← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذممِ إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدمِ فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعي أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن، هل يجتمع في قلب عبد: التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] ، وقوله: "يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئاً " ١؟ لا والله! لا والله! لا والله! إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمداً صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق. فلا والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربانِ فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة ومن فتن بها، عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة، واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عند التكفير والقتال؛ بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .

стр. 1612

فهذا بعض المعاني في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] بإجماع المفسرين كلهم؛ وقد فسرها الله سبحانه في سورة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [سورة الانفطار آية: ١] كما قدمت لك. واعلم، أرشدك الله، أن الحق لا يتبين إلا بالباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فتأمل ما ذكرت لك، ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، لعلك أن تعرف ملة أبيك إبراهيم، ودين نبيك، فتحشر معهما، ولا تصد عن الحوض يوم الدين، كما يصد عنه من صد عن طريقهما؛ ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه، كما زل عن صراطهما المستقيم في الدنيا من زل. فعليك بإدامة دعاء الفاتحة، مع حضور قلب وخوف وتضرع. وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، فالعبادة: كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل. وقدم المفعول، وهو: إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة. والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين: فالأول: التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة. فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: إياك نوحد، ومعناه: أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحداً، لا ملكاً ولا نبياً ولا غيرهما، كما قال للصحابة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .

стр. 1613

فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نسبت إلى تاج، ومحمد بن شمسان؛ فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج، وأمثاله؟ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، هذا فيه أمران: أحدهما: سؤال الإعانة من الله، كما مر أنها من نصف العبد. وأما قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] ، فهذا هو الدعاء الصريح، الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه، والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله ﷺ بعد الفتح بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة الفتح آية: ٢] . والهداية ها هنا: التوفيق والإرشاد. وليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح، على وجه الاستقامة والكمال، والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله. والصراط: الطريق الواضح، والمستقيم: الذي لا عوج فيه؛ والمراد بذلك: الدين الذي أنزله الله على رسول ﷺ ، وهو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه. وأنت في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أنه هو المستقيم، وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس

стр. 1614

بمستقيم؛ وهذه أول الواجبات من هذه الآية، وهو اعتقاد ذلك بالقلب. وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو: اعتقاد ذلك مجملاً، وتركه مفصلاً، فإن أكفر الناس من المرتدين، يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق، وأن ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٠] . وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، فالمغضوب عليهم هم: العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بغير علم؛ فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى. وكثير من الناس إذا رأى في التفسير: أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله! كيف يعلمه الله ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائماً، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله؛ هذا من ظن السوء بالله، والله أعلم. هذا آخر الفاتحة، وأما "آمين" فليست من الفاتحة، ولكنها تأمين على الدعاء، معناها: اللهم استجب. فالواجب تعليم الجاهل، لئلا يظن أنها من كلام الله.

стр. 1615

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: وأما التأمين بعد الفاتحة، فثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة في السماء تقول: آمين. فمن وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ١. ويسن للإمام والمأمومين أن يقولوها جهراً. وأجاب بعضهم: التأمين سنة مؤكدة، وصح أن رسول الله ﷺ " كان إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، يجهر بها " ٢. وصح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ٣. وأجمع العلماء، ﵏، على استحباب ذلك. سئل بعضهم: كم الواجب من القراءة في الصلاة؟ وما الدليل على ذلك؟ فأجاب: الواجب من ذلك قراءة الفاتحة لا غير، لمن قدر على تعلمها، واستدلوا على ذلك، بقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٤، أخرجه مسلم في صحيحه؛ وفيه دلالة واضحة. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن قرأ سورة مرتين في ركعة من الفرض؟ فأجاب: لا بأس به.

стр. 1616

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵏: ما يقول بين السجدتين؟ فأجاب: إذا جلس بين السجدتين، قال: رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني، واعف عني. وسئل: عن التحيات؟ فأجاب: وأما صفة التحيات، فالذي نختاره: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ " أنه كان يعلم أصحابه التشهد في الصلاة، كما يعلمهم السورة من القرآن: التحيات لله، والصلوات، والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم يصلي على النبي ﷺ وآله، ويدعو بما تيسر، ثم يسلم " ١. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: "التحيات لله "، ومن التحيات الخضوع، والركوع، والكتوف ٢، والخشوع، والدوام، والبقاء، وأمثال ذلك، "والصلوات " هي: الدعوات؛ فأولها: الشهادتان، ومنها الخوف والرجاء، والتوكل، والإنابة، والخشية، والرغبة، والرهبة، والذبح، والنذر ونحو ذلك، "والطيبات " وأولها: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 1617

المنكر، وكل عمل، كالجهاد، والنفقة، والكلام، وكل عمل تعمله لله؛ فهذا كله لا حق فيه لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهم. "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " ومعناها: تدعو بالسلامة والرحمة والبركة، ثم تدعو لنفسك وكل عبد صالح في السماوات والأرض، من الأحياء والأموات، ثم تختمها بالشهادتين. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، عن رفع اليدين إذا قام بعد التشهد الأول؟ فأجاب: هو في هذا الموضع ثابت في الصحيح، من حديث عبد الله بن عمر، وثابت أيضاً من حديث علي عند الإمام أحمد، خرجه في المسند، وكذلك هو في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، وهو أصح الروايتين عند أصحاب الإمام أحمد.

стр. 1618

فصل قال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن في أثناء جواب له: قال ابن القيم، ﵀: فصل فيما كان رسول الله ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة، وجلوسه بعدها، وسرعة انفتاله منها، وما شرعه لأمته من الأذكار، والقراءة بعدها: كان إذا سلم استغفر ثلاثاً، وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام " ١، ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانفتال إلى المأمومين. وكان ينفتل عن يمينه، وعن يساره؛ قال ابن مسعود: " رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ما ينصرف عن يساره " ٢. وقال أنس: " أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه " ٣، والأول في الصحيحين، والثاني في مسلم. وقال عبد الله بن عمر: " رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن يمينه، وعن يساره في الصلاة. ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه، ولا يخص ناحية منهم دون ناحية " ٤. " وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس " ٥. " وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " ٦. وكان يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له

стр. 1619

الملك وله الحمد، وهو كل على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ١. وذكر أبو داود عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ " إذا سلم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت " ٢. وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم: " كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك. اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك. اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة. اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة. يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب. الله أكبر. الله أكبر. الله نور السماوات والأرض. الله أكبر. الله أكبر. حسبي الله ونعم الوكيل. الله أكبر الأكبر " ٣، رواه أبو داود. وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة: "سبحان الله" ثلاثاً وثلاثين، و"الحمد لله" ثلاثاً وثلاثين، و"الله أكبر" كذلك، وتمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك

стр. 1620

له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". وفي صفة أخرى: " التكبير" أربعاً وثلاثين، فتتم المائة. وفي صفة أخرى: خمساً وعشرين تسبحية، ومثلها تحميداً، ومثلها تكبيراً، ومثلها "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". وفي صفة أخرى: عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات. وفي السنن من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه ذلك اليوم إلا الشرك بالله " ١، قال الترمذي: حديث صحيح. وذكر أبو حاتم في صحيحه: " أن النبي ﷺ يقول عند انصرافه من صلاته: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي. اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك. لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " ٢. وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب، قال: "ما صليت وراء نبيكم ﷺ إلا سمعته حين ينصرف من صلاته

стр. 1621

يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها. اللهم أنعشني وأحيني وارزقني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها إلا أنت، ولا يصرف سيئها إلا أنت ". وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار. وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جواراً من النار " ١. وقد ذكر النسائي في السنن الكبير، من حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت "، تفرد به محمد بن حمير، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة; ورواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن حمير، وهذا الحديث من الناس من صححه، ومنهم من يقول: هو موضوع، وأدخله ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات، وتعلق على محمد بن حمير، وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يحتج به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوى; وأنكر ذلك بعض الحفاظ، ووثقوا محمداً، وقد احتج به البخاري، ووثقه يحيى بن معين; وقد رواه الطبراني في معجمه أيضاً، من حديث عبد الله بن حسن، عن أبيه عن جده، قال: قال

стр. 1622

رسول الله ﷺ : " من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى ". وقد روي هذا الحديث من حديث عبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ﵃؛ وفي كلها ضعف، ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها، دل على أن الحديث له أصل، وليس بموضوع. وفي المسند والسنن عن عقبة بن عامر، قال: " أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة " ١، ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم; ولفظ الترمذي "بالمعوذتين". وفي معجم الطبراني، ومسند أبي يعلى، من حديث عمر بن نبهان - وقد تكلم فيه - عن جابر يرفعه: " ثلاث من جاء بهن مع الإيمان، دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدى ديناً خفياً، وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد ". وقال أبو بكر: وإحداهن يا رسول الله؟ قال: "وإحداهن ". وأوصى معاذاً أن يقول في دبر كل صلاة: " اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " ٢. وأجاب الشيخ سليمان بن سحمان: قد رأيت ورقة لا أعرف من قالها، ولكن لما كان في نقله ما يشعر برد

стр. 1623

النصوص الواردة في الجهر بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، وسمى هذه المتروكة تشويشاً على الناس، وجعلها من البدع والمحدثات، فيقال لهذا الجاهل: ليس ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ مما سنه رسول الله ﷺ من الجهر بالذكر بعد المكتوبة تشويشاً على الناس؛ بل هذا القول هو التشويش على الناس والتلبيس عليهم، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المنكرات، لأن ذلك دفع في نحر النصوص، ورد لها بالتمويه والسفسطة، والقول بلا علم، وقلب للحقائق؛ فإن هذا القول لا يقوله من في قلبه تعظيم للنصوص وتوقير لها. وهذه السنة الواردة في الجهر بالذكر عقب الفرائض، قد انقسم الناس فيها في هذه الأزمان على ثلاثة أصناف: طرفان، ووسط: الأول: يلزمون الناس بها، ويغلظون في ذلك، ويعادون ويوالون على ذلك؛ ومن تركها فليس عندهم من أهل السنة. والثاني: من لا يرى سنيتها، وبعضهم يقول: إنها من البدع، ويرون أن الفاعل لها مشوش على الناس، وبعضهم يدخل هذا الجهر في مسمى الرياء. والثالث: - وهم الوسط -، فهم يقولون: ثبت ذلك عن النبي ﷺ من فعله وتقريره؛ فكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك، فعلموه بتعليم الرسول إياهم، وعملوا به، وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به، ولم ينكره عليهم. ثم ترك العمل به كما ترك

стр. 1624

العمل بكثير من سنن الأقوال والأفعال. وهذا الصنف من الناس يقولون: من فعله فقد أحسن، وفعل سنة يثاب عليها، ومن لا فلا حرج عليه ولا إثم، ولا عقاب على من ترك ذلك، لأنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، وينكرون على من أنكره، يخبرون بأنه سنة. إذا عرفت هذا، فما نقله عن ابن كثير أنه قد استحبه طائفة، كابن حزم وغيره فهو كذلك؛ وقد نقل صاحب الإقناع استحبابه عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وعن طائفة من أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، كما ذكر ذلك في المغني والشرح الكبير وغيرهما، وهو الحق والصواب، وعليه تدل السنة، وعمل الصحابة، ﵃. وهذا الرجل وأحزابه لا يعرفون إلا ما ألفوه من العادات، فينكرون ما ثبت النص به في الجهر بالذكر عقب الصلاة، لأنهم ما ألفوا ذلك ولا اعتادوه، ويجهرون بالتهليلات العشر بعد صلاة المغرب والفجر؛ ولم يرد في تخصيصها بالجهر بذلك حديث عن النبي ﷺ . انتهى ملخصاً. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر، ﵀: فأما السؤال عن التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، إذا كان قد ثبت في الأحاديث من قال: قبل أن ينصرف، وفي لفظ دبر المغرب والصبح " لا إله إلا الله وحده لا شريك له " إلخ، وهو الذي يفعله الناس اليوم من الجهر، هل كان من هديه صلى الله عليه وسلم

стр. 1625

وفعله أصحابه والتابعون؟ وما أصل هذه التهليلات العشر؟ فهذا ما أشار إليه السائل من الأحاديث الواردة فيه، فروى الترمذي في سننه حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال دبر صلاة الصبح، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات " ١ الحديث. وروى الترمذي والنسائي في اليوم والليلة، من حديث عمارة بن شبيب مرفوعاً: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، على أثر المغرب، بعث الله له مسلحة يحفظونه حتى يصبح " ٢ الحديث، قال الترمذي: غريب. فهذان الحديثان هما أصل التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، وهما حجة على استحباب هذه التهليلات؛ ولهذا استحبها العلماء، وذكروها في الأذكار المستحبة دبر الصلاة، وأن المصلي يهلل بهن دبر صلاة الفجر، وصلاة المغرب. وأما قول السائل: هل هذا من هديه ﷺ وفعله أصحابه؟ فهذا لم يبلغنا من فعله ﷺ ، والذي ثبت عنه الترغيب في ذلك وترتيب الأجر العظيم على فعله، وذلك كاف

стр. 1626

في استحبابه؛ وهذا له نظائر في السنة، فإذا وردت الأحاديث بالحث على شيء من العبادات، ورغب فيه الشارع، ثبت أنها مستحبة وإن لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعلهما؛ ومن تأمل الأحاديث عرف ذلك، وليس في هذا اختلاف بين العلماء، وإنما الخلاف بينهم في استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة، لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، ﵄: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد رسول الله ﷺ ؛ قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك - يعني بالجهر -؛ ولهذا اختلف العلماء: هل الأفضل الإسرار، كما هو المشهور عند أتباع الأئمة؟ أم الجهر أفضل، لهذا الحديث الصحيح؟ قال في الفروع: وهل يستحب الجهر لذلك؟ كقول بعض السلف والخلف، قاله شيخنا، أم لا؟ كما ذكره أبو الحسن ابن بطال وجماعة، أنه قول أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم؛ وظاهر كلام أصحابنا مختلف، ويتوجه تخريج واحتمال: يجهر لقصد التعليم فقط، ثم يتركه وفاقا للشافعي، وحمل الشافعي خبر ابن عباس، ﵄، على هذا. انتهى كلامه. فهذا الاختلاف في استحباب الجهر بعد الصلوات بالأذكار الواردة من حيث الجملة; وحديث ابن عباس دليل على الاستحباب. وأما تخصيص هذه التهليلات بالجهر دون

стр. 1627

غيرها من الأذكار، فلم نعلم له أصلاً، ولكن لما أثبت ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ صح الاستدلال به على رفع الصوت بالتهليلات، إذ هو من جملة الأذكار الواردة؛ فمن رفع صوته بذلك لم ينكر عليه، بل يقال رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة مستحب، ومن أسر لم ينكر عليه، لأن ذلك من مسائل الاختلاف بين العلماء، وكل منهم قد قال باجتهاده، ﵃ أجمعين. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: الأصل فيها أحاديث كثيرة، منها قوله في الحصن: ودبر المغرب والصبح جميعاً: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " ١، رواه في معجم الطبراني الصغير، وفي عمل اليوم والليلة لابن السني. وفي مشكاة المصابيح عن عبد الله بن غنم، عن النبي ﷺ قال: " من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له بكل واحدة عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزاً من كل مكروه، وحرزاً من الشيطان الرجيم، ولم يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملاً، إلا رجل يفضله بقول أفضل مما قال " ٢، رواه أحمد، ورواه الترمذي بنحوه عن أبي ذر، إلى قوله: "إلا

стр. 1628

الشرك "، ولم يذكر صلاة المغرب، ولا "بيده الخير "، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال في الإقناع: ويستحب بعد كل من الصبح والمغرب، قبل أن يتكلم: عشر مرات " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير ". وقال النووي في الأذكار: عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه، قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرز من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله " ١، قال الترمذي: هذا حديث حسن; وذكر في الأذكار بعد المغرب قريباً من ذلك. انتهى. وأما اجتماع الإمام والمأموم على التهليلات العشر والجهر بهن، فلم نقف على كلام أحد من العلماء أن السلف فعلوه، لكن الناس تلقوه بالقبول وعملوا به؛ وفوق كل ذي علم عليم، والله أعلم. وأما الجهر بالذكر بعد الصلوات، فعن ابن عباس: "كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير ". وعن عبد الله بن الزبير قال: " كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا

стр. 1629

شريك له، له الملك وله الحمد " ١ إلى قوله: " مخلصين له الدين ولو كره الكافرون "، رواه مسلم. وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: يستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة. انتهى. وقال في المبدع - لما ذكر استحباب الذكر عقب الصلاة -: ويستحب الجهر بذلك; وحكى ابن بطال عن أهل المذاهب المتبوعة خلافه، وكلام أصحابنا مختلف، قاله في الفروع، قال: ويتوجه لقصد التعليم فقط، ثم يتركه. انتهى. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما الجهر بالتهليل بعد الصبح والمغرب فلا علمت أنه ورد شيء يخصه، وإنما اختلف العلماء في الجهر بالذكر المشروع بعد الصلوات، ولم يخصوا ذكراً دون ذكر. وسئل بعضهم عن قول عائشة، ﵂، في قوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١١٠] ، نزلت في الدعاء، ما معنى: تنْزيل لفظ الآية على دعاء الله؟ مع أن إخفاء الدعاء أفضل، والذي نفهم في معنى الآية كلام ابن عباس: أنها نزلت في قراءة النبي ﷺ في الصلاة بأصحابه، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ... الحديث؟ فأجاب: كلام ابن عباس، ﵄، هو الذي عليه

стр. 1630

جمهور العلماء، أن النزول كان بسبب جهر النبي ﷺ بقراءته في صلاته، فنهاه الله بهذه الآية عن الجهر بالقراءة في صلاته، لئلا يسمعه كفار قريش فيسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، ولا يخافت به مخافتة لا يسمع بها نفسه، بل يكون بين ذلك بحيث يسمع نفسه؛ هكذا قال ابن عباس وموافقوه من العلماء. وقالت عائشة، ﵂: إنها نزلت في الدعاء الذي هو الصلاة اللغوية لا الشرعية، وهذا الدعاء داخل في الشرعية، ولكن لم تنْزل هذه الآية إلا بسبب الدعاء، فلا يجهر به جهراً مسمعاً خارجاً عن العادة، ولا يخافت به مخافتة لا يسمعه، بل يكون بين ذلك؛ وكلا المعنيين حق، فإن النبي ﷺ كان يسمع بالقراءة حتى نهاه الله عن السماع الجهري، وكذلك دعاء الله لا يجهر به جهرا مسمعاً، بل يخفيه إخفاء بحيث يسمع نفسه، كبقية الذكر الذي في الصلاة وغيرها. وليس المقصود من أفضلية إخفاء الدعاء أنه لا يسمع نفسه، هذا المعنى لم يعنه أحد، وقد قال تعالى في الذكر الذي هو أعم من القرآن والدعاء وغيرهما: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٠٥] ، قال العلماء: معناه: سراً، بحيث تسمع نفسك، ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٠٥] ، فدلنا ذلك على أن الأمر في الدعاء الوسط، وهو بقدر ما يسمع الداعي نفسه، ما لم يكن الداعي

стр. 1631

إماماً قانتاً، والمأمومون يؤمنون خلفه، فإنه يجهر بحيث يسمع من خلفه كما جاء فيه الأثر. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل الذكر بالقلب أفضل أم باللسان؟ فأجاب: وأما الذكر فهو بالقلب واللسان أفضل، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، لأنه أبعد عن الرياء، ولأنه يحدث منه من المعرفة والمحبة والرجاء والخوف والمراقبة والتعظيم وغير ذلك ما لا يحدث من اللسان وحده؛ فنتيجة الذكر بالقلب أعظم من نتيجتها باللسان، ويكتب له أجر ذلك بلا خلاف. وأما هذا الأثر عن عائشة، ﵂، فلم أجده كما ذكر السائل، وإنما الحديث عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " يفضل الذكر الخفي الذي لا تسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفاً "، رواه ابن أبي الدنيا. وروى أيضاً بإسناده قال: "قال الحجاج بن دينار: سألت أبا معشر عن الرجل يذكر ربه في نفسه، كيف تكتبه الملائكة؟ قال يجدون الريح ". وروى أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: " خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي " ١. وأما قول السائل: أيما أفضل: الصلاة أو قراءة القرآن؟ فهذا الفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادات: فجنس

