← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

يوعظون ويؤمرون بالتوبة والصدقة، وكل أحد يصلي في بيته ركعتين توبة إلى الله تعالى، لأن صلاة التوبة مشروعة لكن بغير جماعة.

стр. 1822

باب الاستسقاء قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ذكر في السيرة أن أهل مكة طلبوا آيات، وأن الله منع إجابتهم رحمة; والفائدة: كون الإنسان يعرف أنه حري يمنع شيئاً من دعائه رحمة به، ولو يعطى ما طلبه كان عذاباً عليه كثعلبة. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الدعاء بظهور اليدين؟ فأجاب: وأما الدعاء بظهور اليدين فهو جائز، ويكون قد ترك السنة لأنه ثبت عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله: " إذا دعوت فادع بباطن كفيك ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بها وجهك " ١، رواه أبو داود وابن ماجة.

стр. 1823

كتاب الجنائز التداوي والرقى سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن الذين إذا مرض أحدهم يحفون ويحوطون، فيقرؤون شيئاً من الآيات بحساب وأعداد، فإذا انتهى قالوا: يا قاضي الحاجات؟ فأجاب: الذي وردت به السنة: دعاء العائد له وحده، من غير تكلف ولا اجتماع؛ فإن شاء رقاه بما وردت به السنة، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لزوجته لما نخستها عينها: " إنما يكفيك أن تقولي: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " ١؛ هذا جنس المشروع، وأما على هذه الكيفية فبدعة. وسئل ابنه الشيخ عبد اللطيف: عن الرقية بالقرآن، إذا كان الراقي يبصق بريقه؟ فأجاب: هذا جائز لا بأس به، وريق الراقي على هذه الصفة لا بأس به؛ بل يستحب الاستشفاء به، كما في حديث

стр. 1824

الرقية بالفاتحة. وأما ما يفعله بعض الناس مع من يقدم من المدينة، من الاستشفاء بريقهم على الجراح، فهذا لا أصل له، ولم يجئ فيمن أتى من المدينة خصوصية توجب هذا. والحاج أفضل منه، ولا يعرف أن أحداً من أهل العلم فعل هذا مع الحاج، وإنما لو أراد الاستشفاء بريق المسلم مع تربة الأرض، إذا سمى الله في ذلك، كما في حديث: " بسم الله. تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا " ١؛ فهذه الرقية من المسلم الموحد على هذا الوجه، قد جاءت بها الأحاديث. وسئل: عن الكاهن إذا سئل عن دواء مباح، والسائل والمريض مسلمان؟ فأجاب: إن كان خبر الكاهن بالدواء ومنافعه من طريق الكهانة، فلا يحل تصديقه، وهو داخل في الوعيد، وإن كان من جهة الطب ومعرفة منافع الأدوية، فلا يدخل في مسألة الكاهن. سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن الذبح عند المريض ... إلخ؟ فأجاب: لا ريب أن التقرب إلى الله بالنسك من أفضل القربات، وأعظم الطاعات، ومن أشرف الحسنات، وأفضل النفقات للمسلم إذا حسن قصده في ذلك، وتجرد من الشوائب والأسباب التي توجب حبوط العمل وعدم الانتفاع به، أو لحوقه بالمعاصي التي يعاقب عليها، قال الله تعالى:

стр. 1825

﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢] ، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] . فما يتقرب به المسلم إلى الله من الهدايا والأضاحي، وغير ذلك من النسك المأمور به شرعاً، كل ذلك من العبادات التي أمر الله بها عباده؛ فمن فعل من ذلك شيئاً لغير الله فهو مشرك. وقد كان المشركون يتقربون إلى معبوداتهم بأنواع من القرب، كالهدايا والنذور وغير ذلك؛ وهذا من الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . في صحيح مسلم عن علي قال: " حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله " ١ الحديث، وساق حديث طارق: " دخل الجنة رجل في ذباب " الحديث. ومن الشرك: ما يقع في كثير من المدن والبوادي والقرى والأمصار، ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن قل نصيبه من الدين، وخالف سبيل المؤمنين، وسلك طريق المغضوب عليهم والضالين، من الذبح للجن، واتخاذهم أولياء من دون الله، مضاهاة لإخوانهم من المشركين الأولين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سورة سبأ آية: ٤١] ؛ وقد كانوا يجعلون الجن شركاء لله في عبادته، فيذبحون

стр. 1826

لهم وينذرون لهم، ويستعيذون بهم، ويفزعون إليهم عند النوائب؛ وكان منهم من يفعل ذلك خوفا من شرهم، وتخلصاً من أذاهم، وساق أدلة الاستعاذة بالله من شرهم. ثم قال: فالاستعاذة بالله من أفضل مقامات العبودية، مثل الدعاء والخوف والرجاء والذبح والتوكل، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك. قال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، أو يسميه استخداماً، وصدق، هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان. والذبح للجن يفعله كثير من أهل الجهل والضلال، إذا مرض الشخص أو أصابه جنون أو داء مزمن، ذبحوا عنده كبشاً أو غيره؛ وكثير منهم يصرحون بأنهم ذبحوه للجن، ويزعمون أن الجن أصابته بسبب حدث منه، فيذبحون عنده ذبيحة للجن، يقصدون تخليصه مما أصابه من ذلك الداء. ولا شك أن الجن قد تعرض لبعض الإنس بأنواع من الأذى، كالصرع وغيره، لأسباب يفعلها الإنسي يتأذون بها؛ فإذا ابتلي الإنسان بشيء من ذلك، فالواجب عليه، الفزع إلى الله والاستعاذة به، والالتجاء إليه والتوكل عليه، فبالاعتصام بالله يندفع عدوان المعتدين، من الإنس والجن والشياطين، وأما العدول عن ذلك إلى الالتجاء إلى الجن، والذبح لهم، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله.

стр. 1827

ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي ﷺ " أنه نهى عن ذبائح الجن ". قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوها، أو استخرجوا عيناً، ذبحوا ذبيحة، خوفاً أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك. ثم من الناس من يذبح عند المريض لهذا المقصد الخبيث، ويظهر للناس أنه إنما قصد التقرب إلى الله، والصدقة على الفقراء والمساكين بلحم ما يذبحه، وقد اطلع الله منه على سوء القصد، وأنه إنما قصد بذبيحته التقرب إلى الجن، ولكن منعه من بيان مقصده الخوف من المسلمين؛ وهذا نفاق وزندقة ومحادة لله ورسوله، كإخوانه الموصوفين في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٩] . وإذا عرفت أن الذبح عند المريض على هذا الوصف الذي ذكرنا من الشرك المحرم، فاعلم: أن من الناس من يذبح عند المريض لغير مقصد شركي، وإنما يقصد بالذبح التقرب إلى الله بالذبيحة والصدقة بلحمها، ولا يخفى أن قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك تقتضي المنع من فعل ذلك والنهي عنه، لأن ذلك ذريعة لفعل الشرك، لما قد عرفت أن كثيراً من الناس يذبح عند المريض لقصد التقرب إلى الجن، ولكن يخفي قصده خوفاً من العقوبة، وبعضهم يبين قصده لإخوانه من شياطين الإنس.

стр. 1828

وقد حدثني من لا أتهم أن من هذا الجنس من أتى إلى مريض وأشار بأن يذبح عنده ذبيحة، ثم لما تفرق الناس عنه أسر إليه وأشار أن الذبيحة لغير الله. وبذلك يعلم: أن المتعين: النهي عن الذبح عند المريض، وإن حسن قصد الفاعل، سداً لباب الشرك، وحسماً للذرائع التي تجر إليه؛ فإن العمل وإن كان أصله قربة وفعله طاعة، فقد يقترن به ما يوجب بطلانه، ويقتضي النهي عنه، كأعمال الرياء، وتحري الدعاء والصلاة لله عند القبور، والنحر في أمكنة أعياد المشركين ومواطن أوثانهم، وساق حديث ثابت بن الضحاك - إلى أن قال - ومن مفاسد ذلك: أنه سبب لدخول أهل النفاق، فيذبحون لأوليائهم من الجن، ولا يخافون أحداً من المسلمين، لعلمهم بخفاء سوء قصدهم، وعدم اطلاع المؤمنين على ما أبطنوه من شركهم وضلالهم. انتهى ملخصاً. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله تعالى: عن التوتين؟ فأجاب: التوتين الذي يفعله بعض العوام، يأخذون قيحاً من المجدور، ويشقون جلد الصحيح، ويجعلونه في ذلك المشقوق، يزعمون أنه إن جدر يخفف عنه، فهذا ليس من التمائم المنهي عن تعليقها فيما يظهر لنا، وإنما هو من التداوي عن الداء قبل نزوله، كما يفعلون بالمجدور إذا أخذته

стр. 1829

حمى الجدري لطخوا رجليه بالحناء، لئلا يظهر الجدري في عينيه، وقد جرب ذلك فوجد له تأثير. وهؤلاء يزعمون أن التوتين من الأسباب المخففة للجدري، والذي يظهر لنا فيه الكراهة، لأن فاعله يستعجل به البلاء قبل نزوله، ولأنّه في الغالب إذا وتن ظهر فيه الجدري فربما قتله، فيكون الفاعل لذلك قد أعان على قتل نفسه، كما ذكره العلماء فيمن أكل فوق الشبع فمات بسبب ذلك؛ فهذا وجه الكراهة. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين، ﵀: ما يفعل بالصبي الذي يسمونه "التعضيب"، ما علمت فيه شيئاً، ولا سمعنا له ذكراً في الزمن الأول، ولا أدري عن أمره؛ ولكني أكرهه. وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى: ورد علينا سؤإلات، فمن إخوانكم من يذكره أمراً هيناً، وهو أنه يغرز إبرة في بدن الإنسان حتى يقرب خروج الدم، ثم يؤخذ على رأس الإبرة من دواء اتصل بكم من النصارى، فإذا مكث يومين أو ثلاثة حدث في البدن حبتان أو ثلاث من جنس الجدري، ولا ذكروا أنه صار سبباً لموت أحد; وآخر يقول: مات بسببه أناس كثير، وبالجملة، ما بلغنا عن الله ولا عن رسوله ولا عن أئمة الدين في ذلك تحليل ولا تحريم، إلا أني وقفت على فتيا لبعض تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵏، قال فيها: إنه ما بلغنا فيه شيء إلا أنه يخاف إذا

стр. 1830

حدث بسببه الموت، فيكون الفاعل مثل المتسبب في القتل; ونحن نرى هذا الفعل عندنا ولا فعلناه، ولا نهينا ولا رخصنا، لأنه لم يبلغنا فيه أصل. وأما كون الدواء اتصل بكم من النصارى، فجميع الأعيان الأصل فيها الحل والإباحة، إلا ما ثبت النهي عنه، أو بان فيه مفسدة ظاهرة متحققة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٦] . ومثل هذه الأمور الأمر فيها هين، ويكفي الإنسان فيها السكوت عنها، حتى يتبين دليل شرعي من كتاب الله أو سنة رسوله، وما ثبت عن الصحابة، وما قاله جمع من الأئمة، والله سبحانه لم يترك شيئا مما يجب على الخلق العمل به إلا بينه على لسان رسوله ﷺ ، كذلك ما حرم أدلته ظاهرة معلومة. وأجاب الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم، ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: إن هذا التجدير الذي يسميه بعض الأطباء "التلقيح"، وبعض العامة يسمون "التوتين" و"التعضيب" لا يجوز استعمال ذلك، ولم نقف على شيء من كلام العلماء فيها. وقد سئل عن ذلك الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وأبا بطين وأجابا، ثم ذكروا جوابيهما السابقين، ثم قالوا: ودعوى هؤلاء الجهال أن هذا من الأسباب الجائزة دعوى باطلة لوجهين: أحدهما: أنهم لا يستعملون هذا بعد انعقاد موجبه وحدوثه، فيكون من باب

стр. 1831

التداوي، ولكنهم إنما يفعلون هذا لئلا يحدث; وربما حدث بسببه فيكون قد تسبب لاستعجال البلاء قبل أن ينْزل، وربما قتله فيكون قد أعان على قتل نفسه. الثاني: أن هذا لو كان من باب التداوي وفعل السبب لكان غير جائز، لأنه تداوى بسبب لم يشرعه الله ورسوله، وذلك أن التوتين إنما يكون بالقيح وهو نجس، أو بشيء معمول منه؛ والتداوي بالحرام النجس غير مباح ولا مأذون فيه، لقوله ﷺ : " عباد الله تداووا، ولا تداووا بحرام، فإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " ١. ونحن نمنع من هذا ولا نجيزه، ونعاقب من فعله. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن شحم الخنْزير؟ فأجاب: أما التداوي بأكله فلا يجوز، وأما التداوي بالتلطخ به ثم يغسل بعد ذلك، فهذا ينبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة، وفيه نزاع مشهور؛ والصحيح: أنه يجوز للحاجة، كما يجوز استنجاء الرجل بيده وإزالة النجاسة بيده؛ وما أبيح للحاجة جاز التداوي به، كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح القولين، وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها، كما لا يجوز التداوي بشرب الخمر. وسئل عما يحكى من دم البرازي ٢ أنه دواء لعضة

стр. 1832

الكلب؟ فقال: لا أصل له، والتداوي بالنجس حرام. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: هو نجس حرام، ولا يجوز التداوي به عن عضة الكلب، ولا غيرها. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن هذه المسألة؟ فأفتى بالمنع والشيء إذا كان محرماً في الشرع، فلا يبيحه دعوى نفعه بالتجربة. وسئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن التداوي بكرش الذبيحة وغيرها مما يجعل على محل اللدغة؟ فأجاب: هذا جائز، لأنه من باب التداوي، ولا يقصد فاعله إلا ذلك بقرينة جعله على محل القرص في الحال، فلو ترك وقتاً ما، لم يحصل به نفع كما هو معلوم بالتجربة، وذلك لما فيه من القوة الجاذبة للمادة السمية. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن ضرب مسمار في جدار أو غيره، على حروف مقطعة من حروف الهجاء؟ فأجاب: أما ما يفعله بعض الناس في أمر الضرس، بضرب مسمار كما ذكرت، فهذا من عمل الشيطان. وسئل الشيخ سليمان بن حمدان: هل تجوز وتقبل من الإنسان التوبة بالقلب وحده؟ أم تكون باللسان بألفاظ وصيغ مخصوصة؟ وما هي هذه الألفاظ والصيغ؟

стр. 1833

فأجاب: التوبة من أعمال القلوب، كما صرح بذلك ابن عبد السلام الشافعي في قواعده وغيره; وقال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية: أصل التوبة عزم القلب; وقال النووي: أصلها الندم، وهو ركنها الأعظم. وذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: أن لها ثلاثة شروط، وعبر عنها بعضهم بالأركان، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها في المستقبل؛ وليس منها ما هو متوقف على اللفظ، والمذهب: عدم اشتراط لفظ: إني تائب، أو أستغفر الله، ونحوه. قال ابن مفلح: وقيل: يشترط قوله: اللهم إني تائب إليك من كذا وكذا، وأستغفر الله؛ وهو ظاهر ما في المستوعب; فظاهر هذا: اعتبار التوبة بالتلفظ والاستغفار، ولعل المراد اعتبار أحدهما؛ ولم أجد من صرح باعتبارهما، ولا أعلم له وجهاً. انتهى. إذا علم هذا، فإن القول المعتمد الذي هو المذهب وعليه الأكثر: عدم اشتراط لفظ: إني تائب، أو أستغفر الله، ونحوه في التوبة؛ وعليه، فلا يكون لها صيغة، لأنها لا تتوقف على اللفظ، والصيغ من خصائص الألفاظ، والله أعلم.

стр. 1834

[تلاوة القرآن على الميت قبل أن يغسل] سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن تلاوة القرآن على الميت قبل أن يغسل ... إلخ؟ فأجاب: هذا لا بأس به، وإذا اجتمع رجال ونساء، وأراد الإمام أن يصلي عليهم صلاة واحدة، قدم الرجال فجعلهم مما يليه، لأنهم يستحقون التقديم في الإمامة، فاستحقوا التقديم في الجنائز؛ وقد نقل الجماعة عن أحمد: أنه يقدم إلى الإمام الحر المكلف، ثم العبد المكلف، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. وأما صفة موضعهم بين يدي الإمام للصلاة عليهم، فتجعل رؤوسهم كلهم عن يمين الإمام، وتجعل وسط المرأة حذا صدر الرجل، ليقف الإمام من كل نوع موقفه، لأن السنة أن يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة. وأجاب الشيخ، حمد بن ناصر بن معمر: أما الصلاة على الميت، فإن أوصى الميت بأن يصلي عليه رجل معين، فهو أحق من غيره. ولا يقوم أحد في جنب الإمام، بل يقف الإمام وحده، إلا إن كان المكان ضيقاً، بحيث لا يحصل له الوقوف في الصف، فحينئذ يقف في جنب الإمام للحاجة. [الصلاة على الغال] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: هل تكره الصلاة على غير الغال؟ وقاتل نفسه؟ فأجاب: الصلاة تكره على غير الغال وقاتل نفسه، مثل

стр. 1835

المجاهر بالفسق والكبائر، فقد قال الشيخ تقي الدين: ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه، عقوبة ونكالاً لأمثاله، لتركه ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، والمدين الذي لا وفاء له. وإن كان منافقاً كمن علم نفاقه لم يصل عليه، ومن لم يعلم نفاقه صلي عليه. ومن مات مظهراً للفسق مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فلا بد أن يصلي عليهم بعض الناس، ومن امتنع من الصلاة على أحد منهم زجراً لأمثاله كان حسناً، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن، ليجمع بين المصلحتين، كان أولى من تفويت إحداهما. انتهى. والمراد بكراهة الصلاة على أهل الكبائر للإمام خاصة، أو لأهل العلم والدين المقتدى بهم. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله العنقري: عن الحائض والنفساء، إذا ماتت إحداهما، هل تجوز الصلاة عليها في المسجد؟ فأجابا: إنه يجوز إذا أمن تلويثه، لأن الأحكام انقطعت بالموت.

стр. 1836

فصل قال الشيخ عبد الله بن محمد: ومن البدع رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت، وعند رش القبر بالماء، وغير ذلك مما لم يرد عن السلف. سئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عن كشف الكفن عن وجه الميت؟ فأجاب: لم يبلغني فيه شيء، ولكن الظاهر أن الأمر فيه واسع، إن كشف عنه فلا بأس وإن ترك فكذلك. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن رفع اليدين حال القيام على القبر بعد الدفن؟ فأجاب: ثبت في سنن أبي داود: " أنه ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قال: قفوا على صاحبكم واسألوا له التثبيت واستغفروا له، فإنه الآن يسأل " ١؛ فهذا هو المسنون: أن يستغفر له ويسأل له التثبيت، وأما رفع الأيدي في تلك الحال فلا أراه، لعدم وروده. [التلقين بعد دفن الميت] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: عن التلقين بعد دفن الميت؟

стр. 1837

فأجاب: لم يصح في ذلك عن النبي ﷺ شيء، بل ورد فيه أحاديث ضعيفة، منها حديث أبي أمامة عند الطبراني عن رسول الله ﷺ : " إذا مات أحد من إخوانكم وسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس القبر، ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب. ثم يقول: يا فلان بن فلان، ثم يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً " الحديث. وقد قواه الضياء في المختارة، ثم قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة؟ قال: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم، كانوا يفعلونه; وكان إسماعيل بن عياش يرويه، يشير إلى الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة، وروي أيضاً عن واثلة بن الأسقع، وكرهه جماعة من العلماء، لاعتقادهم أنه بدعة مكروهة، وأما التحريم فليس بحرام.

стр. 1838

وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: قال ابن القيم في الهدي: وكان من هديه ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت، ولا يلقن الميت، كما يفعله الناس اليوم; وأما الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة ... إلخ، فهذا حديث لا يصح رفعه; لكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت ... إلخ؟ فقال: ما رأيت أحداً فعله إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك. انتهى ملخصاً. وقوله: " كان إذا فرغ من دفن الميت ... إلخ "، حديث رواه أبو داود؛ فهذا التلقين لم يثبت عن النبي ﷺ ، وقد أنكر المسلمون ذلك في زماننا، والله أعلم. [وضع الجريدة على القبر] سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن وضع الجريدة على القبر ... ؟ فأجاب: المسألة فيها خلاف، فإن بعض الفقهاء يرى استحباب وضع الجريدة على القبر، وبعضهم لا يرى ذلك، لأنه خاص بالنبي ﷺ ويحتمل العموم. وأما جعل الرياحين على القبر، فبدعة منهي عنها، لأنه من تخليق القبر المنهي عنه، بخلاف جعل الجريدة عليه، لأنه ثبت أن رسول الله ﷺ " مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي

стр. 1839

بالنميمة " ١ ثم أخذ جريدة فشقها نصفين، وجعل على كل قبر منهما نصف الجريدة، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " ٢. [البناء على القبور] سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن البناء على القبور؟ فأجاب: أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: أما بناء القبب على القبور، فهو من علامات الكفر وشعائره، لأن الله أرسل محمداً ﷺ بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجل صالح، لأن اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره، وبنوا عليه بنية وعظموها، فلما أسلم أهل الطائف وطلبوا منه أن يترك هدم اللات شهراً، لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم، حتى يدخلهم الدين، فأبى ذلك عليهم، وأرسل معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب، وأمرهما بهدمها. قال العلماء: وفي هذا أوضح دليل، أنه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القبب التي بنيت على القبور، واتخذت أوثاناً، ولا يوماً واحداً؛ فإنها شعائر الكفر، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ " نهى عن البناء على القبر وتجصيصه وتخليقه والكتابة عليه "؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 1840

آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] . وأما كونه علامة على كفر بانيها، فهذا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان البانى قد بلغه هدي الرسول ﷺ في هدم البناء عليها، ونهيه عن ذلك، وعاند وعصى، ومنع من أراد هدمها من ذلك، فذلك علامة الكفر. وأما من فعل ذلك جهلاً منه بما بعث الله به رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فهذا لا يكون علامة على كفره، وإنما يكون علامة على جهله وبدعته، وإعراضه عن البحث عما أمر الله به ورسوله في القبور. وأما حال أهل العصر الثاني، الذين لم يحضروا البناء، وإنما فعله آباؤهم ومتقدموهم، فالراضي بالمعصية كفاعلها؛ وفيهم من التفصيل ما تقدم في الباني الأول، فافهم ذلك. وهذا إذا لم يُذْبَح عندها وتُعْبَد وتُدْعَى، ويُرْجَى منها طلب الفوائد، وكشف الشدائد، فأما إذا فعل ذلك، فهو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وأما الإشكال الذي ذكره السائل، في حديث علي في القبور، التي أمره الرسول بتسويتها، هل هي قديمة؟ فليس فيه إشكال بحمد الله، لأنه محمول على القبور القديمة، كقبور الجاهلية، لأن البناء على القبور وتعليتها من سنن الجاهلية، ولم يكن ذلك في عهد الصحابة. وأما حديث قبر عثمان بن مظعون، فليس فيه معارضة لما ذكرنا، لأن المراد

стр. 1841

إعلام القبر بعلامة يعرف، كحصاة ونحوها بلا تعلية ولا بناء؛ وهذا لا بأس به عند أهل العلم؛ فحديث قبر عثمان، فيه الدليل على جواز ذلك لكل أحد، وهذا ظاهر، ولله الحمد والمنة. وأجاب أيضاً: والقبور التي باق عليها البناء تهدم. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: ثبت في الصحيح والسنن، عن رسول الله ﷺ : " أنّه نهى عن البناء على القبور، وأمر بهدمه "، كما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت: عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته " ١، وساق بسنده عن جابر، قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه " ٢، وساق عن ثمامة قال: " كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها " ٣. وقال الترمذي: باب ما جاء في تسوية القبور: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل، " أن علياً ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا

стр. 1842

طمسته " ١؛ قال: وفي الباب عن جابر; وقال ابن ماجة في: باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها: حدثنا زهير بن مروان، حدثنا عبد الرزاق عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور " ٢. حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبور شيء " ٣. حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا وهب حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن القاسم بن مخيمر عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ " نهى أن يبنى على القبور ". وقال النووي، ﵀، في شرح مسلم: قال الشافعي، ﵀، في الأم: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله: " ولا قبراً مشرفاً إلا سويته " ٤. وقال الأذرعي، ﵀، في قوت المحتاج: ثبت في صحيح مسلم: النهي عن التجصيص والبناء، وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية باطلة. قال الأذرعي: والوجه في تحريم البناء على القبور، المباهاة والمضاهاة للجبابرة والكفار؛ والتحريم يثبت بدون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة عليه، فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب من يلزم ذلك الورثة

стр. 1843

من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك. انتهى كلام الأذرعي، ﵀. ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضاداً للآخر، مناقضاً له، بحيث لا يجتمعان أبداً؛ فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور كما تقدم ذكره، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في "المعلاة" أكثر من عشرين قبة. ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب، التابوت ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص؛ وقد روى أبو داود من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ " نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه، أو يزاد عليه " ١، " ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها "، كما تقدم في صحيح مسلم. وقال أبو عيسى الترمذي: باب ما جاء في تجصيص القبور والكتابة عليها: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، حدثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ " ٢، هذا حديث حسن صحيح. وهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار، وقال أبو داود:

стр. 1844

باب البناء على القبور: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج قال: حدثني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: " سمعت النبي ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، ويبنى عليه " ١. انتهى. ولعن رسول الله ﷺ من أسرجها؛ والذي رأيته ليلة دخولنا مكة - شرفها الله - في المقبرة، أكثر من مائة قنديل، هذا مع علمكم بأن رسول الله ﷺ لعن فاعله، فقد روى ابن عباس، ﵄، " أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٢، رواه أهل السنن. وأعظم من هذا كله وأشد تحريماً، الشرك الأكبر الذي يفعل عندها، وهو دعاء المقبورين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات; لكن تقولون لنا: إن هذا لا يفعل عندها، وليس عندنا أحد يدعوها ويسألها، ونقول: اللهم اجعل ما ذكروه حقاً وصدقاً، ونسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك. ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ

стр. 1845

مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥-٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وروى الترمذي عن أنس ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: الدعاء مخ العبادة، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " ١، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: حديث: " الدعاء مخ العبادة " ٢ قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها لأمرين: أحدهما: أنه امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، فهو محض العبادة وخالصها. والثاني: إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه، ودعاه لحاجته وحده؛ وهذا أصل العبادة، ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها، وهذا هو المطلوب من الدعاء. وقوله: " الدعاء هو العبادة " ٣، قال شيخنا قال الطيبي:

стр. 1846

أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء; وقال شيخنا: قال البيضاوي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقة، التي تتأهل أن تسمى عبادة، من حيث يدل على أن فاعله مقبل على الله معرض عما سواه، لا يرجو إلا إياه ولا يخاف إلا منه، واستدل عليه بالآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به، إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والسبب على المسبب؛ وما كان كذلك كان أتم العبادة. انتهى كلام العلقمي، ﵀. وأجاب أيضاً: البناء على القبور بدعة محرمة، وعبادتها شرك، بالدلائل من الكتاب والسنة والإجماع؛ فالقباب إذا كانت تعبد فهي أوثان، كاللات والعزى ومناة، ولا نزاع في ذلك، وإن لم تعبد فبناؤها بدعة محرمة، وهدمها واجب; وذلك بالسنة الواردة عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: عن أبي الهياج، قال: " قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته " ١، فأمر ﷺ بهدمه في هذا الحديث، وجاء بلفظ النكرة وهي تعم كل قبر، سواء كان في مكة، أو في المقبرة المسبلة، وفي حديث جابر: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يكتب عليه " ٢. ففي هذه الأحاديث كفاية لمن كان واعياً.

стр. 1847

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: اعلم، رحمك الله: أنه ورد من مصر جواب عن سؤال، وذلك الجواب يتضمن القول بجواز بناء المساجد على القبور، والتعلق بأرواح أربابها، وحصول البركات والمنافع بما يفيض عليه من تلك الأرواح، كما كان يعتقده عباد الأصنام المصورة بصور الملائكة والصالحين، فتعين علي وعلى أمثالي رد ذلك وإبطاله. فأقول، مستعيناً بالله، طالباً في ذلك رضى الله وجزيل ثوابه: الحمد لله رب العالمين، الجواب وبالله التوفيق: لا ريب أن الذي أجاب به هذا المجيب باطل من وجوه: أحدها: أن لفظة الاستظهار بأرواح الأموات، إنما أراد بها التعلق بالأموات والالتجاء والرغب إليهم، لكنه قصد بزخرف العبارة إضلالاً للعوام والجهال؛ فكم تحت هذه اللفظة من شرك، ومحادة لدين الله ولإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [سورة البينة آية: ٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [سورة الروم آية: ٣٠] ؛ وإقامة الوجه هو:

стр. 1848

إخلاص الدين له، وإفراده بجميع أنواع العبادة، كما ذكره المفسرون; والحنيف: المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. وهذا الذي ذكره هؤلاء المنحرفون عن التوحيد، لا ريب أن الله تعالى لم يشرعه ولا رسوله، بل نهى عنه أشد النهي، كما سنذكره إن شاء الله. فقد أكمل الله لنا ديننا وأتم علينا نعمته، وبين رسوله ﷺ ما شرعه الله من دينه أتم بيان، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . وقد بين تعالى أصل دين الإسلام وأساسه، الذي تبنى عليه الأعمال وتصح به، كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٢] ، وما لم يشرعه الله فليس من دين الإسلام، كما في حديث عائشة الذي في الصحيحين: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ٢. وقد بين ﷺ ما شرعه في زيارة القبور، فثبت عنه ﷺ أنه قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة " ٣. وقد شرع الله تعالى ورسوله ﷺ الدعاء للميت في الصلاة عليه وغيرها، لأنه محتاج لدعاء الحي، لانقطاع

стр. 1849

عمله، وأما الاستظهار بروحه، فإنه لا يعرف له معنى غير ما عبر به المجيب عنه، من الرغبة إلى الميت والتعلق به، والالتجاء إليه؛ وذلك هو أصل دين المشركين، ويترتب على ذلك من أنواع العبادة جلها ومعظمها، كالمحبة والدعاء، والتوكل والرجاء ونحو ذلك، وكل هذا عبادة لا يصلح منه شيء لغير الله أبداً. وهؤلاء الأموات ونحوهم، لا قدرة لأحد منهم على أن ينفع نفسه أو يدفع عنها، فضلاً عن غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ١٠٦-١٠٧] ، والله هو المتفرد بالخلق والتدبير، والنفع والضر، والعطاء والمنع، والميت غافل عاجز، لا يسمع ولا ينفع، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ الآية [سورة الأحقاف آية: ٥] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ الآية [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] . وقد قصر الله رغبة عباده عليه، بل كل العبادة بأنواعها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٧-٨] ، وقال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] ؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص.

стр. 1850

والشفعاء يوم القيامة لا يشفع أحد منهم إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٤] ؛ فهي ملكه، ويشفع من شاء فيمن شاء بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . قال أبو العباس ابن تيمية، ﵀: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون: فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن؛ فالشفاعة لأهل الإخلاص بإذنه، ولا تكون لمن أشرك. وحقيقتها: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود؛ وقد بين النبي ﷺ أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى ملخصاً.

стр. 1851

وهو سبحانه لا يرضى من عبده إلا التوحيد الذي هو دينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [سورةالأنعام آية: ١٦٢] . فهذا هو حكم الله الشرعي الذي حكم به على خلقه، بأن يصرفوا أعمالهم له وحده، دون كل من سواه؛ ولهذا قال: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ، وقال في سورة يوسف: ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] . فالعبد وأعماله الظاهرة والباطنة، كلها ملك لله، لا يصلح أن يصرف منها شيء لغير الله؛ فإن صرف العبد منها شيئاً لغير الله فقد وضعه في غير موضعه، وذلك هو الظلم العظيم، كما قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان آية: ١٣] ؛ وأنفع ما للعبد في معاشه ومعاده: أن يوجه وجهه وقلبه إلى الله، ويجمع همته عليه في جميع مطالبه الدنيوية والأخروية، كما قال العارف بالله، الذي استنار قلبه بآيات الله وحججه وبيناته، شعراً: وإذا تولاه امرؤ دون الورى ... طراً تولاه العظيم الشانِ فالعبد مضطر إلى الله الذي محياه ومماته له، فهو قبلة قلبه ووجهه، كما أخبر عن خليله ﵇ أنه قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٩] . وإنما شرع الله ورسوله زيارة

стр. 1852

القبور، لتذكر الآخرة، كما قال ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة " ١، أي: لتسعوا لها سعياً؛ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٥٩] ، فجعلوها محطاً للرحال، ومطلباً للآمال، ومعاذاً وملاذاً؛ وهذا هو الشرك الذي لم يشرعه الله، بل شدد النهي عنه والوعيد عليه، وأخبر أنه لا يغفره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ؛ وهي نكرة في سياق النهي فتعم. فلو جاز الاستظهار بأرواح الأموات، كما قاله هذا الجاهل بالله وبدينه، لجاز أن يستظهر العبد بالحفظة من الملائكة، اللذين هما معه لا يفارقانه بيقين، وهم كما وصف الله ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [سورةالأنبياء آية: ٢٦-٢٧] ؛ وهذا لا يقوله مسلم أصلاً، بل لو فعله أحد كان مشركاً بالله، فإذا لم يجز ذلك في حق الملائكة

стр. 1853

الحاضرين، فلأن لا يجوز في حق أرواح الأموات التي قد فارقت أجسادها، لا يعلم مستقرها إلا الله أولى; قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠-٢٢] . وأنت ترى أكثر الناس انصرفت قلوبهم عن فهم الحق ومعرفته بدليله، حتى تمكنت الشبهات منهم فظنوها بينات، فأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل; وهذا هو الواقع، لا يخفى على ذوي البصائر؛ وقد أنزل الله كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] . الوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ حذر، فيما تواتر عنه، من النهي عن وسائل هذا التعلق والالتجاء بالأموات والرغبة إليهم، فنهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ وصرح طوائف من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، كأصحاب مالك والشافعي بالتحريم لذلك. وقد حكى شيخ الإسلام، ﵀، الإجماع على التحريم لذلك، وهو الإمام الذي لا يجارى في ميدان معرفة الخلاف والإجماع، لما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله: " سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو

стр. 1854

يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد! فإني أنهاكم عن ذلك " ١. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " قاتل الله إليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢. وفي رواية لمسلم: " لعن الله إليهود والنصارى " ٣ الحديث. وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس، ﵃، أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: " لعن الله إليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٤، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً؛ قوله: "خشي": تعليل لمنع إبراز قبره؛ فقد نهى ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، وذلك لأن الفتنة بالصلاة عند القبور ومشابهة عباد الأوثان، أعظم من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقد نهى عن الصلاة في هذه الأوقات، سداً لذريعة التشبه بالمشركين، التي لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي تدعو فاعلها إلى الشرك، الذي أصله التعظيم بما لم يشرع والغلو فيها. وقد أخرج الإمام أحمد،

стр. 1855

وأهل السنن عن ابن عباس، ﵄، قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ; " ١؛ ومعلوم أن إيقاد السرج إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصباً يوفض إليها المشركون، وكذلك اتخاذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنه إذا لعن من فعل ما هو وسيلة إلى التعظيم والغلو، وإن كان المصلي عندها ومتخذها مساجد إنما وجه وجهه وقلبه إلى الله وحده، فكيف إذا وجه وجهه إلى أرباب القبور، وأرواح الأموات، وأقبل عليها بكليته، وطلب النفع منها من دون الله؟ فإنه قد صرف ما هو من خصائص الربوبية، لمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. فمن جعل لله شريكاً يلتجئ إليه ويعلق به قلبه، ويوجه إليه وجهه، ويرغب إليه دون الله، فقد جعل لله نداً، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: " قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك " ٢ الحديث. وقد بين تعالى في كتابه دينه الحنيف، فيما ذكر عن خليله إبراهيم ﵇، أنه ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٨-٧٩] ، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ

стр. 1856

تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] ؛ وبهاتين الآيتين وأمثالهما في القرآن، يميز المؤمن دين المرسلين من دين المشركين: فإقامة الوجه لله بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها هي دين المرسلين، وتوجيه الوجه بشيء من أنواعها لغير الله، هو الشرك الذي لا يغفره الله. وتدبر قول الله تعالى، في وصف أهل الإخلاص: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] ، فالرغبة والرهبة والخشوع، وغير ذلك من أنواع العبادة، كالمحبة والدعاء والتوكل ونحو ذلك، مختص بالله تعالى، لا يصلح منه شيء لغيره كائناً من كان. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ، فإنه ظاهر بأن ذلك الخشوع ونحوه مختص بالله تعالى، كما ذكر اختصاصه بالعبادة عموما، في قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] . ولا يخفى أن هذا المجيب، قد صرف جل العبادة ومعظمها لغير الله، وقد قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرّعد: ١٤] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ

стр. 1857

خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] ؛ فالخبير أبطل الأكاذيب الشيطانية، والتعلقات الشركية في هذه الآية ونظائرها، فتدبر إن كنت للتوحيد طالباً، وفي دين المرسلين راغباً. وقد أجرى الله سبحانه العادة، بوقوع الأمراض العامة والمصائب العظام، في كل مدينة فيها بعض قبور الأولياء والصالحين، فلا يجد أهلها تأثيراً للتعلق بهم في دفع ما أنزل من تلك المصائب؛ وذلك برهان على أن الميت لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عمن تعلق به شيئاً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٨] . الوجه الثالث: أن رسول الله ﷺ نهى أمته أن يجعلوا قبره عيداً، أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " ١. وأخرج أبو يعلى في مسنده، والحافظ الضياء في المختارة، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ

стр. 1858

أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم " ١. وأخرج سعيد بن منصور في سننه: عن سهل بن سهيل قال: "رآني الحسن بن الحسين بن علي، ﵃ عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: سلم إذا دخلت المسجد، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر "، " لعن الله إليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢، " وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " ٣؛ ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء. فهذا علي بن الحسين أفضل التابعين من أهل البيت، والحسن بن الحسين سيد أهل البيت في زمانه، لم يفهما من نهي النبي ﷺ بقوله: " لا تتخذوا قبري عيداً " ٤ إلا نهي أمته عن اعتياد المجيء إلى قبره وملازمته، لأن الصلاة عليه تبلغه ﷺ من المصلي، وإن كان بعيداً عن قبره. ولما في ذلك النهي من سد الذريعة عن العكوف عند القبر وتعظيمه بما لم يشرع ; والعكوف: عبادة شرعها الرسول ﷺ في المساجد، تقرباً بها إلى الله، فلا يجوز أن يفعل ما هو مشروع في المساجد عند القبر، فإن الملازمة والعكوف عندها ذريعة قريبة إلى عبادتها، فتعظيمها بما لم

стр. 1859

يشرعه الله ورسوله غلو، والغلو أعظم وسائل الشرك. والذي فهمه هذان السيدان الجليلان، هو الذي فعله السابقون الأولون، من المهاجرين والأنصار؛ فإن الثابت عنهم المتواتر أنهم كانوا إذا دخلوا المسجد، صلوا على النبي، وسلموا، واكتفوا بذلك عن المجيء إلى قبره ﷺ وذلك لعلمهم بما شرعه الله ورسوله. " وكان ابن عمر ﵁ إذا قدم من سفر سلم على النبي ﷺ ثم على أبي بكر، ثم على أبيه ثم انصرف "؛ فهذا حال الصحابة ﵃، وهم أشد الناس تمسكا بالسنة، وأعلم الناس بما يجوز وما لا يجوز. قال شيح الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، رحمه الله تعالى: ووجه الدلالة من هذا الحديث، أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً فغيره أولى. قال: والعيد ما يعتاد قصده ومجيئه، من مكان أو زمان. وقال ابن القيم، ﵀: وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبهاً من اليهود بالتحريف، وشبهاً من النصارى بالشرك، مراغمة لما قصده الرسول ﷺ وقلباً للحقائق، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة دون الشرك، أقل إثماً وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته، ولو أراد الرسول ﷺ بقوله: " لا تجعلوا قبري عيداً " ١ الأمر بملازمة قبره واعتياد قصده، لما نهى عن اتخاذ قبور

стр. 1860

الأنبياء مساجد، ولعن من فعل ذلك، ولما قال ذلك أعلم الخلق به: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، انتهى. قلت: وفي هذه الأحاديث ما يبطل هذا التحريف الذي أشار إليه العلامة، كتحريف شارح المشارق، فإن قوله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيداً " ١ مسبوق وملحق بما يبين معناه، كقوله: " وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " ٢، وكقوله في الحديث الذي رواه الحسن بن الحسين " لعن الله إليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣، وغير ذلك مما هو ظاهر، يبين مراده ﷺ أنه خشي على أمته تعظيم القبور والغلو فيها، كما في الموطإ عن عطاء بن أبي رباح، أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٤؛ وهذا الحديث صريح في بيان مراد النبي ﷺ بالجملة الأولى من الحديث، والجملة الثانية، حَمَى ﷺ حِِمَى التوحيد، ومثل هذه الأحاديث قوله ﷺ : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " ٥. [من أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور] فقد عرفت مما تقدم: أن من أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور والعكوف عندها؛ ولا ريب أن ذلك يفضي إلى الالتجاء إليها، والتعلق بها، والرغبة إليها، ونحو ذلك من المحبة، وخطابها بالحوائج، وغير ذلك مما لا يمكن عده،
следующие страницы →