← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3052

شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ

صالح آل الشيخ

Полный текст (197 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القرآن وُصف بأنه نور وذلك لأن الله جل وعلا هو النور، من الأسماء، من أسماء الله جل وعلا النور وكلامه نور ودينه نور، ولاشك أنّ النور إنّما يكون مع حامله بقدر إفادته منه، ولهذا كان مهما أن نفهم القرآن حتى يعظم النور فليس كل حافظ للقرآن معه ذلك النور؛ بل العالم بالقرآن المهتدي به، الوقّاف عند حدوده، المحل لحلاله، المحرم لحرامه، معه من النور في قلبه وفي بصيرته بقدر ما حَمَل من النور من نور القرآن، ونور القرآن عظيم جدا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ وهو النبي ﷺ ؛ لأنه يهدي إلى النور وهو الإسلام، وجاء بالنور وهو القرآن، فالله جل وعلا النور وكتابه نور ورسوله نور والإسلام دينه نور، ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فالنور هنا هو الإسلام. فإذا كان كذلك وكان الكتاب هو النور، لاشك أنه تعظم الحاجة إلى العناية بتفهيم القرآن وبتفسير القرآن ومعرفة معاني القرآن، حتى إذا تُلي القرآن علم العبد معانيه، ولهذا من جهل الناس بالقرآن وعدم معرفتهم به أنهم ربما سَكَبَت عيونهم الدمعة مرات تلو مرات بغير القرآن وقلما يكون عند تلاوة القرآن. والله جل وعلا وصف الذين يتلون الكتاب حق التلاوة الذين يعلمون معاني القرآن بأنهم ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] ، القرآن له سلطانه على قلوب محبيه لاشك؛ لكن هذا إنما يكون عند من له فهم في القرآن، له معرفة، له علم به، وبقدر ما عنده وما يفتح الله جل وعلا عليه من أمور الإيمان يوفق إلى ذلك، فسبيل النور هذا والصفة في هذه الآيات التي استدل بها شيخ الإسلام ﵀ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إنما يكون بفهم القرآن.

стр. 37

وهذه المقدمة منه تبين لك أن الاهتمام بتفسير القرآن من أهم المهمات، لفهم معاني القرآن، ولا يكون ذلك إلا بفهم أصول التفسير، فإن معرفة معاني القرآن مبنية على مقدمات هي من أصول التفسير في كثير منها. فأصول التفسير التي سيأتي بيانها يحتاج إليها المتلقي للتفسير والمفسر جميعا. نختم بهذا ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. وأما الأسئلة التي جاءت فنجمعها مرة إن شاء الله ونجيب عليها جميعا. (( (( ( أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 38

الدرس الثالث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] فَصْلٌ [فِي أنّ النَّبِي ﷺ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ] يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا. وَ [قَدْ] قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ كَعُثْمَانِ بْنِ عفان وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا; وَلِهَذَا كَانُوا يَبْقَوْنَ مُدَّةً فِي حِفْظِ السُّورَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَلَّ فِي أَعْيُنِنَا. وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حِفْظِ الْبَقَرَةِ عِدَّةَ سِنِينَ قِيلَ: ثَمَانِ سِنِينَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] ، وَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤] ، وَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ، وَتَدَبُّرُ الْكَلَامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لَا يُمْكِنُ.

стр. 39

وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] ، وَعَقْلُ الْكَلَامِ مُتَضَمِّنٌ لِفَهْمِه. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَأَيْضًا فَالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَابًا فِي فَنٍّ مِنَ الْعِلْمِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَلَا يَسْتَشْرِحُوهُ فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عِصْمَتُهُمْ وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؟. وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [قَلِيلًا] جِدًّا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الصَّحَابَةِ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَكُلَّمَا كَانَ الْعَصْرُ أَشْرَفَ كَانَ الِاجْتِمَاعُ والائتلاف وَالْعِلْمُ وَالْبَيَانُ فِيهِ أَكْثَرَ، وَمِنْ التَّابِعِينَ مَنْ تَلَقَّى جَمِيعَ التَّفْسِيرِ عَنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ. وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي التَّفْسِيرِ يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.

стр. 40

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّابِعِينَ تَلَقَّوْا التَّفْسِيرَ عَنْ الصَّحَابَةِ كَمَا تَلَقَّوْا عَنْهُمْ عِلْمَ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ كَمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ. ا. هـ [الشرح] الحمد لله، هذه الكلمات اشتملت على مسائل: الأولى: أن الله ﷻ أمر عباده أن يتدبروا القرآن فقال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وقال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ، وهذا فيه حث وأمر لتدبر القرآن، وقال ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، ومعلوم أنّ التدبر لا يمكن أن يحصل إلا بفهم المعاني، وفهم معاني القرآن هو التفسير، فتنتج من هذه المقدمات أنّ التفسير مأمور به. ولهذا تكون عناية أهل العلم بالتفسير بأنه مأمور به في قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فالذي يعرض عن التفسير معناه يعرض عن التدبر؛ لأنه لا يمكن أن يتدبر إلا بعقل المعاني، وعقل المعاني لا يمكن أن يكون إلا بمعرفة أقوال المفسرين في ذلك.

стр. 41

الأمر الثاني: أن النبي ﷺ بيّن للناس معاني القرآن، بينه للصحابة وهم كانوا يأخذون من ذلك ما يحتاجون إليه، فربما كان البيان واقعا عمّا يفهمونه فيكون في مجرى التأكيد، وربما كان البيان عما لا يعلمونه فيكون علما جديدا لا يأخذونه من اللغة، وهذا لاشك وقع كثيرا؛ ولكن المنقول عن رسول الله ﷺ ؛ الأحاديث التي فيها التفسير عن رسول الله ﷺ قليلة جدا بالنسبة إلى التفسير المنقول عن الصحابة. (١) وذكر أن الصحابة بينوا لمن بعدهم تفسير القرآن، وتفسيرهم له إنما هو في مجموعة مأخوذ من بيان رسول الله ﷺ ، وقد يتكلمون في ذلك باجتهاد والاستنباط، وأعظمهم في ذلك عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵄ فإنه قد دعا له النبي ﷺ بأن يعلم الكتابة فقال ﵊ في دعائه له «اللهم علمه الكتابة» وقال «اللهم علمه الحكمة» وقال «اللهم علمه التأويل» ، وهذا مما يعتني به أهل العلم لأن ابن عباس ﵁ ظهرت فيه قوة فهمه بالتفسير، وقد أثني عليه في ذلك ابن مسعود حيث قال ابن مسعود ﵁: نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس.

стр. 42

فابن عباس ﵁ كانت له مدرسة في مكة في التفسير، أخذ عنه التفسير جماعة من أصحابه، ومنهم من لازمه في التفسير وأطال الملازمة وهو مجاهد بن جبر أبو الحجاج التابعي الإمام المعروف؛ فإنه عرض على ابن عباس التفسير من القرآن ثلاث مرات يوقفه عند كل آية لا يعلم معناها ويسأله عن معناها، ومن أصحاب ابن عباس من تلامذته في التفسير عطاء بن رباح، ومنهم سعيد بين جبير، ومنهم طاووس بن كيسان اليماني وجماعة، فهؤلاء مدرسة، تلامذة ابن عباس أخذوا التفسير عن ابن عباس، كلهم في الغالب يقولون فيما قال ابن عباس، أو إذا استنبطوا على وفق أصول ابن عباس ﵄ فيما قال لهم. أما مجاهد بخصوصه فكما قال شيخ الإسلام هنا ورواه ابن جرير فيما أذكر وغيره أن سفيان الثوري (إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ) لم؟ لأن مجاهدا عرض القرآن عن ابن عباس عدة مرات فهو في مظنة من حفظ التفسير تماما، وربما فسر القرآن بدون أن يعزوه لابن عباس وربما عزاه لابن عباس. ولهذا أهل العلم يجعلون الصحيفة الصادقة في التفسير وهي صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يجعلونها أصح المرويات عن ابن عباس في التفسير، وهي التي قال فيها الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن بمصر صحيفة في التفسير عن ابن عباس، لو رحل إليها رجل ما كان كثيرا. وهي ليست بالطويلة اعتمدها البخاري في صحيحه.