стр. 1632

الصلاة أفضل من جنس القراءة، لأن الصلاة مشتملة عليه، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. وتارة يختلف باختلاف الأوقات: كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر، مشروع دون الصلاة، فهو أفضل، وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر: فالذكر والدعاء في الركوع والسجود، هو المشروع دون القراءة. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، رحمهم الله تعالى: عن الدعاء بعد المكتوبة، ورفع الأيدي؟ فأجاب: وأما الدعاء بعد المكتوبة ورفع الأيدي، فليس من السنة، وقد أنكره شيخ الإسلام بن تيمية، ﵀، لعدم وروده على هذا الوجه. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: الدعاء بعد الفرائض إن فعله إنسان بينه وبين الله فحسن، وأما رفع الأيدي في هذه الحال فلم يرد عن النبي ﷺ ، وخير الهدي هديه ﷺ ، ومثل هذا ما أرى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: رفع اليدين عند الدعاء، فيه أحاديث كثيرة، ولا ينكره إلا جاهل، وذكر جمع السيوطي، ثم قال: وذكر ابن حجر أن رفع اليدين في الدعاء سنة في غير الصلاة، وفيها في القنوت; وقد ذكر ابن رجب

стр. 1633

في شرح الأربعين، في صفة رفع اليدين أنواعاً متعددة. انتهى. ثم قال: فأما دعاء الإمام والمأمومين، ورفع أيديهم جميعاً بعد الصلاة، فلم نر للفقهاء فيه كلاماً موثوقاً به؛ قال الشيخ تقي الدين: ولم ينقل أنه ﷺ كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام، بل يذكرون الله كما جاء في الأحاديث. انتهى ملخصاً. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن: وأما رفع اليدين بالدعاء في الصلاة، فالذي ثبت عنه ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا اجتهد في الدعاء، وليس ذلك من الأفعال المتعلقة بالصلاة، كما يظنه بعض من لم يعرف السنة، فإنه لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه ملازمة ذلك وفعله عقب كل صلاة. وأجاب الشيخ صالح بن محمد الشثري: اعلم أن هذه الصفة لم يفعلها ﷺ ، ولا أحد من أصحابه، ولا التابعون بعدهم، ولم تنقل عمن يوثق به من الفقهاء؛ وقد أكمل الله الدين على لسان سيد المرسلين قولاً منه وفعلاً؛ وقد ذكر شيخ الإسلام أنها بدعة، وبذلك أفتى مشائخنا النجديون، منهم الشيخ عبد الله أبا بطين وغيره، ولا يخفى أنهم يحرصون على التماس السنة وسلوكها، ولا يتنطعون كما يفعله الجاهلون من تضييع السنة المأثورة، وارتكاب البدع المحظورة. والعبادة مبناها على الأمر، فلا تصح عبادة إلا بأمره ﷺ أو فعله أو

стр. 1634

تقريره، وكل هذه مفقودة في المسألة المسؤول عنها. وأما رفع اليدين في الجملة، فقد ثبت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، ذكر منها السيوطي نيفاً وأربعين موضعاً من قوله وفعله، وذكر ابن رجب جملة، وذكر اختلافهم في صفة الرفع؛ فينبغي للمسلم أن يقتدي بالسلف الصالح وإن خالفه الأكثرون. وأجاب الشيخ سليمان بن سحمان: وأما الدعاء بعد المكتوبة، فإن كان بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة من الأذكار، من غير رفع اليدين، كما ورد في الصحيحين وغيرهما من الكتب، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يمنعه، ولا أحد من أتباعه، ولا أحد من أهل الحديث، وإن كان الدعاء بغير الألفاظ المأثورة كما يفعله بعض الناس اليوم، فقال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، لما سئل عن ذلك: لم يكن النبي ﷺ يدعو هو ولا المأمومون عقب الصلوات الخمس، كما يفعله الناس عقب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عما روي: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وما روي عن علي مرفوعاً: من قرأ آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ... إلخ.

стр. 1635

فأجاب: وأما الأحاديث الواردة في فضل آية الكرسي، فمنها ما هو صحيح ثابت، ومنها ما ليس بصحيح، والظاهر أن الحديث الذي فيه: أن الله يتولى قبض روح من قرأها دبر كل صلاة، لا يصح، وكذلك الحديث المروي عن علي ﵁: من قرأ آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ... إلخ، الظاهر عدم صحته. وروى النسائي وابن حبان عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت "، قال ابن القيم: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها بعد كل صلاة إلا نسياناً، ونحوه. وقال شيخنا - أبو الحجاج المزي -: إسناده على شرط البخاري. قال ابن كثير: وروى ابن مردويه من حديث علي وجابر والمغيرة نحو ذلك، وفي أسانيدها ضعف. وسئل الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم، ابنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان: عن المداومة على قراءة آية الكرسي؟ فأجابوا: أما مداومة قراءة آية الكرسي للإمام والمأموم خفية، فقد أجاب على هذه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فقال: قد روي في قراءة آية الكرسي عقب الصلاة حديث، لكنه ضعيف، ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها، فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعي، وأما إذا

стр. 1636

قرأها الإمام في نفسه، أو أحد المأمومين، فهذا لا بأس به. انتهى. فصل قال الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: وأما أحزاب العلماء المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها، والمواظبة عليها؛ فإن الأذكار، والصلاة على النبي ﷺ ، والاستغفار، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، مطلوب شرعاً; والمعتني به مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثواباً، لكن على الوجه المشروع، من دون تنطع ولا تغيير ولا تحريف؛ وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٠] . ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار، فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق. وسئل: هل تجزئ قراءة الورد بعد الصبح قبل الصلاة؟ وأيما قراءة القرآن أو الورد تلك الساعة أحسن؟ وقول: لا تكفيه قراءة الورد قبل الصلاة، هل له أصل؟ فأجاب: قراءة الورد بعد الصبح وقبل الصلاة إذا تأخر الإمام، حسن إن شاء الله تعالى، وكاف؛ فإن قرأ القرآن في تلك الساعة، وقرأ ورده بعد الصلاة فهو حسن أيضاً. والقول بأن قراءة الورد قبل صلاة الفجر لا تكفي، لا أعلم له أصلاً.

стр. 1637

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن استدبار القبلة وقت الدرس؟ وهل يفرق بين الإمام والمأموم؟ وهل يجب التحلق له؟ فأجاب: أما الجلوس مستدبر القبلة وقت الدرس، فلا علمت فيه بأساً، وسواء في ذلك الذي يذكر الناس أو غيره، واستدل العلماء على ذلك: بأن النبي ﷺ رأى إبراهيم ﵇ ليلة أسرى به، وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور; ولكن الأفضل: جلوس الإنسان مستقبل القبلة، إذا كان في عمل صالح، ومن استدبرها لم ينكر عليه. وأما التحلق للدرس فهو أفضل، اقتداء بالسلف الصالح، وأما إذا وقعت المذاكرة في رمضان وقت قيام الليل، وجلسوا في الصف على هيئتهم إذا جلسوا للصلاة، وهم يسمعون القارئ، والمذكر، فهذا أحسن وإن لم يتحلقوا. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن حديث: " الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه " ١، هل إذا تحول من مجلسه إلى موضع آخر في المسجد يحصل له ذلك؟ فأجاب: الذي يظهر أن حكم المسجد الذي صلى فيه، حكم موضع صلاته.

стр. 1638

فصل سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن رأى قدامه فرجة ... إلخ؟ فأجاب: إذا رأى المصلي بين يديه فرجة في الصلاة، فأرى أنه لا بأس بسدها; وأما إذا كان من صف إلى صف، ثم إلى آخر، كما يفعل بعض الناس، فأخاف أنه يبطل الصلاة إذا كثر وكان متوالياً; وإن كان من صف إلى صف، ولو لم يسدها غيره، فلزوم مكانه أحب إلي. سئل الشيخ عبد الله العنقري: إذا سها الإمام ثم نبه، ولم يدر ما حالته، هل للمأموم أن يفتح عليه بآية من القرآن؟ فأجاب: أما الفتح على الإمام في حال سهوه بشيء من القرآن، إذا لم يمكنه تفهيمه إلا بذلك، فالظاهر أنه لا بأس به. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن السترة للمأموم في الصلاة؟ فأجاب: ذكر العلماء أن المأموم لا يستحب له اتخاذ السترة، وإنما اتخاذها مسنون للإمام والمنفرد؛ وكذلك يسن القرب منها بقدر ثلاثة أذرع من قدميه إليها. واتخاذ السترة سنة لا واجب، فإن مر بين يدي الإمام ما يبطل مروره الصلاة، كالكلب والحمار، بطلت صلاته، وصلاة المأمومين، وإن

стр. 1639

مر بين يديه ما لا يبطلها، كمرور الرجل لزمه دفعه، فإن لم يفعل فالإثم عليه. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل الحكم مقيد بالأَسْوَد؟ فأجاب: المسألة فيها روايتان، والأظهر منهما الاقتصار على ما نص عليه الشارع ﷺ . سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن السؤال عند آية الرحمة في الفريضة، وكذلك الاستعاذة عند آية الوعيد؟ فأجاب: هذا جائز في النافلة باتفاق العلماء، وأما في الفريضة فكثير من علماء الحنابلة منعه، وقال: إنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعله؛ فيقصر الحكم على ما تناوله النص. وقال الموفق، ﵀: يجوز ذلك في الفريضة، لأن الأصل المساواة، ما لم يقم دليل الخصوصية وهو قوي، يؤيده قوله ﷺ في التشهد الأخير: " وليتخير من الدعاء ما شاء " ١، وهذا عام في الفريضة والنافلة، وعدم فعله في الفريضة خروج من خلاف العلماء، ومن فعل فقد استند إلى دليل.

стр. 1640

فصل أركان الصلاة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليمتان. وله أيضاً نحوه، إلا أنه قال: والتسليمة الأولى. الركن الأول: القيام مع القدرة، والدليل: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] . الثاني: تكبيرة الإحرام، والدليل: الحديث: " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " ١، وبعدها الاستفتاح، وهو سنة، قول: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك " ٢. ومعنى "سبحانك اللهم " أي: أنزهك التنزيه اللائق بجلالك، "وبحمدك " أي: ثناء عليك، "وتبارك اسمك " أي: البركة لا تنال إلا بذكرك، "وتعالى جدك " أي: جلت عظمتك، "ولا إله غيرك " أي: لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " معنى أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا الله، "من الشيطان الرجيم ": المطرود المبعد عن رحمة الله، لا يضرني في ديني ولا في دنياي. وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، كما في الحديث: " لا

стр. 1641

صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ١، وهي أم القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ١] : بركة واستعانة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد؛ وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه فالثناء به يسمى مدحاً لا حمداً. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : الرب هو المعبود الخالق الرازق المالك المتصرف، مربي جميع الخلق بالنعم. ﴿الْعَالَمِينَ﴾ : كل ما سوى الله عالم، وهو رب الجميع. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ : رحمة عامة لجميع المخلوقات. ﴿الرَّحِيمِ﴾ : رحمة خاصة بالمؤمنين، والدليل: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٣] . ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] : يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والدليل: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٧-١٩] ، والحديث عنه ﷺ : " الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " ٢. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] أي: لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وربه أن لا يعبد إلا إياه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : عهد بين العبد وبين ربه أن لا يستعين بأحد سواه. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] : معنى اهدنا: دلنا وأرشدنا وثبتنا، والصراط: الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن؛ والكل حق. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] : طريق المنعم عليهم، والدليل:

стр. 1642

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٩] . ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] : وهم اليهود معهم علم ولا عملوا به؛ تسأل الله أن يجنبك طريقهم. ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ : وهم النصارى يعبدون الله على جهل وضلال؛ تسأل الله أن يجنبك طريقهم. ودليل الضالين: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] ، والحديث عنه ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١، أخرجاه. الحديث الثاني: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار، إلا واحدة. قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ". والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والدليل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحج آية: ٧٧] ، والحديث عنه ﷺ : " أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم " ٢، والطمأنينة في

стр. 1643

جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان، والدليل: حديث المسيء عن أبي هريرة ﵁ قال: " بينما نحن عند النبي ﷺ إذ دخل رجل فصلى، فسلم على النبي ﷺ ، فقال: ارجع فصلِّ، فإنك لم تصل. فعلها ثلاثاً. ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " ١. والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبرائيل وميكائيل، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا: السلام على الله من عباده، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " ٢. ومعنى "التحيات ": جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل الانحناء والركوع والسجود، والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله؛ فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر. "والصلوات " معناها: جميع الدعوات;

стр. 1644

وقيل: الصلوات الخمس، "والطيبات ": الله طيب ولا يقبل من الأعمال إلا طيبها. " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " ١: تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة ورفع الدرجة؛ فالذي يدعى له لا يدعى مع الله. "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ٢: تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح من أهل السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يُدعون مع الله. " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " ٣: تشهد شهادة اليقين ألا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلا الله; وشهادة أن محمداً رسول الله: بأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يُكَذَّب، بل يطاع ويُتَّبَع، شرفه الله بالعبودية والرسالة؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿َبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ١] . "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " ٤: الصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية، قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى; وقيل: الرحمة; والصواب الأول; ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، وبارِك وما بعدها: سنن أقوال وأفعال.

стр. 1645

وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: اعلم أن أركان الصلاة المعمول بها عندنا ثلاثة عشر: الأول: القيام مع القدرة، بإجماع أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] . الثاني: تكبيرة الإحرام، واستدلوا عليه بقوله ﵇: " تحريمها التكبير "، وبقوله في حديث المسيء في صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " ١. الثالث: قراءة الفاتحة لمن يقدر على تعلمها، لقوله ﵇: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٢، وأما العاجز عن تعلمها فيقرأ ما تيسر معه من القرآن، أو يذكر بالتهليل والتكبير والتحميد. الرابع: الركوع حتى يطمئن راكعاً، لحديث المسيء في صلاته، وفيه: " ثم اركع حتى تطمئن راكعا " ٣. الخامس: الاعتدال من الركوع حتى يطمئن قائماً، ويقيم صلبه، لقوله ﵇ في حديث المسيء في صلاته: " ثم ارفع حتى تعتدل قائماً " ٤. السادس: السجود حتى يطمئن ساجداً، لقوله في حديث المسيء في صلاته: " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا " ٥. السابع: الاعتدال من السجود حتى يطمئن جالساً. الثامن: السجدة حتى يطمئن ساجداً. التاسع: قراءة التشهد الأخير إلى قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله "، لما جاء في حديث ابن مسعود: " كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ... ".

стр. 1646

العاشر: الجلوس حتى يفرغ. الحادي عشر: الترتيب على ما ذكر الله ورسوله. الثاني عشر: الطمأنينة في جميع أحوال الصلاة. الثالث عشر: التسليم، لقوله ﵇: " وتحليلها التسليم " ١. واعلم: أن أكثر هذه الأركان قد تضمنها حديث المسيء في صلاته، وهو ما ثبت في الصحيحين والسنن، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً دخل المسجد ثم صلى، ورسول الله ﷺ جالس، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له: " ارجع فصل فإنك لم تصل " ٢. فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇، ثم قال: " ارجع فصل فإنك لم تصل " ٣، فعل ذلك ثلاثاً. ثم قال في الثالثة: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ًثم اجلس حتى تطمئن جالساً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " ٤. قال العلماء: فدل على أن الطمأنينة في هذا الحديث لا تسقط بحال، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي الجاهل.

стр. 1647

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: " سبحان ربي العظيم " في الركوع، وقول: " سمع الله لمن حمده " للإمام والمنفرد، وقول: " ربنا ولك الحمد " للكل، وقول: " سبحان ربي الأعلى " في السجود، وقول: " رب اغفر لي " بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له. وله أيضاً نحوه، إلا أنه قال: السادس: قول: "رب اغفر لي" بين السجدتين. السابع: التشهد الأول، لأنه ﵇ فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. الثامن: الجلوس. فالأركان ما سقط منها سهواً أو عمداً بطلت الصلاة بتركه، والواجبات ما سقط منها عمداً بطلت الصلاة بتركه، وسهواً جبره بسجود السهو، والله أعلم. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵀: عن قول صاحب التنقيح في واجبات الصلاة: وركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً فركن وسنة؟ فأجاب: المأموم إذا لم يدرك الإمام إلا في ركوعه، فإنه يكبر معه للإحرام، ثم يركع معه، لأن تكبيرة الإحرام ركن مطلقاً، وتكبيرة الركوع في هذا الحال سنة لا واجب، للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام؛ ووجهه: أنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع، وفيما سوى هذه الصورة تكبيرة الإحرام واجبة، وهنا ليس إلا ركن وسنة فقط.

стр. 1648

باب سجود السهو وسئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: عمن يقرأ في الركعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهياً ... إلخ؟ فأجاب: الذي يقرأ في الركعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهياً فلا سجود عليه. سئل بعضهم: عن الإمام والمنفرد، إذا صلى على النبي ﷺ في التشهد الأول، يسجد للسهو؟ فأجاب: هذا ذكر مشروع في غير محله، فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يشرع له سجود سهو، والثانية: يشرع للعموم، ومن لم يسجد له فصلاته صحيحة. وسئل: إذا شرعا في السريات جهرا أو أسرا في محل جهر، هل يتمان على قراءتهما ... إلخ؟ فأجاب: يبتدئ من محل منتهى قراءته، ولا يستأنف القراءة، والمختار أنه ليس عليه سجود سهو، لأن الجهر والإسرار من سنن الصلاة، فإن سجد في هذه والتي قبلها فلا بأس، للعموم.

стр. 1649

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن سلم من اثنتين من المغرب ... إلخ؟ فأجاب: إذا سلم الإمام من اثنتين من المغرب ثم ذكر، قام إلى الثالثة بتكبيرة الانتقال، وإذا سلم من ثلاث من الرباعية ثم ذكر، فإنه يقوم للرابعة بلا تكبير. وسئل: عمن سلم عن نقص فتكلم لمصلحتها، هل تبطل أم لا؟ فأجاب: إذا سلم الإمام عن نقص سهواً، ثم تكلم في تلك الحال بكلام لمصلحة الصلاة، فالصحيح أن صلاته لا تبطل في رواية مشهورة عن أحمد، اختارها جماعة من أصحابه وفاقاً للشافعي. سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا سلم المأموم قبل إمامه ... إلخ؟ فأجاب: إذا سلم المأموم قبل سلام إمامه لم تبطل، رواية واحدة، قاله في المغني، فإذا ذكر قريباً أتمها وسجد للسهو إن كان إماماً. وإن كان مأموماً، يحمل الإمام سهوه كهذه المسألة، لأن صلاته تمت ولم يبق عليه إلا متابعة إمامه في السلام، فصلاته حينئذ صحيحة. وسئل: إذا تكلم المصلي في نفس الصلاة، أو تنحنح؟

стр. 1650

فأجاب: إن تكلم فيها عمداً لغير مصلحتها بطلت بالإجماع، وإن تكلم فيها ناسياً أو جاهلاً بتحريمه، لم تبطل في إحدى الروايتين عن أحمد؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في صلاته ولم يأمره بالإعادة. وكذلك إن تنحنح لم تبطل، وقيل إن بان حرفان بطلت. انتهى. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: مبطلات الصلاة ثمانية: الكلام العمد، والضحك، والأكل، والشرب، وكشف العورة، والانحراف عن جهة القبلة، والعبث الكثير، وحدوث النجاسة. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا سلم المأموم عن نقص، وقام مسبوق لقضاء ما فاته، ثم نبه الإمام ... إلخ؟ فاجاب: قد ذكر العلماء مسألة تشبه هذه، وهي: ما إذا فارق المأموم الإمام لعذر، أبيح له ذلك، ثم زال عذره بعد مفارقة الإمام، فالمذهب: أنه يخير بين الدخول مع الإمام، وبين إتمام صلاته وحده، إلا صاحب التلخيص، فقال: يلزمه الدخول مع الإمام لزوال عذره. سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا ترك الإمام ركناً من أركان الصلاة ولم يعلم به المأموم فأتى به، ثم بعد
следующие страницы →