← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3052

شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ

صالح آل الشيخ

Полный текст (197 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

روى الحافظ في المستدرك قال كلمة في كتاب التفسير مهمة يقول: وقول الصاحب الذي شهد التنزيل -لاحظ الكلمة الذي شهد التنزيل- نزلت في كذا حديث مسند. يعني مرفوع لأنه هو شهد ذلك هذا معناه متصل، هو شهده ورآه ويذكر ما شهده، فبناءً على هذا قول الصحابة الذين شهدوا الأمور تكون من قبيل المسند لا من قبيل الموقوف؛ يعني ليست بآثار بل هي مسندة، وهذا مثل ما ذكر ما جرى عليه الإمام أحمد في مسنده وأصحاب المسانيد، فليس كل ما فيها مرفوعة؛ بل قد يكون منها شيء يقول نزلت في كذا حصل كذا لأن مشاهدته للتنزيل مشاهدته للحادثة هذه تكفي في كونها مسندا فيكون المراد بالمسند أنه متصل بالنبي ﷺ إما قولا أو زمانا إما قولا أو زمانا. [المتن] وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا يُنَافِي قَوْلَ الْآخَرِ نَزَلَتْ فِي كَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمِثَالِ. وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ لَهَا سَبَبًا نَزَلَتْ لِأَجْلِهِ وَذَكَرَ الْآخَرُ سَبَبًا؛ فَقَدْ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، أَوْ تَكُونَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ. [الشرح] هنا يقول قد تكون نزلت مرتين، طبعا النزول الاصطلاحي يكون للمرة الأولى، نزلت لكذا التي هي المرة الأولى، أما المرة الثانية فيكون إنزالها للتذكير بها، ينزل بها جبريل ﵇ إما سورة كاملة كسورة الفاتحة وإما بعض سورة مثل سورة ويل للمطففين وغيرها، فيكون للتذكير بشمول ما حدث لهذه الآيات أو بشمول الآيات لما حدث، بدخول ما حدث في الآية وبشمول الآية لما حدث. [المتن] وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي تَنَوُّعِ التَّفْسِيرِ: تَارَةً لِتَنَوُّعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

стр. 72

وَتَارَةً لِذِكْرِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُسَمَّى وَأَقْسَامِهِ كَالتَّمْثِيلَاتِ. هُمَا الْغَالِبُ فِي تَفْسِيرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ. وَمِنْ التَّنَازُعِ الْمَوْجُودِ عَنْهُمْ مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَة (١) كَلَفْظِ (قَسْوَرَة) الَّذِي يُرَادُ بِهِ الرَّامِي وَيُرَادُ بِهِ الْأَسَدُ. وَلَفْظِ (عَسْعَسَ) الَّذِي يُرَادُ بِهِ إقْبَالُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارُهُ. [الشرح] يعني أن بعض الخلاف المنقول عن السلف راجع إلى اللغة، فيكون اللفظ الذي اختلفوا فيه في اللغة محتملا، احتماله لا من جهة الحقيقة والمجاز كما يدّعيه المتأخرون؛ لكن من جهة أنه مشترك يطلق على هذا وهذا، مثل لفظ (قسورة) مثل مثلا لفظ (العين) العين يطلق على أشياء كثيرة هذا عين؛ عين الإنسان وعين الذهب وعين الماء ونحو ذلك. القسورة وتطلق على الأسد، الأسد هو قسورة سمي بذلك، والقوس هذه قسورة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠-٥١] ، يعني فرت من أسد لأنها خافت منه، أو فرت من رام بقوسه؟ هذا محتمل وهذا محتمل، لاحتمال اللفظ، لاحتمال اللفظ لاشتراكه في هذا وهذا، عسعس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] ، كذلك. فإذن هذا الاختلاف -اختلاف المنقول- قد يكون سببه اللغة وهذا لا يعني أنه اختلاف تضاد؛ بل إذا كان في اللغة هذا وارد وهذا وراد، فإننا نقول إن هذا صحيح وهذا صحيح كل من القولين صحيح. سؤال يقول: ذكرتَ أن اللام تأتي إذا كان المخاطب منكرا أو منزلا منزلة المنكر. فمن هو مخاطب في قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] .

стр. 73

الجواب: المخاطب بهذا الخطاب الخاص هو النبي ﵊؛ لكن القسم وهذه المؤكدات ليست لإعلام النبي ﷺ بالرسالة وتأكيد الأمر للنبي ﵊؛ لكن هي لمن أنكر رسالة النبي ﵊، يعني أن المخاطب الخاص هو النبي ﵊، ليس المراد بالتنزيل بهذه المؤكدات النبي ﵊، وإنما المراد المخاطب العام الذي يسمع هذا الوحي وهم كفار قريش. كثير من الآيات فيها مخاطبة النبي ﵊ ويُعنى بخطابه ذكر ما عليه المشركون أو ذكر أحوالهم ونحو ذلك. نعم. [المتن] وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا فِي الْأَصْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ أَوْ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ كَالضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨-٩] ، وَكَلَفْظِ: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١-٣] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَتْهَا السَّلَفُ، وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ إمَّا لِكَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَأُرِيدَ بِهَا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً. وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ إذْ قَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنْبَلِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُونُ عَامًّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ مُوجِبٌ فَهَذَا النَّوْعُ إذَا صَحَّ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي.

стр. 74

وَمِنْ الْأَقْوَالِ الْمَوْجُودَةِ عَنْهُمْ وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافًا أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيلٌ. وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ. وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظِ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ؛ بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ، إنَّ الْمَوْرَ هُوَ الْحَرَكَةُ كَانَ تَقْرِيبًا إذْ الْمَوْرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ سَرِيعَةٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: (الْوَحْيُ) الْإِعْلَامُ، أَوْ قِيلَ: ﴿أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ أَنْزَلْنَا إلَيْك أَوْ قِيلَ: ﴿وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أَيْ أَعْلَمْنَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيبٌ لَا تَحْقِيقٌ، فَإِنَّ الْوَحْيَ هُوَ إعْلَامٌ سَرِيعٌ خَفِيٌّ، وَالْقَضَاءُ إلَيْهِمْ أَخَصُّ مِنْ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ فِيهِ إنْزَالًا إلَيْهِمْ وَإِيحَاءً إلَيْهِمْ. [الشرح] الكلام على الترادف هذا مهم للمفسر جدا، وكما ذكر شيخ الإسلام أن الترادف في القرآن قليل نادر أو معدوم، يقول في اللغة قليل وفي القرآن نادر أو معدوم، والصواب أنه معدوم لا يوجد كلمة في القرآن تساوي الكلمة الأخرى بجميع معانيها؛ بل يكون تفسيرها تقريبا لها، وهذا التقريب قد يكون فيه تنازع من جهة المفسرين؛ لأن كل واحد يقرّب المعنى ببعضه.

