واشتغلوا بالدفع عن أنفسهم وبلادهم وذراريهم، يجمعون ولا يقصرون.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الجمع للنساء في البيوت ... إلخ؟
فأجاب: الجمع للنساء في البيوت إذا وجد مطر يبل الثياب، ويوجد معه مشقة وريح شديدة، ما أرى الفتيا بجوازه، لأنهن لا جماعة عليهن.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عمن نوى جمع تأخير حيث يجوز له الجمع، فدخل وقت الثانية قبل أن يصلوا إلى الماء ... إلخ؟
فأجاب: أما الذين نووا جمع تأخير فدخل وقت الثانية قبل أن يصلوا إلى الماء، فالأفضل في حقهم أن يؤخروا الصلاة إلى الماء، ما لم يدخل وقت الضرورة، فإن صلوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصلاة بالتيمم، ولا إعادة عليهم; ووقت الاختيار للثانية وقت للأولى، في حق من يجوز له الجمع إذا نواه.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: له أن يؤخر الأولى جمعاً مع الثانية، لجواز الجمع للمسافر مطلقاً تحقق وجود الماء، أو ظنه في وقت الثانية أم لا، على المشهور في مذهب أحمد؛ بل حكى في الفروع عن
стр. 1752
بعضهم: أن الجمع في السفر في وقت الثانية أفضل، وأنه مذهب الشافعي. وقال المنقح في تصحيح الفروع: جزم به في الهداية والخلاصة، وقال ابن تميم: نص عليه. انتهى. وقال أبو العباس في المسألة المسماة بتيسير العبادات: الجمع بين الصلاتين بطهارة كاملة خير من أن يفرق بين الصلاتين بتيمم، والجمع بين الصلاتين مشروع لحاجة دنيوية، فلأن يكون مشروعاً لتكميل الصلاة أولى؛ والجامع بين الصلاتين مصل في الوقت. وقال في موضع آخر: الجمع بين الصلاتين يصير الوقتين وقتاً لهما، وقاله في الإنصاف وغيره.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عن جمع حافري القليب؟
فأجاب: أما تأخير الظهر إلى أول وقت العصر لحافري القليب، فذكر الفقهاء أنه يجوز للعذر والشغل، وهذا من الشغل، والله أعلم.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقرى: إن أمكنت الصلاة في بطن البئر فلا بأس بذلك، وإن لم تمكن وصار الحال كما ذكر من وجود الضرر بمشقة الخروج، أو فوات المقصود برجوع الماء، وعدم إخراج حفير البئر، فتؤخر الصلاة إلى آخر وقت الظهر، ثم يصليها إذا خرج في آخر وقتها؛ ووقت الظهر يمتد إلى دخول وقت العصر.
سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: هل يجوز
стр. 1753
الجمع بين الصلاتين لغير عذر، لحديث ابن عباس المخرج في صحيح مسلم؟
فأجاب: ذكر العلماء في تأويله وجوهاً، منها: أنه ﷺ أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها؛ وهذا جائز عند كثير من أهل العلم، إذا لم يتخذ عادة.
ومنها: أنه محمول على أنه فعل ذلك لأجل مشقة الوحل، وقال بهذا كثير من العلماء أنه يجوز الجمع لأجل المشقة بالوحل وغيره، كالمرض. ومنها: أن ذلك منسوخ بالمواقيت، التي دوام عليها رسول الله ﷺ وأهل العلم، إنما يأخذون بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ كما قال جابر ﵁: " كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : ترك الوضوء مما مست النار "، ولهذا قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به، إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر؛ فإذا أجمع العلماء على ترك العمل بظاهره، فهو دليل على أنه منسوخ، وإن لم يعلم الناسخ بعينه، ولو لم يكن فيه إلا أن آخر فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين على عدم فعل ذلك بلا عذر من الأعذار المبيحة للجمع.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن إعلام الإمام بنية الجمع؟
стр. 1754
فأجاب: وأما قول الإمام إذا نوى الجمع بين الصلاتين ... فأرجو أنه لا بأس أن يعلمهم أنه ناو الجمع؛ ولم أسمع في ذلك شيئاً عن الصحابة؛ كما هو حجة من لم يشترط النية للجمع، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لكن الخروج من الخلاف لا بأس به.
وسئل: عن المرأة إذا لم يمكنها الصلاة في الوقت ... إلخ؟
فأجاب: وأما المرأة إذا كانت راكبة، فلا يجوز لها تأخير الصلاة عن وقتها، وإذا كانت سائرة في السفر، فإنها تنوي التأخير، وتنْزل مرة واحدة فتصلي الظهر والعصر، وتصحب معها عقالاً تعقل به البعير، وإذا أبصرها الناس تصلي وهي مستورة، لا يضرها ذلك عند الله تعالى.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
أخر الجزء الرابع
ويليه الجزء الخامس، وأوله:
باب صلاة الجمعة.
стр. 1755
المجلد الخامس: (القسم الثاني من كتاب العبادات)
باب صلاة الجمعة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب صلاة الجمعة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله تعالى: هل يرخص للرجل يوم الجمعة إذا كان قريباً من بلد في ترك الجمعة؟
فأجاب: لا رخصة له إلا في أكثر من فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع؛ فجميع ذلك ثمانية عشر ألف ذراع.
وسئل: عمن يجب عليه السعي إلى الجمعة ... إلخ؟
فأجاب: يجب السعي على البعيد إذا كان يسمع النداء، إذا أذن المؤذن الصيت مع هدوء الأصوات وتساوي الأرض؛ ومنهم من يحده بفرسخ عن طرف المصر. وأجاب بعضهم: أما من تجب عليه الجمعة من جهة القرب والبعد، فقالوا: تجب على من بينه وبينها فرسخ، في حق غير أهل مصر، واليوم عندهم ثمانية فراسخ، وأما بلادكم "تربة" فهي قرية. قال أحمد: أما أهل المصر فلا بد لهم من شهودها، سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وهو قول مالك.
