو مقرر في علم المعاني، إذا كان عنده طرف من علوم اللغة هذه مع معرفة بالقرآن والسنة ومراجعة لكتب التفسير فإنه إذا اجتهد يُرجى أن يكون اجتهاده ليس به تجاوزا لقولي «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» . الأمر الثاني فيما ذكرت أن تفسير القرآن بالرأي المذموم له أشكال وله أنحاء: تفسير القرآن بالرأي المذموم في المسائل الغيبية كمسائل صفات الله جل وعلا أو الجنة والنار أو ما يحصل يوم القيامة، القرآن مملوء بالآيات التي فيها ذكر للغيبيات، فالإقدام على تفسير هذه الغيبيات بما يخالف قاعدة أمرّوها كما جاءت، هذا تفسير بالرأي، إلا ما كان فيه علم مقتفى فإن هذا يُصار إليه كتفسير الكرسي بأنه موضع القدمين، وتفسير الميزان بأنه له كفتان وأشباه ذلك.

стр. 192

الأمر الثاني أن التفسير بالرأي يكون بحمْل القرآن على ما يخالف ما علم من الآيات الأخرى كصنيع أصحاب المذاهب الرّدية والفرق المنحرفة في تفسير بعض الآيات بما يخالف آيات أخر، آيات فيها ثناء على الصحابة رضوان الله عليهم لا يأخذون لها فيفسرون آيات أخر بتفسير يضاد هذه الآيات، وهكذا في مسائل الحلال والحرام فإن تفسيرها بما يناقض غيرها هذا يعدّ من التفسير بالرأي المذموم. المسألة الثالثة أو الشكل الثالث التفسير بالرأي المذموم هو التفسير بالتأويل المردود، والتأويل قد يكون صحيحا وقد يكون باطلا، والباطل هو أن يكون ليس هناك حجة في صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، هذا أيضا يكون تفسيرا بالرأي، من صرف لفظا عن ظاهره أو إلى غيره دون قرينة دون حجة تدل على ذلك فهذا من التأويل المذموم كما هو صنيع أصحاب المذاهب والفرق المختلفة. إذا تبين هذا فمدارس التفسير بالرأي عند علماء التفسير وعلماء علوم القرآن تنقسم إلى قسمين شهيرين: الأول التفسير بالرأي المقبول على ما ذكرنا. القسم الثاني التفسير بالرأي المذموم المردود، وهو القول على الله بغير علم. أما التفسير بالرأي المقبول فيسمونه الرأي، وصحته أن يقال بالاجتهاد﴾ التفسير بالاجتهاد مقبول، هو ما كانت عناصر الاجتهاد فيه تامة أو متوافرة، وهذا له عدة أمثلة أو مدارس في داخله: منها المدرسة الفقهية في التفسير، كل أصحاب مذهب فسر القرآن تفسيرا فقهيا خاصة في الآيات التي لها صلة بالفقه أو بأصول الفقه، وهذا كثير الحنابلة لهم تفاسير فقهية، والمالكية لهم تفاسير فقهية، والحنفية لهم تفاسير فقهية، والشافعية لهم تفاسير فقهية، والظاهرية لهم أيضا تفسير فقهي وهكذا، هذا تفسير بالاجتهاد الفقهي الذي له دليله لكن لم يفسر القرآن من حيث هو، لكن فسروه لكن بما يوافق المذهب الفقهي هذا داخل في هذه المدرسة.

стр. 193

الثاني مدرسة التفسير بالاجتهاد النحوي، وهذا كثير ويدخل فيها الكتب المسماة إعراب القرآن، كإعراب القرآن للزجاج، وإعراب القرآن للزجاجي وإعراب القرآن للفراء، وتفاسير اعتنى فيها بالإعراب كإعراب القرآن للعكبري وتفسير البحر المحيط لأبي حيان وأشباه هذه الكتب. الثالث مدرسة التفسير بالاجتهاد اللغوي، واللغوي يدخل فيه التفسير في المفردات، أو في البلاغة وهذه عدد من الكتب التي اعتنت بهذا التفسير، وقد تشترك مع غيرها في مدرسة مثلا مدرسة فقهية أو مدرسة عقدية ونحو ذلك، وهذه لها أمثلة متعددة كتفسير ابن الجوزي وتفسير البحر المحيط وكتفسير السمعاني وتفسير السمين الحلبي وتفاسير كثيرة في هذا الصدد، ومن المتأخرين تفسير الألوسي وما شابه ذلك، وهذه قد يكون ذلك عناية بالبلاغة أو عناية بالاشتقاق والمفردات. الصنف الرابع فيها التفاسير العقدية وهي التي اعتنت بالاجتهاد لكنها مالت إلى تقرير العقيدة، وهذه يصح أن نقول أن ما يدخل في هذه المدرسة، مدرسة الاجتهاد المقبول هي المدرسة العقدية السلفية أو التي تكون تبعا لأئمة الحديث رحمهم الله تعالى، والتي توافق ظاهر القرآن، هذه يصح أن نقول فيها أنها تفسير بالاجتهاد المقبول. والمدرسة الأخيرة المدرسة الإشارية، والمدرسة الإشارية هي مدرسة للتفسير بالاجتهاد لكن بذكر الإشارة، ومنها ما هو مقبول، ومنها ما يدخل في الرأي المذموم في القسم الثاني. والتفسير بالإشارة سبق أن ذكرته لكم لكن أعيده باختصار إنه يصح التفسير الإشاري بأربعة شروط. أما النوع الثاني وهو التفسير بالرأي المذموم فهو كل ما كان الاجتهاد فيه غير متوافر الشروط، ويدخل فيها كل التفاسير التي يذهب إليها أهل البدع، مثل تفاسير غلاة الصوفية، وتفاسير الشيعة التي ينحون فيها إلى منحى التأويل والرأي الذي لا حجة فيه، مثل تفاسير الباطنية وتفاسير المعتزلة والخوارج وما أشبه ذلك من التفاسير.

