العاشر: الجلوس حتى يفرغ.
الحادي عشر: الترتيب على ما ذكر الله ورسوله.
الثاني عشر: الطمأنينة في جميع أحوال الصلاة.
الثالث عشر: التسليم، لقوله ﵇: " وتحليلها التسليم " ١.
واعلم: أن أكثر هذه الأركان قد تضمنها حديث المسيء في صلاته، وهو ما ثبت في الصحيحين والسنن، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً دخل المسجد ثم صلى، ورسول الله ﷺ جالس، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له: " ارجع فصل فإنك لم تصل " ٢. فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇، ثم قال: " ارجع فصل فإنك لم تصل " ٣، فعل ذلك ثلاثاً. ثم قال في الثالثة: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ًثم اجلس حتى تطمئن جالساً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " ٤.
قال العلماء: فدل على أن الطمأنينة في هذا الحديث لا تسقط بحال، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي الجاهل.
стр. 1647
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: " سبحان ربي العظيم " في الركوع، وقول: " سمع الله لمن حمده " للإمام والمنفرد، وقول: " ربنا ولك الحمد " للكل، وقول: " سبحان ربي الأعلى " في السجود، وقول: " رب اغفر لي " بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له.
وله أيضاً نحوه، إلا أنه قال: السادس: قول: "رب اغفر لي" بين السجدتين. السابع: التشهد الأول، لأنه ﵇ فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. الثامن: الجلوس.
فالأركان ما سقط منها سهواً أو عمداً بطلت الصلاة بتركه، والواجبات ما سقط منها عمداً بطلت الصلاة بتركه، وسهواً جبره بسجود السهو، والله أعلم.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵀: عن قول صاحب التنقيح في واجبات الصلاة: وركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً فركن وسنة؟
فأجاب: المأموم إذا لم يدرك الإمام إلا في ركوعه، فإنه يكبر معه للإحرام، ثم يركع معه، لأن تكبيرة الإحرام ركن مطلقاً، وتكبيرة الركوع في هذا الحال سنة لا واجب، للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام؛ ووجهه: أنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع، وفيما سوى هذه الصورة تكبيرة الإحرام واجبة، وهنا ليس إلا ركن وسنة فقط.
стр. 1648
باب سجود السهو
وسئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: عمن يقرأ في الركعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهياً ... إلخ؟
فأجاب: الذي يقرأ في الركعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهياً فلا سجود عليه.
سئل بعضهم: عن الإمام والمنفرد، إذا صلى على النبي ﷺ في التشهد الأول، يسجد للسهو؟
فأجاب: هذا ذكر مشروع في غير محله، فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يشرع له سجود سهو، والثانية: يشرع للعموم، ومن لم يسجد له فصلاته صحيحة.
وسئل: إذا شرعا في السريات جهرا أو أسرا في محل جهر، هل يتمان على قراءتهما ... إلخ؟
فأجاب: يبتدئ من محل منتهى قراءته، ولا يستأنف القراءة، والمختار أنه ليس عليه سجود سهو، لأن الجهر والإسرار من سنن الصلاة، فإن سجد في هذه والتي قبلها فلا بأس، للعموم.
стр. 1649
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن سلم من اثنتين من المغرب ... إلخ؟
فأجاب: إذا سلم الإمام من اثنتين من المغرب ثم ذكر، قام إلى الثالثة بتكبيرة الانتقال، وإذا سلم من ثلاث من الرباعية ثم ذكر، فإنه يقوم للرابعة بلا تكبير.
وسئل: عمن سلم عن نقص فتكلم لمصلحتها، هل تبطل أم لا؟
فأجاب: إذا سلم الإمام عن نقص سهواً، ثم تكلم في تلك الحال بكلام لمصلحة الصلاة، فالصحيح أن صلاته لا تبطل في رواية مشهورة عن أحمد، اختارها جماعة من أصحابه وفاقاً للشافعي.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا سلم المأموم قبل إمامه ... إلخ؟
فأجاب: إذا سلم المأموم قبل سلام إمامه لم تبطل، رواية واحدة، قاله في المغني، فإذا ذكر قريباً أتمها وسجد للسهو إن كان إماماً. وإن كان مأموماً، يحمل الإمام سهوه كهذه المسألة، لأن صلاته تمت ولم يبق عليه إلا متابعة إمامه في السلام، فصلاته حينئذ صحيحة.
وسئل: إذا تكلم المصلي في نفس الصلاة، أو تنحنح؟
стр. 1650
فأجاب: إن تكلم فيها عمداً لغير مصلحتها بطلت بالإجماع، وإن تكلم فيها ناسياً أو جاهلاً بتحريمه، لم تبطل في إحدى الروايتين عن أحمد؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في صلاته ولم يأمره بالإعادة. وكذلك إن تنحنح لم تبطل، وقيل إن بان حرفان بطلت. انتهى.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: مبطلات الصلاة ثمانية: الكلام العمد، والضحك، والأكل، والشرب، وكشف العورة، والانحراف عن جهة القبلة، والعبث الكثير، وحدوث النجاسة.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا سلم المأموم عن نقص، وقام مسبوق لقضاء ما فاته، ثم نبه الإمام ... إلخ؟
فاجاب: قد ذكر العلماء مسألة تشبه هذه، وهي: ما إذا فارق المأموم الإمام لعذر، أبيح له ذلك، ثم زال عذره بعد مفارقة الإمام، فالمذهب: أنه يخير بين الدخول مع الإمام، وبين إتمام صلاته وحده، إلا صاحب التلخيص، فقال: يلزمه الدخول مع الإمام لزوال عذره.
سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا ترك الإمام ركناً من أركان الصلاة ولم يعلم به المأموم فأتى به، ثم بعد
стр. 1651
ذلك علم الإمام أنه ترك ركناً، فلما سلم قام ليأتي بركعة بدل الركعة التي ترك منها ركناً، هل يتابعه المأموم الذي أتى بالركن، أم تكون صلاته تامة؟
فأجاب: يتابع إمامه، ولا يجزئه إتيانه به دون إمامه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا جاء المأموم والإمام في ركعة زائدة، هل يدخل مع الإمام فيها، ويعتد بها؟
فأجاب: المشهور في مذهب أحمد عدم الإجزاء، ولا يدخل فيها من علم أنها زائدة.