стр. 1756
وعن عبد الله بن عمر وغيره: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، وأما من كان في زراعة بعيدة مثلاً فلا يبين لي عليه جمعة؛ وهذا الذي نفهم، والعمل عليه عندنا الآن.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن وقت صلاة الجمعة ... إلخ؟
فأجاب: أما صلاة الجمعة قبل الزوال فهو وقت لها عند الإمام أحمد، وخالفه بعض الأئمة، وقال: وقتها بعد الزوال؛ فتأخيرها إلى الزوال أفضل، خروجاً من خلاف العلماء، لكون هذا القول مجمعاً عليه.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن المسافر إذا أدركته الجمعة؟
فأجاب: المسافر إذا قدم ولم ينو إقامة تمنع القصر والفطر في رمضان، فهذا لا جمعة عليه بحال، فإن صلى الجمعة مع أهل البلد أجزأته، والأفضل في حقه حضورها إذا لم يمنع مانع. فإن كان المسافر قد نوى إقامة مدة تمنع القصر والفطر فهذا تلزمه بغيره، فإذا كان في بلد تقام فيها الجمعة وجب عليه حضورها. وأما إمامته في الجمعة، فالمذهب أنه لا يجوز أن يؤم فيها بحال، ولا يكمل به العدد المعتبر، لأن من شروط
стр. 1757
الجمعة الاستيطان، وهذا ليس بمستوطن. وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي، إلى أن له أن يؤم فيها؛ وهذه المسألة من مسائل الخلاف، ولا أعلم فيها دليلاً من الجانبين، فإذا كانت من المسائل إلاجتهادية فلا إنكار في مسائل إلاجتهاد، ولا يجوز الإنكار على الفاعل، خصوصاً إذا كان علم الخلاف بين العلماء في الجواز وعدمه، وعمل على قول المجيزين، ولا يجوز نسبته إلى الجهل والحالة هذه.
وأما قولك: أيما أفضل، إجابة الإنسان لمثل هذه المسألة ونحوها وأيما امتناعه؟ فالأفضل في حقه العمل بالاحوط، ولا يؤم في الجمعة وهو مسافر إلا إن كان قد بان له واتضح عنده الجواز، وأن القول بالمنع لا وجه له، فتلك حالة أخرى. وأما إذا ترجح عنده الجواز وعمل بقول الجمهور، فلا يجوز الإنكار عليه إذا رضي أهل البلد بإمامته، لغيبة الإمام أو قدمه بنفسه.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: والمرأة التي تحضر الخطبة يوم الجمعة، وتصلي مع الإمام، تجزئها صلاتها.
стр. 1758
سئل الشيخ سليمان بن سحمان: عن أمر الغزو بإقامة الجمعة ... إلخ؟
فأجاب: اعلم أنه لم يكن مع الآمر دليل يجب المصير إليه، لأن الجمعة لا تلزم إلا من أراد الاستيطان بالبلد، بخلاف المسافر الذي تلزمه بغيره إذا أجمع على الإقامة. والغزو حين قدومهم "أبها"، إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا تلزمهم.
قال شيخ الإسلام: فإن كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً، أقاموا فيه الجمعة إذا كان مبنياً بما جرت به عادة الناس، من مدر وخشب، أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك؛ إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا؛ وهذا مذهب جمهور العلماء - إلى أن قال – ولهذا، العلماء إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمود، وبين المقيمين،
стр. 1759
بأن أولئك ينتقلون ولا يستوطنون بقعة، بخلاف المستوطنين- إلى أن قال- قال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة لأنهم ينتقلون؛ فعلل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطناً لا ينتقل باختياره، فهذا من أهل القرى. والفرق بين هؤلاء، وبين أهل الخيام، من وجهين:
أحدهما: أن أولئك في العادة الغالبة لا يستوطنون مكاناً بعينه، وإن استوطن فريق منهم مكاناً فهو في مظنة إلانتقال عنه، بخلاف هؤلاء المستوطنين، الذين يحرثون ويزرعون، ولا ينتقلون إلا كما ينتقل أهل أبنية المدر، إما لحاجة تعرض، أو ليد غالبة تنقلهم كما تفعله الملوك مع الفلاحين.
الثاني: أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا، فصارت من المنقول لا من العقار. انتهى.
فإذا عرفت ذلك، فالغزو إنما هم أهل خيام، لا من أهل البلاد المستوطنين بها الذين لا ينقلون عنها؛ فلا تلزمهم الجمعة، لما تقدم من كلام شيخ الإسلام، وبه الكفاية. وقال في الإقناع وشرحه: قال ابن تميم: وكذا لو دخل قوم بلداً لا سكن به بنية الإقامة سنة، فلا جمعة عليهم.
стр. 1760
سئل الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى: هل ثبت في العدد المعتبر للجمعة نص، أم لم يصح في ذلك شيء ... إلخ؟
فأجاب: اعلم: أن الجمعة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة آية: ٩] . ووجه الدلالة من الآية: أنه تعالى أمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب؛ قاله الشيخ موفق الدين بن قدامة.
وأما السنة: فالأحاديث طافحة بذلك: منها ما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: " لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم " ١. وعن أبي هريرة وابن
стр. 1761
عمر، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " ١، رواه مسلم وابن ماجة. وعن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - عن النبي ﷺ : " من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها، طبع الله على قلبه " ٢، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان: " من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق " ٣، إلى غير ذلك من الأحاديث.
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة في الجملة، فثبت بعموم الآية والأحاديث والإجماع، وجوب الجمعة على كل أحد؛ فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها عليه من هذه العمومات، فعليه إقامة الدليل، وإلا فلا سمع لقوله ولا طاعة. فمما خرج من العموم: المرأة، حكى ابن المنذر الإجماع أنها لا تجب عليها، والعبد، والصبي، والمريض، ومن في معناه ممن له عذر عن حضور الجمعة.
والأصل في ذلك: ما رواه أبو داود، حيث قال: حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثني إسحاق بن منصور حدثنا هريم عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن
стр. 1762
النبي ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " ١، وأخرجه الدارقطني عن علي بن محمد بن عقبة الشيباني عن إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس عن إسحاق بن منصور، وأعله ابن حزم بهريم وقال: إنه مجهول؛ وما أبعده ودعواه عن الصواب! فكيف يكون مجهولاً من روى عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وسعيد بن أبي عروبة وطائفة؟ وروى عنه إسحاق بن منصور والسلولي وأحمد بن يونس والأسود بن عامر وأبو نعيم وغيرهم من الثقات، ووثقه يحيى بن معي، وأبو حاتم ابن حبان وغيرهما.
وقال عثمان ابن أبي شيبة: هو صدوق ثبت، وأخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبقية أهل السنن، فكيف يكون مجهولا؟ ولكن هذه عادة ابن حزم: إذا لم يعرف الرجل زعم أنه مجهول، وقد يكون معروفاً مشهوراً ثقة عند غيره، وله من ذلك أشياء كثيرة. وأخرجه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن عبيد بن محمد عن عباس بن عبد العظيم، بإسناد أبي داود: عن طارق عن أبي موسى الأشعري، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، قال: وطارق بن شهاب ممن يعد في الصحابة; قال أبو داود: وطارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئاً، قال الحافظ بن
стр. 1763
حجر: رأى النبي ﷺ وهو رجل، وقال أيضاً: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح. قلت: لم يثبت فيما علمناه أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئاً، بل إذا ثبت أنه رآه وهو رجل، فالظاهر أنه قد سمع منه، إذ يبعد أن لا يسمع منه ولو كلمة مع رؤيته له؛ وقد أخرج له النسائي عدة أحاديث، وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته.