стр. 194

على العموم تقسيم المدارس يعني يحتاج إلى تفصيل أكثر لكن سبق أن أشرنا إليه أظن بأحد المحاضرات يمكن أن يرجع إليه في ذلك. وقد صار ابن تيمية ﵀ في آخر الكلام إلى ما سبق أن ذكرناه في الأول؛ وهو أن التفسير بالاجتهاد إذا توافرت الشروط فإنه لا حرج منه. وأما إذا كان قولا بمجرد الرأي فهو مذموم فليحذر منه؛ لأن القول على الله بلا علم شديد جدا وكبيرة من الكبائر، وقد يكون كفرا إذا كان متعلقا بإباحة ما لم يأذن به الله. ذَكر فيما سمعتم في الأخير كلمة يجب أن توضَّح وهي أن من سُئل عن علم فإنه يجب عليه؛ سئل عن آية ولديه علم فإنه يجب عليه أن يجيب وأن يبين المعنى إذا كان لديه علم، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما يجب عليه إذا كان ليس هناك من يعلمها إلا هو، أما إذا كان من يعلم غير المسؤول فإنه يجوز له أن يمتنع عن الجواب ويُحيل إلى غيره كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يحيل بعضهم إلى بعض، أما إذا تعينت عليه فإنه يجب عليه أن يبين، ولا يجوز له الكتمان، إذا لم تتعين عليه بوجود من يجيب غيره أو بوجود من يبين غيره فإنه حينئذ له في ذلك مندوحة. وهذا ختام بيان بعض ما يتعلق بهذه الرسالة النفيسة. أسأل الله جل وعلا أن يرحم مؤلفها؛ كاتبها شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن يجزيه عنا وعن الموحدين خير الجزاء، وأن يجمعنا به في دار كرامته، وأن ينفعنا بعلومه إنه سبحانه جواد كريم. كما أسأله سبحانه أن ينور قلوبنا جميعا وأن يفيض علينا من الفهم الصحيح، وأن يقينا العثار ويجنبنا الزلل وأن يلهمنا في كل تقوى البدار إنه سبحانه خير مسؤول، وهو المعطي قبل السؤال، والمنيل قبل استحقاق النوال تعالى اسمه وتقدست أسماؤه لا إله إلا هو، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. [الأسئلة]

стр. 195

س/ قول مجاهد رحمه الله تعالى: إن الله أنزل من الكتب ألفا، ثم عادت علومها إلى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ثم عادت علوم الأربعة إلى القرآن، ثم عادت علوم القرآن إلى المفصل منه، ثم عادت علوم المفصل منه إلى الفاتحة، ثم عادت علوم الفاتحة إلى البسملة منه، ثم عادت علوم البسملة إلينا؟ ج/ هذا لا يدخل في التفسير الإشاري؛ لأن الإشارة كما ذكر فيها أربعة شروط لصحتها، وهي غير موجودة هنا، الإشارة أن يكون هناك لفظ يقال إنه إشارة إلى كذا، إشارة إلى معنى وهذا يصح بشروطه، مثل الماء تقول الماء إشارة إلى الوحي في بعض الآيات الماء وإحياء الأرض الميتة أنه إشارة إلى الوحي ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧] ، إحياء هنا إشارة إلى إحياء القلوب، هذا نقول صحيح، من قال هذا إحياء القلوب نقول هذا صحيحا لماذا؟ لأنه اجتمعت شروطه: أولا أن لا يشتمل على عقيدة باطلة. ثانيا اللفظ المنقول منه ثابت يعنى الأرض الميتة ثابت المعنى. وفيه إشارة مزيدة على ذلك إلى القلب، والقلب أرض والإحياء صحيح، وهذا الربط صحيح. مثل ما فسر الحديث «إن الملائكة لا تدخل بيت فيه كلب ولا صورة» قال ابن تيمية في تفسيره، وكذلك لا تدخل قلبا لأن البيت جعله قلبا، وهو صحيح القلب بيت، قال: لا يدخل قلبا قد ملئ بكلاب الشبهات وصور الشهوات. وهذا صحيح النقل يعني الربط هذا صحيح. أما الأثر الذي ذكرته فأنا في ظني إن كان حفظي صحيحا أنه لا يصح وأنه نقله بعض المتصوفة، سيما وأن الباء ليس فيها سرّ، قد يحمل يعني فيه تكلف إذا قلنا المقصود هنا يرجع إلى معنى واحد وهو الاستعانة، وهذه الاستعانة لا ترجع لها علوم كتب الله جل وعلا، الاستعانة فيها الربوبية وهي مفتاح كل خير؛ لكن لا ترجع إليها علوم القرآن جميعا وعلوم الفاتحة جميعا. س/.... ج/ هذا تفسير بالاجتهاد أي نعم؛ يعني بالرأي إذا استوفي الشروط فهو مقبول، أو يكون مذموما، نعم

стр. 196

س/ ... ج/ ثلاثة؟ يمكن جاء الوهم مني، أنا أذكر: أن يكون أن لا يشتمل على عقيدة باطلة يعني نعلم أنها باطلة الثاني أن يكون المعنى الأصلي ثابت. الثالث: أن يكون المعنى المنقول إليه أيضا صحيح في نفسه في اللغة وفي نفسه. الرابع: أن لا يكون هناك دليل يبطل هذه الإشارة. على العموم أنا أذكرها من كتاب ابن القيم التبيان هي موجودة فيه، التبيان هو كتاب مهم مهم جدا، التبيان قل يمكن من يطالعه ويمر عليه؛ لكن فيه علوم كثيرة خاصة فيما يتعلق بالقرآن وتفسيره فيه فوائد كثيرة جدا. ثلاثة ليس لها أصول قال: التفسير والمغازي والملاحم يعني ما لها أصول أسانيد أكثرها تنقل بدون أسانيد. نعم س/.... ج/ لا تكون صحيحة من حيث التفسير أو من حيث النقل، لا، من حيث التفسير ما لها علاقة، قد يكون الإسناد ضعيف والتفسير صحيح؛ يعني بمعنى الإسناد هو نقل الكلام إلى قائله، طيب نقول: هذا النقل إلى القائل الإسناد ضعيف، ولا يعني كون الإسناد ضعيفا أن يكون ضعيفا في نفس الأمر لأن الضعيف قد يحصل؛ لكن من باب الاحتياط قلنا أنه ضعيف، ولذلك في الحلال والحرام نشتد في مسألة الأسانيد لكن في أسانيد التفسير لا ينبغي التشدد أولا.

стр. 197

ثاني ليس كل راوي يحكم عليه في باب الحلال والحرام بأنه ضعيف أن يكون ضعيفا في التفسير، هناك رواة كثير ضعاف في حفظ أحاديث الأحكام لكنهم أصحاب قرآن، هذا كيف أضعفهم فيما هو صنعتهم؟ يجيء مثلا يقول نلقاه في التقريب يقول الضعيف تراجعه تجده ضعيف في الروايات؛ لكنه صاحب قرآن، إذا كان صاحب قرآن فأضعفه في التفسير فيه نظر، إذا إسناد ضعيفا لكن التفسير في نفسه عن ابن عباس مستقيما؛ يعني أن لا يستغرب أن يقوله ابن عباس لأنه يوافق تفسير الآية مثلا يفسر (الأب) نقول الإسناد ضعيف، يقول ما يصح عن ابن عباس ما فيه ما يستغرب، ولذلك مسألة اللجوء إلى أن الإسناد في التفسير نقول ضعيف ليس هو الأصل، الأصل أن نقبل ما جاء في التفسير إلا إذا كان هناك غرابة في التفسير. أما التفسير هو تفسير آية، ويكون لهذا التفسير مستنده، بخلاف ما إذا كان الإسناد منكرا أو الإسناد موضوع ونحو ذلك هذا يجب صده، مثل إسناد الكلبي المشهور الذي يروى به تفسير ابن عباس الطويل المسمى تنوير المقباس، هذا في إسناده الكلبي الذي هو والسُّدي الصغير محمد بن مروان ... (( (( ( تم هذا الشرح المبارك تم بحمد الله أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري