← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وأما المسائل التي ذكر في الجنائز، من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، وكذا وكذا، فهذا أنواع; ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال: " لعن الله إليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١. وذكر العلماء التغليظ في هذه الأمور، لأنه يفتح باب الشرك، كما أن أول ما حدث في الأرض بسبب ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، لما عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم يتذكرون بها الآخرة، ثم بعد تلك القرون عبدوها، فكذلك في هذه الأمة، كما قال ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ٢. فأول ما حدث: الصلاة عند القبور، والبناء عليها من غير شرك، ثم بعد ذلك بقرون وقع الشرك، وأول ما جرى من هذا: أن بني أمية لما بنوا مسجد الرسول ﷺ واشتروا بيوتاً حوله، ولم يكن إدخال بيت النبي ﷺ الذي فيه قبره وقبر صاحبيه مرادهم، ولكن أدخلوا البيت في المسجد لأجل توسيع المسجد، لم يقصدوا تعظيم الحجرة بذلك، ولكن قصدوا توسعة المسجد، ومع هذا أنكره علماء المدينة، حتى قتل خبيب بن عبد الله بن الزبير بسبب إنكاره ذلك؛ فانظر إلى سد العلماء الذرائع. وأما النذر له، ودعاؤه، والخضوع له، فهو من الشرك

стр. 1892

الأكبر; وتأمل ما ذكره البغوي في تفسير سورة نوح، في قوله: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً﴾ الآية [سورة نوح آية: ٢٣] ، وما ذكر أيضاً في سورة النجم، في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] أن اللات قبر رجل صالح، فتأمل الأصنام التي بعث الرسول بتغييرها، كيف تجد فيها قبور الصالحين. [القراءة عند القبور وحمل المصاحف إليها] وأجاب ابناه: حسين وعبد الله، ﵏، أن القراءة عند القبور وحمل المصاحف إلى القبور، كما يفعله بعض الناس، يجلسون سبعة أيام، ويسمونها الشدة، وكذلك اجتماع الناس عند أهل الميت سبعة أيام، ويقرؤون فاتحة الكتاب، ويرفعون أيديهم بالدعاء للميت، فكل هذا من البدع والمنكرات المحدثة، التي يجب إزالتها، ولم يكن يفعل على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد خلفائه الراشدين من ذلك شيء؛ ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . ولم يمت رسول الله ﷺ حتى أكمل الله به دين الإسلام; وثبت في الصحيح عن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١، وفي حديث العرباض بن سارية، الذي أخرجه أبو داود

стр. 1893

في سننه، وأحمد في مسنده: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ١. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن قراءة سورة يس في المقبرة؟ فأجاب: الحديث المروي في قراءة سورة يس في المقبرة، لم يعز إلى شيء من كتب الحديث المعروفة، والظاهر عدم صحته؛ والقراءة في المقبرة اختلف فيها العلماء، وفيها عن أحمد روايتان: إحداهما: الجواز، وعليه أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد. والثانية: الكراهة؛ قال الشيخ تقي الدين: وهو قول قدماء أصحاب أحمد، وهو قول السلف. وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن الأذان والقراءة عند القبر بعد دفن الميت؟ فأجاب: الأذان عند القبر بدعة منكرة، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا فعله أحد ممن يقتدى به؛ وقد نهى النبي ﷺ عما هو دون ذلك، من الصلاة في المقبرة، وإليها، وإن كان المصلي يصلي لله، لئلا يكون ذريعة إلى تعظيم القبور وعبادتها. وأما القراءة حال الدفن، فقال شيخ الإسلام: نقل الجماعة عن أحمد كراهة القراءة على القبور؛ وهو قول

стр. 1894

جمهور السلف، وعليها قدماء أصحابه، ولا رخص في اعتياده عيداً، كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم. واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة، ولو للقراءة، ولو نفع لفعلها السلف. وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن: وأما إن بعض الناس يجوز القراءة على القبر، زاعماً أن ابن القيم ذكر في كتاب الروح أخباراً تدل على ذلك، فالجواب أن يقال: ما أطلقه هذا القائل يحتاج إلى تفصيل: فإن كان مقصوده جواز اعتياد القراءة على القبر، فلم يقل به أحد ممن يعتد بقوله، وهو قول ساقط مخالف لما كان عليه السلف الصالح، وفيه مضاهاة لما كان يعتاده عباد القبور، من العكوف عندها بأنواع القرب، خصوصاً في هذا الزمان الذي عميت فيه القلوب، وتنوعت فيه الخطوب، واشتدت فيه غربة الإسلام، وعظمت فيه الفتنة بعباد الأوثان والأصنام. وإن كان المقصود القراءة حال الدفن، ففيها خلاف مشهور، وقد أنكرها عامة السلف، منهم الإمام أبو حنيفة، ومالك بن أنس وشدد فيها؛ وأما الشافعي فلم ينقل عنه فيها شيء، وأما الإمام أحمد فقد نهى عنها في رواية عنه، حتى إنه نهى عن القراءة بفاتحة الكتاب على الجنازة في المقبرة. ولا أعلم في كتاب الروح ولا غيره لابن القيم، ولا في شيء من دواوين أهل الإسلام، ما يدل على ما زعمه، لا من كتاب

стр. 1895

ولا سنة، إلا آثاراً ساقها، ﵀ عن السلف، فقال: " وأوصى بعض السلف أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن "، روي عن ابن عمر أنه " أوصى أن يقرأ عنده سورة البقرة "، وكان أحمد ينكر ذلك، وذكر ما رواه الخلال عن أبي العلاء، وقول محمد بن قدامة الجوهري لأحمد، لما رآه ينكر القراءة على القبر، ويقول: هو بدعة، وذكر قول الخلال عن الشعبي: أن الأنصار إذا مات لهم ميت، اختلفوا إلى قبره للقراءة عنده، وذكر قصة الذي يقرأ سورة يس عند قبر أمه، ويجعل ثوابها لأهل المقابر، وذكر حديث معقل بن يسار، أن النبي ﷺ قال: " اقرؤوا يس على موتاكم " ١. وصرح أن احتمالها للقراءة على المحتضر، أولى من احتمالها للقراءة على القبور، من وجوه عدها: منها: أنه نظير قوله " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله " ٢. ومنها: انتفاع المحتضر بهذه السورة، لما فيها من التوحيد والمعاد، والبشرى بالجنة لأهل التوحيد، وغبطة من مات عليها بقوله: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ الآية. الثالث: أن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً، يقرؤونها عند المحتضر. الرابع: أن الصحابة، ﵃، لو فهموا أنها عند القبر لما أخلوا به، وكان ذلك أمراً مشهوراً معتاداً بينهم. الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا بالاستماع، هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره فإنه

стр. 1896

لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع، وهو عمل، وقد انقطع بالموت. انتهى. قلت: وهذا على تقدير صحة الحديث، وإلا فقد ذكر ابن حجر وغيره، أن الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما، رووه من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان، وليس بالنهدي عن أبيه، وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة أبي عثمان وأبيه، وقال الدارقطني: هذا حديث معقل بن يسار، قوله: " اقرؤوا "، أراد به من حضرته المنية، لأن الميت يقرأ عليه. انتهى. لكن ابن القيم بنى على ما يعضده من الآثار الثابتة عن السلف. قال شيخ الإسلام: وإنما رخص فيها أحمد، يعني القراءة عند الدفن، لأنه بلغه أن " ابن عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه، بسورة البقرة وخواتيمها "، وروى عن بعض الصحابة أنه قرأ سورة البقرة؛ فالقرآن عند الدفن هو مأثور في الجملة، وما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر. وقال في موضع آخر: فإنه لو كان مشروعاً لسنه رسول الله ﷺ لأمته، وذلك لأن هذا وإن كان فيه نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة عنده؛ وتنعم الميت بالدعاء له والاستغفار له والصدقة عنه، وغير ذلك من العبادات، أعظم من ذلك، وهو مشروع ولا مفسدة فيه، ولهذا لم يقل أحد من العلماء إنه يستحب قصد القبر للقراءة دائماً عنده، إذ قد علم بالاضطرار

стр. 1897

من دين الإسلام أن هذا ليس مما شرعه رسول الله ﷺ لأمته. انتهى. فتبين لك: أن نسبة جواز القراءة على القبر مطلقاً إلى أحد من أهل العلم، أو دعوى أن في ذلك حديثاً مرفوعاً أو أثراً، دعوى مجردة لا دليل عليها؛ وهذا هو سر المسألة، ومقصود السؤال. وقد صرح شيح الإسلام في مسائله، بأن القراءة على القبر عكوف، يضاهي العكوف في المساجد بالقرب; فقال: ومعلوم أن المسجد بيت الصلاة والذكر وقراءة القرآن، فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلاً في النهي. وقال في الاقتضاء - لما ذكر الرواية عن أحمد بالجواز -: الثانية: أن ذلك مكروه، حتى اختلف هؤلاء هل تقرأ الفاتحة في الصلاة على الجنازة، إذا صلى عليها في المقبرة أو لا؟ قال: وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي التي ذكرها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق، وأبي بكر المروذي ونحوهما، وهو مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك، وهشيم بن بشر بن حازم وغيرهم، ولم يبلغنا عن الشافعي في هذه المسألة كلام; وذكر أن ذلك عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أن أحداً يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. والثالثة: أن القراءة وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين. وأما القراءة بعد ذلك، مثل الذين ينتابون القبور للقراءة

стр. 1898

عندها، فهذا ممنوع؛ فإنه لم ينقل عن السلف مثل ذلك أصلاً، وهذه الراوية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الأدلة. والذين كرهوا القراءة عند القبر كرهها بعضهم، وأن يقصد القراءة هناك كما تكره الصلاة، فأحمد نهى عن القراءة في الصلاة هناك، ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، فالفرق بين ما يفعل ضمناً وتبعاً، وبين ما يفعل لأجل القبر، بيِّن. انتهى. ومعناه: أنه إذا امتنع عندهم ما كان مقصوداً لغيره مما يفعل ضمناً وتبعاً، فامتناع ما كان مقصوداً لذاته أولى وأحرى؛ وهذا من أقوى الدلالات، مع ما قدمناه عنه أنه لم ينقل عن أحد من السلف، وأنه من البدع المنكرة؛ فالذي يفتح هذه الأبواب للناس، ويوقعهم في الشك والالتباس، وينسب ذلك لأئمة الإسلام والأئمة الأعلام، لا يخلو من أمرين: إما من سوء الاعتقاد، أو لعدم فهم المراد. وقد علم بالضرورة أن هذين الشيخين من أعظم الناس سداً لهذا الباب، وأشدهم حماية لهذا الجناب، فرحم الله أئمة الإسلام، وجزاهم أتم الجزاء عن الأنام، فلقد حموا حمى السنة، وسدوا كل طريق يوصل إلى الشرك والفتنة. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الأجرة على القراءة عند القبر ... إلخ؟ فأجاب: أما الأجرة على القراءة إذا مات الميت، على

стр. 1899

ختمة أو ختمات عند القبر وغيره، فقال في الإنصاف: قال الشيخ تقي الدين: ولا يصح الاستئجار على القراءة وإهداؤها إلى الميت، لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة؛ وقد قال العلماء: إن القارئ لأجل المال لا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟ وإنما تنازعوا في الاستئجار على التعليم. انتهى. وقال في الشرح: ولا يجوز على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كالحج والأذان ونحوهما. وكره إسحاق تعليم القرآن بأجر، وعن أحمد: تصح. وأجازه مالك والشافعي، لأن النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن، متفق عليه، وقال: " أحق ما أخذتم عليه أجراً: كتاب الله " ١، رواه البخاري. انتهى. [الدعاء للميت والتصدق له] وأما الدعاء للميت والتصدق له، فجائز؛ قال في الكافي: فإن دعا إنسان لميت أو تصدق عنه، أو قضى ديناً واجباً عليه، نفعه ذلك بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ] الحشر:١٠ [ الآية، وقال سعد للنبي ﷺ : " أينفع أمي أن أتصدق عنها؟ قال: نعم "، وإن فعل عبادة بدنية، كالقراءة والصلاة والصوم، وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك أيضاً، لأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، ويقرؤون ويهدون لموتاهم، ولم ينكره منكر فكان إجماعاً. انتهى. وأما إذا خرجوا مع الميت بطعام يقسمونه عند القبر، أو إذا جمع أهل الميت قراء وصنعوا لهم طعاماً، فقال في المبدع:

стр. 1900

يستحب أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، لقوله ﷺ : " اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم " ١، رواه أحمد والترمذي وحسنه، ولا يصلحون هم طعاماً للناس، فإنه مكروه، لما روى أحمد عن جرير قال: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة "، وقيل يحرم. قال أحمد: ما يعجبني. ونقل المروذي: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره إنكاراً شديداً. فرع [الذبح عند القبر والأكل منه] يكره الذبح عند القبر والأكل منه، لخبر أنس: " لا عقر في الإسلام " ٢ رواه أحمد، وفي معناه الصدقة عند القبر، فإنه محدث؛ فقد علمت أن الصدقة عند القبر، وجمع أهل الميت قراء وصنع الطعام لهم، محدث مكروه، والله أعلم. حكم الوقوف والوصايا على قراءة القرآن وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن حكم الوقوف والوصايا على قراءة القرآن أو بعضه كل يوم وإهداء ثوابه للميت؟ وهل يرفض نص الواقف بذلك؟ فأجاب: الوقوف والوصايا على هذا الوجه المذكور، لا تصح، لأن من شرط الوقف على جهة: أن يكون على بر، وقربة؛ وليست قراءة القرآن وإهداء ثوابها إلى الأموات قربة، ولهذا لم يعرف مثل ذلك عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ﵃، وغاية ذلك أن يكون جائزاً. وفي مثل هذه الأوقاف مفسدة، وهي حصول القراءة لغير الله، والتآكل بالقرآن، وقراءته على غير الوجه المشروع،

стр. 1901

قال في الاختيارات: وأما هذه الأوقاف التي على الترب، ففيها من المصلحة: بقاء حفظ القرآن وتلاوته، وكون هذه الأموال معونة على ذلك، وحاضة عليه، إذ قد يدرس حفظ القرآن في بعض البلاد بسبب عدم الأسباب الحاملة عليه، وفيها مفاسد أخر، من حصول القراءة لغير الله، والتآكل بالقرآن، وقراءته على غير الوجه المشروع، واشتغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة؛ فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز، وإلا توجه النهي عن ذلك والمنع وإبطاله. [إهداء ثواب البدن للميت] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن إهداء ثواب البدن للميت، من قرءاة وصلاة وحج وغير ذلك؟ فأجاب: هذا فيه خلاف بين العلماء، هل يصل إلى الميت أو لا؟ ولا ينكر على من فعله أو تركه. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما كون الإنسان يطوف ما أحب، ويهدي ثوابه لحي أو ميت، فهذا جائز، وكذا لو صلى ركعتين أو صام وجعل ثوابه لغيره، جائز عند كثير من العلماء، وكذلك إهداء ثواب القراءة لميت أو حي؛ وأفضل من ذلك كله، الدعاء لهم والصدقة. وأجاب أيضاً: وأما ما ذكر من إيراد عثمان بعض عبارات الأصحاب، على جواز التشريك في نفس العمل، فهو إيراد

стр. 1902

غير صحيح. وأما ما رواه الكحال عن أحمد، قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير، من صلاة وصدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه؟ قال: أرجو، فهذا يحتمل أن المراد جعل نصف نفس العمل، ويحتمل نصف ثوابه؛ ويتعين حمله على إلاحتمال الثاني لوجهين: أحدهما: أن الأصحاب لما ذكروا جواز إهداء ثواب العمل، احتجوا لقولهم برواية الكحال عن الإمام، فدل على أن هذا معنى الرواية عندهم. الوجه الثاني: أنهم لما نصوا على أنه إذا أحرم عن اثنين وقع عن نفسه، قاسوا ذلك على الصلاة، فدل على أن كون الصلاة لا تقع عن اثنين، لا خلاف فيه عندهم، لأنهم جعلوه أصلاً، وقاسوا عليه الحج؛ فدل على أنهم لم يفهموا من رواية الكحال التشريك في نفس العمل، وإنما معناها التشريك في الثواب. ولما ذكر ابن القيم وصول ثواب القربات إلى الأموات، وذكر ما في المسألة من الخلاف، وصحح القول بوصولها، وذكر حجج المخالفين، وذكر من حججهم قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب، وربعه إلى الميت، فأجاب بوجهين: أحدهما: منع الملازمة، الثاني: التزام ذلك، والقول به نص عليه الإمام أحمد، من رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: ووجه هذا، أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه، يوضحه أنه لو أهداه إلى

стр. 1903

أربعة مثلاً تحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز، كما لو أهداه إلى غيره. إهداء ولد الزنى لوالديه شيئاً من القرب وسئل: عن إهداء ولد الزنى لوالديه شيئاً من القرب، مثل الحج والتضحية، وكذا الرقيق الذي لا يدري عن والديه ... إلخ؟ فأجاب: إهداء ولد الزنى لوالديه المسلمين جائز حسن، إن شاء الله تعالى، أعني: إهداء جميع القرب والتضحية عنه والحج وغير ذلك. والرقيق الذي لا يعلم حال والديه، لا بأس بدعائه لهما، وكذا إهداء القرب. [الذبائح التي تذبح صدقة للميت عند موته] سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن الذبائح التي تذبح صدقة للميت عند موته، أو وقت الأضحية؟ فأجاب: هذا حسن لا بأس به، إذا قصد به صدقة لوجه الله، يفرق على المساكين والأقارب. وأجاب في موضع آخر: العيد الذي يفعلونه عند موت الإنسان، إن كان أهل الميت يجعلونه وليمة يدعون إليها، كوليمة العرس، فهذا من أنكر المنكرات؛ من فعله بعد ما عرف أنه لا يجوز، أدب أدباً يزجره وأمثاله. فإن كان أنهم يذبحون لقصد إعطاء الذبيحة المساكين تقرباً إلى الله، وقصدهم أن الله يجعل ثواب الصدقة للميت، فهذا لا بأس به، وهو مثل كونهم يتصدقون عنه بطعام أو دراهم.

стр. 1904

وسئل: عن صنع الطعام من أهل الميت؟ فأجاب: صنع الطعام من أهل الميت خلاف السنة. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما ما ذكره السائل، من أنه إذا مات أحدهم يتصدق أقاربه وعشائره، ويذبحون الذبائح، ويطبخون الطعام، ويفرشون الحرير، ويدعون الناس كلهم الغني والفقير، فليس هذا من دين الإسلام، بل هو بدعة وضلالة ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا من جنس ما أحدثه اليهود والنصارى، من التغيير والتبديل في شريعتهم، خالفوا به ما جاءت به أنبياؤهم؛ فيجب اجتناب ذلك المأتم وما في معناه. انتهى. سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن الصدقة للميت؟ فأجاب: الصدقة من الطعام وغيره، جائزة يصل ثوابها للميت. وأجاب أيضاً: وأما صدقة المال، فهي يصل ثوابها إلى الميت باتفاق العلماء. وأجاب أيضاً: الصدقة عن الميت من ماله الذي خلف حسن، والصدقة المالية تصل إلى الميت باتفاق أهل العلم، بخلاف صدقة المنة بإهداء الأعمال البدنية، فإن ذلك مختلف فيه، بخلاف الأول فهو بالاتفاق. وأما إذا كان في الورثة صغار، لم يجز لأوليائهم أن يتصدقوا لأبيهم من الميراث،

стр. 1905

فإذا أراد الكبار أن يتصدقوا لميتهم، فليجعلوا ذلك من نصيبهم خاصة. وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: ظاهر كلام الشيخ في المختصر، أن إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة; وأما الصدقة عن الميت المسلم، فهي تصل إليه بالنص والإجماع. وأجاب في موضع آخر: والصدقة عن الميت من مال الأيتام لا تجوز. [من مات قبل هذه الدعوة ولم يدرك الإسلام] سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، ﵏: عمن مات قبل هذه الدعوة ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم، يفعلها ولم تقم عليه الحجة، ما الحكم فيه؟ وهل يسب ويلعن أو يكف عنه؟ وهل يجوز لولده الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، ومن أدركها ومات معادياً لهذا الدين وأهله؟ فأجابا: من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه: أنه إذا كان معروفاً بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له، ولا يضحى عنه، ولا يتصدق عنه، وأما حقيقة أمره فإلى الله: فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند، فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة،

стр. 1906

فأمره إلى الله. وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقاً، كما في صحيح البخاري عن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " ١، إلا إن كان أحد من أئمة الكفر وقد اغتر الناس به، فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية. وأجاب الشيخ عبد الله أيضاً: الذي مات قبل ظهور الإسلام في هذه الأوطان، فإن كان قد مات على التوحيد وإخلاص العبادة لله، والتزام طاعة الله ورسوله، فإنه يدعى له، ويتصدق عنه; وإن كان قد تلطخ بالشرك، ويفعل ما يفعل غالب الناس، فلا ينبغي الدعاء له، ويترك ويوكل أمره إلى الله. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: ومن أحسن ما تفعل إذا أردت الصدقة للميت أن تعطي - صدقتك له - قريبه الحي؛ فالحي ينتفع بها، والثواب يحصل للميت إن شاء الله، وإحسانك أيضاً إلى قريب الميت صلة للميت؛ فهذا أحسن ما أرى لك. فإن أعطيت الحي شيئاً وقلت: تصدق بهذا عن ميتك، فحسن لك. وقد يكون الحي محتاجاً، فإعطاؤك إياه الشيء له ينتفع به بنفسه، وتنوي ثوابه للميت أحب عندي، هذا إذا أردت الإحسان إلى أموات قرابتك، وصلتهم بالصدقة عنهم، وأنت على الثواب والأجر إن شاء الله بإحسانك إلى الميت والحي؛ ولكن كون غالب صدقتك تبقي

стр. 1907

ثوابها لك وحدك، وتعطي قريباً محتاجاً ينتفع بها فهو أحسن، ومع هذا فلا تنسى الأموات ببعض الشيء صلة لهم، وتخص نفسك بالكثير، فهو الأولى، والأفضل. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: ولا نعلم أحداً من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية، إلا إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله نداً؛ وهذا نص القرآن: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [سورة التوبة آية: ١١٣] ؛ هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه. وأجاب الشيخ سليمان بن سحمان، ﵀: وأما قول السائل: ويقولون لا تبروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا، واسكتوا وكفوا عنهم، فإن كان مراد هؤلاء الذين يطعنون على مشائخ المسلمين، تارة بالظلم، وتارة بالعدوان والزور والبهتان، وتارة بالجهل وعدم العلم بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء المسلمي، الذين ساروا على منهاج أهل السنة والجماعة، أن المشائخ يقولون: لا تبروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا وظاهرهم الإسلام، ولم ندر ما ماتوا عليه، فهذا القول من هؤلاء الجهلة، قد قاله قبلهم من بهت شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه، بأنه ينهي أتباعه عن الاستغفار والتضحية لمن ماتوا من آبائهم

стр. 1908

وأقاربهم، ولم يدركوا دعوته، كما ذكر ذلك عثمان بن منصور في المطاعن التي طعن بها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث قال: والويل كل الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه أو ضحى لهم. فأجابه شيخنا: الشيخ عبد اللطيف، ﵀، بقوله: فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة، فيها من نقض عهده الذي جعله على نفسه، وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبرآء، ما يقضي بفسوق القائل؛ فنعوذ بالله من استحكام الهوى والضلال بعد الهدى. فمن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية، إلا إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله نداً، وهذا نص القرآن: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٣] ؛ هذا مذهب الشيخ، وأهل العلم من أتباعه. وأما التخليط والتحكم، والظن والهذيان، فذلك من طوائف الشيطان، يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان. وفي قول المعترض: الذين لم يدركوا دعوته، أن من تقادم عهده وتطاول عصره داخل في عموم كلامه، وأن الشيخ ينهى عن

стр. 1909

الاستغفار له، وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم، وليس هذا ببدع من كذبه وبهته، وحسابه على الله وأمره إليه، قال تعالى ﴿ِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٥] . شعراً: لي حيلة فيمن ينـ ... ـمّ وليس في الكذّاب حيلةْ من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة أين ميثاقه وعهده؟! قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٠٢] . حلفتْ لنا أن لا تخون عهودها ... فكأنها حلفت لنا أن لا تفي انتهى. والعهد الذي ذكر شيخنا: الشيخ عبد اللطيف عن ابن منصور: أنه أخذ على نفسه أن لا ينقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا ما صح عنده بنقل العدول الأثبات؛ إذا عرفت هذا، فالبهت الذي بهتوا به الشيخ، ﵀، إنما هو بمجرد الاستغفار والتضحية لوالديهم الذين لم يدركوا دعوته، وأما هؤلاء فأطلقوا لفظ البر، وهو أعم من الاستغفار والتضحية، فيدخل فيه جميع أنواع البر. وأما قولهم: واسكتوا وكفوا عنهم، فالجواب عن ذلك أن نقول: قد تقدم في جواب أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسائل ما فيه الكفاية، وفيه: وإن

стр. 1910

كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى. وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقاً، كما في صحيح البخاري عن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " ١، إلا أن يكون أحداً من أئمة الكفر وقد اغتر الناس به، فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية. فصل زيارة القبور قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: الذي شرعه الله عند زيارة القبور، إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى الميت بالدعاء له، والترحم والاستغفار له، وسؤال العافية، كما في صحيح مسلم عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقولوا: " السلام على أهل الديار "، وفي لفظ: " عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية " ٢. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " ٣. وعن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ : " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه " ٤، رواه مسلم. فإذا كنا نصلي على جنازة ندعو له، لا ندعوه، ونشفع له، لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى; فبدل أهل

стр. 1911

الشرك قولاً غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحساناً إلى الميت، سؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء، الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله ﷺ . سئل الشيخ سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: عن أهل بلد، إذا كان يوم العيد نهضوا من مصلاهم إلى المقابر، الصغير والكبير، يقولون: نزور أهلنا، ترد عليهم أرواحهم يوم العيد؟ فأجاب: هذا الاجتماع في هذا اليوم لزيارة القبور بعد صلاة العيد، من دسائس الشيطان، ومن البدع المحدثة في الإسلام، بل هو من وسائل الشرك وذرائعه، لأن هذا الصنيع لم يكن يفعله أصحاب رسول الله ﷺ وهم أسبق الناس إلى كل خير؛ ولا يجوز لأحد أن يعتقد أن الله خصه بمعرفة هذه الفضيلة، وحرمها أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ١، أي: مردود عليه. وقال شيخ الإسلام، ﵀، على قوله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيداً " ٢ قال: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام، على وجه معتاد، عائداً إما لعود السنة، أو لعود الأسبوع، أو الشهر ونحو ذلك. وقال ابن القيم، ﵀: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد

стр. 1912

إلى آخر كلامه. فإذا فهمت هذا، علمت أن هذا الفعل الذي يعتاده أهل بلدكم في يوم العيد من كل سنة بعد صلاة العيد لزيارة القبور، أمر مبتدع محدث، لم يكن يفعله أحد من الصحابة؛ ولو كان أمراً مستحباً أو مندوباً إليه، لكان أسبق إليه أصحاب رسول الله ﷺ . قال عبد الله بن مسعود ﵁: " مَن كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه؛ فاعرفوا لهم فضلهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم ". وإذا كان هذا الفعل لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نقل عن السلف الصالح ومن بعدهم من علماء الأمة وأئمتها، فهو بدعة وضلالة؛ ولو كان خيراً لكان الصحابة أولى بفعله منا وأرغب فيه. وأما قولهم: إنها ترد عليهم أرواحهم يوم العيد، فهذا تعليل فاسد؛ ولو قدر أنها ترد عليهم في هذا اليوم بخصوصه، لكان هذا الاعتياد بدعة محرمة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من مسلم يمر على قبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ "، أو كما قال ﷺ ؛ فتخصيص رد أرواحهم عليهم في هذا اليوم، دسيسة من الشيطان، لكي

стр. 1913

يعتادوا زيارة القبور في هذا اليوم المخصوص. والله أعلم. فإن تركوا ذلك فهو المطلوب، وإلا فاذكر لنا، ويجيئهم ما يردعهم ويزجرهم من المشائخ ومن الإمام، لأن هذا لا يجوز فعله. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها " ١، هل عمت الرخصة النساء؟ أم الخطاب خاص للرجال؟ فأجاب: هذا من العام المخصوص بقوله: " لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٢. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، وابن ماجة والترمذي. واحتج شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، على تحريمه بلعن رسول الله ﷺ زوارات القبور، وصحح الحديث؛ فعلى هذا، يكون الإذن مخصوصاً بالرجال دون النساء، والمعارض لا تقوم به حجة ولا يفيد النسخ. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا كان طريق على حد المقبرة، هل يكره للنساء المرور معه؟ فأجاب: إذا كان للناس طريق على حد المقبرة، ومرت معه امرأة وسلمت فلا بأس، لأنها لا تسمى زائرة. [التوسل بذوات الأموات] سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن دعاء الزائر بقوله: يا ربنا، بحرمة نبيك ووليك، اقض حاجتي ... إلخ؟

стр. 1914

فأجاب: هذا من التوسل بذوات الأموات، وهو من البدع المنكرة، والذرائع الموصلة إلى الشرك؛ ولذلك لم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين، ولا من الصحابة؛ فلو كان حقاً لسبقونا إليه، فإنهم أعظم الناس سبقاً إلى كل خير، فتركهم ذلك في حق النبي ﷺ مع قربهم من قبره، يدل على أنه من البدع التي يجب تركها؛ يحقق ذلك أنهم لما أجدبوا في خلافة عمر، لم يأتوا إلى قبره ﷺ يستسقون به، كما كانوا يستسقون به في حياته، واستسقوا بعمه العباس، وقال عمر: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا اليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون ". ففرقوا بين حال الحياة والوفاة، خوفاً من الوقوع فيما نهوا عنه، من الغلو في الأموات؛ ولكن الاستسقاء بالشخص إنما هو بدعائه، بخلاف حال الميت، فإن الدعاء متعذر في حقه، وهذا من غزارة علم الصحابة، ﵃، وقوة إيمانهم، وتمسكهم بما شرع لهم، وتركهم ما لم يشرع؛ وهذا هو سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . قال الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، يعزي بعض إخوانه: المأمول فيكم الصبر والاحتساب، والتعزي بعزاء الله تعالى، فقد قال بعض العلماء: إنك لن تجد أهل

стр. 1915

العلم والإيمان إلا وهم أقل الناس انزعاجاً عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلهم قلقاً عند النوازل، وما ذاك إلا لما أوتوا مما حرمه الجاهلون، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٥-١٥٦] ؛ فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له في العاجلة والآجلة؛ فإنها تضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته: أولا: أن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى يتصرف فيه، حيث جعله ﵎ عند عبده عارية، والمعير مالك قاهر قادر. وهو محفوف بعدمين: عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد متعة معارة. الثاني: أن مصير العبد ومرجعه ومرده إلى مولاه الحق، الذي له الحكم والأمر، ولا بد أن يخلف ما خوله في هذه الدار وراء ظهره، ويأتي فرداً بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات؛ ومن هذه حاله، لا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود. وإذا علم المؤمن علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هانت عليه المصيبة، وقد قيل: ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدرِ وتعلمي أن المقدّر كائن ... يجري عليك عذرتِ أم لم تعذرِ

стр. 1916

ومن صفات المؤمن: أنه عند الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور; ومما يخفف المصائب برد التأسي، فانظروا يميناً وشمالاً وأمام ووراء، فإنكم لا تجدون إلا من قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها، ولم يبق إلا التفاوت في عوض الفائت. أعوذ بالله من الخسران. ولو أمعن البصير في هذا العالم جميعه، لم ير إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام ليل، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً أساءت دهراً، جمعها إلى انصداع، ووصلها إلى انقطاع، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، حالها انتقال، وسكونها زوال، غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، ويكفي في هوانها على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها. مع أن المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن وزيادة في درجاته، كما قال بعض السلف: " لولا مصائب الدنيا، لوردنا الآخرة مفاليس ". والرب سبحانه لم يرسل البلاء إلى العبد ليهلكه، ولا ليعذبه، ولكن امتحاناً لصبره ورضاه عنه، واختباراً لإيمانه، وليراه طريحاً ببابه لائذاً بجنابه، منكسر القلب بين يديه; فهذا من حيث المصائب الدنيوية; وأما ما جرى عليكم، فأنتم به بالتهنئة أجدر من التعزية، ولعمر الله أن من سلم له دينه، فالمحن في حقه منح، والبلايا عطايا، والمكروهات له محبوبات. وأما المصيبة والخطب الأكبر،

стр. 1917

والكسر الذي لا يجبر، والعثار التي لا تقال، فهي المصيبة في الدين، كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ ... وما من الله إن ضيعته عوضُ وقد مضت عادة أحكم الحاكمين لمن أراد به خيراً، أن يقدم الابتلاء بين يديه. وقال الشيخ حمد بن عتيق، في تعزيته لبعض إخوانه: قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٣٤] ، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٥] ، وقال النبي ﷺ : " إن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ". والصبر هو مفزع المؤمنين، والرضى بالقضاء هو محط رحال العارفين، طمعاً فيما وعد به رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة آية: ١٥٥-١٥٧] . وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن يعزي أخاً له في ابنه: فموجبه: التعزية في الابن عبد الله. اللهم أحسن عزاهم فيه، وأعظم لهم الأجور، وألهمهم التسليم للمقدور، نقول جميعاً كما قال الصابرون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٦] .

стр. 1918

فالله الله! أوصيك أخي أن تتدرع بالرضى، وتسلم للقضاء؛ فالمصاب من حرم الثواب. واذكر آية في كتاب الله تشرح للمؤمن صدره، وتجلب له صبره، وتهون خطبه، وتذكره ربه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٥-١٥٧] ، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر آية: ١٠] . وفي الصحيح عن صهيب مرفوعاً: " عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " ١. وكان أيوب، ﵇، كلما أصابته مصيبة، يقول: اللهم أنت أخذت، وأنت أبقيت، مهما تبقى نفسي أحمدك على بلائك. وفي الحديث: " إن كل مصيبة آخرها الصبر، ولكنه إنما يحمد عند حدوثها، لأن مصير ذي الجزع إلى السلوان ". وروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: " من يرد الله به خيراً يصب منه " ٢، وعنه مرفوعاً: " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " ٣. وأخرج النسائي عن أبي سلمى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بخ بخ لخمس، ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمؤمن فيحتسبه " ٤، إلى غير ذلك

стр. 1919

مما فيه تسلية للمؤمن. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عما يقولون إنه ﷺ قال: " من مات بالحرمين بعث يوم القيامة آمناً "؟ فأجاب: هذا كذب لا أصل له. توفي رجل وضرب النساء الدف سئل بعضهم: إذا توفي رجل وضرب النساء الدف ... إلخ؟ فأجاب: إذا توفي رجل وضرب النساء الدف، فإن كان لأجل الميت فهذا بدعة ويحرم فعلها، فإن كان لأجل عرس فلا بأس إن شاء الله به، لتشييع النكاح، ولا أعلم يحرم عليهن عند موت الميت إلا النياحة وتوابعها، إلا زوجة الميت فيحرم عليها الأمر الذي ما يخفاكم، لأجل إحدادها.

стр. 1920

كتاب الزكاة الوقف الذي تجب فيه الزكاة سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الوقف الذي تجب فيه الزكاة ... إلخ؟ فأجاب: الوقف الذي تجب فيه الزكاة، هو الوقف على معين، وأما الوقف على غير معين، كالوقف على المساجد ونحو ذلك، مثل المؤذن والصُّوّام والسراج ونحو ذلك، فلا زكاة فيه. فإذا كان النخل وقفاً على المسجد، فلا زكاة في عمارته التي تؤخذ لأهل المسجد. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن محمد: الذي يسبل على الفقير من صلبه، فمثل هذا ليس فيه زكاة، لأنه في الحقيقة غير معين، والمعين أن ينص رجلاً بعينه، أو رجلين أو أكثر. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: لا تجب الزكاة إلا في وقف على معين، كوقف الإنسان على أولاده، أو على زيد ونحوه، إذا حصل من غلة الوقف نصاب، وأما الوقف على جهات الخير فلا زكاة فيه.

стр. 1921

وأجاب أيضاً: إن كان الوقف على معين واحد أو جماعة، وحصل لكل واحد نصاب، زكاة، وإن كان الوقف على غير معين، لم يجب فيه شيء. [هل تجب الزكاة في مال الأيتام] سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل تجب الزكاة في مال الأيتام ... إلخ؟ فأجاب: مال الأيتام ما فيه زكاة، حتى يتم لكل واحد منهم نصاب. وسئل ابنه الشيخ عبد الله: عمّا يجب على اليتيم من الحقوق غير الزكاة؟ فأجاب: لا نعلم شيئاً يجب عليه إلا الزكاة، في أصح قولي العلماء، مع أن بعض أهل العلم ذكر أنها لا تجب عليه الزكاة، وهو قول مرجوح. وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: وأما دراهم الأيتام فتجب فيها الزكاة، لأن النقدين لا يشترط في وجوب الزكاة فيها نية التجارة، بل مجرد الملك والحول والنصاب. اشتراط الحول في الزكاة سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل حصل له غنيمة، أو أجرة في بيت المال، أو غيره، هل يشترط فيه الحول؟ فأجاب: يشترط فيه الحول، ولا يزكيه إلا إذا مضى

стр. 1922

فصل في زكاة الحبوب والثمار سئل بعضهم: عن البن، هل هو من الحبوب وتجب فيه الزكاة؟ فأجاب: أما البن، فقد تقدم أنه من الحبوب، وحكمه حكمها لأنه مكيل ومدخر. وسئل: عن السمن؟ فأجاب: أما السمن فليس فيه زكاة، لأن الأغنام تزكى، وهو من نتاج الغنم والبقر. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن نصاب الحب والتمر؟ فأجاب: أما نصاب الحب والتمر، فهو قدر خمسة أوسق، فيصير فيه نصف العشر. وأجاب أيضاً: نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ؛ وأما تقديره بصاعنا فهو معروف عند عمال الزكاة، وصاعنا يزيد على الصاع القديم.

стр. 1923

والمشهور عند الحنابلة أن النصاب فيها تحديد، فلو نقص يسيراً ولو نحو نصف صاع سقطت الزكاة. وعن أحمد رواية ثانية: أن النصاب فيها تقريب، فلا يؤثر النقص اليسير، قال في الإنصاف: وهو الصواب. وسئل عن نصاب الحب والزبيب؟ فأجاب: نصاب الحب والزبيب، قيمة ثلاثمائة تنقص عشرين صاعاً، بصاع الوادي ١. وأجاب أيضاً: وأما العنب فما أكله أهله منه رطباً فلا زكاة فيه، ويخرص عليه الباقي بعد أكله؛ فإذا بلغ خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة، وأهل العلم ذكروا اعتبار النصاب بعد التصفية، فإذا صار مصفى صالحاً للأكل، فمتى بلغ النصاب وجبت فيه الزكاة. وأجاب أيضاً: إذا كان المغل مبلغه نصاب، وفيه مقيظ صاحبه، ثم نقص عن النصاب، فلا زكاة فيه، وأما إذا كان المغل نصاباً وفيه صبرة، أو مشترك، فعادتنا نأخذ الزكاة على كلام من أوجبه. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن "الوسمة" إذا كانت في ملك إنسان وبيعت بثمن، هل تجب فيها الزكاة في الحال، وعن ثمر السدر إذا كان منها نصاب؟

стр. 1924

فأجاب: اعلم أن زكاة الخارج من الأرض ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وأجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب؛ حكاه ابن المنذر وابن عبد البر. وتجب الزكاة فيما اجتمع فيه الكيل والادخار من الثمر والحبوب، لقوله ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ١، متفق عليه. وقال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب، ولا في حب إلا ما كان قوتاً في حال الاختيار. انتهى ملخصاً من الشرح. وقال في الكافي: ولا تجب الزكاة في الخارج من الأرض إلا بخمسة شروط: أن يكون حباً أو ثمراً، لقوله ﷺ : " لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق " ٢، رواه مسلم. الثاني: أن يكون مكيلاً، لتقديره بالأوسق. الثالث: أن يكون مما يدخر لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر، فتجب الزكاة في جميع الحبوب المكيلة، المقتاتة منها، والقطاني، والبزور، وفي التمر والزبيب واللوز، والفستق، والعناب. ولا زكاة في تبن ولا ورق ولا زهر، لأنه ليس بحب، ولا ثمر ولا مكيل. الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه؛ والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم يكن ملك حينئذ فلم تجب زكاته. الخامس: أن يبلغ نصاباً خمسة أوسق لقوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ٣. انتهى ملخصاً. وقال في الإقناع: تجب في كل مكيل مدخر من قوت،

стр. 1925

فتجب في كل الحبوب، وتجب في كل ثمر يكال ويدخر، كالتمر والزبيب، لا في عناب وقطن وزعفران وورس، ونيل وفوة وغبيراء ١ وحناء. ولا تجب في الخوخ والسفرجل والرمان والنبق. انتهى ملخصاً. فإذا تأملت كلام هؤلاء العلماء، وما احتوى عليه من الأدلة، وجدت شجر الوسمة، وهي: نبت يخضب بورقه، ويقال هو العضلم، قاله في المجمع، وفي القاموس: الوسمة: ورق النيل، أو نبات يخضب بورقه. انتهى. وجدت أنه لا زكاة فيه، لأنه غير مكيل ولا حب مدخر، ولا قوت آدمي للادخار، وإنما تجب الزكاة في ثمنه إذا بيع بشرطه. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: ونعرفك بأنه ذكر لنا: أن بعض نوابكم في الزكاة أو كلهم، يأخذون الزكاة من الحبوب والثمار التي ما بلغت النصاب، ويقال ل: ي إن هذا أمر من دونك، وهو الظن، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ٢، وخمسة الأوسق: ثلاثمائة صاع; هذا مما لا خلاف فيه بين أئمة الإسلام، ونقلة الشرع، ولا يسع أحداً أن يتجاوز ما حده رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٦] ،

стр. 1926

وقال جل ذكره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ؛ قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك؛ أجارنا الله وإياكم من أسباب الهلاك. وقد نبهت الإمام على مثل هذا، وقال: أبرأ إلى الله، لا آمر به، ولا أرضاه; اذكروا لي من هو واقع منه; وأحببنا تنبيهكم، لأني أظن أنه يكفي في مثل هذا الأمر الظاهر في حكم الله ورسوله. سئل بعضهم: هل تجب الزكاة في زرع الميت ونخله بعد ملك ورثته؟ وإذا زاد على الخرص هل تجب في الزائد؟ فأجاب: أما خرص زرع الميت بعد ملك ورثته، فبلى، لأن الثمار والحبوب تزكى، سواء كان صاحبها حياً أو ميتاً، إذا بلغت نصاباً. وإذا زاد نخل الرجل أو زرعه على الخرص، وجبت عليه زكاة الزائد. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل تضم ثمرة العام الواحد ... إلخ؟ فأجاب: زرع العام الواحد يضاف بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، وتؤخذ من زرع القيظ زكاته إذا أضيف لزرع الربيع. وأجاب أيضاً: وأما الحبوب، فالذي عليه العمل: أنه

стр. 1927

يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، ولو اختلف الجنس، إذا كان ذلك في عام واحد. وأجاب أيضاً: إذا كانت من جنس واحد، فإنه يضم بعضها إلى بعض بلا إشكال. فإن كانت من جنسين فاختلف الفقهاء في ضم بعضها إلى بعض، والذي عليه الفتوى اليوم، أنه يضم بعضها إلى بعض: فتضم الحنطة إلى الشعير، وتضم الذرة إلى الدخن; وأما معنى الضم فالمراد به إذا كانت الثمرة لا تبلغ نصاباً، ثم جاءت الثمرة الثانية، فإنها تضاف إلى الأولى، فإذا بلغ نصاباً أخرج زكاته. وأجاب أيضاً: ضم ثمرة العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، المراد به عند بعضهم: أن يزرع زرعين في عام واحد، ولو كان ذلك دون السنة الهلالية، بأن يحصل ذلك في نحو ثمانية أشهر، أو تسعة أشهر، أو دون ذلك، ولا ينظر إلى كون الزرع الأول في آخر السنة الأولى، والزرع الثاني في أول السنة الثانية، لأن ذلك حساب عام واحد. واحترازهم بقولهم: ثمرة العام الواحد، إشارة إلى كون إنسان يزرع زرعاً في سنة، ثم يزرع في السنة التي بعدها، بعد مضي اثني عشر شهراً، فهذا لا يضم ثمرة هذا إلى هذا؛ فإذا كمل النصاب عنده بضم ثمرة إلى ثمرة في عام واحد، وجبت عليه الزكاة؛ هذا هو المفتى به عندنا. وأجاب أيضاً: ظاهر كلام الحنابلة، أن العام هو السنة

стр. 1928

الواحدة، فيضم الشتاء إلى الصيف، والصيف إلى الشتاء; قال في المنتهى وشرحه: وتضم أنواع الجنس الواحد من زرع العام الواحد، بعضها إلى بعض في تكميل النصاب: فيضم العلس إلى الحنطة لأنه نوع منها، والسلت إلى الشعير لأنه نوع منه؛ جزم به جماعة، منهم الموفق والمجد؛ قال في الفروع: لأنه أشبه الحبوب في صورته، لا جنس آخر على الأصح، كالثمار والمواشي، فيعتبر النصاب في كل جنس منفرداً. وتضم أيضاً ثمرته، أي: ثمرة العام الواحد، إذا كانت من جنس واحد، ولو كانت الثمرة مما - أي من شجر - يحمل في السنة حملين في الأصح، بعضها إلى بعض، لأنها ثمرة عام واحد، فضموا بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد، وكالذرة التي تنبت مرتين. وأما قدر العام، فلم نقف فيه للحنابلة على حد. وقال في شرح المنهاج للأذرعي من الشافعية: وزرعا العام يضمان، والأظهر اعتبار وقوع حصاديهما في سنة، فما كان منه في وقت واحد يضم بعضه إلى بعض قطعاً، ولا أثر لامتداد وقت الزراعة؛ وقد يمتد شهراً وشهرين وأكثر، وهو زرع واحد. وأما ما يزرع في السنة مرتين أو أكثر، كالذرة، فإنها تزرع في الخريف، وفي الربيع، والصيف، فيضم بعضها إلى بعض. وفي المعتبر في ذلك عشرة أقوال، أكثرها منصوص؛ أظهرها ما ذكره، لأن الحصاد وقت استقرار الوجوب، فكان

стр. 1929

اعتباره أولى. والثاني: اعتبار زرعهما في سنة. والثالث: اعتبار الزرعين والحصادين أقل من اثني عشر شهراً عربية. الرابع: إن وقع الزرعان والحصادان، أو حصد الأول وزرع الثاني في سنة، وإلا فلا. والخامس: يعتبر أن الزرعين والحصادين في سنة، وهذا ما جعله الرافعي عبارة عن القول الرابع، لا قولاً غيره. والسادس: الحصادان في فصل. والسابع: الزرعان في فصل. والثامن: الزرعان والحصادان في فصل، أن يكون حصادهما في فصل وزرعهما في فصل; قالوا والمراد بالفصل: أربعة أشهر. والتاسع: إن زرع بعد حصد الأول لا يضم، كحمل الشجرة. والعاشر - خرجه أبو إسحاق -: أن ما يعد سنة واحد يضم، ولا أثر لاختلاف الزرعين والحصادين، وهو حسن; قال في الشامل: إنه أشبه الأقوال; وقال البندنيجي: إنه المذهب; وعلى هذا فالمراد بالسنة سنة الزرع، وهي من خمسة أشهر إلى ثمانية، وقال البندنيجي: أكثرها ستة أشهر. وأجاب بعضهم: وأما زكاة الثمار فلا تجب إلا على من كملت عنده في الحول خمسة أوسق، لأن ثمرة العام يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما ضم ثمرة العام الواحد وزرعه بعضه إلى بعض لتكميل النصاب: فأما الثمار، فلا يضم جنس منها إلى آخر،

стр. 1930

كالتمر إلى الزبيب بإجماع العلماء، وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. وأما الزرع، فالمشهور من مذهب أحمد أنه لا يضم جنس منه إلى آخر؛ وهو مذهب الشافعي، وهو قول الحنفية. وعن أحمد رواية أخرى: بضم الحنطة إلى الشعير، والقطاني بعضها إلى بعض؛ واختار هذه الرواية الخرقي، وأبو بكر، وهو مذهب مالك. وعن أحمد رواية ثالثة: تضم الحبوب بعضها إلى بعض مطلقاً، والله أعلم. والقطاني: اسم لحبوب كثيرة، منها: الحمص والعدس واللوبيا، والدخن والأرز والباقلا. وأجاب أيضاً: وأما ضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب فالحكم كذلك عند العلماء، واستدلوا على ذلك بعموم الأحاديث، كقوله: " فيما سقت السماء العشر " ١، وقوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ٢، قالوا: وهذا يعم ما إذا كان في فصل أو فصلين من السنة. واختلفوا: هل يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب، كضم الحنطة أو الشعير إلى الذرة أو الدخن؛ فيه عن أحمد روايتان. وأجاب أيضاً: إذا كان عند إنسان نصاب في الشتاء، وبعض نصاب في القيظ ٣، أخرج زكاة نصاب الشتاء، ولم يجب عليه شيء في زرع القيظ إذا لم يبلغ نصاباً.
следующие страницы →