ومما خرج من العمومات أيضاً: المسافر في قول أكثر أهل العلم، لما روى البيهقي بإسناده عن تميم الداري عن النبي ﷺ قال: " الجمعة واجبة إلا على صبي أو مملوك أو مسافر " ١. وأخرج الدارقطني من طريق ابن لهيعة وهو ضعيف، عن معاذ بن محمد الأنصاري وهو مجهول، عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا على مريض أو امرأة أو مسافر أو صبي أو مملوك " الحديث. وأخرج البيهقي عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الجمعة واجبة، إلا على ما ملكت أيمانكم وذي علة " ٢، وفي إسناده نظر. وأخرج الدارقطني من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً: " لا
стр. 1764
جمعة على مسافر "، وعبد الله ضعيف؛ وقد رواه عبيد الله بن عمر عن نافع فوقفه، وهو الصحيح، ولأن النبي ﷺ كان يسافر ولا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع يوم عرفة يوم جمعة، فصلى الظهر والعصر جمع بينهما ولم يصلّ الجمعة، والخلفاء الراشدون كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم؛ وهذا إجماع لا يجوز مخالفته.
واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها، إلا شيئاً يحكى عمن لا يعرف، أنها تجب على الواحد؛ حكاه في الفتح عن ابن حزم، أنه حكاه قولاً لبعضهم. قلت: وقد طالعت المحلى فلم أر هذا القول فيه، لكن قد روى ابن أبي شيبة عن سفيان الثوري، في صورة ما إذا دخل في صلاة الجمعة، ثم أحدث ثم ذهب وتوضأ، ثم جاء فوجدهم قد صلوا، أنه يبني على ما مضى ما لم يتكلم، وهذا لا يدل على أنه يرى الجمعة على الواحد، وإنما أثبت له حكمها لدخوله معهم أولاً فيها، بدليل أنه لو تكلم لم يجب عليه جمعة. والدليل على ذلك الكتاب والسنة:
أما الكتاب: فلقوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة آية: ٩] .
стр. 1765
بصيغة الجمع، فيدل على أنها لا تجب إلا على جماعة، كذا قيل. وأما السنة: فطافحة بأنها لا تجب إلا على جماعة من طريقين: طريق الاستقراء، وطريق المفهوم. أما الاستقراء فأظهر من أن يذكر، لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ ولا أحداً من أصحابه ولا غيرهم صلاها وحده، ولا أمر بها أحد. وأما طريق المفهوم ففي أحاديث، منها حديث طارق الذي تقدم: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة " ١ الحديث؛ فمفهوم التقييد بالجماعة يقتضي أنها لا تجب إلا على جماعة.
ثم اختلف العلماء بعد ذلك في العدد المشترط لها على أقوال:
القول الأول: أنها لا تنعقد إلا بحضور أربعين رجلاً من أهل القرية، وذكره في الشرح عن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، ومالك، والشافعي؛ وهو مذهب أحمد المشهور عنه.
القول الثاني: أنها لا تنعقد إلا بخمسين رجلاً، ذكره ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز، وهو رواية عن أحمد، لما روى الدارقطني: حدثنا محمد بن الحسن النقاش، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الشامي والحسين بن إدريس، حدثنا خالد بن الهياج، حدثني أبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: " على الخمسين جمعة ليس فيما دون
стр. 1766
ذلك " ١.
قال الدارقطني: جعفر بن الزبير متروك. قلت: وشيخ الدارقطني أيضاً متروك، وخالد بن الهياج متروك. وذكر الشيخ شمس الدين بن أبي عمر في شرح المقنع، أن الحافظ أبا بكر النجاد أخرجه عن عبد الملك الرقاشي عن رجاء بن سلمة عن عباد بن عباد عن جعفر بن الزبير بنحوه. وأخرجه الدارقطني أيضاً من طريق آخر: عن جعفر بن الزبير به، دون قوله: " ليس فيما دون ذلك ". وبالجملة: فمداره على جعفر بن الزبير، وهو ساقط. وذكر ابن أبي عمر أيضاً في الشرح: عن الزهري عن أبي سلمة، قال: " قلت لأبي هريرة: على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ خمسين جمع بهم رسول الله ﷺ "، رواه النجاد; هكذا ذكره ابن أبي عمر، ولم يذكر من دون الزهري لينظر في إسناده؛ وهو باطل من غير جهة الإسناد، لأن أصحاب رسول الله ﷺ قد بلغوا أكثر من الخمسين وهم بمكة، ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع بهم؛ وهذا يدل على أنه غير صحيح.
القول الثالث: أنهم إذا كانوا ثلاثة والإمام رابعهم صلوا الجمعة; وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو حنيفة، والليث بن سعد، وزفر، ومحمد بن الحسين، واحتجوا في ذلك بما رواه الدارقطني من طريق الوليد بن محمد الموقري، حدثنا الزهري حدثتني أم عبد الله
стр. 1767
الدوسية، قالت: قال رسول الله ﷺ : " الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام، وإن لم يكونوا إلا أربعة "، قال الدارقطني: الوليد بن محمد متروك، ولا يصح هذا عن الزهري، كل ما رواه عنه متروك; وأخرجه أيضاً من طريقين آخرين عن الزهري. قال ابن حزم - بعد أن بين أنه لا يصح الاحتجاج به من جهة إسناده -: وأيضاً، فإن أبا حنيفة أول من يخالف هذا الخبر، لأنه لا يرى الجمعة في القرى، لكن في الأمصار فقط. وكل هذه آثار لا تصح، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور؛ وقد روي حديث ساقط عن روح بن غطيف وهو مجهول، لما بلغوا مائتين جمع بهم النبي ﷺ ، فإن أخذوا بالاكثر فهذا الخبر هو الأكثر، وإن أخذوا بالاقل فسنذكر إن شاء الله حديثاً فيه أقل. انتهى.
القول الرابع: أنها تنعقد بثلاثة: اثنان يستمعان وواحد يخطب; وهو قول الأوزاعي، قاله في الشرح. قلت: وهو رواية عن أحمد، اختاره الشيخ تقي الدين بن تيمية، رحمه الله تعالى، وهذا القول أقوى من كل ما قبله، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة آية: ٩] ، قالوا: وهذا صيغة جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وبقوله ﷺ : " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم
стр. 1768
بالامامة أقرؤهم " ١. فأمرهم ﷺ بالامامة؛ وهو عام في إمامة الصلاة كلها، الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، وهؤلاء جماعة تجب عليهم، ولا دليل على إسقاطها عنهم أصلاً.