وأجاب الشيخ حمد بن عتيق: الرجل إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام، ثم سها الإمام فجاء بخامسة، فلا يعتد بها.
وسئل: عن الإمام إذا سلم وقام المأموم، وسجد الإمام للسهو بعد قيام المسبوقين؟
فأجاب: إن استتموا قياماً لم يرجعوا، وإن لم يستتموا رجعوا وتابعوه، فيكون حكمه حكم القيام عن التشهد الأول.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن المأموم إذا قام ظاناً عليه ركعة؟
فأجاب: إذا قام المأموم بعد سلام إمامه ظاناً أن عليه
стр. 1652
ركعة، فالذي يظهر من كلامهم أنه لا سجود عليه، وإنما السجود على المسبوق ببعض الصلاة إذا سها مع الإمام، أو فيما انفرد به بعد سلام الإمام.
سئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الإمام إذا سلم، وقال بعض الجماعة بقي ركعة، وبعضهم يقول تامة؟
فأجاب: يعمل بقول من يعتد بهم، فإن كان أكثر ظنه إلا أنه يلحقه شك، فهو يعمل بقول الآخرين.
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الإمام إذا سلم قبل أن يسجد للسهو وتابعه بعضهم في السلام دون بعض؟
فأجاب: الذي ينبغي في هذا متابعة الإمام في السلام، لقوله ﷺ : " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه " ١، وترك المتابعة من الاختلاف عليه، لكن إذا ترك الإنسان المتابعة جهلاً منه، فأرجو أن لا يكون عليه إعادة، لأن الجاهل يغتفر له ما لا يغتفر للعالم المتعمد.
وسئل: عمن عليه سجود سهو، ونسيه حتى شرع في صلاة أخرى؟
فأجاب: عليه أن يسجد إذا سلم من الصلاة التي دخل
стр. 1653
فيها، وإن سجد فيها قبل أن يسلم بطلت تلك الصلاة.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا سجد للسهو بعد السلام، هل يتشهد؟
فأجاب: هذه مسألة خلاف بين الفقهاء، والمذهب عند الحنابلة أنه يتشهد، لحديث عمران بن حصين الذي رواه أبو داود: " أن النبي ﷺ سها فسجد، ثم تشهد وسلم " ١، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
والقول الثاني: يسلم ولا يتشهد، وهو الذي عليه العمل، واختيار الشيخ تقي الدين، ﵀، لأن التشهد لم يذكر في الأحاديث الصحيحة؛ بل الأحاديث الصحيحة تدل على أنه لا يتشهد، وحديث عمران فيه ضعف.
стр. 1654
باب صلاة التطوع
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله، أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء للقلوب المريضة، وأن أهم ما على العبد معرفة دينه، الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها.
وقال أبناؤه: الشيخ إبراهيم، وعبد الله، وعلي، ﵏: ومنها: الغفلة عن التفقه في دين الإسلام، حتى إن من الناس من ينشأ وهو لا يعرف دين الإسلام، ومنهم من يدخل فيه وهو يعرفه ولا يتعلمه، ظناً منه أن الإسلام هو العهد؛ ومعرفة الإسلام والعمل به واجب على كل أحد، ولا ينفع فيه التقليد.
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ينصح أخاً له: ولا أكره لك نفع الناس، وبث العلم الذي تفهم، سواء كان في أصل الدين أو في فروعه. واحرص على تعليم الناس ما أوجب الله عليهم، وكرر القراءة في نسخ الأصول، خصوصاً مختصرات الشيخ محمد، ﵀، وكذلك السير. واحرص على تعليم العامة أصل دين الإسلام، ومعرفة أدلته، ولا
стр. 1655
تكتف بالتعليم، اسألهم واجعل لهم وقتاً تسألهم فيه عن أصل دينهم، ولا تغفل عن استحضار النية فـ" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " ١. والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً؛ فالصواب: ما وافق شرع الرسول ﷺ ، والخالص: ما أريد به وجه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، بعد ذكره النهي عن الشرك والبراءة منه، ومن المشركين، من الرافضة وغيرهم: ومما أوجب ذكر ذلك، ما بلغنا من الغفلة عن هذا الأصل العظيم، الذي لا نجاة للعبد إلا بمعرفته والعمل به؛ فالعامة ما يبالون بحقوق الإسلام ولو ضيعت، وصار اشتغال أهل العلم بالعلوم التي هي فرع عن هذا الأصل العظيم ولا تنفع بدونه، ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالعلم بالله، وما يجب له على عباده من دينه الذي رضيه لهم؛ فبالقيام به صلاح الدنيا والآخرة، وفي الغفلة عنه زوال النعم وحلول النقم.
وقد وقع فيكم بسبب الغفلة عن هذا ما قد علمتم، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٨] ، فيلزم الأمير أن يأمر على جميع المدرسين، وأئمة المساجد بالحضور عند من يعلمهم دينهم،
стр. 1656
ويلزمهم القراءة فيما جمعه شيخنا، ﵀، في "كتاب التوحيد" من أدلة الكتاب والسنة، التي فيها الفرقان بين الحق والباطل؛ فقد جمع على اختصاره خيراً كثيراً، وضمنه من أدلة التوحيد ما يكفي من وفقه الله، وبين فيه الأدلة في بيان الشرك الذي لا يغفره الله. ويلزمهم سؤال العامة عن أصول الدين الثلاثة بأدلتها، وأربع القواعد؛ فما أعظم نفعها على اختصارها لطالب الهدى!
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: سرنا ما ذكرت من البحث، لأنه أفادنا اعتناءكم واشتغالكم بهذا الأمر، لأنه خير ما أنفقت فيه الأنفاس، وبذلت فيه المهج.
فلا تسأمنّ العلم واسهر لنيله ... بلا ضجر تحمد سرى السير في غدِ
ولا يذهبنّ العمر منك سبهللا ... ولا تغبنن في النعمتين بل اجهدِ
وقال أيضاً: فرض على كل أحد معرفة التوحيد، وأركان الإسلام بالدليل، ولا يجوز التقليد في ذلك؛ لكن العامي الذي لا يعرف الأدلة، إذا كان يعتقد وحدانية الرب سبحانه، ورسالة محمد ﷺ ، ويؤمن بالبعث بعد الموت، والجنة والنار، ويعتقد أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند هذه المشاهد باطلة وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً لا شك فيه، فهو مسلم، وإن لم يترجم بالدليل، لأن عامة المسلمين ولو لقنوا الدليل فإنهم لا يفهمون المعنى غالباً.
стр. 1657
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: قال ابن الجزري، رحمه الله تعالى: من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها؛ ومن وفق لهذا، فليبتكر زمانه بالعلم، وليصابر كل محنة وفقر، إلى أن يحصل له ما يريد، وليكن مخلصاً في طلب العلم، عاملاً به، حافظاً له. فأما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان وخسران الجزاء، وأما أن يفوته العمل به، فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له.
وأما جمعه من غير حفظه، فإن العلم ما كان في الصدور لا في القمطر. ومتى أخلص في طلبه دله على الله ، فليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن، خصوصاً العوام; وليصن نفسه عن المشي في الأسواق، فربما وقع البصر على فتنة، وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس. ومن علم أنه مار إلى الله وإلى العيش معه وعنده، وأن الدنيا أيام سفر، صبر على تفث السفر ونصبه، وإن الراحة لا تنال بالراحة، فمن زرع حصد ومن جد وجد.
خاضوا في أمر الهوى في فنون ... فزادهم في اسم هواهم حرف نون
وكتب رجل لأخيه: يكفيك لطلب العلم سورة العصر،
стр. 1658
فإنها كما قال الشافعي: لو فكر الناس فيها لكفتهم; فوقع في يد الشيخ عبد اللطيف، فكتب: اعلم أن قول الشافعي، رحمه الله تعالى، فيه دلالة ظاهرة على وجوب طلب العلم مع القدرة في أي مكان، ومن استدل به على ترك الرحلة والاكتفاء بمجرد التفكر في هذه السورة، فهو خلي الذهن من الفهم والعلم والفكرة، إن كان في قلبه أدنى حياة، ونهمة للخير، لأن الله افتتحها بالإقسام بالعصر، الذي هو زمن تحصيل الأرباح للمؤمنين، وزمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين. وطلب العلم ومعرفة ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي أفضل الأرباح، وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس؛ فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيع أوقات عمره وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع، والميراث المحمود كما قيل في المعنى شعراً:
أليس من الخسران أن اللياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وفي قوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ﴾ تنبيه على أن الجنس كله كذلك، إلا من استثنى؛ وهذا يوجب الهرب والفرار إلى الله بمعرفته وتوحيده والإنابة إليه، ومتى يحصل هذا للجاهل؟ وفي قوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ تنبيه على عدم اختصاص خسره بنوع دون نوع، بل هو قد توجه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا من استثنى؛ وهذا لا يدخل في المستثنى من زهد في العلم وآثر وطنه وأهله على الميراث النبوي، وتجرع كأس
стр. 1659
الجهل طول حياته، حتى آل من أمره أنه يستدل على ترك الطلب بالدليل على وجوب الطلب. وفي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما يوجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه، لينجو من الخسار ويلتحق بالأبرار والأخيار.
وقد اختلف الناس في الإيمان ومسماه، ولا سبيل إلى معرفة مراد الله به وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله في ذلك، إلا بطلب العلم ومعرفة ما عليه سلف الأمة وأئمتها. ثم له شعب وحقائق، وأصول وفروع، لا تعرف إلا بطلب العلم وبذل الجهد والتشمير عن ساق الاجتهاد; ومن آثر الوطن والرفاهية فاته كثير من ذلك أو أكثر، بل ربما فاته كله نعوذ بالله؛ ولذلك تجد من يرغب عن طلب العلم، وعمدته في هذه المباحث تقليد المشائخ والآباء، وما كان عليه أهل محلته، وهذا لا يمكن في باب الإيمان ومعرفته. ولو كنت تدري ما قلت لم تبده. وفي قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة العصر آية: ٣] حث وحض على العلم وطلبه، لأن العامل بغير علم وبصيرة ليس من عمله على طائل، بل ربما جاءه الهلاك والآفة من جهة عمله، كالحاطب في ظلماء، والسالك في عمياء؛ ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم، ومعرفة صلاح العمل وفساده لا بد منه، ولا يدرك إلا بنور العلم وبصيرته، وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [سورة العصر آية: ٣] محتاج مريده وفاعله إلى العلم حاجة وضرورة ظاهرة، لأن الحكم
стр. 1660
على الشيء بكونه حقاً يتوقف على الدليل والبرهان؛ وإذا كانت "أل" في "الحق" للاستغراق، فالأمر أهم وأجل وأشمل. وأما الصبر فمعرفة حده وتعريفه، ومعرفة حكمه وجوباً واستحباباً، ومعرفة أنواعه وأقسامه ومحله من الإيمان، من أهم ما يجب على العبد ويلزمه، وما أحسن ما قيل:
إن العُلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
فظهر أن معنى قول الشافعي: "كفتهم"، في طلبه لا في تركه. وقال الإمام أحمد ﵁: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم عدد أنفاسه. وروينا عن الشافعي ﵁ أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ونص على ذلك أبو حنيفة، ﵀. ومن فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة، وكل دليل لم يصحبه دليل القرآن والسنة فهو من طريق الجحيم والشيطان. فالعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول.
وقال أبو الفضل البامجي من مشائخ القوم الكبار: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما يعملون، ويمنعون الناس عن التعلم والتعليم؛ قال عمر بن عثمان المكي: العلم قائد، والخوف
стр. 1661
سائق، والنفس حرون بين ذلك جموح، خداعة رواغة، فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وسقها بتهديد الخوف، يتم لك ما تريد. وقال أبو الوزير، ﵀: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئاً عليّ أشدّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت. وقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى آثار الرسول ﷺ . ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
وأجاب أيضاً: أما كيفية طلب العلم، ففي حديث ابن عباس، ﵄، أن رسول الله ﷺ " بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه ... " ١ الحديث، فيه بيان الكيفية، والبداءة بالأهم فالأهم من واجبات الإيمان، وأركان الإسلام، وينتقل درجة درجة من الأعلى إلى ما دونه. ثم بعد ذلك يتعلم ما يجب من الحقوق في الإسلام، بخلاف ما يفعله بعض الطلبة من الاشتغال بالفروع والذيول؛ وفي كلام شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: من ضيع الأصول حرم الوصول، ومن ترك الدليل ضل السبيل.
وأما السبب في تحصيله، فلا أعلم سبباً أعظم وأنفع وأقرب في تحصيل المقصود من التقوى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾
стр. 1662
[سورة النساء آية: ٦٦] .
وفي الأثر: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم; قال الشافعي، ﵀:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومن الأسباب الموجبة لتحصيله: الحرص والاجتهاد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٣] ، ومنها إصلاح النية، وإرادة وجه الله والدار الآخرة؛ فإن النية عليها مدار الأعمال، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية. وهناك أسباب أخر تذكر في الكتب المؤلفة في آداب العلم والتعلم، ليس هذا محل بسطها.
وقال أيضاً فيما كتبه لبعض إخوانه، يحرضه، فقال: وما تيسر لك من الكتب المفيدة الشرعية، جعلك الله من وعاة العلم، ورواته الفائزين بحسن ثوابه ومرضاته، فإياك إياك البطالة والإهمال، والاشتغال بتحصيل عرض ومال! وقد قيل في مثل: ومن خطب الحسناء لم يغله المهر.
وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى: العلم يحفظ بأمرين: تذاكر وفهم، أحدهما العمل به؛ فمن عمل بما علم حفظ عليه علمه وأثابه علماً آخر ما يعرفه، لأن التعطيل ينسي التحصيل، فإذا عمل الإنسان بعلمه، بأن حافظ على فرائض الله، ولازم السنن الرواتب والوتر وتلاوة القرآن
стр. 1663
والاستغفار بالأسحار، وأعزر نفسه ساعة يجلسها في المسجد للذكر، وأحسن ما يكون بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، فقد تسبب للعمل بعلمه. كذلك يجتنب مجالس اللغو والغفلة، ويعادي مجالس أهل الغيبة وساقط الكلام، ويحفظ لسانه مما لا يعنيه.
ثم أقبل على تذاكر العلم وقيده بالكتابة؛ وحرص على تحصيل الكتب والنسخ أعظم من حرص أهل التمر عليه وقت الجذاذ، وأعظم من حرص أهل العيش على جمعه وقت الحصاد. فهذا يسمى طالب علم، وهو على سبيل نجاة، إذا كان مخلصاً في ذلك لله; وأكثر علامات ذلك أن يكون لصاحبه حال يتميز بها عن الناس، حتى يستشهد حاله وتميزه بانفراده عن الناس، إلا من دخل معه في طريقه. وأما إذا تسمى الإنسان بالقراءة، فإذا تأملت حاله إذا هو مثل أهل بلاده، ولا فيه خاصة عن أهل سوقه، فحاله عند الصلوات الخمس والرواتب مثل حالهم، ولا محافظة على ذلك، فقد نام جميع ليله وجميع نهاره، وصار له مع كل الناس مخالطة، وليس هناك إلا أنه بعض المرات يأخذ الكتاب ويقرأ في المجلس؛ ولو سألته عن بابه الذي قرأه ما عرفه، ولو طلبت منه مسألة مما يقرأ لم يجب عنها، وربع الريال أحب عنده من كتابين، قد خلا منه المسجد وامتلأت منه مجالس الغفلة،
стр. 1664
وعطل لسانه من الذكر، وسله في الخوض في أحوال الناس، وما يجري بينهم وتعرف دنياهم، فهذا من العلم النافع بعيد، ولا يفيد ولا يستفيد، من حكمة الرب سبحانه أن مثل هذا لا يوفق. وأدلة هذه الأمور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها كثيرة معروفة، ومن تأمل أحوال العالم وجد ما يشهد لذلك؛ فتجد من يشب ويشيب وهو يقرأ ولم يحصل شيئاً، لمانع قام به وحائل من نفسه، لا من ربه، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٤٩] ، ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [سورة القمر آية: ٥] .
وقال أيضاً: وأوصيك بالحرص على تعلم العلم الموروث عن الرسول ﷺ . ثم اعلم أن ذلك لن ينال إلا على جسر من التعب والمشقة، تحت ظلم الليل، وذلك بشيئين: شيء في أوله، وشيء في آخره. فالذي في أوله: إدامة المطالعة، والحفظ لذلك على المصباح، والذي في آخره: الوقوف في مواقف الابتهال، والانطراح بين يدي ذي العزة والجلال، والتضرع بالأسحار، وتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فهذا عنوان السعادة، وسمة أهل الولاية والزهادة. اللهم ألحقنا بآثار الصالحين.
وقال الشيخ سليمان بن سحمان:
تعلم ففي العلم الشريف فوائد ... يحن لها القلب السليم الموفقُ
فمنهن رضوان الإله وجنة ... وفوز وعز دائم متحققُ
стр. 1665
وعن زمرة الجهال إن كنت صادقاً ... بعلمك تنجو يا أخي وتسمقُ
فكن طالباً للعلم إن كنت حازماً ... وإياك إن رمت الهدى تتفوقُ
ففي العلم ما تهواه من كل مطلب ... وطالبه بالنور والحق يشرقُ
فإن رمت جاهاً وارتفاعاً ورتبة ... ففي العلم ما تهدى له ويشوّقُ
وإن رمت مالاً كان في العلم كسبه ... ففز بالرضى واختر لما هو أوفقُ
وأحسن في الدارين عقبى ورفعة ... فبادر فإني صادق ومصدّقُ
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... ويوم اللقا نار تلظى وتحرقُ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن لبعض إخوانه من طلبة العلم: والذي أوصيكم به جميعاً ونفسي: تقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره، لتفوزوا بالأجر العظيم. وليحذر كل عاقل أن يطلب العلم للمماراة والمباهاة، فإن في ذلك خطراً عظيماً؛ ومثل ذلك طلب العلم لعرض الدنيا والجاه، والترأس بين أهلها وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين، ولو لم يكن في الزجر عن ذلك إلا قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود آية: ١٥-١٦] .
وفي حديث أنس مرفوعاً: " من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليجاري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار " ١. وهذا القدر كاف في النصيحة؛ وفقنا الله وإياكم لحسن القبول. وقد
стр. 1666
بلغني أنكم اختلفتم في مسائل، أدى إلى التنازع والجدال، وليس هذا شأن طلاب الآخرة؛ فاتقوا الله وتأدبوا بآداب العلم، واطلبوا ثواب الله في تعلمه وتعليمه، وأتبعوا العلم بالعمل فإنه ثمرته، والسبب في حصوله كما في الأثر: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم; وكونوا متعاونين على البر والتقوى. ومن علامات إخلاص طالب العلم: أن يكون صموتاً عما لا يعنيه، متذللاً لربه، متواضعاً لعبادته، متورعاً متأدباً، لا يبالي ظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، لا ينتصر ولا يفخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى ولا يركن إلى زينة الدنيا.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن رفع اليدين بالدعاء عند فراغ الدرس؟
فأجاب: الحمد لله، أما رفع اليدين بالدعاء عند فراغ الدرس، فلا ريب أنه من محدثات الأمور، وأنه من البدع التي ينهى عنها، ولم يقع لنا عن أحد من أهل العلم سلفاً وخلفاً ممن يقتدى به، يفعل هذا إلى يومنا هذا. فمن أين جاءتهم هذه البدعة؟ فإن قال قائل: كان الحسن البصري يدعو في مجلس الحديث، فالجواب: أنه هو الذي يدعو بنفسه، من غير رفع
стр. 1667
يدين، ولا كان أحد ممن حضر يدعو أو يرفع يديه، ولو طلب منه الدليل، لم يوجد عنده ما يدل على هذا، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الاجتماع في رمضان لأجل قراءة القرآن مع التدبر؟
فأجاب: لا بأس بذلك، بل ورد الحث عليه فيما رواه مسلم في صحيحه عنه ﷺ أنه قال: " ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " ١.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن القراءة بالألحان ... إلخ؟
فأجاب: كرهها العلماء، وقال أحمد ومالك: هي بدعة; وقال أحمد: يحسن صوته بالقراءة; وقال الشيخ تقي الدين: التلحين الذي يشبه الغناء مكروه، والألحان التي كره العلماء القراءة بها، هي التي تتضمن قصر الحرف الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك، ونحو ذلك، يفعلون ذلك لموافقة نغمات الأغاني المطربة، ولها عند أهلها أسماء كالبربطي، والرومي، والمكي، والإسكندراني.
وسئل: عن الدعاء قبل الشروع في سورة براءة؟
فأجاب: هذا مبتدع لا أصل له، بل الذي ذكروا: أنه يسكت سكتة بينها وبين سورة الأنفال، بقدر البسملة أو أقل.
стр. 1668
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التكبير عند آخر كل سورة من سورة الضحى إلى آخر القرآن؟
فأجاب: فيه خلاف، ولم يستحبه الشيخ تقي الدين، إلا لمن يقرأ بقراءة ابن كثير، وأما من قرأ بقراءة عاصم التي هي أغلب قراءة الناس اليوم فلا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الدعاء عند الختم؟
فأجاب: الدعاء عند الختم مستحب، فعله بعض الصحابة؛ وأما رفع اليدين فلا بأس به، يستحبه كثير من العلماء، وورد الحديث في الجملة، لا في هذا خاصة.
وسئل: عن جعل أوراق المصحف في قطائع ١؟
فأجاب: لا ينبغي ذلك: لأن في ذلك ابتذالاً له ينافي تعظيمه، فيتعين تغيير ذلك إما بالدفن؛ ولا بأس بدفنه في صحراء أو بمسجد، وإن حرق فلا بأس، لما في البخاري: أن الصحابة حرقته - بالحاء المهملة - لما جمعوه، قال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. وروي أن عثمان دفن
стр. 1669
المصاحف بين القبر والمنبر. ومن مزق من كتب أهل السنة شيئاً، فإن كان الكتاب مشتملاً على آيات أو أحاديث، وفعل ذلك امتهاناً له، فلا يبعد القول بكفره.
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: أما قول بعض الناس إذا سئل عن شيء قال: الله ورسوله أعلم، فهذا يجري على ألسنة كثير من الناس من غير اعتقاد شيء، فالواجب تعليم مثل هذا.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الكتابة في المجلس؟
فأجاب: أما الكتابة في المجلس الذي فيه جماعة جالسون، فلا بأس به، خصوصاً إذا كان لا يرفع صوته بالحديث الذي هو يكتب فيه، ولا يشغله الكلام عما هو فيه؛ فأما إن كان يتكلم بالحديث، فلا يناسب أنهم يرفعون أصواتهم فوق صوته، بل المناسب التأدب مع حديث رسول الله ﷺ وتنْزيهه عن اللغط. وأما إذا لم يكن هناك محذور فلا بأس. ومن نهى عن ذلك فلا أعلم له دليلا.
стр. 1670
فصل
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن وقت الوتر، هل هو متعلق بوقتالعشاء؟ أو بصلاة العشاء؟
فأجاب: اعلم أن وقت الوتر ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر الثاني، فإن أخر الوتر حتى طلع الفجر فات وقته، وصلاه قضاء; وهذا مذهب متأخري الحنابلة، لقوله ﷺ : " أوتروا قبل أن تصبحوا " ١، رواه مسلم. والرواية الثانية عن أحمد أن وقته من صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، لقوله ﷺ : " إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح " ٢، رواه أحمد، فيدخل في كلامه ما لو جمع العشاء مع المغرب تقديماً.
قال في الإقناع: ووقت الوتر بعد صلاة العشاء وسنتها، ولو في جمع تقديم إلى طلوع الفجر الثاني، ولا يصح قبل العشاء.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: عن الأفضل في التهجد: طول القيام، أو الركوع والسجود والجهر؟ وما يقول في الركوع، وبعد الرفع ... إلخ؟
فأجاب: أما التهجد، فالأفضل فيه ما ثبت وصح عن
стр. 1671
رسول الله ﷺ في صفة تهجده، وأنه كان يطيل الركوع والسجود إذا أطال القيام، فإذا خفف القيام وأوجز القراءة، صنع كذلك في الركوع والسجود.
والقيام فيه القراءة، وهي أفضل الأقوال; والركوع والسجود أفضل الهيئات والأفعال; فينبغي للمتهجد أن يعطي كل ركن حقه، ويراعي المناسبة; وأما الإخفات والجهر، فالجهر يسن للإمام، وحيث لا يتأذى بصوته نائم أو متهجد؛ وإذا كان أنشط، وأدعى للتدبر، فالأولى الجهر.
وأما أفضل ما يقوله في ركوعه وسجوده، فهو ما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ من التسبيح: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، وسبحان الملك القدوس في ركوعه، والدعاء بما ورد في محله تحصل به الفضيلة، لأن الاقتداء برسول الله ﷺ هو الكمال.
وأما ما يقول بعد التسميع، فقد ثبت في الأحاديث ما فيه كفاية، وفي المنتقى وكتب الحديث عندكم ما فيه.
وأما التربع في صلاة القاعد: فصح الحديث: " أن صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم " ١، وما علمت أحداً قال إن المتربع كالقائم.
وعليك بطلب العلم والحرص على ذلك. والمسائل المذكورة، وجوابها فيما عندكم من كتب الحديث مقرر
стр. 1672
مفصل; ثم حضه على القراءة في كتب الحديث، والتفسير، وملازمة فلان. ثم قال: وقد قيل:
دين محمد آثار نعْـ ... ـم المطية للفتى أخبار
وكثير من أهل العلم يشتغل في آخر عمره بالقرآن وتدبره، وقراءة الصحيحين وسماعهما في كل مجلس.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن يقدم ورده بعد العشاء، ويوتر قبل النوم، هل يكتب له قيام الليل، أم لا؟
فأجاب: نعم، يكتب له قيام الليل بصلاة العشاء الآخرة في جماعة، ويبقى ورده زيادة أجر له، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله " ١.
وأما وتره قبل النوم، فقد ثبت فعله عن جماعة من الصحابة، ﵃، وذلك بإرشاد النبي ﷺ لهم إلى ذلك، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: " أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر " ٢، رواه البخاري ومسلم. ولمسلم أيضاً من حديث أبي الدرداء قال: ?" أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث "; فذكر الحديث، وفيه: " وأن لا أنام
стр. 1673
حتى أوتر "، ورواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر، قال: ?" أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث "، فذكر منهن الوتر قبل النوم، وإنما أوصاهم بذلك لأنهم لم يكن لهم عادة بقيام الليل، وإلا فمن كانت عادته الاستيقاظ فوتره آخر الليل أفضل.
واعلم: أن وقت الوتر من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وهذا منصوص الإمام أحمد، لما روي من حديث خارجة بن حذافة أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " إن الله أمدكم بصلاة خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله الله ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر " ١، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وروى أحمد نحوه من حديث أبي نضرة.
وسئل: عن فعل الوتر وهو حاقن ونحوه؟
فأجاب: أما من أراد فعل الوتر وهو حاقن ونحوه، فالذي يظهر لي أنه لا يفعله مع تلك الحال، ولو خرج وقته بخلاف الفريضة، لأن تأخيرها عن وقتها حرام وليس الوتر كذلك؛ ولذا قال في شرح المنتهى في المسألة: ما لم يضق وقت المكتوبة عن جميعها فيه، يعني فلا يفوت وقت المكتوبة، فكان ذكره المكتوبة فيه إشارة إلى أن غيرها ليس كذلك، والله أعلم.
стр. 1674
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن وقت القنوت ورفع اليدين فيه والتكبير قبله؟
فأجاب: أما دعاء القنوت فبعد الركوع، ورفع اليدين فيه جائز، والتكبير قبله محدث.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الجهر بدعاء القنوت ... إلخ؟
فأجاب: وأما القنوت فإن كان إماماً جهر به، وأمن المأمومون جهراً.
وسئل: عن الصلاة على النبي ﷺ بعد قنوت الوتر ... إلخ؟
فأجاب: الصلاة على النبي ﷺ بعد قنوت الوتر مستحبة، فقيل: وآله؟ فقال: لا بأس به، كما في التشهد.
وسئل: عن قضاء الوتر؟
فأجاب: قضاء الوتر فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يقضي، اختارها الشيخ تقي الدين، ﵀. والرواية الثانية: يسن قضاؤه، وهذا هو المذهب، ومذهب مالك والشافعي؛ وعلى هذه الرواية هل يقتصر على ركعة؟ أم يصلي شفعه قبله؟ وهذا هو الصحيح من المذهب.
وسئل: عمن يترك الوتر؟
فأجاب: قال العلماء: الذي يداوم على ترك الوتر يفسق بتركه.
стр. 1675
سئل الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، ﵏: عن القنوت في الفرائض ... إلخ؟
فأجابا: الصواب عندنا ترك القنوت في الفرائض، إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة، فإن السنة قد وردت وصحت بالقنوت في الفجر في هذه الحالة. وهذا هو الثابت عندنا من فعل رسول الله ﷺ وفعل خلفائه الراشدين، كما هو مذكور في الكتب الصحيحة، كالصحيحين وغيرهما.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، رحمهم الله تعالى: عن القنوت عند حدوث الأمراض؟
فأجاب: الأمراض الحادثة وقع مثلها في وقت الصحابة، ﵃، فلم يقنتوا، ولو كان خيراً سبقونا إليه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن قوله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة " ١ ... إلخ؟
فأجاب: حديث: " بين كل أذانين صلاة " حديث صحيح، كرره ﷺ ، وقال في الثالثة: " لمن شاء "، قال الراوي: كراهية أن يتخذها الناس سنة راتبة، فأما قبل الظهر فإن الراتبة تفعل حينئذ، وكذا الفجر إذا أذن بعد طلوع الفجر لم يفعل إلا السنة الراتبة، وأما سائر الصلوات فحسن إن شاء الله تعالى؛ وأكثر أصحابنا عبروا بإباحة الركعتين قبل المغرب، والشافعية يقولون: سنة مستحبة، والحنابلة أظنهم يحتجون بأنه ﷺ
стр. 1676
لم يفعلها، وكثير من الصحابة يفعلونها، وللحديث الوارد فيها: " صلوا قبل المغرب ركعتين " ١، قال في الثالثة: " لمن شاء ".