стр. 43

علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهي صحيفة أخذها علي بالوجادة يعني ليس بالسماع؛ لأن علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، وقال العلماء: علي بن أبي طلحة قد أخذها بالسماع عن مجاهد. قال الحافظ ابن حجر: فإذا علمت الواسطة لم يضر أن تكون وجادة. لأن الذي نقل ذلك عن ابن عباس هو جاهد وعلي بن أبي طلحة يروي هذه الصحيفة عن مجاهد، ولهذا تجد أن ابن جرير أكثر ما يروي عن ابن عباس ما وجد إلى ذلك سبيلا أن يقول في طريق معاوية عن علي عن ابن عباس يعني علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ومجاهد يعتني به العلماء كثيرا، فإذا وجد من مجاهد وتفسيره موجود مطبوع تفسير مجاهد، إذا وجد عن مجاهد -يعني التفسير المجموع- عن مجاهد التفسير فإنهم يعتمدونه لأنه أصح أو أقوى من يتكلم في التفسير من التابعين وذلك لكثرة ما أخذ عن ابن عباس ﵁. إذن نخلص من هذا إلى أن الصحابة ربما اختلفوا في التفسير، وذلك راجع إلى تنوع نظرهم واستنباطهم واستدلالاتهم. التابعون كذلك ربما اختلفوا، وذكر لك ﵀ أنه كلما كان الزمن أشرف كان الاجتماع والائتلاف أكثر وأعظم، لأن شرف الزمان بشرف أهله، وإذا عقل أهل الزمان وعلموا فإنهم يكونون أحرص ما يكونون على الاجتماع في الدين وعلى الاجتماع في أمورهم؛ لأن الخلاف في أمور الدين بل وفي الأمور جميعا ليس محمود. قال: كلما كان الزمن أشرف كان الاجتماع والائتلاف أعظم وأوسع. وهذا خذه فيما بعد ذلك من الزمن، كلما نزل الزمن تجد أن الاختلاف في التفسير يكثر، لهذا يعتد أهل العلم الأثريون في التفسير على تفاسير الصحابة وعلى تفاسير التابعين؛ لأنهم في الغالب يكونون مجتمعين على ذلك. نعم قد يكون ثم إجماع منهم في بعض الآي وقد يكون ثم اختلاف بينهم، وسيأتي بيان أنواع الاختلاف، وأنواع الاجتماع في ذلك.

стр. 44

وذكر هنا تفسير الإمام أحمد، وهذا تفسير مفقود لا يعلم وقد ذُكر أنه كبير، ذُكر أنه كبير جدا كما ذكر أن الإمام أحمد يكرر الطرق عن مجاهد في تفسيره. هكذا؟ أعد العبارة: [المتن] وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي التَّفْسِيرِ يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ. [الشرح] تفسير الإمام أحمد هذا لا نعرف له ذكرا، وقد أنكره بعض العلماء كالذهبي في تذكرة الحفاظ وفي السير أنكر كبره، وابن القيم نقل نقولا كثيرة عنه -يعني عن الإمام أحمد في التفسير- لا أدري هي عن هذا الكتاب أم عن غيره في كتاب بدائع الفوائد. نعم [المتن] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّابِعِينَ تَلَقَّوْا التَّفْسِيرَ عَنْ الصَّحَابَةِ كَمَا تَلَقَّوْا عَنْهُمْ عِلْمَ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ كَمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِدْلَالِ. [الشرح] الاستنباط والاستدلال في التفسير لا يجوز إلا بشروط جمعها أهل العلم في الآتي: الأول: أن يكون عالما بالقرآن؛ لأنه إن فسر بغير علم بالقرآن ربما جهل أن هذه الآية قد بُينت في موضع آخر قد فسرتها آية أخرى. الثاني: أن يعلم السنة حتى لا يفسر القرآن بما بعارض السنة. الثالث: أن يكون عالما بلغة العرب؛ لأنه إذا كان عالما بلغة العرب؛ لأنه إذا كان عالما بلغة العرب أمكنه الاستنباط، وإذا كان غير عالم بلغة العرب في مفرداتها ونحوها وبلاغتها ونحو ذلك لحقه من النقص في التفسير بقدر ذلك، فإن كان يجهل المفردات أصلا وتراكيب الكلام والنظم فإنه لا يجوز له أن يتعاطى التفسير أصلا.

стр. 45

الرابع: أن يكون عالما بأدوات الاجتهاد وآلات العلوم وهي أصول فقه وأصول لغة وأصول الحديث. أما أصول الفقه فلأن فيه تقرير القواعد أصول التفسير. واما أصول اللغة فلأن بها معرفة كيف يفسر وعلى مقتضى اللغة، وقد يكون اللفظ له دلالة في اللغة؛ لكنه نقل إما دلالة شرعية أو دلالة عرفية، فإذا لم يعلم ترتيب الحقائق في أصول اللغة لغوية عرفية شرعية دخله الخطأ، وهكذا في أصول اللغة من الاشتقاق ونحو ذلك. أما أصول الحديث حتى يميز الغلط من الصواب في المنعقول عن الصحابة، لهذا غلّط العلماء الفيروز آبادي صاحب القاموس في كتاب جمعه في التفسير عن ابن عباس وسمّاه تنوير المقباس -بالباء- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، جمعه من أوْهى الطرق في التفسير عن ابن عباس؛ طريق السُّدِّي الصغير محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي سعيد أو عن ابن صالح عن ابن عباس وهذه طريق أوهى الطرق عن ابن عباس. فلأجل عدم علمه بأصول الحديث وكيفية إثبات الأسانيد فإنه جهل ذلك ونسب لابن عباس ما هو منه براء. نعم هاهنا تنبيه مهم وهو أنه ليست قواعد مصطلح الحديث منطبقة دائما على أسانيد المفسرين، لهذا يخطئ كثيرون من المعاصرين في نقدهم لأسانيد التفسير على طريقة نقدهم لأسانيد الحديث؛ بل تجد أحدهم يتعّجب من ابن جرير وابن كثير والبغوي بل ابن أبي حاتم ونحو ذلك من إيرادهم التفاسير عن الصحابة والتابعين بالأسانيد التي هي على طريقة مصطلح الحديث ربما كانت ضعيفة؛ لكنها على طريقة مصطلح الحديث الذي اعتمده المفسرون تكون صحيحة.