القول الخامس: أنها تنعقد باثني عشر رجلاً، وهو قول ربيعة ومالك المشهور عنهما، لما روي " أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بالمدينة، فأمره أن يصلي عند الزوال ركعتين، وأن يخطب فيهما؛ فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثني عشر رجلاً ".
وعن جابر بن عبد الله قال: " بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فانفتلوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً، فنَزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ "، متفق عليه، واللفظ للبخاري. وفي لفظ عند أبي نعيم في المستخرج: " بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الصلاة "، وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، كما قاله الحافظ ابن حجر؛ لكن الذي في صحيح مسلم وغيره: " ورسول الله ﷺ يخطب ". وعلى كلتا الروايتين وجه الدلالة منه ظاهر، لأن العدد المعتبر في إلابتداء معتبر في الدوام في الخطبة والصلاة، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر، دل على أنه كاف.
стр. 1769
وقد ترجم البخاري، ﵀ في الصحيح على هذا الحديث: باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة. قلت: ولا يخفى على منصف أن هذا الاستدلال أقوى من الاستدلال أنها لا تنعقد إلا بأربعين، بأن أسعد بن زرارة جمع بالصحابة وهم أربعون رجلاً، لكن تعقب هذا الاستدلال بأنه يحتمل أنه ﵇ تمادى حتى عادوا، أو عاد من تجزئ بهم، أو أنهم سمعوا أركان الخطبة، أو أنه أتمها ظهراً. قلت: ولا يخفى ضعف هذا التعقب، لأنه دعوى بلا برهان، إذ لم ينقل أنهم عادوا وهو في الخطبة، ولا أنه عاد من تجزئ بهم، ولا أنهم سمعوا أركان الخطبة، والأصل عدم العدد; ومثل هذه الاحتمالات لا تدفع بها الأحاديث الصحيحة، ولو فتح هذا الباب لما بقي لأحد حجة إلا القليل، وسلم لكم أنهم عادوا، لكن العدد المعتبر في الابتداء معتبر في الدوام عندكم، وقد عدم هنا في الدوام. وأما كونه أتمها ظهراً، فمن أبطل الباطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون الانفضاض وقع وهو في الخطبة، أو وقع وهو في الصلاة فأتمها ظهراً بعد أن نوى جمعة، وعلى كلا التقديرين، فهذا الاحتمال باطل; أما على الأول فلأنه لو صلاها ظهراً لكان هذا
стр. 1770
من أشهر الأمور، ولنقل كما نقل حكمه ﷺ فيما إذا اجتمع عيدان ونحو ذلك، فلما لم ينقل دل على أنه باطل لا أصل له، ولأنه لا يجوز إذا قلتم باشتراط الأربعين أن يعطل رسول الله ﷺ الجمعة بلا عذر، بل كان يأمرهم بردهم ويصلي بهم الجمعة، وهذا باطل قطعاً. وأما على الثاني فباطل أيضاً، لأنه لو أتمها ظهراً بعد أن دخلها بنية الجمعة، لكان هذا من أشهر الأمور التي لا يجوز على الأمة ترك نقلها وحفظها؛ فلما لم ينقل دل على أنه باطل لا أصل له. فإن قيل: فقد روى الدارقطني والبيهقي في هذا الحديث، من طريق علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: " بينما رسول الله ﷺ يخطبنا يوم الجمعة، إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلوا بالبقيع، فالتفتوا إليها، وانفضوا إليها، وتركوا رسول الله ليس معه إلا أربعون رجلاً أنا فيهم " ١ الحديث.
قيل: قال الدارقطني: لم يقل في هذا الإسناد إلا أربعون رجلاً، غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين، فقالوا: لم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً. وقال يعقوب بن شيبة: كان، رحمة الله علينا وعليه، من أهل الدين والصلاح والخير البارع شديد التوقي، وللحديث آفات مفسدة. وقال صالح بن محمد:
стр. 1771
ليس هو عندي ممن يكذب، ولكن يهم، وهو سيئ الحفظ كثير الوهم، يغلط في أحاديث يرفعها ويقلبها، وسائر حديثه صحيح مستقيم. وقال زكريا الساجي: كان من أهل الصدق، وليس بالقوي في الحديث. وكان علي بن المديني إذا سئل عن علي بن عاصم، يقول: هو معروف في الحديث، وروى أحاديث منكرة. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ولا يحتج به، روى أحاديث منكرة. وقال أحمد بن زهير: قيل ليحيى بن معين: إن أحمد بن حنبل يقول: إن علي بن عاصم ليس بكذاب، قال: لا والله، ما كان علي عنده ثقة قط، ولا حدث عنه بحرف قط، فكيف صار عنده اليوم ثقة؟ وقال محمود بن غيلان: أسقطه أحمد وابن معين وأبو خيثمة. وقال الذهبي في مختصر السنن: علي بن عاصم واه. قلت: وبالجملة، فهو رجل صالح، ولكن كما قيل:
وللحديث رجال يعرفون به ... وللدواوين كتّاب وحسّابُ
فإن قيل: حديث جابر قد قيل إنه كان لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حيث قال: حدثنا محمود بن خالد عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف، أنه سمع مقاتل بن حيان قال: " كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد
стр. 1772
قدم بتجارة، يعني: فانفضوا ولم يبق معه إلا نفر يسير "، قيل: الجواب من وجوه: الأول: أنه لم يرد في الأحاديث الصحاح أن النبي ﷺ كان يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، إلا في هذا الحديث المعضل؛ فلا يثبت به شيء. الثاني: أن بكير بن معروف فيه مقال؛ قال فيه ابن المبارك: ارم به. وقال أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله: ذاهب الحديث. وقال في رواية البخاري: لا أرى به بأساً؛ ونحوه قول أبي حاتم والنسائي. وقال الذهبي في المغني: وهاه ابن المبارك. وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به. الثالث: أن هذا معضل، لأن مقاتل بن حيان من أتباع التابعين، وبينه وبين العصر النبوي مفاوز.
والقول السادس: أنه إذا كان واحد مع الإمام، صليا الجمعة؛ وبه قال إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح بن حي، وداود، وأهل الظاهر؛ وحجة أهل هذا القول، أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة آية: ٩] ، فأمر الله المؤمنين عموماً بالسعي إلى الجمعة بلفظ صالح للعموم، كما أمرهم بطاعته وطاعة رسوله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ فالأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي إليها عام، كما أن الأمر بطاعة الله ورسوله عام، إذ هما في اللفظ واحد، فلا يجوز أن يخرج
стр. 1773
عن هذا الأمر وعن هذا الحكم أحد، إلا من جاء بنص جلي، أو إجماع متيقن على خروجه عنه، وليس ذلك إلا للفذ وحده. قالوا: ولأنه قد ثبت بالاجماع أنه لا بد للجمعة من عدد، فكان اثنين، لحديث مالك بن الحويرث الذي في الصحيح، أن النبي ﷺ قال: " إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما " ١، فجعل النبي ﷺ للاثنين حكم الجماعة في الصلاة، فكذلك الجمعة. قالوا: ولحديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة " ٢ الحديث; فأوجبها ﷺ في الجماعة مطلقاً من غير قيد بعدد من الأعداد؛ والمطلق في كلام الشارع محمول على المقيد; فنظرنا إلى لفظ الجماعة في لسان الشارع، فوجدناه اثنين فأكثر، لحديث مالك بن الحويرث الذي تقدم، ولقوله ﷺ : " اثنان فما فوقهما جماعة " ٣، رواه ابن ماجة وابن عدي والدارقطني، والبيهقي وضعفه عن أبي موسى، ورواه أحمد في مسنده، والطبراني وابن عدي عن أبي أمامة، ورواه ابن سعد والبغوي وأبو منصور الماوردي عن الحكم بن عمير; ورواه الدارقطني من رواية عثمان بن عبد الرحمن المدني عن أبيه عن جده عمرو بن العاص، وعثمان بن عبد الرحمن هذا، قيل: لعله القاضي، تركوه. وبالجملة: فهو بالنظر إلى كثرة طرقه
стр. 1774
ورواته، تفيد الحديث قوة، على أنه ليس الاعتماد عليه وحده، بل على حديث مالك بن الحويرث السابق، وهذا القول كما ترى في القوة. فإن قيل: لو كانت واجبة على الاثنين، لفعل هذا وقت السلف، قيل: ما أبعد هذا الاعتراض، فإن العادة أن القرى لا تبنى لاثنين ولا لثلاثة ونحوهم؛ فكون هذا لم يفعل في وقت السلف، لا يدل على عدم الوجوب، لأنه إنما لم يفعل لتخلف سببه، وهو سكنى اثنين في قرية، لأن هذا لا يعهد، وإنما نتكلم فيه على تقدير أن لو وجد هذا، لكان هذا هو الحكم لما ذكرنا. ولضعف هذا الاعتراض، لم يلتفت إليه أحمد في رواية عنه، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية في القول بوجوبها على ثلاثة، ولا كل من قال بوجوبها على ثلاثة، لعلمهم أن هذا اعتراض غير صحيح. فإن قيل: الأصل براءة الذمة، فلا نشغلها إلا بدليل على شغلها، قيل: صدقتم كان الأصل براءة الذمة من صلاة الجماعة أصلاً، فلما ورد الأمر بها كان الأصل الشغل، فلا ننتقل عنه إلا بدليل يدل على إسقاط شغلها، ولا دليل على ذلك أصلاً إلا في الواحد. فإن قيل: هذا الدليل غير كاف في شغل الذمة، قيل: كون الوجوب هو الأصل كاف في شغلها، إذ لا ينتقل عنه إلا بدليل يدل على إسقاطها عمن دون الأربعين، ولا دليل على ذلك، فكيف إذا انضم إلى هذا
стр. 1775
الأصل ما ذكرنا من الأدلة؟ وكم بدون هذا الدليل تشغلون الذمم، وتؤذون الأمم، كما أشغلتموها بإيجاب الجمعة على من كان بينه وبين موضع الجمعة فرسخ، إذا كان خارج المصر! ولا دليل على ذلك.
وكما أشغلتموها بقراءة آية من القرآن، في خطبتي الجمعة بغير دليل، وكما أشغلتموها بأنه يحضر أربعون رجلاً من أهل الجمعة الخطبة بغير دليل، وكما أشغلتموها بأنها لا تصح الخطبة قبل وقت الجمعة، وليس على ذلك دليل، وكما أشغلتموها بإيجاب الزكاة في الباقلا، والكراويا والكمون والكسفر، وبزر الكتان والقثاء والخيار، وحب الرشاد والفجل والقرطم والترمس والسمسم، وأسقطتموها عن بزر الباذنجان والقت والجزر، والسدر والأشنان والخطمي، والصعتر والآس ونحو ذلك، فتارة تشغلونها بغير دليل، وتارة تبرئونها بغير دليل. وكما أشغلتموها فيما إذا كان عليه صوم رمضان فأخر قضاءه من غير عذر إلى رمضان آخر، أن عليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم بغير دليل صحيح، مع مخالفته لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٤] ، ثم قلتم: إن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين، فأسقطتم عنه القضاء بغير دليل، وأشغلتم ذمته بالاطعام بغير دليل صحيح، مع
стр. 1776
مخالفته ﷺ في الحديث الصحيح: " من مات وعليه صوم، صام عنه وليه " ١ إلى غير ذلك، وكما أشغلتموها بإيجاب الدم على من حلق ثلاث شعرات من رأسه أو نتفها من أنفه، أو قلم ثلاثة أظفار في الإحرام بغير دليل على ذلك، مما تشغلون به الذمم بغير دليل صحيح، مما لو تتبعناه لطال الكلام.
القول السابع: أنها تنعقد بستة، وهو قول ربيعة في رواية عنه، ولا أدري ما وجهه؛ والمشهور عن ربيعة: أنها تنعقد باثني عشر، كما حكيناه عنه.
القول الثامن: أنها تنعقد بسبعة، وهو قول عكرمة، ورواية عن أحمد ذكرها ابن حامد، وأبو الحسين في رؤوس المسائل.
القول التاسع: أنها تنعقد بعشرين، رواه ابن حبيب عن مالك.
القول العاشر: أنها تنعقد بثلاثين، حكاه ابن حزم عن بعضهم.
الحادي عشر: أنها تنعقد بثمانين حكاه الماوردي عن الشافعية.
القول الثاني عشر: أنها تنعقد بثلاثة من أهل القرى، وبأربعين من أهل الأمصار، وهذا رواية عن أحمد ذكرها ابن عقيل. قال صاحب الحاوي من الحنابلة: وهو الأصح عندي، وقيل فيها غير ذلك. واحتج من قال إنها لا تنعقد إلا بحضور أربعين من أهل وجوبها، بما رواه الدارقطني والبيهقي من طريق إسحاق بن خالد بن يزيد: حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، حدثنا خصيف عن عطاء بن أبي رباح عن
стр. 1777
جابر قال: " مضت السنة أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين فصاعدا جمعة، وأضحى، وفطر "، قالوا: فهذا صريح في أنها تجب على الأربعين، فمفهومه أنها لا تجب على من دونهم; قلنا: هذا حديث ساقط، لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن، وهو ضعيف. قال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به، ثم لو صح فليس فيه حجة علينا، لأنا نقول بموجبه.