стр. 75

فإذا فسر المور كما ذكر في قوله ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قال المور الحركة، قال آخر المور نفوذ في سرعة، فهذا وهذا كله مقرّب، المور كلمة في اللغة معناها ليس هو الحركة فقط؛ بل هو الحركة وزيادة، حركة وزيادة أشياء، كل كلمة نفسر في القرآن ليس تفسيرها تحقيقا؛ يعني أن تفسيرها هو معناها بالمطابقة؛ يعني لا تخرج منه أبدا، هذا ليس كذلك لهذا نقول إن تفسير المفسر هو نقل للمعاني. ومن هذا الوجه مُنعت ترجمة القرآن حرفيا؛ لأنه لا يمكن أحد أن يترجم القرآن بمعانيه وإنما يمكنه أن ينقل تفسيره، ينقل معاني القرآن يذكر بعض كما دلت عليه مما يفهمه المفسر، أما اللفظ نفسه فإنه في اللغة لا يمكن أن تفسر شيء بشيء. تقول مثلا: العهن هو الصوف ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ، العهن كالصوف لا العهن صوف في حالة خاصة، العهن صوف في حالة خاصة. مثلا في قوله ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ نقول كوت صارت كرة أو كالكرة، هذا تقريب؛ لأن التكوير هو جعْلها كرة مع الزيادة أوصاف. في قوله مثلا ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ، قال: الوردة ما كان فيه حمرة مع تفتّح. هذا تقريب أيضا؛ لأن الوردة قد يفهم العربي معناها لكن يُقرِّب المعنى في كلمتين تارة في ثلاث كلمات تارة يقرب معنى الكلمة في أربع، وهذا من عجائب أسرار اللسان العربي. أما غيره من الألسنة فيكثر فيها أن تعبر الكلمة بأخرى. مثل فاسعوا السعي والمشي، يقول لك: السعي هو مشي سريع هذا أيضا تقريب، السعي مشي سريع لكن فيه أيضا معنى القصد مع ذلك يعني مشي سريع من جهة القصد والرغبة، وهكذا. فإذن نقول: مما ينبغي أن يعتني به المفسِّر والمطالِع في التفسير أن يعلم أن أخذ معنى الكلمة من معجمات اللغة أنه ليس تفسيرا للألفاظ بمعناها العام وإنما هو تقريب.

стр. 76

ولهذا شَرُفَتْ تفاسير السلف؛ لأنهم يفسّرون لا من جهة اللفظ فقط ولكن من جهة فهمهم للمعنى، فَهُم يفهمون المعنى والسياق الذي جاء فيه اللفظ -يعني سياق الآية- فيفسرون ناضرين إلى الجهتين جهة اللفظ ومعناه وجهة السياق؛ لأن الجميع تقريبا تفسير اللفظ في اللغة يعني بمفردها تقريب وتفسير اللفظ بما دل عليه السياق تقريب أيضا للمعنى؛ ولكن التقريب الذي فيه الدرجتان وفيه الأمران -الذي هو لآية الأمر ولأية السياق كما عليه السلف- هذا لاشك أنه أبلغ وأبلغ. ولهذا يشرف في التفسير العلماء، كلما زاد علم العالم لكما نال من التفسير أكثر وأكثر، لم؟ لأنه يفسر من الجهتين، إذا كان عالما باللغة فهو ينظر إلى المعنى وينظر إلى السياق ويقرب من جهتين. وهذه مسألة مهمة من جهة التقريب. فإذن لا تنازع في تفسير بعض الكلمات، مثلا لو فسرها بعض السلف فسر يعض الآيات بكلمة، ثم وجدت من المفسرين من ذكر معنى آخر، فهنا لا يعد هذا اختلافا للسلف بل تنظر: هل هذا المعنى الثاني مواكب لمعان السلف، أم مضاد لها، إذا كان يدور في فلكها فالعمدة جميعا التقريب تقريب المعنى، وأما إذا كان مضادا لها فإذا هو الذي ينكر، ولهذا توسع العلماء في التفسير في التقريب، التفسير بالتقريب توسعوا فيه، فيذكروا العالم فيذكر العالم ما يفهمه من الآية مقربا المعنى للناس، وهذا التقريب لابد أن يكون محكوما بأصول تفاسير السلف، وهذه طريقة المحققين من العلماء الذين يتابعون السلف في التفسير. ويذكرون مثالا مثل ما مر معنا في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ [النحل: ٤١] ، حسنة هذه ما هي؟ قال بعضهم: المال، الإمارة، الزوجة الصالحة، هذا تمثيل. مثل الصراط المستقيم: القرآن، الإسلام، السنة والجماعة، هذا إذا فسره فإنما يعني به أن يذكر بعض أفراده؛ يعني تمثيل له حتى يتضح المعنى. [المتن]

стр. 77

وَالْعَرَبُ تُضَمِّنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْلِ وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ [تعالى] : ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] ، أَيْ مَعَ نِعَاجِهِ و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤] أَيْ مَعَ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مِنْ التَّضْمِينِ فَسُؤَالُ النَّعْجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَهَا وَضَمَّهَا إلَى نِعَاجِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ، ضُمِّنَ مَعْنَى يُزِيغُونَك وَيَصُدُّونَك. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء٧٧] ، ضُمِّنَ مَعْنَى نَجَّيْنَاهُ وَخَلَّصْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ، ضُمِّنَ يُرْوَى بِهَا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. [الشرح] هذه قاعدة عظيمة تحتاج إلى بيانها البيان المفصل، وتحتاج إلى محاضرة كاملة لأنها من أنفع علوم التفسير؛ قاعدة التضمين. وذلك أن العلماء -علماء العربية- اختلفوا في الأحرف؛ أحرف الجر هذه وأحرف المعاني، اختلفوا فيها على قولين: منهم من يقول: إن الأحرف قد ينوب بعضها عن بعض، مثل ما قال بعضهم في تفسير ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ يقول ﴿إلَى﴾ هنا بمعنى مع.

стр. 78

القول الثاني أن هذا ليس بصحيح؛ بل الفعل إذا كان الجادة أن يُعدى بنفسه أو يعدى بحلاف جر ثم خولفت الجادة، وأوتي بحرف جر آخر؛ ليس معنى هذا الاختلاف من المتكلم أنه يريد بالحرف الثاني هو الحرف الذي هو حرف الجادة، مثل هنا يريد بـ ﴿إلَى نِعَاجِهِ﴾ مع نعاجه، هذا ما يكون في الكلام عمق؛ ولكن يقول نحاة البصرة كما ذكر وهو التحقيق وهو الصحيح وهو كثير في القرآن يقولون: إن تعدية الفعل بحرف جر لا يناسب معناه أن يثبت معنى الفعل الأصلي ومعه يثبت معنى فعل آخر مضمّن فيه في داخله يناسب حرف الجر. فالعربي يريد أن يفهم شيئين بكلامه؛ يريد أن يفهم فعلين، كيف هل يكرر الفعل؟ هو أتى بفعل قال ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ﴾ قال جل وعلا سبحانه وكلامه باللسان العربي المبين قال ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ ، هنا سؤال ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ السؤال ما يتعدى بـ ﴿إلَى﴾ سأله كذا إلى كذا! فإذن يكون يريد السؤال ومع السؤال شيء آخر؛ فعل آخر نستنتجه من حرف الجر المذكور الذي هو ﴿إلَى﴾ ، فما الذي يناسب حرف ﴿إلَى﴾ ؟ في هذا يناسبه الضم﴾ ضمّ شيئا إلى شيء، جمع شيئا إلى شيء. فإذن هم سألوا ومع السؤال ضمّوا شيئا إلى شيء ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ ، إذن هم سألوا وأيضا حصل منهم الضم وحصل منهم الجمع، وهذا نبه عليه بـ ﴿إلَى﴾ ، هذا كثير في القرآن. مثلا قال ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] ، قالوا: ﴿فِي﴾ بمعنى على. ليس كذلك، التحقيق أن ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أن التصليب أصلا لا يكون إلا على الجذع؛ ولكن ﴿فِي﴾ دلّت على فعل آخر ضمنه الفعل أصلب.

стр. 79

كذلك قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] أراد، ما تقول بكذا، الله قال ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ والجادة أن أراد تتعدى بنفسها، تقول: أردتُ الشيء، أراد الذهاب، أردتُ الظلم، أردتُ الحق. فلم عداه بالباء؟ هذا معناه أنه أراد معنى الإرادة ومع معنى الإرادة معنى فعل آخر تستنتجه بهذا الحرف المذكور. ولهذا قال السلف في تفسيره مثلا ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال أراد هامّا بظلمٍ، وهذا لأجل عدم التكرير لأجل أن مبنى اللغة على الاختصار، فبدل أن يكرر الفعلين يقول: أراد الظلم وهم بالظلم، أراد الظلم هاما به. هذا يكون فيه تطويل في الكلام. فإذن العرب عمدة كلامها على الاختصار والقرآن العظيم كلام الله جل وعلا الذي أعجز الخلق أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا جميعا، هذا فيه من أسرار التضمين الشيء الكثير، التضمين علم مهم. قال ﴿ [وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] (١) مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] ، يقولون: الباء بمعنى (على) . ليس كذلك. نعم هي المعنى تأمنه على قنطار؛ لكن لماذا أتى بالباء؟ أمنه على الشيء، ما يقال أمنه بالشيء، فمعنى الباء أن هناك كلمة أخرى؛ فعل آخر دخل في كلمة ﴿تَأْمَنْهُ﴾ ، كيف تستنتجه؟ تذهب إلى الفعل الذي يناسب التعدية بالباء. وانتبه لهذه القاعدة قاعدة التضمين، وانظر إلى كلام المفسرين فيها والتطبيقات عليها سترى أنها من أعظم الفوائد في التفسير، ولاشك أن علمها يكون بمعرفة حروف المعاني.

стр. 80

ذكرنا لكم مثال فيما سبق واضح مثلا قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩، فصلت: ١١] ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ هنا ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ هل ﴿إِلَى﴾ بمعنى على؟ أصلا استوى الجادة أنها تعدى بـ (على) ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] . هنا عداها بـ ﴿إِلَى﴾ ، فمعنى ذلك أنه أراد الاستواء الذي هو بمعنى العلو أولا، ثم أراد فيه معنى الاستواء الذي هو بمعنى العلو فعل آخر تناسبه التعدية بـ ﴿إِلَى﴾ الذي هو القصد والعمد. فيكون المعنى أنه جل وعلا عَلَا على السماء قاصدا عامدا على وقصد وعمد، بخلاف المؤولين فإنهم يقولون استوى بمعنى قصد ويزيلون معنى العلو، وهذا غير طريقة أهل السنة، فأهل السنة في باب التضمين يقولون المعنى الأول مراد ومعه المعنى الثاني الذي يناسب التعدية بـ ﴿إِلَى﴾ . فانتبه لهذه القاعدة، فإنها مهمة للغاية. نكتفي بهذا القدر. [الأسئلة] س١/ يقول هل نستطيع أن نقول أنه لا يوجد اسم يدل على صفة فعلية لله جل وعلا؟ ج/ لا، لا نستطيع؛ لأن أسماء الله جل وعلا منها ما يكون فيه الصفات الذاتية، ومنها ما يكون فيه الصفات الفعلية، نعم ليس كل صفة فعل لله جل وعلا تصاغ له منها اسم ولن قد يكون من أسمائه ما هو من قبيل الصفات الفعلية مثل الخالق والرازق والسّتير ونحو ذلك. س٢/ يقول: فُسرت كلمة (عسعس) بأقبل وأدبر. فظاهر التفسيرين التناقض، فكيف الجمع بينهما؟ ج/ ليس متناقضا، هذا يسمى الألفاظ المشتركة، يعني يرِد هذا ويرد هذا، عسعس الشيء بمعنى أقبل، عسعس الشيء بمعنى أدبر. اللديغ هو الملدوغ واللديغ هو السليم من اللدغ، تقول فلان لديغ يعني سلم من الدغ، وفلان لديغ بمعنى ملدوغ أصابه اللدغ. هذا يرد، بعض العلماء يجعل هذا في باب التضاد، وبعضهم لا يجعله في باب التضاد، هذا من استعمال اللفظ في معنيين فأكثر، يسمى المشترك.

стр. 81

هنا ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) ﴾ [التكوير: ١٧-١٨] ، هنا الليل إذا عسعس يكون المراد بتفسير من فسّر عسعس بأنه أقبل يعني: والليل إذا أقبل. أو من فسر عسعس بالإدبار قال: والليل إذا أدبر. ورُجّح الثاني وهو الإدبار لفائدة قوله ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ؛ لكن كلا القولين صحيح، يعني أن تفسير اللفظ بالمشترك لا يعدّ اختلافا؛ لأن هذا صحيح وهذا صحيح وقد يرجح أحدهما عن الآخر بأضرب من الترجيح. نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم على نبينا. * * * أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 82

الدرس السادس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] وَمَنْ قَالَ: لَا رَيْبَ لَا شَكَّ. فَهَذَا تَقْرِيبٌ، وَإِلَّا فَالرَّيْبُ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَرَكَةٌ، كَمَا قَالَ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ: مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ. فَقَالَ: «لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ» ، فَكَمَا أَنَّ الْيَقِينَ ضُمِّنَ السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ فَالرَّيْبُ ضِدُّهُ ضُمِّنَ الِاضْطِرَابَ وَالْحَرَكَةَ. وَلَفْظُ (الشَّكِّ) وَإِنْ قِيل: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ هَذَا الْمَعْنَى; لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. (١) وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ فَهَذَا تَقْرِيبٌ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالْإِشَارَةُ بِجِهَةِ الْحُضُورِ غَيْرُ الْإِشَارَةِ بِجِهَةِ الْبُعْدِ وَالْغَيْبَةِ، وَلَفْظُ (الْكِتَابِ) يَتَضَمَّنُ مِنْ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا مَضْمُومًا مَا لَا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ (الْقُرْآنِ) مِنْ كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بَادِيًا. فَهَذِهِ الْفُرُوقُ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ [الأنعام: ٧٠] ، أَيْ تُحْبَسَ وَقَالَ الْآخَرُ: تُرْتَهَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَمْ يَكُنْ مِنْ اخْتِلَافِ التَّضَادِّ وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ قَدْ يَكُونُ مُرْتَهَنًا وَقَدْ لَا يَكُونُ إذْ هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 83

وَجَمْعُ عِبَارَاتِ السَّلَفِ فِي مِثْلِ هَذَا نَافِعٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ مَجْمُوعَ عِبَارَاتِهِمْ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ عِبَارَتَيْنِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافٍ مُحَقَّقٍ بَيْنَهُمْ كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَامَّةَ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَعْلُومٌ؛ بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ كَمَا فِي عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ رُكُوعِهَا وَمَوَاقِيتِهَا وَفَرَائِضِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا وَتَعْيِينِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَوَاقِيتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ [إنَّ] اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَفِي الْمُشَرَّكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ رَيْبًا فِي جُمْهُورِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ بَلْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ هُوَ عَمُودُ النَّسَبِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْكَلَالَةِ؛ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَمِنْ نِسَائِهِمْ كَالْأَزْوَاجِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي الْفَرَائِضِ ثَلَاثَ آيَاتٍ مُفَصَّلَةٍ ذَكَرَ فِي الْأُولَى الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ الْحَاشِيَةَ الَّتِي تَرِثُ بِالْفَرْضِ كَالزَّوْجَيْنِ وَوَلَدِ الْأُمِّ وَفِي الثَّالِثَةِ الْحَاشِيَةَ الْوَارِثَةَ بِالتَّعْصِيبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ وَاجْتِمَاعُ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ نَادِرٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . [الشرح]

стр. 84

الحمد لله، هذا تتمة ما سبق الكلام عليه من أسباب اختلاف التنوع الذي يقع في تفاسير السلف رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم، من أسبابه أنّ الكلمة تكون لها معنى أصلي، ويكون لها معنى ضُمِّن فيها يكون التفسير برعاية المعنى المضمن. مثل ما ذكر في (الريب) فإن (الريب) فُسِّر بأنّه الشك؛ لكن هذا كما قلنا إن الترادف لا يوجد في القرآن؛ بل لا يوجد في اللغة على التحقيق، بمعنى أن الكلمة معناها كلمة أخرى مطابقة دون زيادة كلمة مكان كلمة، نقول: هذا غير موجود. ولهذا يكون ثم تقريب وإفهام للمعنى بأحسن عبارة تدل عليه. ففي قوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] ، فُسِّر بأنَّ الريب الشك، فسر بأنه الشك اكنهذا كما قلنا إن الترادف لا يوجد في القرآن لا ريب فيه لاشك فيه، وفسر قوله تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٢] ، يعني إن كنتم في شك، ﴿وَلَا يَرْتَابَ﴾ [المدثر: ٣١] ، قال ولا يشك، ونحو ذلك. هذا تقريب لكلمة الريب، فإن الريب هنا شك معه اضطراب وعدم هدوء، اضطراب شديد وعدم هدوء، وهذا زيادة عن معنى الشك. فيقول هنا: إذا فسّرها بعض السلف بكلمة واحدة، وفسرها آخرون بزيادة عن تلك الكلمة أو بكلمة أخرى، فإنه قد يكون من أسباب ذلك أنه رُعي المعنى المقارب كما فُسِّر الريب بالشك أو رُعي المعنى الذي يكون أكثر قُرْبًا مثل الريب الذي هو الشك الذي فيه تردد واضطراب، أو يكون برعاية ما ضمن بالكلمة من معنى. مثل قولهم ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ ، يعني أن تحبس، أو ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] ؛ يعني أن ترتهن النفس بما كسبت، لاشك أن هذا وهذا من باب اختلاف التنوع، وليس من باب اختلاف التضاد. إذا تقرر هذا فإن اختلاف التنوع الذي ذكره شيخ الإسلام فيما سبق وأطال فيه، هذا له فوائد منها وقد ذكرها:

стр. 85

أن يكون المعنى يشمل ذلك كله؛ يعني يشمل المعنى التقريبي ويشمل المعنى الأكثر قربا ويشمل الكلمة التيس ضمنت فيكون هذا عدة للمفسر، فإن المفسر إذا رأى أن هذه الكلمة فسرت بكذا وفسرت بكذا وفسرت بكذا، فإنه يفسرها بحسب احتياج الناس لما يناسب الكلمة، فإن اختلاف السلف في التفسير يستفيد منه المفسر كثيرا؛ لأنه يكون أحيانا في رحاب بعض تفاسير رعاية لمعنى بعض الأفراد، وفي التفسير الآخر رعاية لمعنى بعض الأفراد، فإذا نُص على هذا الفرق ولم يستفد العموم كان في هذا فائدة للمفسر في التنصيص عليها بخصوصه لحاجته في الإصلاح أو لحاجته في التنبيه أو لغير ذلك من مقاصد المفسرين. وهذا الذي ذُكر له أمثلة مثل ما ذكر في تفاسير في اختلاف في الفقهيات في الفروع فإن اختلافهم: قد يكون من اختلاف التضاد وهو الأكثر. وقد يكون من اختلاف التنوع وهو الأقل. بعكس التفسير. التفسير في اختلافهم لتفسير القرآن هذا الأكثر فيه الغالب أنه اختلاف تنوع مثل ما ذكر والأقل بل النادر جدا أن يكون اختلاف تضاد. ووجود الاختلاف لما ذكر شيخ الإسلام الفقهيات يقول: وجود الاختلاف في الفقهيات بين السلف لا يعني أن لا يؤخذ بقول السلف لما رجح من أقوالهم، كذلك اختلافهم في التفسير لا يعني أن يقال إنهم اختلفوا فلا نأخذ بشيء من أقوالهم؛ بل يرى المفسر بمثل ما رأوا ويأخذ من حيث أخذوا، فإن هذا ليس بصحيح مطلقا بل الأفضل أن تتبع تفاسيرهم؛ لأنهم أهل الدراية بالقرآن، واختلافهم في التفسير لا يعني عدم أخذ أقوالهم في التفسير كما اختلافهم في الفقهيات لا يعني عدم أخذ أقوالهم في الفقهيات؛ بل الأئمة منهم من نزع إلى بعض الأقوال التي اختلف فيها أو التي اختلف إليها الصحابة من الأقوال المختلفة المتضادة، وذلك مصير منهم إلى أنّ الأخذ بأحد الأقوال أنه صحيح؛ لأنه إذا ترجّح عند الإمام ما يُستدل به لذلك القول فإنه يأخذ به.

стр. 86

هذا مع كونها متضادة وهذا هو الأصل فيها، أما الاختلاف في التفسير بين السلف فالأصل فيه أنه اختلاف تنوع، ولهذا يعظم قدره ويتحتّم الأخذ به، ولا ينبغي الخروج عنه في أقوال التفاسير ولأنهم هم أدرى باللسان والبيان والتفسير بالرأي يعني بغير الأثر ذكرنا شروطه فيما سبق. [المتن] وَالِاخْتِلَافُ قَدْ يَكُونُ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ أَوْ الذُهُولِ عَنْهُ وَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ وَقَدْ يَكُونُ لِلْغَلَطِ فِي فَهْمِ النَّصِّ وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ فَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّعْرِيفُ بِجُمَلِ الْأَمْرِ دُونَ تَفَاصِيلِهِ. [الشرح] هذا الاختلاف في الفقهيات هذه الجملة بينها شيخ الإسلام وفصلها في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام وهذه جملة أشار بها إلى جماع الأسباب اختلاف الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى أبو حنيفة ﵀ ومالك ﵀ والشافعي ﵀ وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، هذه أسباب الاختلاف، ولا يريد أنها أسباب اختلاف في التفسير لا أسباب الاختلاف الفقهي. نعم [المتن] فَصْلٌ [فِي نَوْعَيْ الاخْتِلاَفِ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْتَنَدِ إِلَى النَّقْلِ وَإِلَى طُرُقِ الاسْتِدْلاَلِ] الِاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ. وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. إذْ الْعِلْمُ: إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ. وَإِمَّا اسْتِدْلَالٌ مُحَقَّقٌ. وَالْمَنْقُولُ: إمَّا عَنْ الْمَعْصُومِ. وَإِمَّا عَنْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ. [الشرح] هذه الجملة مر الكلام عليها في أول الرسالة، وأن العلم قسمان: إما نقل عن معصوم وإما قول عليه دليل معلوم، إما نقل مصدق أو قول محقق، ويعبر عنها شيخ الإسلام في بعض كتبه أو بحث محقق.

стр. 87

يعني أن القول يكتسب الصحة إذا كان عليه دليل معلوم، ويكتسب الصحة إذا كان نقلا عن معصوم، إذا كان القول بنقل مصدق إما من الكتاب أو السنة فهذا اكتسب صوابا وصحة، وإما أن يكون القول صوابه جاء من جهة أنه بحث محقق؛ بحث صاحبه فيه وتوصّل إلى هذه النتيجة وذلك الحكم من طريق بحث محقق مدقق، فهذا أحد طريقي الوصول إلى القول الصحيح. الآن يأتي إلى تفصيل هذه الجملة. نعم [المتن] النَّوْعُ الْأَوَّلُ الخِلاَفُ الوَاقِعُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَالْمَقْصُودُ بِأَنَّ جِنْسَ الْمَنْقُولِ - سَوَاءٌ كَانَ عَن الْمَعْصُومِ أَوْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ - فَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ وَالضَّعِيفِ. وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِيهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِن الْمَنْقُولِ، وَهُوَ مَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْجَزْمِ بِالصِّدْقِ مِنْهُ؛ عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ. وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ [تعالى] نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا. فَمِثَالُ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ قَتِيلُ مُوسَى مِنَ الْبَقَرَةِ. وَفِي مِقْدَارِ سَفِينَةِ نُوحٍ وَمَا كَانَ خَشَبُهَا. وَفِي اسْمِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ. وَنَحْوُ ذَلِكَ.

стр. 88

فَهَذِهِ الْأُمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْلُ فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا مَنْقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَاسْمِ صَاحِبِ مُوسَى أَنَّهُ الْخِضْرُ - فَهَذَا مَعْلُومٌ. (١) وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، - كَالْمَنْقُولِ عَنْ كَعْبٍ وَوَهْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ إلَّا بِحُجَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقِّ فَتُكَذِّبُوهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلِ فَتُصَدِّقُوهُ» . وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَمَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ.

стр. 89

وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى. وَلِأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ التَّابِعِينَ. وَمَعَ جَزْمِ الصَّاحِبِ فِيمَا يَقُولُهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؟ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَحِيحُهُ وَلَا تُفِيدُ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ فِيهِ هُوَ كَالْمَعْرِفَةِ لِمَا يُرْوَى مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. [الشرح] يريد شيخ الإسلام ﵀ بما سمعتم أن يبين أن النقل على قسمين؛ يعني الأقوال في التفسير المنقولة على قسمين: إما أن تكون منقولة عن النّبي ﷺ ، فهذا لاشك أنه نقل مصدَّق يجب المصير إليه إذا صحّ السند بذلك عن رسول الله ﷺ . وإما أن يكون النقل عن الصحابة رضوان الله عليهم وعن التابعين. فالنقل عن النبي ﵊ هذا نقل عن معصوم. والنقل عن أفراد الصحابة رضوان الله عليهم ليس بنقل عن معصوم؛ بل هو نقل عن غير المعصوم.

стр. 90

ولهذا إذا أجمع الصحابة في التفسير على قولٍ فإنه يصير هذا القول نقلا عن معصوم؛ لأن إجماع الصحابة لا يكون إلا على حق، فلا يجتمعون على ضلالة لإخبار النبي ﵊ بذلك عن أمته في الحديث الذي قد يكون حسنا بقوله «لا تجتمع أمتي على ضلالة» يعني أنّ إجماع الصحابة مأخوذ به، وهذا نقل الإجماع منه في التفسير في عدة في آيات كثيرة والذي يعتني بهذا كثيرا ابن جرير رحمه الله تعالى يعبّر عن ذلك بقوله يقول وإنما قلنا ذلك لإجماع الحجة من أهل التأويل على هذا. وما أجمعوا عليه يجب المصير إليه؛ لأنه نقل عن معصوم، والمعصوم ليس هو الصحابة بالنظر إلى أفرادهم وإنما هم الصحابة بالنظر إلى إجماعهم. القسم الثاني النقل عن أفراد الصحابة وعن أفراد التابعين، فهذا من العلوم أن هؤلاء ليسوا بمعصومين فأقوالهم فيها القوة وفيها الضعف خاصة إذا اختلفوا، فإن بعض الأقوال تجده قوية وبعض الأقوال تجده أضعف، والأكثر في اختلاف الصحابة -كما ذكرنا سالفا- أنه اختلاف تنوع فلا يوصف القول بقوة ولا ضعف، وإنما يقال هؤلاء رأوا الجهة فسروا العام بأحد أفراده، فسروا المشترك بأحد معنييه، فسروا المجمل بما يبينه، فسروا الكلمة بما تضمنته، فسروا الفعل بما عدي به يعني بالتضمين ونحو ذلك من الأنواع التي اختلف ذكرها، وهي أحد أنواع الاختلاف أو هي أنواع اختلاف التنوع الذي جرى عند الصحابة رضوان الله عليهم في تفسيرهم لكلام الله جل وعلا. أما كلام التابعين فمن المعلوم أنه ليس بقول أحدهم حجة على أحد، كذلك قول أحد التابعين لا يؤخذ حجة مطلقا؛ بل إنما يكتسب القوة إذا كان إما مدللا عليه، وإما أن يكون أخذه عن الصحابي.

стр. 91

ولهذا مجاهد مثلا تميز عن أئمة التفسير بأنه أخذ التفسير عن ابن عباس ﵁، ولهذا يعتني أئمة السنة بتفسير مجاهد خاصة ويكثرون نقل تفسير مجاهد ويكثرون الأسانيد عن مجاهد خاصة كما قال سفيان الثوري وغيره: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. يعني يكفيك ذلك وذلك؛ لأن مجاهد عرض التفسير عن ابن عباس ثلاث مرات. يعني أن تفاسير التابعين ليست بقوية في نفسها؛ بل هي قوية في غيرها. أما الصحابة فهم أقوياء في التفسير في أنفسهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، ولأنهم يعلمون معاني اللغة العربية أقوى من غيرهم، ولأن عندهم من العلم بالأحكام الشرعية وبما كان في أحوال العرب وعلى عهد النبي ﷺ ما يكون به قولهم له القدر الذي هو أعظم من أقوال من بعدهم. بالنسبة إلى التفاسير المنقولة عن أهل الكتاب هذه كثرت في التابعين، إذْ أن طائفة من التابعين ينقلون التفسير عن المفسرين من أهل الكتاب أو عن الذين يحكون قَصص الأولين من أهل الكتاب، كما يذكرون في اسم أو لون كلب أصحاب الكهف وفي أسماء أصحاب الكهف وفي أسماء ملوك القرى ونحو ذلك، وهذه كلها لاشك ليست من المنقول عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، وإنما هي منقولة عن طائفة من أهل الكتاب كما ينقل ذلك عن محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السير في السيرة وفي غيرها وكما يقوله غيره من المفسرين ومن التابعين أو من تبع التابعين. تفاسير الصحابة النقل فيها عن بني إسرائيل قليل جدا، وفي الغالب أنهم إذا نقلوا النقل فلا يحمل إذا نقلوا النقل الذي فيه يكون فيه ذكر أمور غيبية لا يحمل أنهم نقلوه عن بتي إسرائيل بل يحمل في الغالب مما استثني يحمل على أنه أخذوه تفقها من القرآن أو مما جاء في السنة أو سمعوه من بعض الصحابة أو نحو ذلك، هذا لأن النبي ﵊ قال لهم: إذا حدثكم بني إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم.

стр. 92

وإذا ذكروا الشيء كتفسيرٍ للقرآن دون بيان أو دليل على أنه من كلام أهل الكتاب فإن في هذا نوعا من التصديق لهم وهذا فيما لم يرد في شرعنا ذكره. لكن هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بالنظر إلى الأقوال التي تجدها في التفاسير ربما كان عليها بعض التحفظ، ذلك لأنك تجد في التفاسير كتفسير ابن جرير وكتفسير ابن كثير وابن أبي حاتم وغير تلك التفاسير تجد النقول عن الصحابة في أشياء أشبه ما تكون بالإسرائيلية، وهذا قد يُقال إنه مما لم يصح السند به عنهم؛ يعني أن المنقول عن الصحابة مما قد يكون من آثار بني إسرائيل فيجاب بأحد الجوابين: الأول أن يكون مما لم يصح به الإسناد عنهم. الثاني أن يقال إنهم نقلوا التفسير بالاستنباط أو بما فهموه من القرآن والسنة، ويظن الناس أن هذا عن بني إسرائيل، وهذا كثير من الأقوال التي تنسب لابن عباس خاصة، تجد أنها قد يظن أنها من الإسرائيليات ولكنها من باب الاستنباط؛ من مثل حديث الفُتون، ومن مثل نزول القرآن ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك من التفسيرات؛ يعني [طبعا] هذا على من كلام شيخ الإسلام ﵀. يأتي تفصيل لأقوال التابعين في التفسير، والأقوال التي عليها دليل معلوم، وكيف يمكن استنباط الأدلة في التفسير والاعتناء بذلك، وممن اعتنى به فيما يأتي من هذه الرسالة المباركة إن شاء الله تعالى. في هذا القدر كفاية، وأسأل الله جل وعلا أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (( (( ( أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 93

الدرس السابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الِاخْتِلَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَحِيحُهُ وَلَا تُفِيدُ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ فِيهِ هُوَ كَالْمَعْرِفَةِ لِمَا يُرْوَى مِن الْحَدِيثِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي أُمُورٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ بَلْ هَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ وَفِيمَا قَدْ يُعْرَفُ بِأُمُورِ أُخْرَى غَيْرِ النَّقْلِ. فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الدِّينِ قَدْ نَصَبَ اللَّهُ الْأَدِلَّةَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ.

стр. 94

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُهُ كَالْمَنْقُولِ فِي الْمَغَازِي وَالْمَلَاحِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي. وَيُرْوَى لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ أَيْ إسْنَادٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ مِثْلُ مَا يَذْكُرُهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ إسْحَاقَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ والواقدي وَنَحْوِهِمْ فِي الْمَغَازِي. فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْمَغَازِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ، ثُمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ. فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ بِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ. وَأَهْلُ الشَّامِ كَانُوا أَهْلَ غَزْوٍ وَجِهَادٍ فَكَانَ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِالْجِهَادِ وَالسِّيَرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا عَظَّمَ النَّاسُ كِتَابَ أَبِي إسْحَاقَ الفزاري الَّذِي صَنَّفَهُ فِي ذَلِكَ وَجَعَلُوا الأوزاعي أَعْلَمَ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ. وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ ; لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمُجَاهِدِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَطَاوُوسِ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَمْثَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَمَيَّزُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ.

стр. 95

وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ مَالِكٌ التَّفْسِيرَ وَأَخَذَهُ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَخَذَهُ [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. والْمَرَاسِيلُ إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا وَخَلَتْ عَنْ الْمُوَاطَأَةِ قَصْدًا أَوْ الِاتِّفَاقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَانَتْ صَحِيحَةً قَطْعًا. فَإِنَّ النَّقْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ صِدْقًا مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ أَوْ أَخْطَأَ فِيهِ؛ فَمَتَى سَلِمَ مِنْ الْكَذِبِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَانَ صِدْقًا بِلَا رَيْبٍ. فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ جَاءَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَاقِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ.

стр. 96

مِثْلُ شَخْصٍ يُحَدِّثُ عَنْ وَاقِعَةٍ جَرَتْ وَيَذْكُرُ تَفَاصِيلَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاطِئْ الْأَوَّلَ فَيَذْكُرُ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ حَقٌّ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَّبَهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَتَّفِقْ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَأْتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي تَمْنَعُ الْعَادَةُ اتِّفَاقَ الِاثْنَيْنِ عَلَيْهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَنْظِمَ بَيْتًا وَيَنْظِمَ الْآخَرُ مِثْلَهُ أَوْ يَكْذِبَ كِذْبَةً وَيَكْذِبَ الْآخَرُ مِثْلَهَا. أَمَّا إذَا أَنْشَأَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً ذَاتَ فُنُونٍ عَلَى قَافِيَةٍ وَرَوِيٍّ، فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّ غَيْرَهُ يُنْشِئُ مِثْلَهَا لَفْظًا وَمَعْنًى مَعَ الطُّولِ الْمُفْرِطِ؛ بَلْ يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ إذَا حَدَّثَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ فُنُونٌ، وَحَدَّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاطَأَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ يَكُونَ الْحَدِيثُ صِدْقًا. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا كَافِيًا إمَّا لِإِرْسَالِهِ وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ. [الشرح] بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

стр. 97

فبعد أن قرّر شيخ الإسلام أن العلم قسمان، إما نقل عن معصوم أو قول عليه دليل معلوم، إما نقل مصدق أو قول محقق يعني محقق بالأدلة، تكلّم على النقل المصدق وصلة ذلك في التفسير، وقال: إن النقل الذي ينقل في التفسير كثير ليس بنقل صحيح. وهذا واقع فإن النقول التي تكون في كتب التفسير عن النبي ﷺ بالأسانيد أو عن الصحابة كثير منها ليس بذي أسانيد جيدة؛ بل إما أن تكون ضعيفة لضعف أحد رواتها أو ضعيفة لجهالة بعض الرواة أو أن تكون ضعيفة بالإرسال أو نحو ذلك. وبين أن كلمة الإمام احمد في هذا وهي قوله: ثلاثة ليس لها أصول التفسير والملاحم والمغازي. أنها كما رُويت باللفظ الآخر ثلاثة ليس لها إسناد؛ ويعني بالإسناد الإسناد المتصل الذي يعتمد على مثله، وأن أكثر الأسانيد التي نُقلت به تلك الأمور التفسير والمغازي والملاحم أنها أسانيد إما مرسلة وإما غير صحيحة. ثم ذكر طبقات الناس في العلوم فقال مثلا في المغازي: أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ولهذا تكون روايات أهل المدينة في المغازي تكون عند أهل العلم أكثر قدرا من رواية غيرهم، مثل كلام ابن إسحاق ومثل مغازي ابن شهاب الزهري ومثل مغازي عقبة بن نافع ومثل مغازي عروة بن الزبير، ونحو ذلك من المغازي التي جمعت، ثم يليهم في ذلك أهل الشام، ثم يلي أهل الشام في ذلك أهل العراق فكل له خصوصية. مثل السير: السير أهل الشام أعلم بها، ولهذا قال هنا أن سير الفزاري وهو كتاب جليل في السير مطبوع؛ يعني السير أحوال أحكام الحروب، أحكام المغازي من حيث هي أحكام، لا من حيث هي أخبار، فقال أن أهل الشام في ذلك أقعد؛ لأنهم قريبوا لجنب، الثغور بجنبهم، والروم بجنبهم والكفار قريبون منهم، وهم أهل الجهاد وأهل القتال، فلذلك يحتاجون إلى معرفة أحكام السير أكثر من احتياج غيرهم، ولهذا صار مثل سير الفزاري يعتمد عليها وكذلك مثل سير الأوزاعي نحو ذلك.

стр. 98

التفسير مثل هذه العلوم التي ذُكرت له مدارس من جهة المدن: من أحسنها مدرسة التفسير بمكة؛ فإنها أقوى المدارس في التفسير، وذلك لأنهم أخذوا التفسير عن ابن عباس، فابن عباس ﵄ مكث في مكة سنين طويلة منذ أن ترك عيا ﵁ في أواخر خلافته إلى أن توفي ابن عباس أو إلى قريب من وافته كان في مكة، ثم في آخر عمره ذهب إلى الطائف؛ يعني أن مدرسته كانت في مكة قوية في التفسير، وكان يفسر القرآن كثيرا في المسجد الحرام وفي بيته وفي سوقه، ويُسأل عن ذلك وعن أخبار عنه بذلك مروية مسندة في غير ما كتاب. ولهذا صار أهل مكة تميّزوا بمعرفة التفسير؛ بل أكثر التفسير المسند -يعني المنقول بالأسانيد ليس المسند الاصطلاحي أعني المنقول بالأسانيد- أكثره يكون عن أهل مكة، تجد أنه يروى عن ابن عباس عن مجاهد عن أبي الشعثاء عن طاووس عن عكرمة ونحو ذلك من التفسير أكثر من غيرهم، وأهل العلم يفرحون بالتفسير إن جاء عن أهل مكة؛ لأنهم في الغالب أخذوه عن ابن عباس ﵁. يقول: إنّ هذا كله من الأقوال المنقولة. وهذه كلها ليست بمرفوعة، إنما أكثرها يكون موقوفة أو إذا كان مرفوعا كان مرسلا، إذا كان كذلك فليس مجيء الحديث والأسانيد على هذا النحو ليس موجبا لأي منقولة ليست بصدق؛ لأن النقل الصحيح لا يقبل إلا إذا كان نقلا صدق فيه قائله أو القول كان قولا حققه صاحبه. وهنا تكلم عن الصدق كيف يحصل على الصدق في النقل، الصدق في الإسناد، فذكر أن الصدق يكون بتحقيق الأمرين معا: أن يحقق أن لا يكون صاحبه تعمد الكذب فيه. الثاني أن يحقق أن يكون صاحبه لم يخطئ فيه. لأنه إذا لم يتعمد الكذب ولم يخطئ فليس ثم إلا الثاني يعني أن يكون صادقا فيه.

стр. 99

ثم قال: إن الصدق بهذا المعنى يمكن أن يكون بالنقل المتعدد الذي تكون أفراده غير كافية لإثبات الصدق، ومثّل له برواية مرسلة مثلا رواية في التفسير أو في الحديث أو في الأحكام تكون مرسلة يرسلها سعيد بن المسيب ويأتي ورواية أخرى مثلا في الأحكام يرسلها عامر بن شراحيل الشعبي، ثم مثلا رواية ثالثة في الأحكام يرسلها قتادة، ونحو هؤلاء، فهؤلاء ينظر فيهم هل يقال أنهم تواطؤوا جميعا على هذا؛ يعني اجتمعوا أو اخرجوا هذه الرواية جميعا؟ فإذا كانوا تواطؤوا عليها، هذا يحتمل أن يكون ثم خطأ أو كذب في ذلك، وإما أن يقال أنهم لم يتواطؤوا عليها وهذا هو الظن بهم، ولذلك تكون رواية الشعبي مثلا عاضدة لرواية السعيد بن المسيب، ورواية قتادة عاضدة لرواية الشعبي ورواية سعيد، ويكون الجميع من تحصيل هذه المراسيل: العلم بأن النقل هذا نقل صحيح مصدق؛ لأنه يستحيل أن يتواطؤوا على الكذب ويستحيل أيضا أن يجتمعوا على خطأ، إلا إذا قيل الثلاثة أخذوا من فك واحد فهذا يكون من الخطأ؛ لأنهم أخذوا عن شخص واحد؛ لكن فإذا كان ما أخذوه متعد مثل الأمثلة التي ذكرته فإن سعيد بن المسيب في المدينة وعامر بن شراحيل الشعبي في الكوفة، وقتادة في البصرة، فيبعد أن يأخذ هذا عن هذا أو يأخذ الجميع عن شخص واحد، فمعنى ذلك أنه يُشعر التعدد بأن النقل مصدق. وغالب ما يكون التفسير لا تكون أسانيده في تلك القوة، فتجد الأسانيد ضعيفة، فمثلا الذي ينظر فيما ذكرت لكم من قبل لا يُنظر إلى أسانيد التفسير من جنس النظر إلى أسانيد الحديث؛ لأن أسانيد التفسير مبناها على المسامحة وأن بعضها يعضد بعضها إذا ترجّح عند الناظر أن النقل ليس فيه خطأ ولا تعمد كذب.

стр. 100

فإننا نجد رواية عن ابن عباس بإسناد ضعيف أو مجهول رواية أخرى عن ابن عباس بإسناد ضعيف أو مجهول، فنحمل هذه على هذه سيما إذا تعددت المخارج عن ابن عباس وكانت الطرق غير صحيحة يعضد هذا هذا، وكذلك عن التابعين وكذلك الأعظم عن النبي ﷺ ، إذا كانت مرسلة من وجه ومرسلة من وجه آخر، فإننا نعضد هذه بتلك يعني أن التفسير فيه مسامحة، والفقهاء كثير منهم يجعلون المراسيل يقوي بعضها بعضا إذا تعددت مخارجها، إذا تعددت المخارج فبعضها بقوي بعضا، وهذا هو الصحيح الذي عليه عمل الفقهاء وعمل الأئمة الذين احتاجوا إلى الروايات المرسلة في الأحكام والاستنباط. إذن فهذا القسم الأول، وهو أن يكون النقل عن معصوم، يكون النقل مصدقا، إذا كان النقل مصدقا صح، والنقل المصدق لا تنظر إليه كنظرك المصدق إلى الحديث، لا، التفسير فيه نوع تسامح؛ لأنه يكفي فيه ما ذكر أن يظن عدم تعمد الكذب وعدم وقوع الخطأ ولا يشدد فيه التشدد في الأحكام. هذا باب واسع. [المتن] لَكِنْ مِثْلُ هَذَا لَا تُضْبَطُ بِهِ الْأَلْفَاظُ وَالدَّقَائِقُ الَّتِي لَا تُعْلَمُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى طَرِيقٍ يَثْبُتُ بِهَا مِثْلُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَالدَّقَائِقِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ غَزْوَةُ بَدْرٍ بِالتَّوَاتَر وَأَنَّهَا قَبْلَ أُحُدٍ بَلْ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بَرَزُوا إلَى عُتْبة وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ، وَأَنَّ عَلِيًّا قَتَلَ الْوَلِيدَ وَأَنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ قَرْنَهُ ثُمَّ يُشَكُّ فِي قَرْنِهِ هَلْ هُوَ عتبة أَوْ شَيْبَةُ. وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فَإِنَّهُ أَصْلٌ نَافِعٌ فِي الْجَزْمِ بِكَثِيرِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَمَا يُنْقَلُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 101

وَلِهَذَا إذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ الْآخَرِ جُزِمَ بِأَنَّهُ حَقٌّ، لَا سِيَّمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ نَقَلَتَهُ لَيْسُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى أَحَدِهِمْ النِّسْيَانُ وَالْغَلَطُ. فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ الصَّحَابَةَ كَابْنِ مَسْعُودٍ وأبيّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ كَمَا يَعْلَمُ الرَّجُلُ مِنْ حَالِ مَنْ جَرَّبَهُ وَخَبَرَهُ خِبْرَةً بَاطِنَةً طَوِيلَةً أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَسْرِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيَشْهَدُ الزُّورَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَالْأَعْرَجِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَمْثَالِهِمْ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سيرين أَوْالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَوْ عُبَيْدَةَ السلماني أَوْ عَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدِ أَوْ نَحْوِهِمْ.

стр. 102

وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْغَلَطِ؛ فَإِنَّ الْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَمِنْ الْحُفَّاظِ مَنْ قَدْ عَرَفَ النَّاسُ بُعْدَهُ عَنْ ذَلِكَ جِدًّا كَمَا عَرَفُوا حَالَ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ وقتادة وَالثَّوْرِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ لَا سِيَّمَا الزُّهْرِيُّ فِي زَمَانِهِ وَالثَّوْرِيُّ فِي زَمَانِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: إنَّ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ لَا يُعْرَفُ لَهُ غَلَطٌ مَعَ كَثْرَةِ حَدِيثِهِ وَسَعَةِ حِفْظِهِ. والْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إذَا رُوِيَ مَثَلًا مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا كَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا; فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَكُونُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِهَا فَإِذَا رَوَى هَذَا قِصَّةً طَوِيلَةً مُتَنَوِّعَةً وَرَوَاهَا الْآخَرُ مِثْلَمَا رَوَاهَا الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ امْتَنَعَ الْغَلَطُ فِي جَمِيعِهَا كَمَا امْتَنَعَ الْكَذِبُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ. وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي الْقِصَّةِ مِثْلِ حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَعِيرَ مِنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.

стр. 103

وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ; وَلِأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ؛ فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ; وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.. [الشرح]

стр. 104

هذا بحث استطرادي ليس بصلة قوية بأصول التفسير، وإنما يريد منه تقرير ما ذكر سابقا من معنى النقل المصدق وأنه قد يعرض عن النقل المصدق الخطأ؛ يعني ثم احتمال الخطأ في رواية الراوي الذي يروي التفسير لا يعني أنّ تفسيره غير مقبول؛ لأن الذي يُرد أن يكون ممن تعمد الكذب وأكثر الذين يروون التفسير فإنهم لا يتعمدون الكذب خاصة من الصحابة فالتابعين، فكثير من تبع التابعين، هؤلاء لا يتعمدون الكذب، أما الخطأ فقد يجوز على أحدهم أن يخطئ، والخطأ والنسيان عرضة لابن آدم؛ لكن هذا الخطأ والنسيان في القصص الطوال، إذا نقل تابعي قصة طويلة في التفسير أو صحابي نقلها ثم نقلها الآخر، فإن العلم بحصول أصل هذه القصة يحصل باتفاق النقلين؛ لكن قد تختلف ألفاظ هذا وألفاظ هذا فيكون البحث في بعض الألفاظ، من جهة الترجيح؛ يعني هل يرجح هذا على هذا إذا اختلفت الروايتان، أما أصل القصة فقد اجتمعوا عليه، مثل ما ذكر من المثال في قصة بيع جابر جمله على النبي ﷺ وهذه الرواية وما فيها من الاختلاف من حيث الشروط والألفاظ وبعضها مطولة وبعضها مختصرة، عند أهل العلم هذه الحادثة معلومة يقينا أن جابرا باع جمله على النبي ﷺ (١) بثمن، وأنّ النبي ﷺ لما ذهب إلى المدينة ردّ عليه الجمل والثمن، وهذا علم حصل لأن من نقلها كثير، وتفاصيل القصة اختلفوا فيها.

стр. 105

فإذن يريد أن الاختلاف في بعض الألفاظ في الأحاديث الطوال لا يعني أن أصل القصة غير صحيح؛ بل كثير من القصص الطوال التي اشتمل عليها أكثر من واحد في النقل في التفسير وفي غيره، فهذا يشعر بأن أصل القصة واقع وصحيح لأنهم لا يجتمعون على الكذب بيقين، ثم إن الخطأ يبعد أن يتفق اثنان في خطإ لم يتواطأ عليه ولم يجتمع عليه، هذا يخطئ وهذا يخطئ في نفس المسألة وفي نفس اللفظة، هذا بعيد، قصة كاملة هذا يخطئ فيها وهدا يخطئ فيها من أصلها قد يخطئ بعضهم في بعض الألفاظ هذا وارد، ولهذا يؤخذ تما اجتمعوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فيطلب ترجيحه من جهة أخرى، وهذا كثير من جهة النقل. نقف عند هذا. [الأسئلة] س ١/ هنا السؤال يقول: حبذا لو كان درس التفسير متأخر لدرس الأصول؛ أصول التفسير متقدم. ج/ طيب إذن إن شاء الله من الأسبوع القادم يكون درس أصول التفسير هو الأول، ويكون درس التفسير بعده، وذلك لاقتراح ورد؛ لأن ما بين الأذان والإقامة يكثر من يريدون سماع التفسير، أما أصول التفسير فهو للمتخصصين كما ذكر، وهو اقتراح وجيه بارك الله في الجميع. س٢/ هنا سؤال يقول: ما الفرق بين الأحكام والتفسير مع أن التفسير يحتوي على مسائل الاعتقاد والأحكام؟ نأمل المزيد من الإيضاح. ج/ لا، المقصود من التفسير إذا أُطلق ما لا يدخل فيه الأحكام؛ لأن استنباط آيات الأحكام، استنباط الأحكام من الآيات هذا ليس داخلا في مطلق التفسير؛ يعني إذا أطلقنا التفسير فلا نريد منه فقط آيات الأحكام، آيات الأحكام أو آيات العقائد النقل فيها يحتاج إلى النقل المتبع المعروف في الأحكام وفي العقائد؛ ولكن أكثر التفسير يكون تفسيرا للألفاظ ليس تفسيرا للأحكام أو تفسيرا للعقائد، التفسير للألفاظ. هذا التفسير للألفاظ ما مرجعه؟

стр. 106

أقوى مرجع له النقل، اللغة مرجع نعم، والنقل نقل الصحابة أو نقل التابعين الذين هم أول الناس لمعرفة اللغة لأجل عدم فشو اللحن بينهم، وقبل فشو اللحن هذا هو المعتمد. هنا في هذه التفاسير ما الراجح؟ مثل ما مرّ معنا من خلافهم في القرية هل هي أنطاكية أو غيرها؟ هل المرسلون ممن أرسلهم المسيح أو أرسلهم الله جل وعلا؟ هذا خلاف بين السلف في التفسير، هذا الخلاف هو الذي نتكلم عليه، لأنه يرجع إلى دلالة اللفظ دلالة الألفاظ القرآن. أما آيات الأحكام لاشك أن استنباط الأحكام من الآيات أو استنباط العقائد من آيات العقائد هذا إما أن يؤخذ بظاهرها يعني بدون ضميمة أدلة أخرى من السنة، أو أن تكون محتاجة في بيانها لأدلة من السنة وهذا لابد فيه من رعاية قواعد الأسانيد في العقيدة والأحكام. نعم. س٣/ هو يسأل عن التفسير والمغازي والملاحم؟ ج/ التفسير معروف. المغازي ما حصل من غزوات للنبي ﵊ وللصحابة من الفتوح أو غيرها. والملاحم ما يكون في آخر الزمان أو ما يكون في الأزمة المتوالية من حصول المقاتل العظيمة، هذه جاءت بها أحاديث كثيرة لكن أكثرها ليس لها أصول؛ يعني فيها تسمّح في النقل. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (( (( ( أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 107

الدرس الثامن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي الْقِصَّةِ مِثْلِ حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَعِيرَ مِنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ; وَلِأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ؛ فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى الخطأ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ نُجَوِّزُ الْخَطَأَ أَوْ الْكَذِبَ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ كَتَجْوِيزِنَا قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِظَاهِرٍ أَوْ قِيَاسٍ ظَنِّيٍّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الْبَاطِنِ; بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدْنَاهُ، فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الْحُكْمِ جَزَمْنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

стр. 108

وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ يُوَافِقُونَ الْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فُورَك. وَأَمَّا ابْنُ الباقلاني فَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ مِثْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي حَامِدٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَابْنِ الْخَطِيبِ (١) والآمدي وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو إسْحَاقَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزاغوني وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ.

стр. 109

وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْخَبَرِ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بِهِ فَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، كَمَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ. والْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ مَعَ عَدَمِ التَّشَاعُرِ (١) أَوْ الِاتِّفَاقِ فِي الْعَادَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْمَنْقُولِ؛ لَكِنَّ هَذَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَثِيرًا فِي عِلْمِ أَحْوَالِ النَّاقِلِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يُنْتَفَعُ بِرِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَالسَّيِّئِ الْحِفْظِ وَبِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَصْلُحُ لِلشَّوَاهِدِ وَالِاعْتِبَارِ مَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَد: قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لِأَعْتَبِرَهُ. وَمَثَّلَ هَذَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ (٢)

стр. 110

قَاضِي مِصْرَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ حَدِيثًا وَمِنْ خِيَارِ النَّاسِ؛ لَكِنْ بِسَبَبِ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَأَخِّرِ غَلَطٌ فَصَارَ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ وَيَسْتَشْهِدُ بِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ هُوَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَاللَّيْثُ حُجَّةٌ ثَبَتٌ إمَامٌ. وَكَمَا أَنَّهُمْ يَسْتَشْهِدُونَ وَيَعْتَبِرُونَ بِحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ سُوءُ حِفْظٍ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا يُضَعِّفُون مِنْ حَدِيثِ الثِّقَةِ الصَّدُوقِ الضَّابِطِ أَشْيَاءَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهَا بِأُمُورِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيُسَمُّونَ هَذَا عِلْمَ عِلَلِ الْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ وَغَلِطَ فِيهِ وَغَلَطُهُ فِيهِ عُرِفَ. إمَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَمَا عَرَفُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ. [الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: هذا الكلام يعني به المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الإجماع معتبر في التفسير، وكما أن الإجماع حجة في الفقه فهو حجة في التفسير؛ لأن الإجماع لا يقع في هذه الأمة وتكون الأمة غالطة فيما أجمعت عليه؛ لأن هذه الأمة عصمت أن تجتمع على ضلالة، فكان ما اجتمعت عليه حجة بيقين، قال: من حيث الأصل فإن الإجماع يكون إما على الخبر؛ يعني على حكم الخبر، وإما أن يكون على نسبة الخبر. فمثلا يكون الإجماع على حكم الخبر مثل الإجماع على حكم أن الصلاة مثلا يُبطلها الأكل والشرب، فإن الأكل والشرب ما جاء فيه دليل خاص في إبطال الصلاة ولكن هذا بالإجماع عرف هذا الحكم بالإجماع، والأمة أجمعت على هذا فصار هذا حقا لا محيد عنه.
следующие страницы →