стр. 46

مثال ذلك حديث السّدي، السدي صاحب تفسير، له تفسير يفسر باستنباطه ويفسر وينقل عن غيره، يروي التفسير عنه أسباط بن نصر يروي التفسير عنه أسباط بن نصر، السدي فيه ربما كلام، وأسباط بن نصر أيضا فيه كلام ربما ضُعِّف بل جعل ممن اُنتقد على مسلم إيراد حديثه، فيأتي فيقول هذا الإسناد حسن بل ربما يقول هذا ضعيف، وهذا عند العلماء بالتفسير هذا من أجود الأسانيد؛ بل هو أجود أسانيد تفسير السدي، وإن كان أسباط فيه كلام فذلك الكلام فيه في الحديث، أما في العناية بالتفسير فلو به خصوصية خاصة تفسير السدي، وقد نقله عن كتابه وحفظه، ولهذا لما ترجم له العلماء قال راوي تفسير السدي. مثل علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يأتي كثيرون يقولون علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، فهذا منقطع فالتفسير ضعيف، وتفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هذا الذي اعتمده البخاري فيما يعلقه في التفسير عن ابن عباس في صحيحه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر كما ذكرت لكم آنفا أن الواسطة هي مجاهد وهي وجادة يعرف العلماء هذا. فليست كل قاعدة عند أهل الحديث تطبق على أسانيد المفسرين بل المفسرون لهم في ذلك خصوصيات يعرفها المتحققون بذلك نعم. نعم إن أصول المصطلح -مصطلح الحديث- تنطق على أسانيد المفسرين إلى حد ما؛ لكن ليست على إطلاقها، أحيانا يكون بعض الأسانيد ضعيفة على طريقة المحدثين لكن مروية من جهة [الشرف] (١) مثل الإسناد المعروف عن ابن عباس الذي فيه: حدثني أبي عن جدي عن عمه عن أبيه عن جده عن ابن عباس، إسناد يكثر في تفسير ابن جرير، وهذا الإسناد وإن كان ضعيفا من جهة ضعف الرجال لجهالة بعضهم وعدم معرفته؛ لكن اعتمده العلماء لأجل أن الغرض من ذكر هذا جهة [الشرف] . وهذا إلى تفصيل يعني أن يترك الراوي في الرواية عن أبيه وأنهم رووا التفسير دون نظر إلى أنه هل هو ثقة أو غيره فإنهم تلقوا ذلك وتتابعوا عليه.

стр. 47

على كل حال هذا المقام له مزيد تفصيل، أيضا من الشروط، الآن نتكلم عن شروط الاستنباط؟ صحيح. من الشروط أن يكون عالما بتوحيد الله في ربوبيته وفي ألوهيته وأسمائه وصفاته، فإذا كان جاهلا بالتوحيد لم يجز له أن يفسر، فإن فسر كان من أهل الرأي المذموم، ولذلك جُعلت التفاسير المبتدعة جميعا في تفسير آيات الصفات أو التوحيد من التفاسير بالرأي المذموم لأنهم جهلوا الحق في ذلك أو لم يلتزموه. أضاف بعضهم إلى الشروط -وهو محل تأمل- العلم بأحوال العرب، العلم بأحوال المشركين وأحوال العرب وأمورهم الدينية والاجتماعية وعلاقاتهم ببعضهم البعض ونحو ذلك. وأضاف بعضهم العلم بأسباب النزول. وأضاف آخرون العلم بسيرة النبي ﷺ . لكن هي داخلة فيما مضى بنحو أو بآخر. نعم، التابعون اجتهدوا والصحابة اجتهدوا لتوفر ذلك فيهم، فاجتهادهم من الاجتهاد المقبول السائغ، وإن حصل من بعضهم اجتهاد عن غير دليل ولا برهان أو يرده الدليل فإنه يُرد عليه، كما رُدّ على مجاهد بعض تفاسيره فإن كان هو مجاهد رد عليه بعض التفسير؛ وذلك في تفسير قوله تعالى ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، فإنه فسر المقام المحمود بإجلاسه ﵊ على العرش. وهذا وإن كان أهل السنة يُثبتون الخبر عن مجاهد؛ لأن فيه ردا على أهل التجهّم وأنّ أهل التجهم معاندون مخالفون للتابعين -ونحو ذلك مما بيانه في التوحيد- لكن هذه الخصوصية في التفسير لم تُرْوَ إلا عن مجاهد، وإن كان هو الإمام مجاهد بن حبر ﵀ لكن لم يدل دليل على هذا الاستنباط؛ بل دل الدليل على خلاف قوله من أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى في يوم القيامة. لهذا نقول الاجتهاد والاستنباط كثير في الصحابة، كثير في التابعين، كثير فيمن بعدهم، ولا يجوز إلا بشروط وإلا خرج إلى التفسير المذموم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. * * * أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 48

الدرس الرابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] فَصْلٌ [فِي اخْتِلاَفِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ وَأَنَّهُ اخْتِلاَفُ تَنَوُّع] الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ، وَخِلَافُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنْ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَذَلِكَ صِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ الْمُرَادِ بِعِبَارَةِ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى غَيْرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى بِمَنْزِلَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ. كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ: الصَّارِمُ وَالْمُهَنَّدُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ ﷺ وَأَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُضَادًّا لِدُعَائِهِ بِاسْمِ آخَرَ؛ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وَكُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الِاسْمُ. كَالْعَلِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ. وَالْقَدِيرُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْقُدْرَةِ. وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ.

стр. 49

وَمَنْ أَنْكَرَ دَلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهِرَ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيِّ؛ بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ لَا يُنْكِرُونَ اسْمًا هُوَ عِلْمٌ مَحْضٌ كَالْمُضْمَرَاتِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مِنْ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ؛ فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كَانَ مَعَ دَعْوَاهُ الْغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقًا لِغُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى مَا فِي الِاسْمِ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي فِي الِاسْمِ الْآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ : مِثْلُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَد وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرِ وَالْعَاقِبِ. وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ: مِثْلُ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ وَالْهُدَى وَالشِّفَاءِ وَالْبَيَانِ وَالْكِتَابِ. وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ تَعْيِينَ الْمُسَمَّى عَبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إذَا عُرِفَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ. وَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ عَلَمًا، وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] مَا ذِكْرُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ الْقُرْآنُ مَثَلًا أَوْ هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْكُتُبِ. فَإِنَّ الذِّكْرَ مَصْدَرٌ. وَالْمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ وَتَارَةً إلَى الْمَفْعُولِ.

стр. 50

فَإِذَا قِيلَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِ الْعَبْدِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَإِذَا قِيلَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَانَ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ وَهُوَ كَلَامُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [البقرة: ٣٨] ، وَهُدَاهُ هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الذِّكْرِ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٥-١٢٦] . وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلُ أَوْ هُوَ ذِكْرُ الْعَبْدِ لَهُ، فَسَوَاءٌ قِيلَ ذِكْرِي كِتَابِي أَوْ كَلَامِي أَوْ هُدَايَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَانَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ مَا فِي الِاسْمِ مِنْ الصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى تَعْيِينِ الْمُسَمَّى مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ اللَّهُ؛ لَكِنَّ مُرَادَهُ مَا مَعْنَى كَوْنِهِ قُدُّوسًا سَلَامًا مُؤْمِنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.

стр. 51

إذَا عُرِفَ هَذَا فَالسَّلَفُ كَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنْ الْمُسَمَّى بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الصِّفَةِ مَا لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ كَمَنْ يَقُولُ: أَحْمَد هُوَ الْحَاشِرُ وَالْمَاحِي وَالْعَاقِبُ، وَالْقُدُّوسُ هُوَ الْغَفُورُ وَالرَّحِيمُ أَيْ إِنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ لَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلَافَ تَضَادٍّ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ. مِثَالُ ذَلِكَ تَفْسِيرُهُمْ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقُرْآنُ: أَيْ اتِّبَاعُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْإِسْلَامُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ، قَالَ: فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» .

стр. 52

فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الْوَصْفِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ "صِرَاطٍ" يُشْعِرُ بِوَصْفِ ثَالِثٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" ﷺ . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ ; لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِهَا. [الشرح] بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: هذا الكلام مهم جدا للناظر في كلام السلف في التفسير، وقدّم له بمقدمة؛ وهي أن كلام السلف من الصحابة والتابعين في التفسير قد يكون مختلفا؛ ولكن خلافهم واختلافهم في التفسير قليل إذ بالنسبة إلى اختلافهم في الأحكام الفقهية، فإن اختلافهم في الأحكام كثير جدا، وأما اختلافهم في التفسير فقليل. وهذا الكلام قد لا يُسَلّم له إذا نظر إلى أن الاختلاف في كل آية موجود عن السلف موجود عنهم الخلاف في تفسير كلمات الآيات أو في تفسير الآيات بين الصحابة والتابعين، وهنا لا يُعترض بمثل هذا الاعتراض قعّد شيخ الإسلام ﵀ هذه القاعدة التي هي من القواعد الأصولية وهي أن الاختلاف نوعان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد. وبين لك اختلاف التنوع ببيان أصله -أصل معناه-، ثم ببين أمثلة عليها واضحة من غير القرآن، ثم مثل لذلك بالصراط المستقيم في القرآن، وقبله بالذكر في القرآن.

стр. 53

وتقرير ذلك أن الاختلاف -الاختلاف في الآية بتفسيرها أو في كلمة منها- لا يعني أن يكون القول بل أقول: إن الاتفاق في تفسير الآية أو في تفسير كلمة منها لا يعني أن يكون القول من الصحابي موافقا للقول الآخر في حروفه؛ بل قد يكون الاتفاق في المعنى ولا يسمى هذا اختلافا؛ بل هو اتفاق؛ لأنه في الحقيقة اتفقوا على المعنى، أما اللفظ فجرى بينهم خلاف فيه، فمن الناس من ينظر إلى اللفظ ويقول: السلف اختلفوا في ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ بل المفسر ينظر إلى المعنى؛ لأن من يرد التفسير إنما يبين معنى الكلام، وتبيين معنى الكلام يختلف باختلاف المفسِّر، يختلف باختلاف المعبِّر؛ لأنه تعبير عما فهمه من الكلام، قد يكون هذا التعبير بالنظر إلى حاجة المتكلم من أنه سأل عن شيء معين أو لحاجته التي فيها إصلاحه من جهة الهداية، أو بالنظر إلى عموم اللفظ وما يشمله ونحو ذلك، فقال: إن الاختلاف في التنوع هذا في منزلة الألفاظ المتكافئة التي هي بين المترادفة والمتباينة. وعند الأصوليين الألفاظ إما أن تكون متواطئة أو مشتركة أو [مشككة] أو مترادفة أو متباينة. والترادف التام لا يوجد في القرآن ولا في اللغة، أو إن وجد عند بعض المحققين من بعض العلم فإنه نادر الترادف التام؛ يعني أن هذا اللفظ يساوي هذا اللفظ من كل جهاته، يساويه في المعنى من كل جهاته، هذا الترادف.

стр. 54

أما التباين فأن تكون هذه غير تلك لفظا ومعنى، بينهما -كما ذكر شيخ الإسلام وهو اختيار له-، عند طائفة من الأصوليين غير ذلك؛ لأنهم يجعلون الأسماء المتكافئة من المتباينة، ويجعلون المتباينة قسمين؛ لكن نسير على كلامه في أن الألفاظ المتكافئة بين المترادفة والمتباينة، فهي ليست مترادفة، كل لفظ هو الآخر لفظا ومعنى، وليست هي المترادفة لأن اللفظ مع الآخر متساوية في المعنى تاما لا اختلاف فيه، وليست هي المتباينة من أن هذا اللفظ غير ذاك تماما -يعني مع معناه-؛ المعنى مختلف تماما كما أن اللفظ مختلف تماما؛ بل هي بين هذا وهذا؛ يعني هي متكافئة لاشتراك في شيء واختلاف في شيء، في دلالتها على المسمى على الذات هذه واحدة، في دلالتها على أوصاف الذات هذه مختلفة. مثل ما ذكر من أسماء السيف أنه السيف والصارم والمهند والبتار إلى آخره، هذه هي متباينة؟ على كلامه ليست بمتباينة؛ لأن البتار والصارم والمهند كل هذا معناه السيف، وهل هي مترادفة؟ لا؛ لأن دلالتها على الذات واحدة؛ لكن مختلفة في المعنى البتار فيه أنه سيف وزيادة وصف وهو كونه بتارا، المهند سيف وزيادة كونه جاء من الهند، الصارم سيف وزيادة أن من وصفه الصّرامة وهكذا. فإذن فيها ترادف من جهة الدلالة على المسمّى وفيها تباين من جهة المعنى فصارت بيْن بيْن، وسميت متكافئة؛ يعني يكافئ بعضها بعضا وهذا لا يقتضي التبيان ولا يقتضي الترادف.

стр. 55

هذا مثل ما جاء في الأسماء الحسنى كما مثّل لك، فإن اسم الله العليم والمؤمن والقدوس والسّلام هذه بدلالة الذات، فإن العليم هو الله، والقدوس هو الله، والسلام هو الله، والرحيم هو الله، والملك هو الله، من جهة دلالتها على الذات واحدة، ومن جهة دلالتها على الصفة مختلفة، فإن اسم الله القدوس ليس مساويا في المعنى -من جهة الصفة- لاسم الله الرحيم، اسم الله العزيز ليس مساويا من جهة المعنى -يعني الصفة التي اشتمل عليها الاسم- لاسم الله القوي، ونحو ذلك، هذه تسمى متكافئة؛ يعني من حيث دلالتها على المسمى واحدة؛ لكن من حيث دلالتها على الوصف الذي في المسمى مختلفة؛ لأن المسمى الذات ذات أي شيء والمسمى هذا يختلف، فيه صفات متعددة؛ إذا نظرت له من جهة يوصف بكذا، من جهة أخرى يوصف بكذا، وهو ذات واحدة. مثّل لهذا بالذكر ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] ، الذكر ما هو؟ هل هو القرآن؟ هل هو السنة؟ هل هو الرسول ﷺ ؟ هل هو ذكر الله؛ يعني التسبيح والتحميد؟ هذه كلها متلازمة؛ يعني من حيث ظاهرها مختلفة، أناس فسّروها بالقرآن، أناس فسروها بالسنة، أناس فسروها بكذا؛ لكن من حيث الدّلالة فإنها متلازمة؛ يعني من أعرض عن القرآن أعرض عن السنة، أعرض عن الإسلام، أعرض عن اتباع الرسول. من أعرض عن السنة أعرض عن القرآن أعرض عن الإسلام، إلى آخره. فإذن الاختلاف هنا باعتبار المعنى، باعتبار ما اشتمل عليه المسمى من أوصاف. فإذن هذا لا يسمى اختلافا بين مفسري السلف؛ بل هو اتفاق؛ لكن الاختلاف جاء في الدلالة على المعنى، وهذا له أسباب كما ذكرت بعضها.

стр. 56

تفسير الصراط، مرّ معنا أن الصراط فُسر بأنه القرآن، بأنه السنة والجامعة، بأنه السنة، بأنه الرسول ﷺ ، هذه التفاسير متلازمة بعضها لازمٌ لبعض، فإن الصراط الذي هو القرآن هو دال على السنة وهو الإسلام، هل سيهتدي إلى القرآن من لم يهتد إلى السنة؟ هل سيهتدي إلى السنة من لم يهتد إلى الإسلام، وهكذا. فإذن إذا رأيت اختلافا للسّلف في آية أو في كلمة من آية فانظر المسمّى الذي يجمع هذا الاختلاف، ثم انظر إلى هذا المسمى من جهة صفاته من جهة معانيه المختلفة. فتنظر إلى تفاسيرهم هل بينها تلازم، فإذا كان ثم تلازم بينها، وأن الواحد يؤول إلى الآخر أو مرتبط بالآخر لا يقوم هذا إلا بهذا أو أنها صفات مختلفة كل واحد ينظر إلى جهة، فإن هذا لا يسمى اختلافا؛ بل تقول: فسرها بعضهم بكذا، لا تقول: اختلف المفسرون فيها إلا إن عنيت اختلاف التنوع؛ بل تقول: فسرها بعضهم بكذا، وفسرها بعضهم بالإسلام، فسّر بعضهم الصراط بكذا، ثم تقول بعد ذلك كما قال ابن كثير وابن جرير وجماعات العلماء بأن هذه الأقوال مؤداها واحد لأنك تجمع ذلك. مثلا في قوله تعالى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ في سورة النحل؛ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ [النحل: ٤١] ، هذه الحسنة ما هي؟ قال بعض المفسرين من السلف هي المال، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني لنعطينهم ولننزلنهم في هذه الدنيا مالا ونعطيهم مالا جزيلا. قال آخرون هي الزوجات والجواري. قال آخرون هي الإمارة حيث ينفذ أمرهم ونهيهم.

стр. 57

هذه كلها تفاسير، نعم ظاهرها مختلف؛ لكن يجمعها الحسن، الحسن الذي يلائمهم، والحسنة فسرها العلماء بأنها ما يلائم الطبع ويسرّ النفس، وهم كانوا ظلموا من جهة أموالهم فإعادة الأموال وتوسيع الأموال عليهم وكثرة الأرزاق عندهم، هذا حسنة لاشك، والإمارة من ذلك والزوجات وكثرة الجواري لما حرموا منها في أول الإسلام من ذلك. إذن فهذه التفاسير ترجع إلى شيء واحد، لا يعتبر هذا اختلاف لأن كل واحد ينظر إلى جهة. ونكمل إن شاء الله بعد [الأذان] . المثال الذي ذكرته من حسنة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ ويصدق على الصنف الثاني الذي سيذكره شيخ الإسلام أكثر من دلالته على الأول لأنه من قبيل إطلاق بعض أفراد العام على العام؛ لأن الحسنة تجمع أشياء كثيرة، وتفسيرهم لها بأنها الزوجة أو المال أو الإمارة؛ ببعض أفرادها، وهذا هو النوع الثاني الذي سيذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ليس من النوع الأول. فإذن النوع الأول من اختلاف التنوع أن يدل كلُّ مفسر على المسمى الواحد ببعض صفاته أو ببعض ما يتَّصل به. القسم الثاني سيأتي. [المتن] الصِّنْفُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ. مِثْل سَائِلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى "لَفْظِ الْخُبْزِ" فَأُرِيَ رَغِيفًا وَقِيلَ لَهُ: هَذَا. فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ. مِثَالُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .

стр. 58

فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُنْتَهِكَ لِلْمُحَرَّمَاتِ. وَالْمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ. وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ. فَالْمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠-١١] ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إلَى الِاصْفِرَارِ. أو يَقُولُ: السَّابِقُ وَالْمُقْتَصِدُ وَالظَّالِمُ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمُحْسِنَ بِالصَّدَقَةِ وَالظَّالِمَ بِأَكْلِ الرِّبَا وَالْعَادِلَ بِالْبَيْعِ وَالنَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ إمَّا مُحْسِنٌ وَإِمَّا عَادِلٌ وَإِمَّا ظَالِمٌ؛ فَالسَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ وَالظَّالِمُ آكِلُ الرِّبَا أَوْ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَلَا يَأْكُلُ الرِّبَا. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ. فَكُلُّ قَوْلٍ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعٍ دَاخِلٍ فِي الْآيَةِ وإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَعْرِيفِ الْمُسْتَمِعِ بِتَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ، وَتَنْبِيهِهِ بِهِ عَلَى نَظِيرِهِ؛ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالْمِثَالِ قَدْ يَسْهُلُ أَكْثَرَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْحَدِّ الْمُطْلَقِ. وَالْعَقْلُ السَّلِيمُ يَتَفَطَّنُ لِلنَّوْعِ كَمَا يَتَفَطَّنُ إذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَغِيفٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا هُوَ الْخُبْزُ.

стр. 59

وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيرًا مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ شَخْصًا؛ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّفْسِيرِ. كَقَوْلِهِمْ: إنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ. [الشرح] هذا النوع الثاني أو الصنف الثاني من اختلاف التنوع، وذلك أن في القرآن كثيرا ما تستعمل الألفاظ العامة التي لها معاني كثيرة، مثل ما ذكر من اسم المقتصد، من اسم الظالم لنفسه، السابق بالخيرات، مثل ما ذكرنا في لفظ الحسنة، ومثل ما ذُكر الحسنة ويقابلها السيئة ﴿إِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] ، ولفظ السيئة كذلك وأتباع هذا. فيه ألفاظ كثيرة تكون دلالات اللفظ متنوعة باعتبار أفراده يعني عام له أفراد كثيرة، فيأتي المفسر من السلف من الصحابة فيذكر لفظا منها، يذكر لفظا من أفراده تدخل تحت العام، وهذا لا يعد خلافا لأنه ذكره كالتنبيه -كما ذكر الآن شيخ الإسلام- على أن هذا اللفظ يدخل فيه -يعني اللفظ العام- يدخل فيه هذا المعين وهذا المفرد باعتبار الحاجة إلى هذا التعيين بحسب حال السائل أو حال المستمع، ومثاله كما ذكر قال ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الظالم لنفسه، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بأكل الربا، هذا صحيح، الظالم لنفسه يدخل فيه أكل الربا؛ لكن أكل الربا ليس مساويا بالمطابقة للظالم للنفس؛ بل الظلم للنفس يكون بارتكاب أي من المنهيات أو بالتفريط في أي من الواجبات. فإذا ذكر المفسر بعض أفراد الظلم إما بالتفريط في بعض الواجبات أو بارتكاب بعض المنهيات وذكر غيره فردا آخر من أفراد العام هذا فإن هذا لا يعد اختلافا، وإن سمي اختلافا فهو من اختلاف التنوع، وهذا كما ذكر من التعبير عن العام ببعض أفراده.

стр. 60

﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ المقتصد من هو؟ قال: هو الذي أدى الصلاة وترك الحرام. أداء الصلاة هذه بعض الواجبات، المقتصد هو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، فإذا تذكرت بعض أفراد المقتصدين، ذكرت أوصاف لبعض أوصاف المقتصدين فإن هذا لا يعني تعيينا لتفسير اللفظ من حيث حقيقته؛ بل ذكروا ما يتضمنه اللفظ باعتبار أنه فرد دخل تحت عام. مثل ما مثلت لكم بالحسنة، الحسنة عند العلماء هي ما يلائم الطبع ويسر النفس، النساء من ذلك يعني الزوجات والجواري من ذلك، المال من ذلك، الإمارة والأمر والنهي من ذلك، فلما قال الله جل وعلا فيهم ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ [النحل: ٤١] ، فمن فسرها بأنها المال فسر الحسنة ببعض أفرادها ببعض ما يدخل فيها، قال الآخر هي المال، الزوجات قال الثالث الإمارة، قال الرابع أن يطاع والجاه ونحو ذلك، فهذا لا يعد اختلافا بل كله داخل تحت الاسم العام. وهذا يفيد الفائدة وهو أن السلف فسّروا القرآن لأجل الهداية لا لأجل الألفاظ، وهذا مما يحتاجه المفسر جدا أن يرى حاجة السائل فيفسر الآية باعتبار حاجته أو حاجة المستمعين، فإن فسرها ببعض أفرادها فإن هذا التفسير منه صحيح وليس مخالف لتفاسير السلف، فلا يرد اعتراض من اعترض تقول أنت فسرت الحسنة بأنها المال، لا هم فسروا الحسنة بأنها الجاه مثلا أو الأمر والنهي، نقول: لا تعارض؛ فإن المفسر قد يرى أن الحاجة أن ينص على بعض الأفراد. إذن فإذا كان اللفظ عاما يدخل فيه كثير من الأفراد فإنه لا يسوغ تخصيصه.

стр. 61

مثال أيضا في سورة النحل في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] ، ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] هنا الحفدة اختلف فيها المفسرون: فمنهم من قال: الحفدة هو أولاد الأولاد، الحفيد يعني ابن الابن. قال آخرون: الحفدة هم الأصهار؛ يعني أزواج البنات. وقال آخرون: الحفدة هم العبيد والخدم. هذا لا يعتبر اختلافا لأن إرجاع معنى اللفظ إلى أصل لغوي يوضح لك أن هذه جميعا من أفراد اللفظ وليست تخصيصا له. ذلك لأن الحفْد في اللغة هو المسارعة، ومن أوصاف الخادم أنه يسارع في خدمة سيده، وقد جاء في الحديث «إليك نسعى ونَحْفِد» . يعني نسرع في طاعتك بالسعي وبما هو أسرع من السعي، نحفد يعني من جهة السرعة، وسُمي الخادم خادما لأنه يسرع في إرضاء سيده، كذلك ولد الولد باعتبار صغره وحداثة سنه ونحو ذلك وما لجده من الحقوق هو يسرع في إرضاء جده. الأصهار أزواج البنات الأصل أنهم يرضون ويسرعون في إرضاء آباء أولادهم من جهة البنات، وهكذا. فإذن التفسير الحفدة يشمل هذا كله، فمنهم من عبر عنها بأبناء البنين، ومنهم من عبر عنها بالأصهار، ومنهم من غبر عنهم بالخدم والعبيد، وكل هذا صحيح لأن الحفدة جمع حافد، وهو اسم فاعل الحفد، والحفد المسارعة في الخدمة، وهذا يسقط على هؤلاء جميعا. هذا من هذا القسم وهو أن يكون اللفظ عاما فيُفسر بأحد أفراده، وهذا لا يعتبر اختلاف لهذا ينظر المفسر، أو تنظر وأنت تقرأ في التفسير إلى هذا بعناية، الاختلافات حاول تجمع بينها: إما بالجهة الأولى المسمى والصفات. وإما من هذه الجهة العام وأفراده. ((١) [الأسئلة] هذا اقتراح، نجيب على بعض الأسئلة. س١/ يقول: أقترح قراءة مقدمة ابن كثير قبل قراءة التفسير؟

стр. 62

ج/ مقدمة تفسير ابن كثير لخص فيها مقدمة شيخ الإسلام هذه، وقراءتنا لهذه المقدمة لشيخ الإسلام تكفي عن قراءة مقدمة تفسير ابن كثير. س٢/ يقول هل هناك طبعة معينة -يعني لتفسير ابن كثير- أم هل هناك مختصر أو الأصل؟ ج/ الآن نقرا في الأصل لأنه أكثر فوائد ففيه الحديث والأسانيد وفيه اللغة وفيه علوم كثيرة، والطبعة التي هي أحسن فيما ظهر لي طبعة [....] في ثمانية أجزاء هذه أصح الطبعات فيما ظهر لي والله أعلم. س٣/ هذا سؤال طويل يقول: هل هناك في القرآن مجاز وكيف ذلك؟ ج/ هذا تفصيله يحتاج إلى محاضرة كاملة؛ لكن المختصر أنّ القرآن الصحيح أن ليس فيه مجاز، ومن ادّعى المجاز في القرآن فهو على أحد قسمين: إما أن يدعي المجاز في آيات الصفات والآيات التي فيها ذكر للغيب، هذا بدعة وضلال، وغلط أيضا في دعوى المجاز؛ لأن المجاز عند من عرفه هو نقل الكلام من وضعه الأول إلى وضع ثانٍ لمناسبة بينهما، وفي هذا التعريف اشتراط أن يكون اللفظ الأول معلوما، والأمور الغيبية لا يُعلم الصفات وما يحدث يوم القيامة واليوم الآخر والأشياء التي لم تر ولم تعرف وذكرها الله جل وعلا في كتابه لا يعلم وضعها الأول، فنقلها إلى وضع ثاني غلط من جهة تطبيق المجاز كما قاله جمع من المحققين ممن ادعوا المجاز أو ممن بحثوا المجاز. أما إن ادُّعي المجاز في غير آيات الصّفات في الألفاظ في سياق الكلام في بعض الآيات، فإن هذا غلط نقول هذا غلط وخلاف الصواب، والمحققون حققوا أن ليس في القرآن مجاز لأن أصل المجاز وقاعدته أنه يصح نفيه، إذا قال القائل: رأيت أسدا لقائل أن يقول ليس بأسد. رأيت أسدا فكلمني. كل مجاز معياره صحة نفيه القائلين به، فإذا قال القائل: رأيت أسدا فكلمني، لمن كلمه أو سمع منه أو هو أن يقول ليس بأسد؛ يعني يصح النفي.

стр. 63

والقرآن لا يجوز أن ينفى كلمة فإذا قال الله تعالى ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] القائلون أن فيها مجازا على قاعدتهم يجوز أن يقال لا يريد أن ينقض لقوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] ، من ادعى المجاز يقال له وهو يعترف أنه يصح أن يقال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ليست بقرية والعير ليست بعير وهذا نفي للقرآن، وهذا ممتنع، وهذا من أقوى الأدلة التي أقامها من يدخل المجاز في غير آيات الصفات وأخبار الغيب؛ لكن هو اختلاف أدبي إذا ادعي في غير الآيات، نقول: خلاف الصواب، لكن نقول ليس ببدعة لكثرة القائلين به من العلماء. المجاز فيه بحوث مطولة جدا لكن أحسنها وأفضلها كتاب للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في المجاز سماه: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. س٤/ يسأل عن آية ما معناها إذا لم يكن في القرآن مجاز؟ ج/ البحث يطول يعني القرآن كله حقيقة، فالحقيقة قد تكون على جهة الإفراد تُفهم من جهة أفراد الكلام وقد تكون من جهة تركيب الكلام مثل الظاهر، الظاهر قد يفهم من كلمة وقد تفهمه من التركيب، فقول الله جل وعلا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هذا يفهم من الظاهر ليس من اللفظ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ظاهرها معلوم أن السؤال يقع على من في القرية، هذا ظاهر اللفظ، واللغة العربية حقيقة نأخذ بظاهر ألفاظها ومن ادّعى المجاز حصر الحقيقة في الألفاظ ولم يذكر الحقيقية في التركيب، وحصر الظاهر في اللفظ ولم يذكر الظاهر في التركيب، وهذا باطل؛ لأن الحقيقة قد تكون في التركيب، والظاهر الذي هو القابل التأويل هذا قد يكون أيضا في التركيب. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ، واضح لأن المراد ليس رؤية الله جل وعلا؛ لأنه قال ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وهذا يفهم من ظاهره التركيب.

стр. 64

كذلك قوله تعالى في سورة النحل ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] ، ما يؤخذ من هذه الآية صفة الإتيان لله لأنه ليس المراد هنا إتيان الله جل وعلا بذاته؛ لأنه قال ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ﴾ [النحل: ٢٦] ، فظاهر الكلام الحقيقة التركيبية مفهومة تُفهم أن المراد بعذابه أو قدرته ونحو ذلك. وهذا لا يعد تأويلا ويعد قولا بالمجاز. س٥/ ما رأيك أن تكون القراءة مختصر الرفاعي لابن كثير؟ ج/ ليس بمناسب. س٦/ يقول: هل تقصد باختلاف التنوع أن كل مفسر نظر من زاوية فيفسره حسب المقام وحسب سؤال السائل، فلا يسمى بذلك اختلافا بل أقوالا؟ ج/ هذا جهة أن الشيء الواحد المسمى الواحد قد تكون صفات كثيرة مثلما ذكرنا السيف صارم ومهند وبتار، الأسد أسامة وله عدة أسماء. هذا لكه باعتبار الصفات أما الذات واحدة، أسماء الله جل وعلا الحسنى، أسماء النبي ﵊ الحاشر والعاقب والماحي وأحمد ومحمد، كلها دلالة على ذات واحدة وهو رسول الله ﷺ ؛ لكن باعتبار الصفات تختلف. إذا نظرت إلى كثرة صفاته المحمودة فهو محمد، إذا نظرت باعتبار تجدد صفاته المحمودة فهو أحمد، إذا نظرت إلى أنه عاقب للأنبياء فهو العاقب، إذا نظرت إلى أن الأنبياء يحشرون على عقبه فهو الحاشر، وهكذا. فهذا باعتبار الصفات، قد يكون أيضا مثل ما ذكر الصنف الثاني الأفراد مع العام. ونقف عند هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. * * * أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 65

الدرس الخامس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] [وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيرًا مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ شَخْصًا؛ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّفْسِيرِ. كَقَوْلِهِمْ: إنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ.] وَإِنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي عُوَيْمَرْ العَجْلاَنِي أَوْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَأَنَّ آيَةَ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] ، نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (١) نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الداري وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءٍ. وَقَوْلَ أَبِي أَيُّوبَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ. الْحَدِيثَ.

стр. 66

وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَاَلَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ مُخْتَصٌّ بِأُولَئِكَ الْأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالنَّاسُ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ هَلْ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ أَمْ لَا؟ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ عمومات الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ. وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَيَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ فِيهَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ. وَالْآيَةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ إنْ كَانَتْ أَمْرًا أو نَهْيًا فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا بِمَدْحِ أَوْ ذَمٍّ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ.

стр. 67

وَمَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِثُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ رُجِعَ (١) إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثَارَهَا. وَقَوْلُهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا يُرَادُ بِهِ تَارَةً أَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ كَمَا تَقُولُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ كَذَا. [الشرح]

стр. 68

قوله هنا في أول الكلام أنه قد يجيء السبب الواحد للآية مختلفا، وقد يجيء ذكر السبب واحدا فإذا جاء السبب واحدا مثل قولهم في آية الظهار نزلت في أوس بن الصامت، فهذا لا يعني أن عموم اللفظ يُخص بهذا السبب بل إن العلوم له أفراد ومن أفراده هذه الحادثة التي حدثت، وهذا يدل له دلالة واضحة ما جاء في الصحيح أن رجلا قبل امرأة في الطريق وجاء للنبي ﵊ قال: إني لقيت امرأة في الطريق أو قال في أحد البساتين أو قال في أحد الحوائط ولا شيء يأتيه الرجل من أمراه إلا فعلته إلا النكاح. يعني إلا الوطء، فسكت النبي ﵊، ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، الحسنات ومنها الصلاة تذهب السيئات، فأخذها، فقال الرجل: يا رسول الله ألي وحدي. هذا السائل قال: ألي وحدي قال: «لا بل لأمتي جميعا» ، وهذا يعني أن خصوص السبب لا يُخص به عموم اللفظ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هل هو بخصوص هذا الرجل؟ لا، قال النبي ﷺ «بل لأمتي جميعا» فاستدل العلماء بهذا الحديث الذي في الصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإذن ما ذكره هنا لأن أحد قسمي اختلاف التنوع أنه يرد لفظ عام يفسّره الصحابة يفسره السلف لأحد أفراده، ذكر لك أمثلة، ثم ذكر هنا أمثلة أسباب النزول، فأسباب النزول من ذلك، يكون اللفظ عام كل واحد يقول نزلت في كذا، أحيانا يقول بعضهم نزلت في كذا وفي كذا وهذه كلها أفراد.

стр. 69

نعم إن العلم بالسبب يورد العلم بمعنى الآية لأنها هي التي تسبب عنها أو التي أنزلت لهذا السبب تارة يقول الآية يقولون نزلت في كذا أو نزلت في كذا، ولا يعنون أنه سبب النزول؛ ولكن يعنون أنه يصلح للآية. مثلا في سورة المطففين هل هي مكية أو مدنية؟ قالوا: نزلت في مكة، ثم قال بعضهم: نزلت في المدينة. وفي سورة الفاتحة قالوا: نزلت في المدينة. مثل المعوذتين قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قالوا: نزلت في كذا لما سُحر النبي ﷺ ونزلت بعد ذلك، ونحو ذلك من هذه الأنواع. هذا عند الصحابة وعند السلف يعنون به أنها تصلح لهذا المعنى، نزلت في كذا؛ يعني تلاها النبي ﵊ عليهم سورة المطففين لما ذهب إلى المدينة تكون نزلت بكذا لأنهم خوطبوا بها. فإذن قولهم: نزلت في كذا -هذا كالخلاصة- نزلت في كذا يعني: أولا تخصيص المعنى بالسبب، هذا واحد؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثاني أنه قد تذكر أكثر من حادثة نزلت في كذا أو في كذا، وهذه كلها أفراد للعام؛ لا يعني تخصيصها أو إلغاء معنى الآية لأجل الاختلاف في السبب؛ سبب النزول. الفائدة الثالثة: أنهم قد يقولون أنها نزلت في كذا. ولا يعنون سبب نزولها أو مرة ولكن يعنون أن الآية صالحة لتناول هذا الذي حصل حيث تلا النبي ﵊ تلك الآيات.

стр. 70

السبب الثاني: يختلفون، بعضهم يقول نزلت في كذا، وبعضهم نزلت في كذا، وبعضهم يقول نزلت في كذا؛ يعني الاختلاف في هذا السبب كذا وكذا لا يلغي دلالة الآية؛ يعني لا يكون أن الآية لا تدل على ما عمّه لفظها لأجل أنه اختلفوا في سبب النزول، فأسباب النزول أفراد للعموم، مثل ما تقول مثلا القوم يدخل فيها فلان وفلان وفلان، إذا قلنا فلان وفلان وفلان اختلفنا، تقول دخل الرجال، قلت أنت: محمد وصالح وأحمد. قال الثاني: لا خالد وأحمد وعبد العزيز. قال الثالث: عبد الله ومحمد وخالد. اختلفوا في من هم الرجال؛ هل الاختلاف في هذا في تحديد المعنى هل يعني اختلاف الدخول؟ فهم دخلوا لكن التحديد هذا هو الذي الاختلاف فيه، طيب حضرت الواقعة ما الذي لم؟ قال بعضهم السبب كذا وكذا وكذا، وقال الآخرون: لا، سبب هذه الواقعة كذا وكذا وكذا، فالاختلاف في السبب لا يعني أنها لم تحصل أو أن المعنى الذي فيها ليس بمأخوذ به. لا. فإذن اختلاف في أسباب النزول هو من قبيل ذكر أفراد العام لا من قبيل التقسيم، يريد شيخ الإسلام أن يذكر هذه القاعدة؛ لأنه ذكرها بعد ذكر العام وأفراده. [المتن] وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ كَمَا يَذْكُرُ السَّبَبَ الَّذِي أُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ، أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَدِ؟ فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثَرُ الْمَسَانِيدِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَهُ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُدْخِلُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُسْنَدِ. [الشرح]

стр. 71

روى الحافظ في المستدرك قال كلمة في كتاب التفسير مهمة يقول: وقول الصاحب الذي شهد التنزيل -لاحظ الكلمة الذي شهد التنزيل- نزلت في كذا حديث مسند. يعني مرفوع لأنه هو شهد ذلك هذا معناه متصل، هو شهده ورآه ويذكر ما شهده، فبناءً على هذا قول الصحابة الذين شهدوا الأمور تكون من قبيل المسند لا من قبيل الموقوف؛ يعني ليست بآثار بل هي مسندة، وهذا مثل ما ذكر ما جرى عليه الإمام أحمد في مسنده وأصحاب المسانيد، فليس كل ما فيها مرفوعة؛ بل قد يكون منها شيء يقول نزلت في كذا حصل كذا لأن مشاهدته للتنزيل مشاهدته للحادثة هذه تكفي في كونها مسندا فيكون المراد بالمسند أنه متصل بالنبي ﷺ إما قولا أو زمانا إما قولا أو زمانا. [المتن] وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا يُنَافِي قَوْلَ الْآخَرِ نَزَلَتْ فِي كَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمِثَالِ. وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ لَهَا سَبَبًا نَزَلَتْ لِأَجْلِهِ وَذَكَرَ الْآخَرُ سَبَبًا؛ فَقَدْ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، أَوْ تَكُونَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ. [الشرح] هنا يقول قد تكون نزلت مرتين، طبعا النزول الاصطلاحي يكون للمرة الأولى، نزلت لكذا التي هي المرة الأولى، أما المرة الثانية فيكون إنزالها للتذكير بها، ينزل بها جبريل ﵇ إما سورة كاملة كسورة الفاتحة وإما بعض سورة مثل سورة ويل للمطففين وغيرها، فيكون للتذكير بشمول ما حدث لهذه الآيات أو بشمول الآيات لما حدث، بدخول ما حدث في الآية وبشمول الآية لما حدث. [المتن] وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي تَنَوُّعِ التَّفْسِيرِ: تَارَةً لِتَنَوُّعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

стр. 72

وَتَارَةً لِذِكْرِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُسَمَّى وَأَقْسَامِهِ كَالتَّمْثِيلَاتِ. هُمَا الْغَالِبُ فِي تَفْسِيرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ. وَمِنْ التَّنَازُعِ الْمَوْجُودِ عَنْهُمْ مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَة (١) كَلَفْظِ (قَسْوَرَة) الَّذِي يُرَادُ بِهِ الرَّامِي وَيُرَادُ بِهِ الْأَسَدُ. وَلَفْظِ (عَسْعَسَ) الَّذِي يُرَادُ بِهِ إقْبَالُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارُهُ. [الشرح] يعني أن بعض الخلاف المنقول عن السلف راجع إلى اللغة، فيكون اللفظ الذي اختلفوا فيه في اللغة محتملا، احتماله لا من جهة الحقيقة والمجاز كما يدّعيه المتأخرون؛ لكن من جهة أنه مشترك يطلق على هذا وهذا، مثل لفظ (قسورة) مثل مثلا لفظ (العين) العين يطلق على أشياء كثيرة هذا عين؛ عين الإنسان وعين الذهب وعين الماء ونحو ذلك. القسورة وتطلق على الأسد، الأسد هو قسورة سمي بذلك، والقوس هذه قسورة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠-٥١] ، يعني فرت من أسد لأنها خافت منه، أو فرت من رام بقوسه؟ هذا محتمل وهذا محتمل، لاحتمال اللفظ، لاحتمال اللفظ لاشتراكه في هذا وهذا، عسعس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] ، كذلك. فإذن هذا الاختلاف -اختلاف المنقول- قد يكون سببه اللغة وهذا لا يعني أنه اختلاف تضاد؛ بل إذا كان في اللغة هذا وارد وهذا وراد، فإننا نقول إن هذا صحيح وهذا صحيح كل من القولين صحيح. سؤال يقول: ذكرتَ أن اللام تأتي إذا كان المخاطب منكرا أو منزلا منزلة المنكر. فمن هو مخاطب في قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] .

стр. 73

الجواب: المخاطب بهذا الخطاب الخاص هو النبي ﵊؛ لكن القسم وهذه المؤكدات ليست لإعلام النبي ﷺ بالرسالة وتأكيد الأمر للنبي ﵊؛ لكن هي لمن أنكر رسالة النبي ﵊، يعني أن المخاطب الخاص هو النبي ﵊، ليس المراد بالتنزيل بهذه المؤكدات النبي ﵊، وإنما المراد المخاطب العام الذي يسمع هذا الوحي وهم كفار قريش. كثير من الآيات فيها مخاطبة النبي ﵊ ويُعنى بخطابه ذكر ما عليه المشركون أو ذكر أحوالهم ونحو ذلك. نعم. [المتن] وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا فِي الْأَصْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ أَوْ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ كَالضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨-٩] ، وَكَلَفْظِ: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١-٣] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَتْهَا السَّلَفُ، وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ إمَّا لِكَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَأُرِيدَ بِهَا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً. وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ إذْ قَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنْبَلِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُونُ عَامًّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ مُوجِبٌ فَهَذَا النَّوْعُ إذَا صَحَّ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي.

стр. 74

وَمِنْ الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيلٌ. وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ. وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظِ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ؛ بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ، إنَّ الْمَوْرَ هُوَ الْحَرَكَةُ كَانَ تَقْرِيبًا إذْ الْمَوْرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ سَرِيعَةٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: (الْوَحْيُ) الْإِعْلَامُ، أَوْ قِيلَ: ﴿أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ أَنْزَلْنَا إلَيْك أَوْ قِيلَ: ﴿وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أَيْ أَعْلَمْنَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيبٌ لَا تَحْقِيقٌ، فَإِنَّ الْوَحْيَ هُوَ إعْلَامٌ سَرِيعٌ خَفِيٌّ، وَالْقَضَاءُ إلَيْهِمْ أَخَصُّ مِنْ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ فِيهِ إنْزَالًا إلَيْهِمْ وَإِيحَاءً إلَيْهِمْ. [الشرح] الكلام على الترادف هذا مهم للمفسر جدا، وكما ذكر شيخ الإسلام أن الترادف في القرآن قليل نادر أو معدوم، يقول في اللغة قليل وفي القرآن نادر أو معدوم، والصواب أنه معدوم لا يوجد كلمة في القرآن تساوي الكلمة الأخرى بجميع معانيها؛ بل يكون تفسيرها تقريبا لها، وهذا التقريب قد يكون فيه تنازع من جهة المفسرين؛ لأن كل واحد يقرّب المعنى ببعضه.

стр. 75

فإذا فسر المور كما ذكر في قوله ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قال المور الحركة، قال آخر المور نفوذ في سرعة، فهذا وهذا كله مقرّب، المور كلمة في اللغة معناها ليس هو الحركة فقط؛ بل هو الحركة وزيادة، حركة وزيادة أشياء، كل كلمة نفسر في القرآن ليس تفسيرها تحقيقا؛ يعني أن تفسيرها هو معناها بالمطابقة؛ يعني لا تخرج منه أبدا، هذا ليس كذلك لهذا نقول إن تفسير المفسر هو نقل للمعاني. ومن هذا الوجه مُنعت ترجمة القرآن حرفيا؛ لأنه لا يمكن أحد أن يترجم القرآن بمعانيه وإنما يمكنه أن ينقل تفسيره، ينقل معاني القرآن يذكر بعض كما دلت عليه مما يفهمه المفسر، أما اللفظ نفسه فإنه في اللغة لا يمكن أن تفسر شيء بشيء. تقول مثلا: العهن هو الصوف ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ، العهن كالصوف لا العهن صوف في حالة خاصة، العهن صوف في حالة خاصة. مثلا في قوله ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ نقول كوت صارت كرة أو كالكرة، هذا تقريب؛ لأن التكوير هو جعْلها كرة مع الزيادة أوصاف. في قوله مثلا ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ، قال: الوردة ما كان فيه حمرة مع تفتّح. هذا تقريب أيضا؛ لأن الوردة قد يفهم العربي معناها لكن يُقرِّب المعنى في كلمتين تارة في ثلاث كلمات تارة يقرب معنى الكلمة في أربع، وهذا من عجائب أسرار اللسان العربي. أما غيره من الألسنة فيكثر فيها أن تعبر الكلمة بأخرى. مثل فاسعوا السعي والمشي، يقول لك: السعي هو مشي سريع هذا أيضا تقريب، السعي مشي سريع لكن فيه أيضا معنى القصد مع ذلك يعني مشي سريع من جهة القصد والرغبة، وهكذا. فإذن نقول: مما ينبغي أن يعتني به المفسِّر والمطالِع في التفسير أن يعلم أن أخذ معنى الكلمة من معجمات اللغة أنه ليس تفسيرا للألفاظ بمعناها العام وإنما هو تقريب.
следующие страницы →