وأيضاً، فإن كان حجة في اشتراط الأربعين للجمعة، فليكن حجة في إلاشتراط للجماعة، ولا تقولون به، قالوا: قد قال أبو داود في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره، عن أبيه كعب بن مالك " أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون "، وأخرجه ابن ماجة، وابن حبان، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وقال: هذا حديث حسن الإسناد; وصحح إسناده ابن المنذر، وابن حزم وغيرهم.
قالوا: فوجه الدلالة منه، أن يقال: أجمعت الأمة على
стр. 1778
اشتراط العدد، ولا تصح الجمعة إلا بعدد يثبت فيه التوقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز أقل منه إلا بدليل صحيح، ولم يثبت صلاته ﷺ لها بأقل من أربعين؛ قال البدر الزركشي: ووجهه بعضهم بأن قال: هذه أول جمعة كانت في الإسلام، وكان فرضها نزل بمكة، وكان بالمدينة من المسلمين أربعون أو أكثر ممن هاجر إليها، وأكثر ممن أسلم بها، ثم لم يصلوا سنتين كذلك، حتى كان العدد أربعين؛ فدل على أنها لا تجب على أقل منهم. والجواب من وجوه:
الأول: ما قاله ابن المنذر وابن حزم، وهذا لفظه: أنه لا حجة في هذا، لأن رسول الله ﷺ لم يقل أنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد؛ نعم والجمعة واجبة بأربعين، وبأكثر من أربعين، وأقل من أربعين.
الثاني: قوله: وقد ثبت جوازها بأربعين، فيقال: لم يثبت جوازها بأربعين من دليلكم هذا، كما تعرف إن شاء الله تعالى.
الثالث: قوله: ولا تصح الجمعة إلا بعدد يثبت فيه التوقيف، دعوى مجردة، بل إذا ثبت اشتراط العدد لها، ولم يبين الرسول ﷺ عدداً لها محصوراً، دل على جوازها بأقل ما يكون من الأعداد، إلا الواحد، للسنة والإجماع أنها لا تجب عليه.
стр. 1779
الرابع: قوله: ولم يثبت صلاته ﷺ لها بأقل من أربعين، إن أراد أنه لم يثبت صريحاً أنه صلاها كاملة بدون الأربعين، فهو كذلك، وإن أراد أنه لم يثبت أنه صلاها بدون الأربعين، سواء كان نصاً أو ظاهراً، أو بعضها أو كلها، فهذا يرده ما تقدم في حديث جابر، أخرجه البخاري: " بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً، فانفتلوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً " ١ الحديث، وفي لفظ أبي نعيم، في المستخرج: " بينما نحن مع النبي ﷺ في الصلاة "، قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، ومن وجه آخر: أن الذين اشترطوا الأربعين يقولون: إن العدد المشترط في الابتداء مشترط في الدوام، فإذا كان كذلك، وهم قد انفضوا عن النبي ﷺ في الصلاة، سواء صلاها بمن بقي كما فهم البخاري، أو عادوا فأتم بهم الصلاة، أو كان انفضاضهم وقع في الخطبة، أيما كان فإنه يلزم على أصلهم هذا جوازها بدون الأربعين، وإلا انتقض أصلهم; والاحتمإلات التي ذكروها في الجواب عن هذا الحديث كلها باطلة، وإنما هي رجم بالغيب.
الخامس: قول هذا الموجه: إن هذه أول جمعة كانت في الإسلام ظن وتخمين، فقد ورد أن مصعب بن عمير صلاها باثني عشر، كما سيأتي إن شاء الله في المعارضة، ولا منافاة
стр. 1780
بين قول كعب: إن أسعد بن زرارة أول من جمع بهم، وبين قصة تجميع مصعب باثني عشر، فقد يحتمل أن يكون قول كعب: أنه أول من جمع بهم، بمعنى أنه لم يعلم أنه جمع بهم قبله، أو أنه أول من جمع بهم ظاهراً، أو أنه أول من أشار بالجمعة، وكان ذلك باجتهاد منه ﵁، فوفق لإصابة الحق في اختيار هذا اليوم؛ وأما اشتراط هذا العدد فليس في الحديث.
السادس: أن في كلام هذا الموجه ما يرد دعواه، وهو قوله: وكان بالمدينة أربعون أو أكثر ممن هاجر إليها، مع قوله: وكان فرضها نزل بمكة; ووجه الرد أن يقال: إذا كان في المدينة أكثر من الأربعين من المسلمين، وأنت تزعم أنها فرضت بمكة، فلم أقاموا سنتين لم يصلوها على زعمك، مع وجود العدد المشترط لها؟
السابع: قوله: ثم لم يصلوا كذلك حتى كان العدد أربعين، فيقال: هذا الكلام يفهم أنهم قصدوا أن لا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين، وهذا كذب على الصحابة؛ فمن قال إنهم قصدوا أن لا يصلوها حتى كان العدد أربعين، إنما كان فيه بعض دلالة لو ثبت أنهم قصدوا أن لا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين، فهذا يدل على أن هذا العدد وقع اتفاقاً لا مشروطاً، وهو واضح.
الثامن: لو ثبت أن هذه الجمعة التي صلاها الصحابة،
стр. 1781
رضي الله عنهم، فرض عليهم وأن الأربعين شرط لما ذكرتموه من هذا الحديث، لوجب على أصلكم أنه يشترط في الابتداء أن يكون هذا الحديث منسوخاً بحديث جابر الذي في قصة إلانفضاض، لأن هذا قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، وحديث جابر بعد ما قدمها، سواء كان الانفضاض واقعاً في الصلاة أو في الخطبة، إذ لا بد عندكم أن يحضر العدد المشترط أركان الخطبة والصلاة، ولم يصح أنهم حضروا شيئاً من ذلك.
التاسع: أنه لو ثبت أنهم قصدوا أن لا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين، لم يكن في ذلك حجة أيضاً على أصلكم أنه يشترط في الدوام ما يشترط في الابتداء، لأن غاية حديث كعب أن يكون من فعل الصحابة، وحديث جابر من فعل رسول الله ﷺ ، ولا شك أن فعله أحق وأولى بالاتباع من فعل غيره؛ وهو ينقض عليكم دعواكم أنه يعتبر في الدوام ما يعتبر في الابتداء، لأنه لو كان كما قلتم لبطلت جمعة رسول الله ﷺ ، وحاشا لله من ذلك.
العاشر: المعارضة بما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري، أن مصعب بن عمير حين بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة، جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً، وقد وصله الطبراني في كتاب الأوائل، من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر أبي مسعود الأنصاري، قال: " أول من جمع بالمدينة قبل أن يقدم
стр. 1782
النبي ﷺ مصعب بن عمير، وهم اثنا عشر "، وصالح بن أبي الأخضر وإن ضعفه الأكثر، فقد قال الإمام أحمد: يستدل به، يعتبر به; وقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث، فقد علمت أنه ليس في حديثه ما يترك بل يعتبر به، وإنما يترك حديثه إذا عارضه ما هو أصح منه، ولم يعارضه هنا معارض أصلاً، وحديث كعب لا يعارضه، لأن كعب بن مالك حكى ما شاهده وحفظه في الجمعة التي حضرها، وغيره حكى ما شاهده وحفظه في الجمعة التي حضرها، فلا منافاة بينهما؛ وقد جمع بينهما البيهقي بأن المراد بالاثني عشر النقباء الذين بعثه رسول الله ﷺ في صحبتهم، أو على أثرهم إلى المدينة ليقرئ المسلمين ويصلي بهم; ولا يخفى تكلف هذا الجمع، على أن كلام البيهقي هذا قد يدل على ثبوت هذا الحديث عنده، أو حسنه وصلاحيته للحجة، إذ لو لم يكن كذلك لما احتاج إلى الجمع بينهما، بل كان يكتفي بضعفه عن الجمع بينهما، وإن كان حديث كعب أصح إسناداً.
الحادي عشر: ما قاله الإمام الحافظ السيوطي: إن تجميع الصحابة كان قبل فرضها وتسميتهم إياها بهذا الاسم، كان عن هداية من الله تعالى لهم قبل أن يؤمروا بها، ثم نزلت سورة الجمعة بعد أن هاجر النبي ﷺ ، فاستقر فرضها؛ وهذا قول الأكثر من العلماء، أنه لم ينْزل فرض الجمعة إلا بعد الهجرة إلى المدينة، كما حكاه في الفتح عن الأكثر. وحكى عن الشيخ أبي حامد - يعني الإسفراييني - أنها فرضت
стр. 1783
بمكة، قال الحافظ: وهو غريب، كذا قال تلميذه الكوراني في شرحه للبخاري، بعد أن حكى قول أبي حامد، وهو غير ظاهر.
ثم ذكر السهيلي عن الحافظ عبد بن حميد، شيخ مسلم وأبي داود وصاحب المسند والتفسير: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: " جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنْزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى ونشكره، أو كما قال; فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة; وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين، وسموا: "الجمعة" حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا من شاته ليلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ".
قلت: وقد أخرجه عبد الرزاق أيضاً؛ وفي هذا دليل على أنهم كانوا عدداً قليلاً دون الأربعين، إذ لا يمكن في العادة أن يتغدى الأربعون ويتعشوا من شاة. ويدل أنهم صلوا هذه الجمعة باجتهاد، فأصابوا الحديث الذي في الصحيح: " نحن الآخرون، السابقون يوم القيامة؛ بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي أمروا به
стр. 1784
فاختلفوا فيه، فهدانا الله له " ١ الحديث.
فمرسل ابن سيرين مع هذا الحديث، يدل على أن أولئك الصحابة فعلوه بالاجتهاد، واختاروا يوم الجمعة، ولا يمنع ذلك كون النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، ولم يتمكن من إقامتها إن سلم أنها فرضت بمكة؛ فعلى هذا فقد حصلت الهداية بجهتي التوفيق والبيان، على أحد ما قيل في معنى قوله: " فهدانا الله له ".
قالوا: قد روي عن أبي الدرداء ﵁: " إذا اجتمع الأربعون رجلاً فعليهم الجمعة " ٢، قلنا: هذا الحديث باطل لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة أصلاً، لأنا نقول بموجبه. قالوا: قال أبو أمامة ﵁: " لا جمعة إلا بأربعين "، قلنا: دعوى التشبث بالواهيات والأباطيل، فلا يعرف ذلك عن أبي أمامة أصلاً، بل قد جاء عنه خلافه، كما تقدم من رواية الدارقطني؛ فإن كان هذا الحديث المنكر الذي لا يعرف أصلاً حجة، فلتكن الحجة بحديثه المنكر الساقط: " على الخمسين جمعة، ليس فيما دون ذلك " ٣، كما تقدم من رواية الدارقطني.
قالوا: التقدير بالثلاثة والأربعة والاثنين تحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه، لأن التقدير بابه التوقيف، قال لهم كل من قال بذلك: اشتراطكم الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار، هو التحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه، وهو إسقاطكم الجمعة عما دون الأربعين، بعد أن أوجبها الله
стр. 1785
على عموم المؤمنين؛ فإن هذا هو التحكم بالرأي الذي لا دليل عليه، من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا قول صاحب ولا قياس صحيح. ثم اشتراطكم كون الأربعين من أهل وجوبها، تحكم ثان لا دليل عليه أصلاً من كتاب ولا سنة ولا إجماع، لأن غاية ما معكم في اشتراط الأربعين حديث كعب، وقد تبين أنه ليس فيه دليل على اشتراط الأربعين؛ ثم لو كان فيه دليل على الاشتراط، لما كان فيه دليل على كونهم من أهل وجوبها، إذ ليس فيه إلا أنهم كانوا أربعين فقط، لا أنهم كانوا من أهل وجوبها، ولا أنّهم كانوا أحراراً كلهم، بل يحتمل أن يكون فيهم عبيد وصبيان؛ فهذا هو التحكم المحض في دين الله تعالى بغير دليل. وبما ذكرناه وقررناه: يتبين للذكي المنصف طريق الصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والله أعلم، وصلى الله على محمد.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما العدد المشترط لوجوب الجمعة وصحتها، فالمشهور في مذهب أحمد والشافعي: اشتراط الأربعين; وأبو حنيفة ومالك لا يرون اشتراط الأربعين، بل أبو حنيفة، يقول: تصح من ثلاثة، وكان فعلها ظهراً إذا نقصوا عن الأربعين أحوط.
