السابق، أنهم يصلون جمعة مع نقصهم عن الأربعين، وأنهم فعلوا ذلك بفتوى مفت، فإن استمررتم على عادتهم، فأرجو أن لا بأس، فإن أحبوا أنهم يصلون ظهراً ولا يجمعون، فهو فيما أرى أحوط.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: اعلم أنهم اتفقوا على أن من شرط وجوبها وصحتها: الجماعة؛ واختلفوا في مقدار الجماعة: فمنهم من قال: واحد والإمام، هذا مذكور عن ابن جرير الطبري. ومنهم من قال: اثنان سوى الإمام، لأن أقل الجمع عنده اثنان. ومنهم من قال: ثلاثة دون الإمام; وقائل هذا يرى أن أقل الجمع ثلاثة، لا اثنان؛ والكلام مبسوط في أقل الجمع في شرح التحرير وغيره؛ والقول الأخير، هو قول أبي حنيفة. ومنهم من اشترط أربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال قوم: ثلاثون. ومنهم من قال: يجوز بما دون الأربعين إلى الثلاثة والأربعة، ولم يشترط عدداً، وإنما ذكر جواباً أورده، وهو: أنه لا تجب إلا على عدد تتقرى بهم قرية; وأصحاب القولين الأولين أخرجوا الأخير، يقولون: الجمع في غالب الأحوال له حكم، غير ما يطلق عليه اسم الجمع في جميعها، بل هم الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس؛ وهذا يروى عن مالك، وروي عنه: اشتراط اثني عشر من أهل الوجوب، وكلا القولين معروف.
стр. 1787
ومن اشترط الأربعين، كالشافعي وأحمد وجماعة من السلف، فإنما صاروا إلى ما صح، من أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس.
فهذا هو أحد شروطها، أعني شروط الوجوب لا شروط الصحة، فإن من الشروط ما هو شرط للوجوب فقط لا الصحة، وهذا من أحسن الأقوال; وبه يتفق غالب كلام المختلفين. إذا عرفت هذا، فإنهم اختلفوا أيضاً في الأحوال الراتبة، التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها ﷺ هل هي شرط للصحة والوجوب، أم ليست بشرط؟ وتلك: الجماعة، والمصر والاستيطان، فمن رآه دليلاً اشترطها، ومنهم من رجح بعضها دون بعض، واشترط المرجح لا غير، وبعضهم لم يرها دليلاً، ورجع في الاشتراط والوجوب إلى أدلة أخر، لعموم الجماعة في سائر الصلوات. ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الأحوال شروطاً في صحة الصلاة، لما جاز أن يسكت عنها رسول الله ﷺ ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٤٤] .
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول بعض الناس: لا تصح الجمعة خلف إمام لم يتزوج؟ فأجاب: وأما صلاة الجمعة خلف إمام لم يتزوج، فليس الزواج بشرط، وإنما الشرط البلوغ، والاستيطان.
стр. 1788
سئل الشيخ عبد اللطيف: عمن فاتته صلاة الجمعة ... إلخ؟
فأجاب: من فاتته صلاة الجمعة، وقد صلاها الإمام قبل الزوال، فيصليها ظهراً بعد الزوال. انتهى.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، قال السائل: خطبت، ووقفت على: يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، ثم قلت: جعلنا الله وإياكم من الآمنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بارك الله لي ولكم ... إلخ، ولا فطنت إلا بعد انقضاء الصلاة، ثم تأملت: يوم يبعثر ما في القبور ... إلخ، فإذا كأنها آية تقوم بالمعنى ... إلخ؟
فأجاب: ما علمت فيها خلافاً، وأرجو أنها تامة.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ومن البدع المذمومة التي ننهى عنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة، بين يدي الخطبة، وقد صرح شارح الجامع الصغير، بأنه بدعة.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن اتحاد الخطيب والإمام ... إلخ؟
فأجاب: ما ذكرتم من الدليل ومذاهب الأئمة الأربعة، فهو ما نحن عليه، وهو: أن اتباع محمد ﷺ أن الخطيب هو الإمام، لمداومته عليه، وأن الاستخلاف لعذر جائز عند الأئمة الأربعة، وأما من استخلف لغير عذر فهل ينكر عليه، أم لا؟ فهذا مبني على معرفة المنكر، الذي يجب إنكاره.
стр. 1789
وذكر كلام الشيخ ابن رجب في المنكر الذي يجب إنكاره، وكلام غيره. ثم قال: فقد علمت، رحمك الله: أنه لا ينكر إلا ما خالف كتاباً، أو سنة أو إجماعا، ً أو قياساً جلياً على القول به، أو ما ضعف فيه الخلاف، وأنه لا ينكر على خطيب استخلف من يصلي يوم الجمعة، بعد ما خطب هو لغير عذر؛ هذا هو المذهب عند متأخري الحنابلة، كما قاله صاحب الإقناع وغيره، قال: ولا يشترط لها، أي: الخطبتين أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ولا حضور النائب الخطبة، وهو الذي صلى الصلاة ولم يخطب، ولا أن يتولى الخطبتين واحد، بل يستحب ذلك.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن يصلي على النبي ﷺ ويترضى عن الصحابة، ﵃، جهراً، والإمام يخطب يوم الجمعة؟
فأجاب: الجهر بالصلاة على النبي ﷺ والترضي حال الخطبة من غير الخطيب بدعة مخالفة للشريعة، منع منها طوائف العلماء سلفاً وخلفاً، ولهم فيه مأخذان:
الأول: أنه من محدثات الأمور، التي لم تفعل في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد أصحابه، ولا التابعين، ولو كان خيراً سبقونا إليه.
الثاني: أن الأحاديث ثبتت بالامر بالانصات للخطبة؛ فقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1790
أنه قال: " إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت " ١، قال في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: الصلاة على النبي ﷺ إنما هي دعاء، وجميع الأدعية المأمور بها، السنة فيها الإسرار دون الجهر غالباً. قلت: وهذا مأخذ ثالث للمنع; قال شيخ الإسلام: الصلاة على النبي ﷺ والترضي عن الصحابة، ﵃، دعاء من الأدعية، والمشروع في الدعاء كله المخافتة، إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر، قال: وأما رفع الصوت بالصلاة والترضي الذي يفعله بعض المؤذنين قدام الخطباء في الجمع، فمكروه أو محرم. انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً: وأما الناس الذين يجتمعون، ويصلون على النبي ﷺ ، فهذا ليس مشروعاً; وإنما المشروع: الصلاة وقراءة القرآن قبل دخول الإمام، فإذا دخل الإمام وأخذ في الخطبة، وجب الإنصات للخطبة، كما في الحديث: " إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت " ٢.
وسئل: عن تقدم الخطيب في المسجد ... إلخ؟
فأجاب: وأما تقدم الخطيب في المسجد، يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة، فلا بأس به؛ لكن ينبغي أن يكون في ناحية، يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة.
стр. 1791
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الدعاء في الخطبة لمعين ... إلخ؟
فأجاب: احتجاج بعض الناس بقول بعض العلماء: يباح الدعاء في الخطبة لمعين، ولم يقولوا: يسن; وأيضاً، فالدعاء حسن، يدعى له بأن الله يصلحه ويسدده، ويصلح به وينصره على الكفار وأهل الفساد، بخلاف ما في بعض الخطب، من الثناء والمدح بالكذب. وولي الأمر إنما يدعى له، لا يمدح لا سيما بما ليس فيه؛ وهؤلاء الذين يمدحون في الخطب، هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، فليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، ولا أن يثنى عليه، وإنما يدعى لهم بالتوفيق والهداية.
والواجب على ولي الأمر أولاً، البداءة برعيته بإلزامهم شرائع الإسلام، وإزالة المنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فهذا أهم وأوجب من جهاد العدو الكافر، وهذا مما يستعان به على جهاد الكفار، كما روي: " إنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم ".
وأما الجلسة بين الخطبتين، فلا علمت فيها ذكراً، لكن إن دعا في تلك الحال بما أحب فحسن. وأما الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة، وبين الخطبتين، فلا علمت فيه شيئاً، ولا ينكر على فاعله الذي يتحرى ساعة الإجابة المذكورة في يوم الجمعة.
стр. 1792
[فصل في تعدد الجمعة]
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: اعلموا أن الذي عليه جمهور أهل العلم، تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة يشملها اسم القرية، وكذا ما قرب منها عرفاً أو سمع النداء؛ فلا يجوز تعدد الجمعة وتفريق جماعة المسلمين إلا لحاجة، كضيق المسجد وبعدهم عن القرية. وقد كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يأتون الجمعة من العوالي وما حاذاها، وهي على ثلاثة أميال من المدينة، وجرى العمل بذلك على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ومن بعدهم.
وصرح علماؤنا ببطلان صلاة من صلى جمعة ثانية، بغير إذن الإمام وبغير حاجة داعية، وأوجبوا عليه الإعادة ظهراً; وقواعد الشريعة تدل على هذا، فالجماعة إنما شرعت للائتلاف والمودة والإعانة على ذكر الله، وتفقه أهل الإسلام بعضهم من بعض، وتحصيل الفضل بالكثرة، وإغاظة العدو بترك الفرقة. ودلت أصول الشرع أيضاً على تحريم ما أوجب الفرقة، واختلاف الكلمة والمشاقة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] . وانفرادهم عن الجماعة بالسكنى في عقدة ١ أخرى، لا
стр. 1793
يبيح مفارقة الجماعة بإحداث جمعة أخرى؛ ومن رأى هذا من المسوغات والمبيحات لهذا الفعل المخالف لأصول الشرع، فهو مصاب في عقله.
سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: عن صلاة أمير الوادي ١ في قصره لأجل التحفظ؟
فأجابا: العلماء، ﵏، قد ذكروا في ذلك ما يشفي ويكفي، وهو غير خاف إذا كان ذلك للحاجة؛ قال في الإقناع وشرحه: ويجوز إقامتها، أي: الجمعة في أكثر من موضع في البلد لحاجة إليه، كضيق مسجد البلد عن أهله، وخوف فتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة يخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد، وبعد جامع عن طائفة من البلد ونحوه، كسعة البلد وتباعد أقطارها، فتصح الجمعة السابقة واللاحقة، لأنها تفعل في الأمصار العظيمة وفي مواضع من غير نكير، فكان إجماعاً. قال الطحاوي: وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه ﷺ لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه. انتهى.
وقال في الفروع: وعن الإمام أحمد عكسه، خلافاً لهم،
стр. 1794
لأنهم أطلقوا القول في رواية المروذي وغيره. وسئل عن الجمعة في مسجدين؟ فقال: صلي; قيل له إلى أي شيء تذهب؟ قال إلى قول علي في العيد، أنه أمر أن يصلى بضعفة الناس; ذكره القاضي وغيره وحمله على الحاجة، وفيه نظر، لأنه احتج بعلي في العيد. وعلى هذا، فكلام العلماء صريح في جواز إقامة الجمعة في موضع آخر للحاجة، ومن الحاجة خوف العدو الخارج، والتحفظ على ثغور المسلمين عن الأمور التي يخشى ضررها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، لما سئل عن صلاة الجمعة في جامع القلعة: هل هي جائزة، مع أن في البلد خطبة أخرى، مع وجود سورها وغلق أبوابها، أم لا؟
الجواب: نعم يجوز أن يصلى فيها الجمعة، لأنها مدينة أخرى، كمصر والقاهرة؛ ولو لم تكن كمدينة أخرى، فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة جائزة عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان، أقاموا فيها الجمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء - إلى أن قال - فلما تولى علي بن أبي طالب وصار بالكوفة، وكان الخلق بها كثيراً، قالوا: يا أمير المؤمنين، إن بالمدينة شيوخاً يشق عليهم الخروج إلى الصحراء، فاستخلف علي ﵁ رجلاً يصلي بالناس
стр. 1795
العيد في المسجد، وهو يصلي بالناس خارج الصحراء، ولم يكن هذا يفعل قبل ذلك. وعلي ﵁ من الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ١؛ فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين، فقد أطاع الله ورسوله؛ والحاجة في هذه البلاد، وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة ... إلى آخر ما ذكر. ثم لا يخفى: أن الحاجة داعية إلى ذلك، وأن ثغور أهل الإسلام مما ينبغي حفظها وإلاعتناء بالمحافظة عليها، عما يخشى وقوعه من العدو الخارج الذي يتربص بالمسلمين الدوائر، وكان القصر المسمى بـ "قصر إبراهيم" يصلى فيه جمعة ثانية، وهو قريب من مسجد "الكوت" في الأحساء، وكان ذلك بعلم من مشائخ المسلمين: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، وكان إمامه الشيخ أحمد بن مشرف؛ فلو كان ذلك غير جائز لمنع منه المشائخ، ولم يقروهم على ذلك.
سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن عبد اللطيف: عن بناء مسجد يجمع فيه في باطن بلد الرياض، لضيق جامع البلد مع ما يحصل لأهل الباطن من مشقة التفرق، والخوف على حروثهم، وضيعاتهم، وعيلاتهم؟
فأجابا: بأنه يسوغ التجميع في ذلك المسجد، لا حرج
стр. 1796
في ذلك، لوجود المسوغ لبنائه والتجميع فيه؛ وهذا ظاهر لا يخفى، والله أعلم.
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن محمد بن حميد إلى جناب الأخ المكرم الأحشم: محمد بن سليمان الجراح، رزقه الله الفهم والتوفيق، وأدر عليه سحائب التحقيق، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتابكم المكرم وصل؛ وصلك الله إلى ما يرضيه، وسرنا إذ أنبأ بصحتكم، واستقامة أحوالكم، الحمد لله رب العالمين. رزقنا الله وإياكم شكر نعمه، وصرف عنا وعنكم أسباب سخطه ونقمه.
وما ذكرته عن الأصحاب، ﵏، من أنهم نصوا على جواز إقامة الجمعة في أكثر من موضع في البلد لحاجة كضيق المسجد عن أهله ... إلخ.
الجواب: الحمد لله، نص العلماء، ﵏ في كل مذهب على جواز ذلك مع الحاجة، كما لو ضاق مسجد الجامع عن أهله؛ والمراد بأهله هاهنا: هم الذين يغلب فعلهم
стр. 1797
لها ممن تصح منه، كما ذكره غير واحد من محققي الحنابلة، والشافعية وغيرهم. أما تعدد إقامتها في البلد من غير حاجة، فهذا لا يعرف القول به، لا عن صحابي، ولا تابعي، إلا ما يروى عن عطاء، فإن النبي ﷺ كان يجمع بالمدينة وبها تسعة مساجد سوى مسجده، ولم يكونوا يجمعون في شيء منها، وأهل ذي الحليفة وقباء، وأهل العوالي وكانت على ثلاثة أميال من المدينة، لم يكونوا يجمعون في عهده، وفي عهد الخلفاء بعده، إلا في مسجده ﷺ ؛ بل روى الترمذي في جامعه: عن رجل من أهل قباء، قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نشهد الجمعة من قباء " ١، قال البيهقي، ﵀: ولم ينقل أن النبي ﷺ أذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة، ولا في القرى التي بقربها.
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى، وإلى عمرو بن العاص، وإلى سعد بن أبي وقاص، ﵃: باتخاذ مسجد جامع، ومسجد آخر للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة، انضموا وشهدوا الجمعة في مسجدها. وقال ابن عمر ﵄: " لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر ". واستمر عمل المسلمين على هذا إلى آخر القرن الثالث.
أيظن حينئذ أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وهذا عمل رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، وعمل به
стр. 1798
المسلمون في تلك القرون المفضلة؟! نعوذ بالله أن نقول ذلك.
فإن أول جمعة أحدثت في الإسلام في بلد، مع قيام الجمعة القديمة، على ما ذكره الخطيب في تأريخ بغداد، في أيام المعتضد، سنة مائتين وثمانين، وسبب ذلك: خشية الخلفاء على أنفسهم في المسجد العام؛ فأقاموا جمعة بدار الخلافة، من غير بناء مسجد لها.
وقد أفتى علماء مرو، وأئمتها لما أقيم بها جمعتان، بإعادة الجمعة ظهراً حتماً، احتياطاً، لقوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١، ولقوله: " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ٢؛ والجمعة سميت بهذا لجمعها الجماعات الكثيرة، بأن يكونوا جماعة واحدة، وهي من أعظم اجتماعات فروض الإسلام، فإنه ليس في الإسلام مجمع أكبر ولا أفرض منه، سوى إلاجتماع بعرفات.
وفي تعطيل المسلمين مساجدهم يوم الجمعة، واجتماعهم في مسجد واحد، واستمرارهم على هذا جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن، أبين بيان وأدل دليل، على أن الجمعة خلاف سائر الصلوات، وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد; ومن قال بجواز تعدد إقامة الجمعة في كل مسجد بدون حاجة، كسائر الصلوات، تنفيذاً لهمة الشارع ﷺ في التسهيل على هذه الأمة، فقوله مردود عليه، لم يؤيده كتاب ولا سنة
стр. 1799
ولا إجماع، ولا قول صاحب، وليس عندهم في ذلك أثارة من علم. فهلا قالوا بإقامتها لكل أحد في بيته، تسهيلاً وتيسيراً؟! بل التسهيل والتيسير هو اتباع سنته والتمسك بهديه، وإلاقتداء بأفعاله، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] . وقولهم: إن عدم تعدد إقامتها في زمنه وزمن الخلفاء بعده، لما يتولد من إقامتها في موضع آخر من الاختلاف، وخشية الخروج على الأئمة، غير مسلم؛ ولو سلم لهم ذلك، بأنها علة مؤثرة في عدم تعدد إقامة الجمعة، لتعددت بانتفاء العلة، ولا قائل به من سلف الأمة؛ فالأحكام لا يجوز إثباتها بالتحكم بغير دليل، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد ... إلخ؟
فأجاب: الذي نص عليه علماؤنا أنه إن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام فإنها لا تسقط عنه، إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمع؛ وهذا يفهم أن المراد بالامام هو الذي يتولى الصلاة بهم. وهذا الحكم يتعلق بأهل كل بلد، وليس كل بلد فيها إمام أعظم، وهذا يفيده قولهم: إلا أن لا يجتمع به
стр. 1800
من يصلي به الجمعة، نعم إن وقع ذلك في بلد الإمام الأعظم وجبت عليه، وإن لم يتول الصلاة، لأن المتولي للصلاة كالنائب عنه، وبدليل ما ورد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " عيدان إذا اجتمعا في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون " ١، رواه ابن ماجة، فيصير التجميع في قوله: " وإنا مجمعون " يقتضي ما قلناه، لأنه صلوات الله وسلامه عليه، هو الإمام الأعظم، وإمامهم في الصلاة، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: ثالثها وهو الصحيح: أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة؛ لكن على الإمام أن يقيم الجمعة، ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد؛ وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه، ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها؛ وكلام الشيخ يوضح ما قررته قبل.
وأجاب الشيخ أبا بطين: إذا وافق العيد يوم الجمعة، سقطت عمن حضره مع الإمام، كمريض، دون الإمام؛ فإذا اجتمع معه العدد المعتبر أقامها، وإلا صلى ظهراً، وكذا العيد بها، إذا عزموا على فعلها سقطت.
стр. 1801
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن عدم التدريس يوم الجمعة؟
فأجاب: وأما عدم التدريس يوم الجمعة، ففي السنن عنه ﷺ : " أنه نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة " ١، وصار عادة للناس، وبعضهم يترك التدريس في الجمعة والاثنين عادة.
وأما قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فهو عام لجميع اليوم، لأن في الحديث الوارد في ذلك إطلاقه اليوم، ولم يقيده بأوله.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن قوله: " من صلى على النبي ﷺ عشراً، صلى الله عليه مائة، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً " ٢.
فأجاب: هو ثابت في الحديث.
وسئل الشيخ أبا بطين: عن " الذي قال للنبي ﷺ : أجعل لك كذا من صلاتي؟ " ٣.
فأجاب: المراد - والله أعلم-: الصلاة عليه ﷺ كقوله: " اللهم صل على محمد " ٤ ونحو ذلك، ففيه الإشارة إلى الإكثار من الصلاة عليه ﷺ . ويراد بالصلاة عليه: الدعاء، لأن الدعاء يسمى صلاة، فكأنه قال: كم أجعل لك من دعائي؟
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل يترك للأمير مكان في المسجد ... إلخ؟
стр. 1802
فأجاب: أما إذا كان أهل المسجد يتركون مكاناً للأمير إكراماً له، فالمسجد لمن سبق إليه، وأحق الناس بالمكان الذي وراء الإمام، الذين يعرفون الدين والفقه؛ ولو ترك لهم مكان فلا بأس، وإن تركوا للأمير مكاناً فلا ينكر عليهم. وأما جلوس الإمام ينتظر الأمير، فلا أعلم في ذلك بأساً إذا لم يشق على المأمومين.
وأجاب الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم، ابنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان، رحمهم الله تعالى: قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " مَن سبق إلى مكان فهو أحق به " ١، وقال ﷺ : " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " ٢، فالأفضل: أن الذي يلي الإمام هو الأفضل في الدين، وأما التاجر وغيره من الناس، فليسوا بأحق من غيرهم بهذا المكان. وأما الأمير إذا ترك له مكان مراعاة له، وخوفاً من مفسدة أرجح من ذلك، فلا بأس به، لأجل دفع المفسدة ومراعاة المصلحة. وكذلك لا بأس به إذا كان القادم رجلاً صالحاً أو فاضلاً، فتفسحوا له بطيب نفس منهم من غير استمرار منهم. وأما الفاجر والفاسق، فلا حرمة لهم، وليسوا من أولي الأحلام والنهى; وكذلك لا يجوز أن يجعل الرجل له إيطاناً كإيطان البعير لا يصلي إلا فيه.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين، رحمه الله تعالى: عمن يضع عصاه في مكان فاضل من المسجد ... إلخ؟
стр. 1803
فأجاب: إذا كان إنسان يجلس في المسجد، فلا بأس بكونه يجعل عصاه في مكان فاضل، بحيث أنه ما يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، من نحو وضوء، وكذلك لفطور وسحور ونحوه; وإن كان يجعل عصاه في مكان ويخرج لأشغاله، لنحو بيع وشراء وفلاحة ونحوه، فلا ينبغي لمثل هذا يجعل عصاه في مكان يحميه عن غيره. وأما الذي يخرج لنحو أكل وشرب أو وضوء، فلا بأس بجعل عصاه في مكان فاضل، ليحوز فضيلة الصف الأول، أو وسط الصف، وكذلك الجمعة وغيرها. وأما من دخل المسجد ووجد فيه عصا يضعها أهلها ويخرجون لأغراضهم، فلا بأس بتأخيرها والمجيء في موضعها؛ فإذا حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك، إذا أخرت عصاه وجلست في مكانه، فالذي أحبه تركها والجلوس في مكان آخر.
وأجاب أيضاً: وأما وضع العصي في المسجد يوم الجمعة أو غيره، فالذي نهينا عنه من فعل بعض الناس يدخل المسجد وهو محدث، فيضع عصاه ويخرج للاشتغال بأمر دنياه، وكذلك بعض الأولاد يجيء بأربع عصي أو أكثر أو أقل، ويضعها بمواضع من المسجد، وربما أن صاحب العصا ما يجيء إلا عند دخول الإمام، ويتخطى رقاب الناس. وأما من دخل المسجد وصلى فيه ما تيسر، ثم خرج لأكل أو شرب أو وضوء أو غلبة نوم، أو قام في ناحية من نواحي المسجد لشمس أو ظل، فهذا ما يقال فيه شيء.
стр. 1804
ومن احتج بقول بعض الفقهاء، في وضع المصلى، فهذا ذكره كثير، وأنكره الشيخ تقي الدين، لأنه تحجر للمسجد؛ وقد أنكر الإمام على من فعل ذلك في مسجد رسول الله ﷺ . وقياس العصا على المصلى المفروش فيه لا يصح، ومن المعلوم أنه لو كان يفعل في زمن من سلف لذكروه، لأنهم ينقلون العصي ولم ينقل أنهم فعلوا بها ذلك، والظن أنهم لو رأوا ثلاثة صفوف أو أربعة أو خمسة، مبسوط فيها سجادات، لأنكروا ذلك، وواضع السجادة ربما يعتذر ببخار الأرض، أو بردها أو حرها؛ وبكل حال فهذا لم ينقل عن الصحابة والتابعين وتابعيهم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن حديث: " من مس الحصى " ... إلخ؟
فأجاب: أما حديث: " من مس الحصى فقد لغا " ١ فرواه مسلم في صحيحه، وليس فيه: " ومن لغا فلا جمعة له "، ولفظه ﷺ : ?" من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا " ٢، لكن روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث علي: " ومن قال لصاحبه: صه، فقد تكلم، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له " ٣، قال النووي في شرح حديث مسلم: فيه النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة. انتهى. وهو واف بالمقصود.
стр. 1805
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما مس الحصى في حال الخطبة، فقد صرح العلماء بكراهة العبث في تلك الحال؛ ولا فرق بين العبث بيد، أو رجل، أو لحية، أو ثوب، أو غير ذلك.
[خصائص الجمعة]
وسئل: عما روى عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال بعد صلاة الجمعة: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، فله من الأجر كذا وكذا " ١.
فأجاب: لا أعلم له أصلاً.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ومن البدع ما اعتيد في بعض البلاد، من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعاً؛ فيزجرون عن ذلك أشد الزجر.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عما ورد في يوم الجمعة من الخصائص، وهل يختص بما قبل الزوال أم لا؟ مثل قراءة سورة الكهف وغيرها.
فأجاب: خصائص الجمعة على ثلاثة أضرب:
الأول: محله قبل الصلاة، كالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب، وتأكد السواك، ومنع من تلزمه الجمعة إذا دخل وقتها من السفر ونحو ذلك.
الثاني: ما لا يختص بما قبل الصلاة، كاستحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، ومزية الذكر، والصدقة، ونحو ذلك.
الثالث. متردد بينهما بحسب ما ورد، كقراءة
стр. 1806
سورة الكهف، وساعة الإجابة. فأما قراءة سورة الكهف، فورد في قراءتها ما يقتضي أن ليلة الجمعة كيومها، محل لحصول الفضل الوارد لما اقتضاه مجموع هذه الآثار: فروى الدارمي عن أبي سعيد موقوفاً: " من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق " ١. ومنها ما يقتضي تخصيصه باليوم، كما روى أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث ابن عمر، ﵄، عن النبي ﷺ : " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين "، قال الحافظ المنذري: إسناده لا بأس به، وقال ابن كثير: في رفعه نظر. وذكر في المغني عن خالد بن معدان: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، قبل أن يخرج الإمام، كانت له كفارة ما بينه وبين الجمعة، وبلغ نوره البيت العتيق؛ وظاهر كلام الفقهاء أنه كالذي قبله لا يختص بما قبل الصلاة.
وأما ساعة الإجابة: ففيها أقوال تزيد على أربعين، ذكرها ابن حجر في الفتح، والجلال السيوطي في شرح الموطإ. وذكر العلامة ابن القيم كثيراً منها، ثم قال: وأرجح الأقوال فيها قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، أحدهما أرجح من الآخر: الأول: أنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة; قلت: رجحه البيهقي، وابن العربي،
стр. 1807
والقرطبي، وقال النووي: إنه الصحيح والصواب; قال ابن القيم: الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق، وساق ما يدل على ذلك، كحديث عبد الله بن سلام، ثم قال: وهذا القول هو قول أكثر السلف، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة؛ وبقية الأقوال لا دليل عليها، انتهى ملخصاً.
وقال المحب الطبري: إن أصح حديث فيها: حديث أبي موسى في مسلم، وأشهر الأقوال فيها: قول عبد الله بن سلام؛ قال ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف، واستند صاحبه إلى اجتهاد دون توقيف. انتهى.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن محمد، ﵏: أما سورة الكهف، فظاهر الخبر الآتي، وصريح كلام الفقهاء الحنابلة والشافعية، أنها في مطلق اليوم؛ والأصل فيها ما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي سعيد مرفوعاً: " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين " ١، وفي رواية للبيهقي: " ما بينه وبين البيت العتيق "، قال في شرح الجامع الصغير: وفي رواية: " ليلة الجمعة " بدل " يوم الجمعة "، وجمع بأن المراد اليوم بليلته، والليلة بيومها.
وقال في شرح المنهاج: وفي الفتاوى المصرية هي المطلقة يوم الجمعة، ما سمعت أنها مختصة بعد العصر. انتهى.
وقال في شرح المنهاج: ويستحب الإكثار من قراءتها، كما نقل عن
стр. 1808
الشافعي، وقراءتها نهاراً آكد، وأولاها بعد الصبح مسارعة للخير. انتهى. فلم يقيدها بغير الأولوية؛ وعليها يحمل ما حكاه في المغني وغيره، عن خالد بن معدان، من أنها قبل الصلاة؛ لكن هل الليلة ما قبل اليوم، أو ما بعده؟ قال ابن القيم في البدائع: هذا مما اختلف فيه، فحكي عن طائفة أن ليلة اليوم بعده، والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله. ومنهم من فصل بين الليلة المضافة إلى اليوم، كليلة الجمعة وغيره: فالمضافة إلى اليوم قبله، والمضافة إلى غيره بعده; والذي فهمه الناس قديماً وحديثاً، من قول النبي ﷺ : " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي " ١ أنها الليلة التي تسفر صبيحتها عن يوم الجمعة. انتهى ملخصاً.
وقد جاء الحديث أيضاً بقراءة سورة هود وسورة آل عمران في يومها، رواه الدارمي في مسنده عن عبد الله بن رباح مرفوعاً: " اقرؤوا سورة هود " ٢، ثم أخرجه كذلك بزيادة عن كعب، وهو في مراسيل أبي داود، قال الحافظ: مرسل صحيح الإسناد. وروى الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس مرفوعاً: " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران، صلى الله عليه حتى تحتجب الشمس " ٣. ومما ورد من الخصائص مطلقاً أيضاً، الصلاة على رسول الله ﷺ فيه، رواه أبو داود والترمذي، من حديث موسى بن أوس؛ قال الحاكم: صحيح على شرط
стр. 1809
الشيخين. ومن ذلك آكدية الدعاء، والتفرغ للعبادة، ومزيد الصدقة، ودنو أرواح المؤمنين من قبورهم، وتوافيها فيه.
وأما الاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب، وقص الشارب وتقليم الأظفار، والنهي عن التخطي والتفريق، والتحلق والحبوة، فدلت الأخبار على أنه قبل الصلاة، وإن كان ظاهر الفروع في الاغتسال عدم التقييد، لأنه قال في يومها الحاضر، إن صلاها، إلا لامرأة، وقد قيل: ولها. انتهى. ففي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً: " من أتى الجمعة فليغتسل " ١، وفي السنن عن أبي هريرة مرفوعاً: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح " ٢، فذكره إلى أن قال: قال: " فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر " ٣. وفي سنن أبي داود، عن أبي سعيد مرفوعاً: " من اغتسل يوم الجمعة ولبس أحسن ثيابه، ومس من الطيب إذا كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط رقاب الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج الإمام " ٤ الحديث. وفي البخاري عن سلمان مرفوعاً: " ثم راح ولم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت " ٥ الحديث. وفي الطبراني عن أبي هريرة: " كان رسول الله ﷺ يقلم أظفاره، ويقص شاربه، يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة ". وفي مسند أحمد وسنن أبي داود، عن ابن عمر: " نهى رسول الله ﷺ عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب " ٦.
стр. 1810
وأما السفر لمن كان من أهل وجوبها، فمنعه الأصحاب بعد الزوال، إن لم يخف فوت رفقته، إذا لم يأت بها في طريقه، وقبل الزوال فمكروه بشرطه; قال ابن المنذر: لا أعلم خبراً ثابتاً بمنع السفر أول النهار إلى الزوال، وإنما يمنع إذا سمع النداء، لوجوب السعي حينئذ. وقال المجد في شرح الهداية: روى ابن أبي ذئب قال: " رأيت ابن شهاب يريد يسافر يوم الجمعة ضحوة، فقلت له: تسافر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ سافر يوم الجمعة "، رواه البخاري، وهو أقوى وجوه المرسل، لاحتجاج من أرسله به. انتهى.
وفي مسند الشافعي، عن عمر أنه رأى رجلاً عليه هيئة السفر، فسمعه يقول: " لولا أن اليوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرج، فإن الجمعة لا تحبس عن سفر "، وفيه عن علي نحوه. وفي سنن سعيد بن منصور: عن ابن كيسان: " أن أبا عبيدة ابن الجراح سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة ". وأما ما رواه الدارقطني في الإفراد عن ابن عمر يرفعه: " من سافر يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره "، ففيه ابن لهيعة، ولا يحتج بحديثه عند الحفاظ.
وأما ساعة الإجابة، فاختلف العلماء فيها وفي موضعها من اليوم على أكثر من أربعين قولاً، ذكرها في الفتح، ولوامع الأنوار وغيرها، ونظمها السيوطي في سبعة عشر بيتاً; وأقرب الأقوال فيها قولان، وأحدهما أرجح من الآخر، كما ذكره في
стр. 1811
الهدي وغيره: الأول: ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. الثاني: أنها بعد العصر؛ وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، وذكره ابن جرير عن ابن عباس؛ قال الترمذي: هو مذهب أحمد وإسحاق وجماهير من أهل العلم.
خاتمة: ذكر في التوشيح وغيره، أن خصائص الجمعة تزيد على الأربعين.
стр. 1812
باب صلاة العيدين
سئل بعضهم، ﵀: هل هي فرض كفاية ... إلخ؟
فأجاب: أما صلاة العيدين، فالصحيح من أقوال العلماء أنها فرض كفاية؛ ومن قال: إنها سنة، قال: إذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام. واستدلوا على أنها فرض كفاية، بأن النبي ﷺ أمر بها مالك بن الحويرث وصاحبه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، وصالح بن عبد العزيز، ومحمد بن إبراهيم، إلى الإمام المكرم: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله تعالى، وأعاذه من مضلات الأهواء والفتن، ورزقه العمل والتمسك بواضح السنن، آمين; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقد تحققنا ما أحدث في مكة المشرفة، من العيد المسمى بعيد الجلوس في آخر شعبان، الذي هو مضارع لأعياد الجاهلية، ولم يمنعنا من الكلام فيه، ومشافهتك بذلك
стр. 1813
لما كنت عندنا، إلا أنا ظننا أنه لا يفعل هذا العام، من أجل أنه تقدم من بعضنا مناصحة لك في ذلك. وأنت فاهم، سلمك الله، أن رسول الله ﷺ لما بعثه الله تعالى بالملة الحنيفية، محا جميع ما عليه الجاهلية، من الأعياد الزمانية والمكانية، وعوض الله تعالى عنها الحنفاء، بعيد الفطر، وعيد الأضحى; ومما يدل على ذلك حديث أنس، قال: " قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر " ١، أخرجه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح. وتقرر في الشريعة المطهرة: أنه لا يسوغ تعظيم زمان أو مكان بنوع من أنواع التعظيم، إلا زمان أو مكان جاء تعظيمه في الشرع; فكما أن تعظيم القبور، أو بقعة لم يجيء تعظيمها في الشرع من أعظم البدع، فكذلك تعظيم زمان من الأزمنة، ولا فرق. فلو ساغ تعظيم زمان من الأزمنة التي لم يدل على تعظيمها الشرع وجعله عيداً، لساغ تعظيم ليلة الإسراء، ويوم بدر، ويوم الفتح، وجعلها أعياداً، لما حصل في تلك الأزمنة من الخير الكثير وإعلاء كلمة الله تعالى، وتشريف رسول الله ﷺ ؛ وقد هدمت المولد، والقباب التي على القبور، لكونها أعيادا بدعية.
وبالجملة، فهذه إشارة ونصيحة؛ فإن كان أحد قد شبه
стр. 1814
في ذلك ولبس، فبينوا لنا ذلك، ونحن مستعدون إن شاء الله تعالى لكشف شبهته، وبيان باطله بالادلة الشرعية، والحجج الواضحة القطعية المبسوطة، التي تقر بها أعين أهل السنة والإيمان، وتضمحل بها شبه أهل الزيغ والطغيان، ولا قوة إلا بالله، والسلام.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن خروج النساء في العيد ... إلخ؟
فأجاب: لا يعجبني في زماننا هذا، لأنهن فتنة، وكذا سائر الصلوات؛ قال في الاختيارات بعد كلامه في ذم البدع، كإنكار الصحابة على من أذن في صلاة العيدين لأنه لم يفعله ﷺ ، وإن كان فاعله قد يحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] ونحو ذلك، كإنكارهم على من قدم خطبة العيد على الصلاة، وإنكارهم على من رفع يديه في الخطبة، وإن كان رفع اليدين في الدعاء وردت به الأحاديث، لكن إنما أنكر الرفع في هذا المحل، لأن النبي ﷺ لم يفعله في هذا الموضع؛ والآثار عنهم وعن التابعين والأئمة في ذلك كثيرة.
سئل بعضهم: ما قولكم في خطبة العيد، هل تستفتح بالتكبير أو بالحمد؟ فبينوا لنا رحمكم الله.
فأجاب: هذه المسألة للناس فيها أعمال، لكل قوم
стр. 1815
عمل: فبعضهم يختار افتتاحها بالتكبير، وأن يكون تسعاً نسقاً، لفعل بعض الصحابة، وبعضهم يستحب افتتاحها بالحمد لله، بل افتتاح جميع الخطب، منهم تقي الدين بن تيمية، قدس الله روحه.
وقال ابن القيم - في الحمد لله - في كتاب الهدي: وكان [أي: ﷺ ] يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه افتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجة في سننه: " أن النبي ﷺ كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين " ١، وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به.
وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين، والاستسقاء: فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار; وقيل: يفتتحان بالحمد; قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب. انتهى كلامه.
فينبغي للمرشد والمسترشد: أن يعلم ما كان عليه السلف الصالح، وما نقلوه عن النبي ﷺ ، ويفهم أن مسائل الخلاف بين هؤلاء الجهابذة توجب له طلب العلم، ربما عند من خالفك من العلم ما لا يكون عندك، اللهم إلا أن يكون من أهل هذا الشأن، والله أعلم.
стр. 1816
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الاستفتاح في صلاة العيد، بعد تكبيرة الإحرام؟ وما يقول بين كل تكبيرتين؟
فأجاب: قد ذكر الفقهاء أنه يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يكبر ستاً زوائد قبل التعوذ، ثم يتعوذ عقب السادسة بلا ذكر، ثم يشرع في القراءة. ويكبر في الركعة الثانية بعد قيامه من السجود، وقبل قراءتها، خمساً زوائد، يرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً، لما روى عقبة بن عامر، قال: سألت ابن مسعود؛ رواه الأثرم وحرب، واحتج به أحمد، هذا هو المختار عندهم، وإن أحب قال غير ذلك، ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين بذكر.
وسئل: عن التكبير؟
فأجاب: يستحب إظهار التكبير في ليلتي العيدين، في المساجد والمنازل والطرق، للمقيم والمسافر، ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر كلها. ولا خلاف أن التكبير مشروع في عيد النحر، فذهب أحمد إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى العصر من آخر أيام التشريق، لحديث جابر. قيل لأحمد: بأي شيء تذهب إلى ذلك؟ قال: بإجماع عمر وعلي، وابن عباس وابن مسعود. وصفة التكبير: الله أكبر،
стр. 1817
الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. انتهى من مختصر الشيخ محمد.
وعبارة أخرى: ويتأكد من ابتداء ليلتي العيدين، وفي الخروج إليها إلى فراغ الخطبة; وفي الأضحى يبتدئ المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة، إلى فراغ الخطبة يوم النحر، والمقيد فيه: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إن كان محلاً، وإن كان محرماً فمن صلاة الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ ويجزئ من التكبير مرة واحدة، وإن زاد فلا بأس، وإن كرره ثلاثاً فحسن. وأما تقديم التكبير على التهليلات العشر، فهذا الذي عليه الناس، ولا نعلم أحداً أنكره. والتكبير في ليلة عيد الفطر مطلق غير مقيد؛ قال أبو الخطاب: يكبر من غروب الشمس إلى خروج الإمام إلى المصلى.
وسئل: هل على الحاج من التكبير المقيد شيء، لأنه يشتغل بالتلبية قبل قطعها برمي حصى جمرة العقبة؟
فأجاب: المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، لأنه قبله مشغول بالتلبية؛ والجهر مسنون إلا في حق النساء.
تنبيه: إن اجتمع تلبية وتكبير، كمن لم يرم جمرة العقبة حتى صلى الظهر يوم النحر، كبر ثم لبى؛ نص عليه أحمد، لأن التكبير مشروع مثله؛ فقد عرفت أن تكبير المحرم يبتدي عقيب الظهر يوم النحر.
стр. 1818
قال الشيخ سليمان بن سحمان: قال شيخ الإسلام: وأما التهنئة يوم العيد، يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد الصلاة: تقبل الله منا ومنك، أو أحاله الله عليك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره؛ لكن قال أحمد: أنا لا أبتدي، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك أن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس هو سنة مأمور بها، ولا هو أيضاً مما نهي عنه؛ فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم.
стр. 1819
باب صلاة الكسوف
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: هل صلاة الكسوف واجبة أو لا؟
فأجاب: وأما صلاة الكسوف، فالمشهور عند العلماء أنها غير واجبة، وبعضهم يوجبها، وهم الأقل.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن قولهم: ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي، هل المراد شروعه في التجلي فتفوت بزيادة التجلي؟ أم لا تفوت إلا بالتجلي التام؟
فأجاب: بل المراد التجلي التام، ولا عبرة بزيادة التجلي مع بقاء الكسوف؛ وعلى ذلك المالكية والشافعية والحنابلة. أما كلام المالكية، فقال التتائي في شرح خليل: عند قول المصنف: وإن تجلت في أثنائها: قوله: تجلت، أي: جميعها، فلو تجلى بعضها تمت على صفتها، ولو تجلى بعضها قبل الشروع فيها، أقاموها رغبة في إكمالها كما لو انكسف بعضها ابتداء. انتهى كلامه.
وأما كلام الشافعية، فقال المزجد في العباب: فرعٌ:
стр. 1820
تفوت صلاة الكسوف بالانجلاء التام يقيناً، لا إن شك فيه؛ وقال في كنْز المحتاج في تحقيق المنهاج: وتفوت صلاة الكسوف بالانجلاء، ولو انجلى بعضها فله الشّروع في الصلاة للباقي، كما لو لم يكسف منها إلا ذلك القدر. انتهى.
وأما كلام الحنابلة، فقال في شرح الإقناع: وإن تجلى السحاب عن بعضها، أي: الشمس، وكذا القمر، فرأوه صافياً لا كسف عليه، صلوا صلاة الكسوف، لأن الباقي لا يعلم حاله، والأصل بقاؤه. وإن تجلى الكسوف قبلها لم يصل، وإن خف قبلها شرع وأوجز. انتهى كلام الشارح.
فتأمل قوله: وإن خف قبلها شرع وأوجز. وتأمل قول التتائي: ولو تجلى بعضها قبل الشروع فيها أقامها رغبة في إكمالها. وتأمل كلام المزجد، وكلام البكري في الكنْز، أعني: قوله: لو انجلى بعضها فله الشروع في الصلاة للباقي.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل للاجتماع للصلاة عند نزول البلاء أصل؟
فأجاب: ما علمت لذلك أصلاً من كونه شرع لذلك صلاة كالاستسقاء والكسوف، وأما ما يفعله بعض الناس من ذبح شاة أو غيرها يسمونه فدية، فهذا لا شك أنه بدعة لا يجوز. وأجاب أيضاً: ما علمت للخروج للصحراء أصلاً، لكن
стр. 1821
يوعظون ويؤمرون بالتوبة والصدقة، وكل أحد يصلي في بيته ركعتين توبة إلى الله تعالى، لأن صلاة التوبة مشروعة لكن بغير جماعة.
стр. 1822
باب الاستسقاء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ذكر في السيرة أن أهل مكة طلبوا آيات، وأن الله منع إجابتهم رحمة; والفائدة: كون الإنسان يعرف أنه حري يمنع شيئاً من دعائه رحمة به، ولو يعطى ما طلبه كان عذاباً عليه كثعلبة.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الدعاء بظهور اليدين؟
فأجاب: وأما الدعاء بظهور اليدين فهو جائز، ويكون قد ترك السنة لأنه ثبت عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله: " إذا دعوت فادع بباطن كفيك ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بها وجهك " ١، رواه أبو داود وابن ماجة.
стр. 1823
كتاب الجنائز
التداوي والرقى
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن الذين إذا مرض أحدهم يحفون ويحوطون، فيقرؤون شيئاً من الآيات بحساب وأعداد، فإذا انتهى قالوا: يا قاضي الحاجات؟
فأجاب: الذي وردت به السنة: دعاء العائد له وحده، من غير تكلف ولا اجتماع؛ فإن شاء رقاه بما وردت به السنة، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لزوجته لما نخستها عينها: " إنما يكفيك أن تقولي: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " ١؛ هذا جنس المشروع، وأما على هذه الكيفية فبدعة.
وسئل ابنه الشيخ عبد اللطيف: عن الرقية بالقرآن، إذا كان الراقي يبصق بريقه؟
فأجاب: هذا جائز لا بأس به، وريق الراقي على هذه الصفة لا بأس به؛ بل يستحب الاستشفاء به، كما في حديث
стр. 1824
الرقية بالفاتحة. وأما ما يفعله بعض الناس مع من يقدم من المدينة، من الاستشفاء بريقهم على الجراح، فهذا لا أصل له، ولم يجئ فيمن أتى من المدينة خصوصية توجب هذا. والحاج أفضل منه، ولا يعرف أن أحداً من أهل العلم فعل هذا مع الحاج، وإنما لو أراد الاستشفاء بريق المسلم مع تربة الأرض، إذا سمى الله في ذلك، كما في حديث: " بسم الله. تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا " ١؛ فهذه الرقية من المسلم الموحد على هذا الوجه، قد جاءت بها الأحاديث.
وسئل: عن الكاهن إذا سئل عن دواء مباح، والسائل والمريض مسلمان؟
فأجاب: إن كان خبر الكاهن بالدواء ومنافعه من طريق الكهانة، فلا يحل تصديقه، وهو داخل في الوعيد، وإن كان من جهة الطب ومعرفة منافع الأدوية، فلا يدخل في مسألة الكاهن.
سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن الذبح عند المريض ... إلخ؟
فأجاب: لا ريب أن التقرب إلى الله بالنسك من أفضل القربات، وأعظم الطاعات، ومن أشرف الحسنات، وأفضل النفقات للمسلم إذا حسن قصده في ذلك، وتجرد من الشوائب والأسباب التي توجب حبوط العمل وعدم الانتفاع به، أو لحوقه بالمعاصي التي يعاقب عليها، قال الله تعالى:
стр. 1825
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢] ، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] . فما يتقرب به المسلم إلى الله من الهدايا والأضاحي، وغير ذلك من النسك المأمور به شرعاً، كل ذلك من العبادات التي أمر الله بها عباده؛ فمن فعل من ذلك شيئاً لغير الله فهو مشرك.
وقد كان المشركون يتقربون إلى معبوداتهم بأنواع من القرب، كالهدايا والنذور وغير ذلك؛ وهذا من الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . في صحيح مسلم عن علي قال: " حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله " ١ الحديث، وساق حديث طارق: " دخل الجنة رجل في ذباب " الحديث.
ومن الشرك: ما يقع في كثير من المدن والبوادي والقرى والأمصار، ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن قل نصيبه من الدين، وخالف سبيل المؤمنين، وسلك طريق المغضوب عليهم والضالين، من الذبح للجن، واتخاذهم أولياء من دون الله، مضاهاة لإخوانهم من المشركين الأولين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سورة سبأ آية: ٤١] ؛ وقد كانوا يجعلون الجن شركاء لله في عبادته، فيذبحون