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: وما ذكرت من الصلاة بعد الأذان لصلاة المغرب، وأغلظت في ذلك بالإنكار الشديد، أحببت أن أنقل لك كلام شيخ الإسلام: قال، ﵀: فإنه قد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة " ٢، ثم قال في الثالثة: " لمن شاء " كراهية أن يتخذها الناس سنة، فهذا الحديث يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر، وقبل العشاء الآخرة، وقبل المغرب، وأن ذلك ليس بسنة. وكذلك قد ثبت أنهم كانوا يصلون بين أذان المغرب وهو يراهم فلا ينهاهم، ولا يأمرهم، ولا يفعل هو ذلك؛ فدل على أن ذلك فعل جائز.
وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله: " بين كل أذانين صلاة "، وعارضه غيره فقال: الأذان الذي على المنائر لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ، ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر؛ ويتوجه أن يقال: هذا الأذان لما سنه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذاناً شرعياً، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة، وليست سنة راتبة، كالصلاة قبل صلاة المغرب، وحينئذ من فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه؛ وهذا أعدل الأقوال،
стр. 1677
وكلام الإمام أحمد يدل عليه; وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يطنون أن هذه سنة راتبة أو أنها واجبة، فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست بسنة راتبة ولا واجبة، لا سيما إذا داوم الناس عليها، فينبغي تركها أحياناً حتى لا تشبه الفرض.
والمقصود أن شيخ الإسلام قال: فهذا الحديث يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر، وقبل العشاء الآخرة، وقبل المغرب، وأن ذلك ليس بسنة; وأنت تقول إنها سنة وتغلظ في ذلك. ثم قال الشيخ: وكذلك ثبت أنهم كانوا يصلون بين أذان المغرب وهو يراهم فلا ينهاهم ولا يأمرهم ولا يفعل هو ذلك؛ فدل على أن هذا فعل جائز. وأنت تأمر بذلك وتشدد الإنكار على تركه، والنبي ﷺ حيث قال: " بين كل أذانين صلاة "، إنما هو بيان للجواز لا أن ذلك سنة؛ ولو كان سنة لفعله، ولأمر من يترك ذلك بالصلاة. قال شيخ الإسلام: فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه؛ وهذا أعدل الأقوال، وكلام الإمام أحمد يدل عليه; فالذي أحبه لك: أن تأخذ بأعدل الأقوال، وأنا - ولله الحمد - أفعله أحياناً لكي لا أرى التغليظ في الأمور الجائزة. أما السنن الراتبة، والوتر، فقد ذكر العلماء، أنه لا يتركها إلا رجل سوء.
стр. 1678
وسئل بعضهم: ما قولكم في الرواتب، كم قدرها، ووقتها؟ وأيها أفضل؟
فأجاب: ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: " حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح " ١، وفي حديث في الصحيح، قال: " حفظت عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي قبل الظهر أربعاً " ٢، فيحمل على أنه كان يصلي تارة أربعاً قبل الظهر، وتارة الركعتين.
وذكر العلماء أن آكد التطوع: الكسوف، ثم الوتر، ثم ركعتا الفجر، لأن رسول الله ﷺ لم يدعهن، لا حضراً ولا سفراً.
سئل بعضهم: ما قولكم في ترك السنن من غير استخفاف بها، ما الحكم؟
فأجاب: الذي ذكره أهل العلم أنه متى ترك السنن، وداوم عليها من غير استخفاف بها، أنه يكون ناقصاً، ولا تقبل شهادته.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن فعل الرواتب في السفر؟
فأجاب: الذي يصلي الرواتب في البر لا ينكر عليه، والأفضل ترك الرواتب، إلا الوتر وسنة الفجر.
стр. 1679
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: عن رفع اليدين بعد السنن؟
فأجاب: وأما رفع اليدين بالدعاء بعد السنن، أرجو أن لا بأس به، لكن اجتهاد الإنسان بالدعاء قبل السلام أولى وأحرى للإجابة.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: وأما صلاة التراويح، فسنة لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
وأجاب أيضاً: صلاة التراويح في رمضان مستحبة، وفعلها جماعة أفضل، وكذا القنوت في النصف الآخر من رمضان.
وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: أما التراويح، ففعل الصحابة لها مشهور، وتلقته الأمة عنهم خلفاً بعد سلف؛ وأول من جمعهم على صلاة الليل في رمضان عمر ﵁ وهو خليفة راشد. ولا ينكر التراويح إلا أهل البدع من الرافضة وغيرهم; ونفس قيام الليل ورد عنه ﷺ من أوجه متعددة كلها جائزة، وإن كان بعضها أرجح من بعض عند أهل التحقيق، لكن النهي عن التراويح هو البدعة، إذ كان قد صلى بأصحابه في ليالي الوتر من العشر، كما قالت عائشة وأبو ذر وأنس، ﵃، وبعض ذلك في الصحيح.
стр. 1680
وقال ﷺ : " من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة " ١. وكان الإمام أحمد يصلي مع الإمام حتى ينصرف. والزيادة في الركعات والنقص أمر واسع إذا حصل الوتر في آخرها؛ وقد ورد أن حذيفة صلى معه ﷺ في ليلة من رمضان، وقرأ بالبقرة، ثم بالنساء، ثم بآل عمران، أظنه قال: في ركعتين، حتى استوعب الليل في ذلك، ومرة صلى أربع ركعات كذلك، ولابن عباس أنه صلى ثلاث عشرة، وعائشة روت أنه صلى إحدى عشرة.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن عدد التراويح؟
فأجاب: الذي استحب أن تكون عشرين ركعة.
وأجاب ابنه الشيخ: عبد الله، رحمهما الله: الذي ذكره العلماء، ﵏، أن التراويح عشرون ركعة، وأن لا ينقص عن هذا العدد إلا إن أراد أن يزيد في القراءة بقدر ما ينقص من الركعات؛ ولهذا اختلف عمل السلف في الزيادة والنقصان، وعمر ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب، صلى بهم عشرين ركعة.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما صلاة التراويح أقل من العشرين فلا بأس، والصحابة، ﵃، منهم من يقل ومنهم من يكثر; والحد المحدود لا نص عليه من الشارع صحيح.
стр. 1681
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى: مسألة في الجواب عما أنكره بعض الناس من صلاتنا في العشر الأواخر من رمضان، زيادة على المعتاد في العشرين الأول، وسبب إنكارهم لذلك: غلبة العادة، والجهل بالسنة وما عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام.
فنقول: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالترغيب في قيام رمضان والحث عليه، وتأكيد ذلك في عشره الأخير، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فيقول: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " ١، وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: " فرض الله عليكم صيام رمضان، وسن لكم قيامه " ٢.
وفي الصحيحين عن عائشة، ﵂، قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر " ٣، وصلى ﷺ ليلة من رمضان جماعة في أول الشهر، وكذلك في العشر. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يقوم في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل آخر فقام أيضاً، حتى كنا رهطاً. فلما أحس أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة. ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا، فقلت له حين أصبح: فطنت لنا الليلة؟ قال: نعم، ذلك الذي حملني على ما صنعت " ٤. وعن عائشة قالت:
стр. 1682
" صلى رسول الله ﷺ في المسجد، فصلى بصلاته أناس كثير. ثم صلى من القابلة فكثروا. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: قد رأيت صنيعكم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يفرض عليكم " ١، وذلك في رمضان، أخرجاه في الصحيحين.
وفي السنن عن أبي ذر ﵁ قال: " صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل. ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة، ودعا أهله ونساءه، وقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قيل: وما الفلاح؟ قال السحور " ٢، صححه الترمذي، واحتح الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث أن فعل التراويح جماعة أفضل; وقال شيخ الإسلام تقي الدين، ﵀: وفي قوله ﷺ : " من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة " ٣ ترغيب في قيام رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة؛ وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد على عهده ﷺ ، وإقراره سنة منه ﷺ . انتهى.
فلما تقرر أن قيام رمضان، وإحياء العشر الأواخر سنة مؤكدة، وأنه في جماعة أفضل، وأنه ﷺ لم يوقت في ذلك
стр. 1683
عدداً، علمنا أنه لا توقيت في ذلك. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة " ١. وفي بعض طرق حديث حذيفة الذي فيه أنه ﷺ قرأ في ركعة: سورة البقرة والنساء وآل عمران، أنه لم يصل في تلك الليلة إلا ركعتين، وأن ذلك في رمضان.
وروي عن الصحابة، ﵃، في التراويح أنواع، واختلف العلماء في المختار منها، مع تجويزهم لفعل الجميع؛ فاختار الشافعي وأحمد عشرين ركعة، مع أن أحمد نص على أنه لا بأس بالزيادة، وقال: روي في ذلك ألوان ولم يقض فيه بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا يحصى من التراويح. واختار مالك ستاً وثلاثين ركعة. وحكى الترمذي عن بعض العلماء اختيار إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، قال: وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة; وقال إسحاق بن إبراهيم: نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب.
قال الشيخ تقي الدين: والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: عشرين ركعة، أو كمذهب مالك: ستاً وثلاثين، أو ثلاث عشرة، أو إحدى عشرة، فقد أحسن كما نص عليه أحمد لعدم التوقيت، فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره. وقد تقدم قول عائشة: " ما
стр. 1684
كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة " ١ وقولها: " كان إذا دخل العشر أحيا ليله " ٢. وفي الموطإ عن السائب بن يزيد، قال: "أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة؛ وكان القاري يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر ". وفي الموطإ عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أبي يقول: "كنا ننصرف في رمضان من القيام، فنتعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور ". وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن طاووس، قال: "سمعت ابن عباس يقول: دعاني عمر أتغدى عنده، قال أبو بكر: يعني السحور في رمضان، فسمع هيعة الناس حين خرجوا من المسجد، قال ما هي؟ قال: هيعة الناس حين خرجوا من المسجد، قال: ما بقي من الليل خير مما ذهب منه ". وروى ابن أبي شيبة عن ورقاء، قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا في رمضان، فيصلي بنا عشرين ليلة ست ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد، فصلى بنا سبع ترويحات.
فتبين بذلك، أن الصحابة والتابعين كانوا يمدون الصلاة إلى قريب طلوع الفجر؛ والظاهر من مجموع الآثار: أن هذا يكون منهم في بعض الليالي دون بعض، ويحتمل أن يكون ذلك في العشر الأواخر، لما ذكرنا من حديث أبي ذر: أن
стр. 1685
النبي ﷺ قام بهم في العشر ليلة إلى نصف الليل، وليلة إلى أن خافوا فوات السحور، ولما لم يخرج إليهم في بعض الليالي اعتذر إليهم بأنه خشي أن يفرض عليهم. فما أعظم جراءة من يقول: إن مد الصلاة في العشر إلى آخر الليل بدعة، مع ما قدمنا من الأحاديث والآثار.
قال ابن القيم، ﵀: اختلف قول الإمام أحمد في تأخير التراويح إلى آخر الليل: فعنه: إن أخروا القيام إلى آخر الليل فلا بأس، كما قال عمر، فإن الساعة التي ينامون فيها أفضل، ولأنه يحصل قيام بعد رقدة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [سورة المزمل آية: ٦] ، وروى عنه أبو داود: لأن يؤخر القيام إلى آخر الليل سنة المسلمين أحب إلي، ووجه فعل الصحابة، ويحمل قول عمر على الترغيب في صلاة آخر الليل، ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل، لا أنهم يؤخرونها. انتهى. فانظر قوله ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل، فهلا قال إن مواصلة القيام إلى آخر الليل بدعة.