وأجاب أيضاً: وأما عدد الجمعة واعتباره وعدم اعتبار ذلك، فالخلاف فيه مشهور، وأظن عادة جماعتك في
стр. 1786
السابق، أنهم يصلون جمعة مع نقصهم عن الأربعين، وأنهم فعلوا ذلك بفتوى مفت، فإن استمررتم على عادتهم، فأرجو أن لا بأس، فإن أحبوا أنهم يصلون ظهراً ولا يجمعون، فهو فيما أرى أحوط.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: اعلم أنهم اتفقوا على أن من شرط وجوبها وصحتها: الجماعة؛ واختلفوا في مقدار الجماعة: فمنهم من قال: واحد والإمام، هذا مذكور عن ابن جرير الطبري. ومنهم من قال: اثنان سوى الإمام، لأن أقل الجمع عنده اثنان. ومنهم من قال: ثلاثة دون الإمام; وقائل هذا يرى أن أقل الجمع ثلاثة، لا اثنان؛ والكلام مبسوط في أقل الجمع في شرح التحرير وغيره؛ والقول الأخير، هو قول أبي حنيفة. ومنهم من اشترط أربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال قوم: ثلاثون. ومنهم من قال: يجوز بما دون الأربعين إلى الثلاثة والأربعة، ولم يشترط عدداً، وإنما ذكر جواباً أورده، وهو: أنه لا تجب إلا على عدد تتقرى بهم قرية; وأصحاب القولين الأولين أخرجوا الأخير، يقولون: الجمع في غالب الأحوال له حكم، غير ما يطلق عليه اسم الجمع في جميعها، بل هم الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس؛ وهذا يروى عن مالك، وروي عنه: اشتراط اثني عشر من أهل الوجوب، وكلا القولين معروف.
стр. 1787
ومن اشترط الأربعين، كالشافعي وأحمد وجماعة من السلف، فإنما صاروا إلى ما صح، من أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس.
فهذا هو أحد شروطها، أعني شروط الوجوب لا شروط الصحة، فإن من الشروط ما هو شرط للوجوب فقط لا الصحة، وهذا من أحسن الأقوال; وبه يتفق غالب كلام المختلفين. إذا عرفت هذا، فإنهم اختلفوا أيضاً في الأحوال الراتبة، التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها ﷺ هل هي شرط للصحة والوجوب، أم ليست بشرط؟ وتلك: الجماعة، والمصر والاستيطان، فمن رآه دليلاً اشترطها، ومنهم من رجح بعضها دون بعض، واشترط المرجح لا غير، وبعضهم لم يرها دليلاً، ورجع في الاشتراط والوجوب إلى أدلة أخر، لعموم الجماعة في سائر الصلوات. ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الأحوال شروطاً في صحة الصلاة، لما جاز أن يسكت عنها رسول الله ﷺ ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٤٤] .
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول بعض الناس: لا تصح الجمعة خلف إمام لم يتزوج؟ فأجاب: وأما صلاة الجمعة خلف إمام لم يتزوج، فليس الزواج بشرط، وإنما الشرط البلوغ، والاستيطان.
стр. 1788
سئل الشيخ عبد اللطيف: عمن فاتته صلاة الجمعة ... إلخ؟
فأجاب: من فاتته صلاة الجمعة، وقد صلاها الإمام قبل الزوال، فيصليها ظهراً بعد الزوال. انتهى.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، قال السائل: خطبت، ووقفت على: يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، ثم قلت: جعلنا الله وإياكم من الآمنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بارك الله لي ولكم ... إلخ، ولا فطنت إلا بعد انقضاء الصلاة، ثم تأملت: يوم يبعثر ما في القبور ... إلخ، فإذا كأنها آية تقوم بالمعنى ... إلخ؟
فأجاب: ما علمت فيها خلافاً، وأرجو أنها تامة.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ومن البدع المذمومة التي ننهى عنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة، بين يدي الخطبة، وقد صرح شارح الجامع الصغير، بأنه بدعة.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن اتحاد الخطيب والإمام ... إلخ؟
فأجاب: ما ذكرتم من الدليل ومذاهب الأئمة الأربعة، فهو ما نحن عليه، وهو: أن اتباع محمد ﷺ أن الخطيب هو الإمام، لمداومته عليه، وأن الاستخلاف لعذر جائز عند الأئمة الأربعة، وأما من استخلف لغير عذر فهل ينكر عليه، أم لا؟ فهذا مبني على معرفة المنكر، الذي يجب إنكاره.
стр. 1789
وذكر كلام الشيخ ابن رجب في المنكر الذي يجب إنكاره، وكلام غيره. ثم قال: فقد علمت، رحمك الله: أنه لا ينكر إلا ما خالف كتاباً، أو سنة أو إجماعا، ً أو قياساً جلياً على القول به، أو ما ضعف فيه الخلاف، وأنه لا ينكر على خطيب استخلف من يصلي يوم الجمعة، بعد ما خطب هو لغير عذر؛ هذا هو المذهب عند متأخري الحنابلة، كما قاله صاحب الإقناع وغيره، قال: ولا يشترط لها، أي: الخطبتين أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ولا حضور النائب الخطبة، وهو الذي صلى الصلاة ولم يخطب، ولا أن يتولى الخطبتين واحد، بل يستحب ذلك.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن يصلي على النبي ﷺ ويترضى عن الصحابة، ﵃، جهراً، والإمام يخطب يوم الجمعة؟
فأجاب: الجهر بالصلاة على النبي ﷺ والترضي حال الخطبة من غير الخطيب بدعة مخالفة للشريعة، منع منها طوائف العلماء سلفاً وخلفاً، ولهم فيه مأخذان:
الأول: أنه من محدثات الأمور، التي لم تفعل في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد أصحابه، ولا التابعين، ولو كان خيراً سبقونا إليه.
الثاني: أن الأحاديث ثبتت بالامر بالانصات للخطبة؛ فقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1790
أنه قال: " إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت " ١، قال في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: الصلاة على النبي ﷺ إنما هي دعاء، وجميع الأدعية المأمور بها، السنة فيها الإسرار دون الجهر غالباً. قلت: وهذا مأخذ ثالث للمنع; قال شيخ الإسلام: الصلاة على النبي ﷺ والترضي عن الصحابة، ﵃، دعاء من الأدعية، والمشروع في الدعاء كله المخافتة، إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر، قال: وأما رفع الصوت بالصلاة والترضي الذي يفعله بعض المؤذنين قدام الخطباء في الجمع، فمكروه أو محرم. انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً: وأما الناس الذين يجتمعون، ويصلون على النبي ﷺ ، فهذا ليس مشروعاً; وإنما المشروع: الصلاة وقراءة القرآن قبل دخول الإمام، فإذا دخل الإمام وأخذ في الخطبة، وجب الإنصات للخطبة، كما في الحديث: " إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت " ٢.
وسئل: عن تقدم الخطيب في المسجد ... إلخ؟
فأجاب: وأما تقدم الخطيب في المسجد، يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة، فلا بأس به؛ لكن ينبغي أن يكون في ناحية، يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة.