← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقال جل ذكره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ؛ قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك؛ أجارنا الله وإياكم من أسباب الهلاك. وقد نبهت الإمام على مثل هذا، وقال: أبرأ إلى الله، لا آمر به، ولا أرضاه; اذكروا لي من هو واقع منه; وأحببنا تنبيهكم، لأني أظن أنه يكفي في مثل هذا الأمر الظاهر في حكم الله ورسوله. سئل بعضهم: هل تجب الزكاة في زرع الميت ونخله بعد ملك ورثته؟ وإذا زاد على الخرص هل تجب في الزائد؟ فأجاب: أما خرص زرع الميت بعد ملك ورثته، فبلى، لأن الثمار والحبوب تزكى، سواء كان صاحبها حياً أو ميتاً، إذا بلغت نصاباً. وإذا زاد نخل الرجل أو زرعه على الخرص، وجبت عليه زكاة الزائد. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل تضم ثمرة العام الواحد ... إلخ؟ فأجاب: زرع العام الواحد يضاف بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، وتؤخذ من زرع القيظ زكاته إذا أضيف لزرع الربيع. وأجاب أيضاً: وأما الحبوب، فالذي عليه العمل: أنه

стр. 1927

يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، ولو اختلف الجنس، إذا كان ذلك في عام واحد. وأجاب أيضاً: إذا كانت من جنس واحد، فإنه يضم بعضها إلى بعض بلا إشكال. فإن كانت من جنسين فاختلف الفقهاء في ضم بعضها إلى بعض، والذي عليه الفتوى اليوم، أنه يضم بعضها إلى بعض: فتضم الحنطة إلى الشعير، وتضم الذرة إلى الدخن; وأما معنى الضم فالمراد به إذا كانت الثمرة لا تبلغ نصاباً، ثم جاءت الثمرة الثانية، فإنها تضاف إلى الأولى، فإذا بلغ نصاباً أخرج زكاته. وأجاب أيضاً: ضم ثمرة العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، المراد به عند بعضهم: أن يزرع زرعين في عام واحد، ولو كان ذلك دون السنة الهلالية، بأن يحصل ذلك في نحو ثمانية أشهر، أو تسعة أشهر، أو دون ذلك، ولا ينظر إلى كون الزرع الأول في آخر السنة الأولى، والزرع الثاني في أول السنة الثانية، لأن ذلك حساب عام واحد. واحترازهم بقولهم: ثمرة العام الواحد، إشارة إلى كون إنسان يزرع زرعاً في سنة، ثم يزرع في السنة التي بعدها، بعد مضي اثني عشر شهراً، فهذا لا يضم ثمرة هذا إلى هذا؛ فإذا كمل النصاب عنده بضم ثمرة إلى ثمرة في عام واحد، وجبت عليه الزكاة؛ هذا هو المفتى به عندنا. وأجاب أيضاً: ظاهر كلام الحنابلة، أن العام هو السنة

стр. 1928

الواحدة، فيضم الشتاء إلى الصيف، والصيف إلى الشتاء; قال في المنتهى وشرحه: وتضم أنواع الجنس الواحد من زرع العام الواحد، بعضها إلى بعض في تكميل النصاب: فيضم العلس إلى الحنطة لأنه نوع منها، والسلت إلى الشعير لأنه نوع منه؛ جزم به جماعة، منهم الموفق والمجد؛ قال في الفروع: لأنه أشبه الحبوب في صورته، لا جنس آخر على الأصح، كالثمار والمواشي، فيعتبر النصاب في كل جنس منفرداً. وتضم أيضاً ثمرته، أي: ثمرة العام الواحد، إذا كانت من جنس واحد، ولو كانت الثمرة مما - أي من شجر - يحمل في السنة حملين في الأصح، بعضها إلى بعض، لأنها ثمرة عام واحد، فضموا بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد، وكالذرة التي تنبت مرتين. وأما قدر العام، فلم نقف فيه للحنابلة على حد. وقال في شرح المنهاج للأذرعي من الشافعية: وزرعا العام يضمان، والأظهر اعتبار وقوع حصاديهما في سنة، فما كان منه في وقت واحد يضم بعضه إلى بعض قطعاً، ولا أثر لامتداد وقت الزراعة؛ وقد يمتد شهراً وشهرين وأكثر، وهو زرع واحد. وأما ما يزرع في السنة مرتين أو أكثر، كالذرة، فإنها تزرع في الخريف، وفي الربيع، والصيف، فيضم بعضها إلى بعض. وفي المعتبر في ذلك عشرة أقوال، أكثرها منصوص؛ أظهرها ما ذكره، لأن الحصاد وقت استقرار الوجوب، فكان

стр. 1929

اعتباره أولى. والثاني: اعتبار زرعهما في سنة. والثالث: اعتبار الزرعين والحصادين أقل من اثني عشر شهراً عربية. الرابع: إن وقع الزرعان والحصادان، أو حصد الأول وزرع الثاني في سنة، وإلا فلا. والخامس: يعتبر أن الزرعين والحصادين في سنة، وهذا ما جعله الرافعي عبارة عن القول الرابع، لا قولاً غيره. والسادس: الحصادان في فصل. والسابع: الزرعان في فصل. والثامن: الزرعان والحصادان في فصل، أن يكون حصادهما في فصل وزرعهما في فصل; قالوا والمراد بالفصل: أربعة أشهر. والتاسع: إن زرع بعد حصد الأول لا يضم، كحمل الشجرة. والعاشر - خرجه أبو إسحاق -: أن ما يعد سنة واحد يضم، ولا أثر لاختلاف الزرعين والحصادين، وهو حسن; قال في الشامل: إنه أشبه الأقوال; وقال البندنيجي: إنه المذهب; وعلى هذا فالمراد بالسنة سنة الزرع، وهي من خمسة أشهر إلى ثمانية، وقال البندنيجي: أكثرها ستة أشهر. وأجاب بعضهم: وأما زكاة الثمار فلا تجب إلا على من كملت عنده في الحول خمسة أوسق، لأن ثمرة العام يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما ضم ثمرة العام الواحد وزرعه بعضه إلى بعض لتكميل النصاب: فأما الثمار، فلا يضم جنس منها إلى آخر،

стр. 1930

كالتمر إلى الزبيب بإجماع العلماء، وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. وأما الزرع، فالمشهور من مذهب أحمد أنه لا يضم جنس منه إلى آخر؛ وهو مذهب الشافعي، وهو قول الحنفية. وعن أحمد رواية أخرى: بضم الحنطة إلى الشعير، والقطاني بعضها إلى بعض؛ واختار هذه الرواية الخرقي، وأبو بكر، وهو مذهب مالك. وعن أحمد رواية ثالثة: تضم الحبوب بعضها إلى بعض مطلقاً، والله أعلم. والقطاني: اسم لحبوب كثيرة، منها: الحمص والعدس واللوبيا، والدخن والأرز والباقلا. وأجاب أيضاً: وأما ضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب فالحكم كذلك عند العلماء، واستدلوا على ذلك بعموم الأحاديث، كقوله: " فيما سقت السماء العشر " ١، وقوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ٢، قالوا: وهذا يعم ما إذا كان في فصل أو فصلين من السنة. واختلفوا: هل يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب، كضم الحنطة أو الشعير إلى الذرة أو الدخن؛ فيه عن أحمد روايتان. وأجاب أيضاً: إذا كان عند إنسان نصاب في الشتاء، وبعض نصاب في القيظ ٣، أخرج زكاة نصاب الشتاء، ولم يجب عليه شيء في زرع القيظ إذا لم يبلغ نصاباً.

стр. 1931

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن تأثير الخلطة؟ فأجاب: هذه المسألة مبنية على مسألة ضم الحبوب بعضها إلى بعض، فإن قلنا: تضم، فمتى كمل النصاب أخرج زكاته. وأما ديوان الأرض الذي يأخذه المالك، فينبني وجوب الزكاة فيه، على القول بتأثير الخلطة في غير السائمة; والذي عليه الجمهور: أنها لا تؤثر في غير السائمة. وعن أحمد رواية ثانية: أنها تؤثر في الحبوب والثمار؛ وهو قول إسحاق، واختارها الآجري وابن عقيل؛ فعلى هذا تؤخذ الزكاة. وأما على قول من قال: إن الخلطة لا تؤثر في الثمار، فيخرج صاحب الزرع أجرة الأرض ثم يزكي الباقي إن بلغ نصاباً، لكن الأحوط في هذا إخراج الزكاة ولو نقص النصاب بإخراج الديوان، وذلك لأن الديوان أجرة في ذمة المستأجر وليس صاحب الأرض شريكاً له في الزرع، وأن الذي له أجرة معلومة في ذمة المستأجر؛ والفقهاء يمثلون الخلطة في الثمار نحو اشتراكهما في الزرع، ونحو اشتراط المالك جزءاً معلوماً من الثمرة نحو ربع الثمرة أو خمسها. وأما مسألة إجارة الأرض بآصع معلومة، فهي بعيدة من مسألة الخلطة في مثل هذا؛ فإن صاحب الزرع إذا كمل عنده النصاب أخرج زكاته، ثم دفع ديوان الأرض إلى مالكها، ولا ينقص شيئاً من الزكاة.

стр. 1932

وأجاب أيضاً: وأما أخذ صاحب الأرض ديوانه، قبل إخراج الزكاة أو بعده، فهذا ينبني على تأثير الخلطة في الزرع: فإن قلنا: تؤثر، أخرجت من رأس المال، ويكون على صاحب الأرض من الزكاة قدر ما يحصل له من الديوان. وأما إن قلنا: لا تؤثر الخلطة في الزرع، فلا زكاة على صاحب الديوان إلا أن تبلغ حصته نصاباً. وسئل أيضاً: عن الشركاء في الزرع، لا يتم ما بينهم نصاب، ولكل واحد شيء يخصه؟ فأجاب: إذا حصل لكل واحد قيمة نصاب، أخذت منه الزكاة، وإلا فلا. وسئل: عن صاحب الأرض، هل يؤخذ من نصيبه زكاة؟ فأجاب: إن كان بسهم فعليه حصته من الزكاة، وإن كان بديوان دفع إليه الشيء المشروط. وأجاب في موضع آخر: الخلطة تؤثر في الماشية بالحديث الصحيح، وأما غير الماشية فالذي عليه أكثر أهل العلم أن الخلطة لا تأثير لها في الحبوب. وإذا كان بين اثنين زرع قدر مائتي صاع، لكل واحد مائة، وله قدر خمسين أو أزيد من زرع آخر مختص به عن شريكه، فهذا لا زكاة فيه على القولين جميعاً، لأنا إن قلنا: إن الخلطة لا تأثير لها في

стр. 1933

غير الماشية فواضح، وإن قلنا تؤثر فهما لم يشتركا في نصاب، لأن المشترك لم يبلغ نصاباً فلا زكاة فيه. فإذا اقتسما وأضاف كل واحد منهما نصيبه إلى ما حصل له من الزرع الآخر الذي اختص به عن شريكه، نظرنا: فإن بلغ نصاباً زكاه، وإلا فلا. وأجاب أيضاً: وأما الناس المشتركون في النخل، وكلٌ عارفٌ حقه منه، وكل يسقي حقه وحده، فيحسب كل نصيب رجل وحده، فإن بلغ النصاب أخذت منه الزكاة، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه. وأجاب أيضاً: وأما النخل المتميز بين الشركاء، ولا شركة بينهما إلا أن الماء واحد، فالذي نفهم أن شركة الماء لا تؤثر، بل كل ملكه يخرص على حدة. وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الله أبا بطين: أما تأثير الخلطة في غير الماشية في باب الزكاة، فالخلاف في ذلك مشهور بين القائلين بتأثير الخلطة في الماشية؛ والمشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب مالك: عدم تأثير الخلطة في الجملة. وعن أحمد رواية بتأثير خلطة الأعيان في غير السائمة، وهو مذهب الشافعي. وعلى هذا، فهل تؤثر خلطة الأوصاف؟ فيه وجهان للأصحاب، ودليل كل من القولين مذكور في محله، وإن كانت حجة القول الأول أظهر، والقول

стр. 1934

به أكثر. وأما إذا زرع إنسان لغيره بجزء من الزرع، فلا يلزم العامل إلا زكاة حصته خاصة، لكن إن شرط الزكاة على العامل فهل يصح أو لا؟ سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عما سقي بِمؤونةٍ بعضَ الوقت، وبعضه بغيرها؟ فأجاب: الأصل فيه قول النبي ﷺ : " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشر " ١، رواه البخاري. وأما إذا سقي النصف بكلفة، والنصف بغير كلفة، فذكر الفقهاء فيه ثلاثة أرباع العشر؛ قالوا: وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً. وأنت فاهم أن الإجماع حجة. وذكروا أيضاً: أنه إذا جهل أي الكلفة أو غير الكلفة أكثر، أنه يجب العشر احتياطاً، نص عليه. وأجاب أيضاً: الذي ثمرته على السقي وعلى السيل، يسأل أهل المعرفة، فإن كان نفع السيل أكثر فعليه العشر تاماً، وإن كان السقي أكثر نفعاً فعليه نصف العشر، وإن استويا فثلاثة أرباع العشر. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: وزكاة الذي يسقى بالسواني نصف العشر، والذي يسقى بالعيون أو السيل ففيه العشر تاماً.

стр. 1935

وسئل: متى تجب؟ فأجاب: المشهور عند أهل العلم أن الزكاة تجب إذا اشتد الحب، ولا يستقر الوجوب إلا إذا جعل في البيدر؛ فإن تلف بعضه سقطت الزكاة فيما تلف وزكى الباقي، ولا أعلم أحداً من العلماء قال بوجوبها فيما تلف قبل الحصاد؛ بل الذي عليه أكثر العلماء أو كلهم، بل أظنه إجماعا: أن الزرع إذا هلك بآفة سماوية قبل حصاده، والثمرة إذا هلكت قبل الجذاذ، فالزكاة تسقط فيما تلف. وأما إذا جذّت الثمرة ووضعت في الجرين، أو حصد الزرع وجعل في البيدر، ثم أصابته آفة سماوية كالريح، والنار التي تأكله قبل التمكن من إخراج الزكاة، فهذه المسألة هي محل الخلاف: فبعضهم يقول بوجوب الزكاة، وبعضهم يقول بسقوطها، ويقول شرط الوجوب التمكن من الإخراج وهو لم يحصل. وسئل: عمن يدفع زكاة البر سنبلاً؟ فأجاب: ظاهر كلامهم عدم الجواز، لأنهم نصوا على أنه لا يخرج الحب إلا مصفى، ولا التمر إلا جافاً. وسئل: عمن اشترى عيشاً وزكى به؟ فأجاب: أما شراء الإنسان زكاة ماله من عيش غيره فلا علمت فيه خلافاً، والذي فيه المنع: إذا شراها من الفقير بعدما يدفعها إليه; وأما كونه يخرج عيشه للديانين، ويشتري مثله ويعطيه أهل الزكاة، فلا أرى به بأساً. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: وأما الذي يتسلف

стр. 1936

عيشاً ويخرجه عن زكاته، فلا بأس بذلك، فإنه يملكه بالقرض، وإذا ثبت ملكه له جاز تصرفه فيه بأي وجه كان. ولعل الذي أشكل عليك أنه لا يجوز إخراج الزكاة إلا من الذي وجبت فيه، وهذا ليس بلازم؛ فإنها تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فتكون كالدين، فحينئذ سواء أخرجها من الذي وجبت فيه أو من غيره، فكل هذا جائز. وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن إنكار الخرص؟ فأجاب: الخارص عليه الاجتهاد والتحري، والخرص فعله رسول الله ﷺ ؛ كان يبعث عماله إلى الثمار يخرصونها عند استوائها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] . سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عما يدعه الخارص ... إلخ؟ فأجاب: وأما ترك الخارص الثلث أو الربع، فأرجح الأقوال عندي، قول أكثر أهل العلم: أنه غير مقدر، بل يترك له قدر ما يأكله ويخرجه رطباً باجتهاد الخارص؛ وعلى هذا وردت الأدلة ويصدق بعضها بعضاً. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: يؤمر الخارص أن يدع الثلث أو الربع لأهل النخيل يأكلونه ويهدون منه ويتصدقون، وبعض أهل العلم يقول: يدع لأهل النخيل قدر حاجتهم، كل

стр. 1937

إنسان على قدر حاجته; فما كان يحتاجه للأكل قبل الجذاذ ويهديه لأقاربه ونحوهم، أو يتصدق به فلا زكاة فيه، وما عدا ذلك ففيه الزكاة؛ فتبين لك أنما أخرجه بلا عوض يعود إليه فلا زكاة فيه، وما باعه وأهداه هدية يطلب عوضها ففيه الزكاة. وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الترك في الخرص، هل هو خاص بالنخل دون الزرع؟ فأجاب: الذي يترك في الخرص: الثمر، لأجل أن أهله يتسعون في القيظ، وتأخر الثمرة عن النجاح، والزرع بخلاف ذلك؛ ولو قدر أن أهله يحتاجون للأكل قبل الحصاد، فالذي نرى أنه يترك لهم ما يأكلونه كالثمر. وسئل: هل يترك الخارص قدر ما يخرج الإنسان من أكله وأهل بيته، ويعم الهدية والتقسيم على المساكين، وكذا الحمير، والأجير، ونحو ذلك؟ وهل التحديد بالربع أو الثلث؟ أم على كلام الآمدي، وابن عقيل: يترك قدر أكلهم وهديتهم بالمعروف؟ فأجاب: الذي نرى أن مثل الحمير لا تدخل، والسبب أن أهل العلم يذكرون حاجته، وكذا الذي ينفق شيئاً هدايا ونحوه فلا يحسب، والأجير تبع لأهل البيت. وقولك: هل يزكي ثمنه إذا باعه؟ فليس الأمر كذلك، بل يزكي نفس الثمرة التي باعها.

стр. 1938

وأجاب أيضاً: كل ما يأكله صاحب النخل من المقيظ هو وعياله، وما يهديه لقريب، وما يتصدق به على فقير، فكل هذا لا زكاة فيه، ويؤمر الخارص بترك ذلك فلا يخرصه على أهل النخيل، ويخرص الباقي. وأجاب بعضهم: وأما النخلة التي يتصدق بها صاحبها، فالذي أشرفنا عليه من كلام أهل العلم، أن عامل الصدقة إن كان يخرص على أهل الثمرة مع أول الثمرة حين يطيب أكلها، أنه يترك من الثمرة قيمة ما يأكلون ويتصدقون به، كالربع أو الثلث أو دون ذلك، على اختلاف العلماء، والباقي يزكى. وإن كان الخارص ما يخرص إلا قريب الجذاذ، فالظاهر أنه يخرص ما وجده، لأن النفقة والأكل قد مضيا، وأما ما يباع أو يعطى أجرة، فهذا يخرص مع النخل. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا ترك الساعي في الخرص لرب المال شيئاً من كمال النصاب، كما إذا كان عنده خمسة أوسق فترك منها وسقاً، فقد ذكروا: إن كان رب المال أكل هذا الوسق المتروك، فلا يجب عليه شيء في الأربعة الأوسق الباقية، وإن لم يأكل هذا الوسق المتروك، زكى الأربعة الأوسق فقط. وأجاب بعضهم: ثمر النخلات التي تعطى الفقراء لا زكاة فيها، ولا فيما أكل صاحب الثمرة.

стр. 1939

[زكاة العسل] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن زكاة العسل ... إلخ؟ فأجاب: وأما العسل فيؤخذ منه العشر زكاة، ويعرف هذا بالكيل والوزن. وأجاب بعضهم: وأما العسل، فمذهب أحمد وغيره من العلماء: أن فيه العشر: إذا بلغ قدر عشر قرب، أخرج منه عشره. [زكاة الخضراوات] سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: عن الخضراوات، هل تجب فيها الزكاة؟ فأجاب: الذي عليه أكثر العلماء أنها لا تجب فيها الزكاة; وقال أبو حنيفة: تجب فيها الزكاة. والصحيح: القول الأول، وعليه يدل عمل الرسول ﷺ في حياته، وعمل خلفائه الراشدين بعد وفاته، لمن تدبر ذلك، وعلم سيرة القوم. إغلاق الباب وقت الحصاد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن إغلاق الباب وقت الحصاد؟ فأجاب: وأما إغلاق الباب وقت الحصاد، فلا أتجرأ على الجزم بتحريمه، ولكن أظنه لا يجوز لما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، من ذلك ما ذكر الله في سورة "ن" عن أصحاب الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا

стр. 1940

مُصْبِحِينَ﴾ [سورة القلم آية: ١٧] ؛ وهم لم يغلقوا الباب، ولكن تحيلوا بالصرام وقتاً لا يأتي فيه المساكين. وأجاب بعضهم: وأما قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤١] ، قال ابن جرير: قال بعضهم في الزكاة المفروضة، ثم رواه عن أنس بن مالك، وكذا قال ابن المسيب، وقال العوفي عن ابن عباس: " وذلك أن الرجل إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج منه شيئاً، فقال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ "، وقال الحسن: ?" هي الصدقة من الحب والثمار "، وقاله قتادة وغير واحد. وقال آخرون: هي شيء آخر سوى الزكاة، قال أشعث عن ابن سيرين ونافع عن ابن عمر في الآية: " كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة "; وعن عطاء: ?" يعطى من حضر يومئذ مما تيسر، وليست الزكاة ". وقال ابن المبارك عن سالم عن سعيد بن جبير: ?": ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، قال: هذا قبل الزكاة للمساكين، القبضة والضغث لعلف الدابة ". وفي حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً في الآية، قال: " ما سقط من السنبل ". وقال آخرون: هذا شيء كان واجباً ثم نسخه بالعشر ونصف العشر، حكاه ابن جرير عن ابن عباس، وابن الحنفية وإبراهيم وغيرهم، واختاره - يعني ابن جرير -. وقد ذم الله الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكره في سورة "ن". انتهى; وأما الاستحباب فلا يخفى، وإنما اختلافهم في

стр. 1941

الوجوب، فلا ينبغي لمن أعطاه مولاه نعمة أن لا يؤدي حقها، والمال يعتريه حقوق كثيرة غير الزكاة. وأجاب الشيخ عبد اللطيف: من طلب من الثمرة عند الجذاذ، يعطى إذا كان فقيراً أو مسكيناً ما يسد جوعته، وأما إذا طلب من الزكاة، فيعطى بحسب الزكاة وقدرها، وكثرة المساكين. كتب الشيخ حسين وإبراهيم، وعبد الله، وعلي: أبناء الشيخ محمد، وحمد بن معمر: إلى الأخ عبد العزيز، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فإن الله ﵎ أوجب على جميع الخلق أداء الزكاة من أموالهم، والرسول ﷺ بين مراد الله من ذلك، وقدر النصاب في جميع الأموال، وأخبر ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة " ١. وأجمع العلماء أن الزكاة تجب في وزن خمس أواق، ولا تجب فيما دونها. وحرر الفقهاء من جميع المذاهب أن زنة خمس الأواق مائة وأربعون مثقالاً، وحرر المثقال بأنه وزن اثنين وسبعين حبة من الشعير المتوسط، وحررناه فوجدناه كما ذكروا. وحررنا النصاب بالريالات، لأجل أنها أخلص ما يوجد من الفضة، والحكم على الخالص، فصار الريال ثمانية مثاقيل محررة. وسألنا الصاغة عن غش الريال، فحرروه لنا السدس، وأسقطنا من كل ريال سدساً، فصار النصاب من الفضة الخالصة: سبع

стр. 1942

عشرة ريالاً ونصف ريال، ومن المغشوشة إحدى وعشرون ريالاً. وفي حياة الشيخ، عفا الله عنه، والريال ما هو بعبرة لنا حتى يحرره لنا، وعبرة الناس ذلك الوقت الزرور، والجديدة، وصرف الزر ذلك الوقت تسع جدد، أو قريب منها، وعشرون الزرور، ومائتا الجديدة متقاربان. وفي وقتنا هذا سقط صرف الحمر، وصار الريال هو الأغلب، وحررنا نصاب الذهب من الحمران: سبعة وعشرين زراً. وأما الجدد فلا فيها من الفضة إلا القليل، فتصير عرضاً من العروض، وتقوم بقيمتها من الريالات، وكذلك سائر العروض تقوم بالريالات، لأنه هو الأحوط في الزكاة. والذي عنده ذهب زرور أو غيرها، فنصابها ما ذكرناه لكم، يزكيها إذا بلغته. وأحببنا ننبهك لتنبه الناس عن شيء يخل عليهم، والزكاة فيما ذكرنا لك، ربع العشر، على الحالة التي تمشون عليها؛ ولكن المراد التنبيه على قدر النصاب الذي تجب الزكاة ببلوغه. وأجاب الشيخ عبد الله بن محمد أيضاً: وأما نصاب الذهب والفضة، فنصاب الفضة من الريالات: قدر واحد وعشرين ريالاً، هذا أول نصابها، وزكاتها: نصف ريال يزيد ربع عشر الريال، وما زاد على ذلك بحسابه. وأما نصاب الذهب، فالذي نعمل عليه عندنا أنها: قدر سبعة وعشرين زراً، من الحمران المعروفة عندنا، ومن المشاخص: قدر عشرين مشخصاً.

стр. 1943

وأجاب في موضع آخر: ذكر أهل العلم أن نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، وحررناه بالوزن فصار: مقدار سبعة وعشرين زراً. وأما الفضة فنصابها: مائتا درهم، وحررناه فوجدناه: إحدى وعشرين ريالاً. وأمرنا من كان عنده من الذهب أو من الفضة هذا المقدار، وقد حال عليه الحول، أن يزكيه. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر: تقدير نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، وحررناه: قريب سبعة وعشرين زراً، بزرور الناس العابرة بينهم اليوم، ونصاب الفضة: مائتا درهم، وحررناه: قريب إحدى وعشرين ريالاً من ريالات الناس التي يتعاملون بها اليوم، وهي من الجدد: قدر مائة جديدة تزيد قدر خمس جدد؛ فإذا صار عند المسلم من هذا ما ذكرناه، زكاه إذا حال عليه الحول. وأجاب أيضاً: وأما نصاب الأريل، فالذي عليه الفتوى أنه: قدر واحد وعشرين ريالاً تقريباً، والله أعلم. إخراج الجدد في الزكاة سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن إخراج الجدد في الزكاة، هل يجوز؟ فأجاب: هذه المسألة أنواع: أما إخراجها عن جدد مثلها، فقد صرحوا بجوازه، فقالوا إذا زادت القيمة بالغش، أخرج ربع العشر مما قيمته كقيمته. وأما إخراج المغشوش عن

стр. 1944

الخالص، مع تساوي القيمة، فهذه هي التي ذكر بعض المتأخرين المنع منها، وبعضهم يجيز ذلك؛ وهو الصحيح، بدليل ما تقدم في إخراج القيمة ١ أنه يجزي، فإن إخراج المغشوش يجيزه من لا يجيز القيمة؛ بل قال الشيخ تقي الدين: نصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمان، من خالص ومغشوش، وصغير وكبير. وأما إخراج المغشوش عن الجيد مع نقصه، مثل الجنازرة التي تساوي ثماني لأجل الغش بالفضة عن جنازرة تساوي أكثر لقلة الغش، فهذا لا يجوز. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: الجدد عرض تقوم بالفضة. وأجاب ابنه الشيخ سليمان: أما إلحاقها بالنقدين فلا يصح، لأنها ليست بنقد أصلاً، فكيف يلحق ما ليس نقداً بالنقد؟ ولا أظن أحداً يقول ذلك؟ والأولى عندي أن يقال: هي وما أشبهها ملحقة بالمغشوش، فينظر فيها: فإن بلغ ما فيها من الفضة نصاباً بنفسه، أو بالضم إلى فضة أخرى، أو نقول بضم الفضة إلى الذهب، كما هي رواية عن أحمد، وقول مالك وأبي حنيفة، فإنه يزكيها زكاة النقدين. وإن لم يبلغ ما فيها من الفضة نصاباً، ولو بالضم إلى فضة أخرى، أو كان عنده ذهب، ولم نقل بضم الفضة إلى الذهب، فإنه يزكيها زكاة

стр. 1945

تجارة، كما قاله المجد في المغشوش إذا كان للتجارة أنه يزكيها زكاة تجارة، على أني لم أر أحدا من الأصحاب ذكر ذلك غيره، بل ذكروا أن المغشوش ليس فيه زكاة حتى يبلغ نصاباً مطلقاً؛ هذا ما ظهر لي على أني لم أجد فيها كلاماً لأحد. انتهى. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: اعلم أن المقطوع به عند علمائنا أنها ملحقة بالعروض، وتحسب بقيمتها في باب الزكاة، كما تحسب العروض بالقيمة، كذا قالوا؛ وقد اعتنوا بتمييز ما فيها من الفضة، فلم يجدوا فيها إلا القليل، وأما إلحاقها بالنقدين فهو خطأ، والقائل به قد قال شططاً، إذ كيف يلحق ما ليس نقداً بالنقد؟ وأما قول القائل: إن بعض الجدد فيه من الفضة النصف، وبعضها خالص فضة، فهذا ممنوع غير مسلم، وتحديد صرف الريال بالسبع أو الثمان من الجدد، باطل. وأجاب سعيد بن حجي: لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال، لقوله ﷺ : " ليس في الحلي زكاة "، رواه الطبراني؛ وهو قول ابن عمر وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر وجماعة من التابعين. ويباح للنساء من الذهب كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. وقال ابن حامد: إذا بلغ ألف مثقال حرم، وفيه الزكاة. ويجوز للمرأة التحلية بدراهم ودنانير معراة، أو في مرسلة في وجه، وعليها تسقط الزكاة. انتهى

стр. 1946

من المبدع. وقال في الإقناع: ولا زكاة في حلي مباح، ويباح للنساء من ذهب وفضة ما جرت عادتهن بلبسه، كطوق وخلخال وسوار، ولو زاد على ألف مثقال، حتى دراهم ودنانير معراة وفي مرسلة. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين الحصني الشافعي: قوله: هل تجب الزكاة في الحلي المباح؟ فيه قولان: أحدهما: لا، وهو الأظهر، لأن " عائشة تحلي بنات أخيها يتامى في حجرها، فلا تخرج منها الزكاة "، رواه في الموطإ. وفي جواز التحلي بالدراهم والدنانير المثقوبة التي تجعل في القلادة، وجهان: أصحهما الجواز، قال الأسنائي: وحكاية الخلاف ممنوعة، بل يجوز لبس ذلك للنساء بلا كراهة، وصرح به في البحر. انتهى. فقد علمت أن المسألة المسؤول عنها، وهي: لبس المشاخصة مع الحلي، لا زكاة فيها تبعاً للحلي، أو مفردة بالشروط المتقدمة، لكن إن كان متخذ المشاخصة مع الحلي، مراده فراراً من الزكاة، ففيها الزكاة.

стр. 1947

فصل: في العروض سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن العروض، ما الواجب في زكاتها؟ فأجاب: العروض تقوم عند الحول بالريالات، لأنها أنفع للفقراء، لأن العروض تقوم بالأحظ للفقراء من عين أو ورق، كما نص عليه الفقهاء. والعروض اسم للسلع المعدة للتجارة، فكل شيء يشتريه الإنسان يريده للربح، فهو عرض تجارة من جميع أنواع المال. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن رجل له بعيران، وله تجارة، وهما للبيع ... إلخ؟ فأجاب: الذي عنده ناقتان أو أكثر أو أقل وهو كَدّاد، وله تجارة وهن للبيع، يحسبن مع تجارته، والذي عنده عيش أو تمر للبيع، إذا حال عليه الحول يزكيه مع التجارة، وما فضل من قوت الرجل وهو ناويه للتجارة فيحسبه مع تجارته، إلا إن كان ناويه قوتاً وفضل شيء فلا زكاة فيه حتى ينويه للبيع ويحول عليه الحول.

стр. 1948

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: وأما الإبل التي يجعلها صاحبها عديلة مع البدوي، وقصده تناسلها عنده ولا له نظر في بيعها وتقليبها للتجارة، فهي تزكى زكاة سائمة لا زكاة تجارة، وكذلك الغنم. وأما إن كان قصد صاحبها التجارة، ويظهرها مع البدوي، فإذا سمنت باعها، فهذه تزكى زكاة تجارة. وأما العيش والتمر، فإن كان حصله صاحبه من حرثه، فلا فيه زكاة بعد ما يزكيه زكاة الحرث، ولو بلغ أحوالاً، ومتى باعه استقبل بثمنه حولاً. وأما إن كان حصله من دين على الناس، مثل ما يفعله التجار، فهذا يزكي كل حول، ويقوم عند رأس الحول كغيره من عروض التجارة؛ وهذا معنى قول الفقهاء: ولا تكرر زكاة معشرات، ولو بلغت أحوالاً ما لم تكن للتجارة. وإذا كانت الذلول للتجارة، فهي عرض تقوم عند رأس الحول، وإن كانت لغير التجارة بل جعلها صاحبها للحرفة عليها، أو الجهاد، أو الحج، ونحو ذلك، فينظر في ذلك: فإن كانت لم ترع غالب الحول عند الوديع فلا زكاة فيها، وإن كانت قد رعت الحول كاملاً مع إبل الوديع وجبت فيها الزكاة زكاة خلطة. وأما العوامل التي قال أحمد: ليس فيها زكاة، فهي التي تركب، مثل زوامل البدو. والذي يخرج عن العروض دراهم تقوم بها، فإذا قومت بالدراهم أخرج زكاتها. وسئل: عن ثمن أرض يتيم ... إلخ؟ فأجاب: لا تجب

стр. 1949

الزكاة في الأرض التي تباع إلا إذا حال على ثمنها الحول، فإن كانت بدراهم مؤجلة زكاها إذا قبضها. وسئل: عن ثمن القطن؟ فأجاب: إذا كان للتجارة، فهو يحسب مع المال إذا كان له مال، وإلا فإذا حال الحول على ثمنه، أو عليه بعدما يحصله. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا حال عند رجل تمر أو عيش مزكى زكاة الحرث، فإن كان أراده للتجارة فهو يزكيه زكاة التجارة، يحسبه بقيمته وقت حلول زكاة التجارة، وإن كان أراده للأكل له ولبهائمه فليس عليه زكاة، ولو أقام عنده سنين؛ وإن نقص عن قيمة النصاب، ولم يكن عنده ما يضيفه إليه من الذهب والفضة أو العروض، فلا زكاة فيه؛ هذا هو الذي عليه الفتوى والعمل عندنا. وسئل: عن امرأة باعت سلعة من حليها قاصدة أنها تشتري بثمنها سلعة غيرها، وجعلت تبيع وتشتري في ثمن السلعة، وحال الحول قبل أن تشتري، هل يجب عليها زكاة؟ فأجاب: نعم تجب الزكاة إذا حال على الثمن الحول وهو باق بحاله، سواء اتجرت فيه أم لا. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عما إذا خلف الميت عروضاً ساحلياً، وقهوة، أو شبهها، هل تجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، قبل أن يتصرف فيها الوارث ببيع، أم لا؟

стр. 1950

فأجاب: أما إذا خلف الميت عروضاً ساحلياً، وقهوة أو شبهها، فلا تجب فيها الزكاة، ولا تجري في حولها ما دامت عروضاً عند الوارث، فإن باعها الوارث بنقود مطلقاً، أو عروض، ناوياً بالمستبدلة التجارة، وجبت فيها الزكاة؛ وابتداء الحول من حين الاستبدال. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن تقويم العروض؟ فأجاب: العروض تقوم عند الحول بالريالات، لأنها أنفع للفقراء، ولأن العروض تُقَّوم بالأحظ للفقراء من عين أو وَرِق، كما نص عليه الفقهاء. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: وأما إخراج زكاة العروض من قيمتها لا من نفسها فهو المذهب، وهو مذهب مالك، ومشهور مذهب الشافعي. وعند أبي حنيفة وصاحبيه: يجوز إخراج ربع عشر العرض، وهو قديم قولي الشافعي، وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وعن أحمد رواية: يجوز إخراج القيمة في الزكاة، قال بعض الأصحاب: إن قلنا بهذه الرواية أجزنا إخراج زكاة العروض منه. وأجاب أيضاً: لا شك أن الأفضل أن يخرج عين الذهب والفضة منها لا من غيرها، لكن إذا كان الشيء قليلاً والمستحق كثيراً، فأرجو أنه يجوز إخراج القيمة تمراً وحباً.

стр. 1951

فصل في صدقة الفطر سئل الشيخ حمد بن ناصر: عمن تجب عليه زكاة الفطر؟ فأجاب: تجب على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، صاعاً من الطعام. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عمن ليس عندها إلا حلي، أو ليس له إلا عوامل يستعلمها ... إلخ؟ فأجاب: الفطرة لا تجب إلا على من يقدر عليها. والتي عندها حلي فتجب عليها ولو باعت منه. والذي ليس عنده إلا عوامل يستعملها ما عليه شيء. والذي له ثمرة تجب عليه ولو كانت مرهونة. والذي ليس له إلا ذمته لا يستدين إلا إن أراد. والتمر يؤخذ ولو كان فيه رطوبة، إذا طلع عن اسم الرطب. وتفريقها قبل صلاة العيد. وأجاب الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: الفقير الذي لم يقدر على زكاة الفطر عند وقت وجوبها، ليست بواجبة عليه، وما دفع إليه لا يجب عليه الإخراج منه، لقصة المظاهر، والذي وقع على زوجته في رمضان، ولم يأمر

стр. 1952

النبي ﷺ واحداً منهما بإخراج الكفارة التي هي واجبة عليه ومتمكن من أدائها، ولا أمرهما بأدائها إذا قدرا عليها؛ فدل على أنه لا حرج على الفقير إذا دفع إليه أن لا يخرج ولا يؤمر بقضاء. [مقدار زكاة الفطر] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن مقدار زكاة الفطر ... إلخ؟ فأجاب: أما الذي ثبت في مقدارها، فهو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو صاع من أقط؛ وأما البر، فجاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ جعل نصف الصاع من البر قائماً مقام الصاع من غيره من الأجناس المذكورة، والحديث رواه أحمد وأبو داود; والذي في الصحيحين: أن معاوية هو الذي قوم ذلك، والقول به مذهب كثير من أهل العلم، وهو اختيار الشيخ تقي الدين; وتقدير الصاع من التمر بالوزن لا يحتاج إليه، لأن التمر مكيل، فإن أخرج وزنتين عن الصاع فهو كاف. وأجاب في موضع آخر: الذي يظهر لنا أن صاع التمر قدر وَزْنَةٍ ونصف. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: وأما الفطرة عن صوم رمضان، فجمهور العلماء يرون أنه لا يجزئ إلا صاع كامل، من أي صنف من الأصناف

стр. 1953

المذكورة في حديث أبي سعيد، وابن عمر وغيرهما، وهي: الطعام، والشعير، والتمر، والأقط، والزبيب; وذهب جمع إلي جواز الإخراج من غالب قوت أهل البلد، أَي قوتٍ كان، كالذرة، والأرز، ونحوهما. وذهب بعضهم إلى أن نصف الصاع من سمراء الشام، وهي: البر، يجزي عن صاع من غيره؛ وهذا القول قاله معاوية، ورآه رأياً له، وليس بمرفوع، وقد خالفه أبو سعيد الخدري، ولم يوافقه عليه، وبعض العلماء وافق معاوية على ذلك، وقليل ما هم. انتهى. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما قدر الفطرة من الثمرة المكنوزة، فالذين جربوه يقولون: قدر وزنتين إلا ثلث. وسئل الشيخ سعيد بن حجي: هل يجوز إخراج زكاة الفطر من الذرة والدخن، مع وجود التمر والبر والشعير، أم لا؟ فأجاب: خص الشارع صلاة الله وسلامه عليه، إخراج التمر والشعير والزبيب والطعام والأقط، فمن العلماء من أجاز جميع هذه الأجناس مطلقاً لظاهر الحديث، ومنهم من قال لا يخرج إلا غالب قوت البلد، لأن هذه الأجناس كلها كانت مقتاتة بالمدينة في ذلك الوقت؛ ولفظة الطعام تستعمل في البر عند الإطلاق. وقال في المنح الوفية: شرعت الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ فاللغو: الكلام

стр. 1954

الباطل، والرفث: كل ما يستحى من ذكره. قال ابن العربي: الصوم موقوف على زكاة الفطر، فإن أخرجت قبل صومه. وروى أبو داود - ولم يضعفه هو ولا المنذري - وابن ماجة من حديث ابن عباس، قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " ١. انتهى. فإذا كانت طهرة للصائم، وطعمة للمساكين، فمن الطيب أحسن وأجمل، لا سيما مع قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٧] ، قال ابن عباس: " أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده، ونهاهم عن التصدق برذال المال ودنيه، وهو خبيثه ". إذا ثبت هذا، فقال في المبدع: زكاة الفطر واجبة، لما روى ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " ٢، متفق عليه. والواجب فيها: صاع بصاع النبي ﷺ من البر، والشعير، والتمر، والزبيب، إجماعاً، ومن الأقط في إحدى الروايتين؛ هذا المذهب، لما روى أبو سعيد الخدري قال: " كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من

стр. 1955

شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط " ١، متفق عليه. ولا يجزئ غير هذه الأصناف المذكورة، مع قدرته على تحصيلها، إلا أن يعدمه، فيخرج مما يقتات عند ابن حامد، كلحم، ولبن، وعند أبي بكر - وهو أشبه بكلام أحمد -، وظاهر كلام الخرقي: يخرج صاعاً مما يقوم مقام المنصوص عليه من كل حب، كذرة ودخن، أو تمر يقتات كتين يابس، ونحوه. واختار الشيخ تقي الدين: يجزئ قوت بلده، مثل الأزر ونحوه، وأنه قول أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٩] ، وجزم به ابن رزين. انتهى. وقال في حاشيته على شمس الإيضاح: قال أبو حنيفة، الواجب نصف صاع، ولحديث معاوية؛ وحجة الجمهور حديث أبي سعيد، لقوله: " صاعاً من طعام "، والطعام في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة. ووقع في رواية لأبي داود: " أو صاعاً من حنطة " ٢. وأجمعوا على أنه يجوز البر والزبيب، والتمر والشعير، إلا في البر خلاف لا يعتد به، وفي الزبيب لبعض المتأخرين، والأقط وجهان؛ وقال أشهب لا تخرج إلا هذه الخمسة. وعن مالك رواية: أنه لا يجزئ غيرها، وقاس مالك على هذه الخمسة كل ما هو قوت أهل كل بلد، من القطاني وغيرها. ولا يجوز عند عامة الفقهاء إخراج القيمة،

стр. 1956

وأجازه أبو حنيفة، قلت: قال أصحابنا: جنس الفطرة: كل حب وجب فيه العشر. انتهى. وأما كلام المالكية، فقال في الشرح الكبير: وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. انتهى. وقال الفشني المالكي في كتاب المنح الوفية على المقدمة العزية: زكاة الفطر واجبة، فرضها رسول الله ﷺ ، ثم ذكر حديث ابن عمر وأبي سعيد المتقدمين، إلى أن قال: وهي صاع من غالب قوت البلد، هذا مذهب المدونة، وسواء كان قوتهم مثل قوته، أو أدنى، أو أعلى. انتهى. وقال عبد الله بن زيد القيرواني في الرسالة: زكاة الفطر فرضها رسول الله ﷺ على كل صغير وكبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد من المسلمين، صاعاً بصاع النبي ﷺ من جل عيش أهل ذلك البلد، من بر أو شعير، أو تمر أو أقط أو زبيب، أو دخن أو ذرة، أو أرز. انتهى كلامه. وأما كلام الشافعية، فقال محمد بن قاسم على أبي شجاع - لما ذكر وجوب زكاة الفطر - قال: فيخرج صاعاً من قوت بلده، فإذا كان في البلد أقوات غلب بعضها، وجب الإخراج منه. انتهى. وقال شهاب الدين أحمد بن الحجازي في شرحه على الزبد، لما ذكر المصنف الفطرة ووجوبها وقدرها، وقال: وجنسه القوت من المعشّر ... غالب قوت البلد المطهّر

стр. 1957

وجنسه، أي: الصاع، القوت من المعشر، أي: الذي يحب فيه العشر، أو نصفه، لأن النص ورد في جنس المعشرات، كالبر والشعير، والتمر والزبيب؛ وقيس الباقي عليه بجامع الاقتيات، غالب قوت البلد المطهر، المخرج، ويختلف ذلك باختلاف النواحي. انتهى. فتلخص من كلام هؤلاء العلماء: أن الذي ورد فيه النص يقدم في الإخراج إذا وجد غالباً، فإذا عدم، أخرج مما يقوم مقام المنصوص عليه من الحبوب والثمار، كالذرة، والدخن، والأرز، والتين إذا كان يابساً، فإن عدم أخرج من غالب قوت البلد مطلقاً، والذرة والدخن ليسا منصوصاً عليهما، وليسا من غالب قوتنا الآن، فإن غالب قوت أهل نجد الآن: التمر والبر والشعير. وأما الأفضل: فقد ذكر العلماء أن الأفضل إخراج التمر مطلقاً، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، لفعل ابن عمر، رواه البخاري. وروى مجاهد قال: " قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقاً، وأنا أحب أن أسلكه "، فآثر إلاقتداء بهم على غيره، وكذا رواه أحمد واحتج به لأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولاً، ثم البر لأنه أكثر نفعاً وأجود، وبه قال الشافعي، ثم ما هو أنفع للفقراء؛ وفي المحرر: وأفضلها التمر، ثم الزبيب، ثم

стр. 1958

البر، ثم الشعير، ثم الأقط، وقيل: أفضلها ما كان أغلى قيمة، وأكثر نفعاً. ولا يخرج حباً معيباً كمسوس ومبلول، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٧] ، ولأن السوس يأكل جوفه، والبلل ينفخه; ولا يخرج قديم تغير طعمه، ولا قيمته لأنها خلاف المنصوص، فإن خلط الجيد ما لا يجزي، فإن كثر لم يجزه، فإن قل زاد بقدر ما يكون المصفى صاعاً؛ فإن أحب تنقية الطعام كان أكمل، والله أعلم.

стр. 1959

سئل الشيخ سعيد بن حجي الشيخَ عبد الله، وحمد بن ناصر: عن تحرير الصاع؟ فأجابا: وما ذكرت من تحرير الصاع، أن الذي تحرر لكم فيه: أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل في الخلقة، فالأمر على ما ذكرت؛ وهو الذي ذكره العلماء، كصاحب النهاية والقاموس. وأما كون صاعنا يزيد السدس على الصاع الأول، الذي هو أربع حفنات، فلم يظهر لنا أن الزيادة تسع أو عشر، على ما تحرر لنا بالحفنات. وأما الوزن، فلم نعتمد عليه، لأن الحب يختلف بالرزانة وعدمها، والعمدة على ما حرره العلماء بالحفنات، وزيادة الصاع على الحفنات يسيرة، فلهذا تركنا الأمر على عادته القديمة، والاعتبار بالصاع الموجود. وأما الذي نفتي به: فهو العمل على أربع الحفنات، وبالاعتبار بالصاع نجعل التسعة الآن عشرة؛ وأما دون ذلك مشكوك فيه، وإلاحتياط في العبادة أولى. وسئل الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ، ﵏: هل صاع النبي ﷺ خمسة أرطال وثلث بالعراقي؟ أم ثمانية أرطال؟ وما قدر الرطل؟ وما بين الوزنة والصاع؟ فأجاب: أخرج أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والدارقطني، وأخرجه البزار أيضاً بإسناد صحيح عن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " المكيال على

стр. 1960

مكيال أهل المدينة، والوزن على ميزان أهل مكة " ١. إذا عرفت ذلك، فقال أبو داود عن أحمد بن حنبل، قال: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، وقال أبو داود: هذا صاع رسول الله ﷺ . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذكر أبي أنه عبر مد النبي ﷺ بالحنطة فوجدها رطلاً وثلثاً في المد، قال: ولا يبلغ من الثمر هذا المقدار. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن عروة، أن مد النبي ﷺ الذي كان يأخذ به الصدقات رطل ونصف. وقال أبو محمد ابن حزم: وجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان، في أن مد النبي ﷺ الذي تؤدى به الصدقات ليس أكثر من رطل وربع، وقال بعضهم، رطل وثلث، وليس هذا اختلاف، لكن على حسب رزانة المكيل من التمر والبر والشعير، قال: وهذا أمر مشهور بالمدينة، منقول نقل الكافة، صغيرهم وكبيرهم، وصالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم وإمائهم، كما نقل أهل مكة الصفا والمروة. فالمعترض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم، كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة، ولا فرق، وكمن يعترض على أهل المدينة في القبر والمنبر والبقيع؛ وهذا خروج عن الديانة والمعقول. قلت: وهذه مبالغة منه كجاري عادته. وقال في الإقناع: والصاع خمسة أرطال وثلث

стр. 1961

بالعراقي، وقال أبو حنيفة ومن تبعه: المد رطلان; فعلى هذا، يكون الصاع ثمانية أرطال بالعراقي. وقد رجع أبو يوسف إلى الحق في هذه المسألة، ووافق أهل القول الأول لما دخل المدينة ووقف على أمداد أهلها، واحتجوا على قولهم هذا بأشياء لا تصح: الأول: حديث رواه شريك القاضي: عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " يجزئ في الوضوء رطلان " ١، مع الأثر الصحيح أنه ﵇ " كان يتوضأ بالمد " ٢. والجواب من وجهين: الأول: ما في شريك من المقال، فإنه وإن كان واسع العلم فقيهاً، فقد ضعفه كثير من أئمة الحديث، كابن المبارك ويحيى بن القطان وغيرهما، ووثقه طائفة. الثاني: أن ذلك لو صح لا يدل على أن ذلك المد رطلان؛ فقد صح أن رسول الله ﷺ توضأ بثلثي مد، ولم يكن النبي ﷺ يكال له الماء للوضوء، فلو صح لما كان فيه دليل على أنه لا يجزئ أقل من رطلين، وأبو حنيفة وأصحابه أول موافق لنا في هذا، فمن توضأ عندهم بنصف رطل أجزأه. الثاني: حديث رواه موسى الجهني، قال: "كنت عند مجاهد فأتى بإناء يسع ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، فقال: قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يغتسل بهذا "،

стр. 1962

مع الأثر الثابت أنه ﵇ كان يغتسل بالصاع. والجواب: أن موسى قد شك في ذلك الإناء، هل يسع ثمانية أرطال، أو عشرة أرطال، وهم يقولون الصاع لا يزيد على ثمانية أرطال ولا درهماً، وأيضاً، فإن ذلك ظن وتخمين من موسى. الثالث: رواه أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن رجل عن موسى بن طلحة، أن القفيز الحجاجي: قفيز عمر، أو صاع عمر. الرابع: ما رواه مجالد عن الشعبي قال: القفيز الحجاجي: صاع عمر. الخامس: قول إبراهيم: عبرنا صاع عمر، فوجدناه حجاجياً. والسادس: ما رواه الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن إبراهيم، قال: كان صاع رسول الله ﷺ ثمانية أرطال، ومده رطلين. والجواب عن الثالث: أن من بين أبي إسحاق وبين موسى بن طلحة لا يدرى من هو. وعن الرابع: بأن مجالداً ضعيف، ضعفه الناس، أولهم أبو حنيفة. وعن الخامس: أن إبراهيم لم يدرك زمن عمر. ثم لو صح كل ذلك لم يكن لهم فيه حجة، لأن النّزاع لم يكن في صاع عمر ولا قفيزه، وإنما النّزاع في صاع النبي ﷺ ومده، وقد يكون لعمر صاع وقفيز ومد رتبه لأهل العراق، كما كان لمروان بالمدينة مد اخترعه، ولهشام بن إسماعيل مد اخترعه. وكما قال البخاري في

стр. 1963

الصحيح: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا القاسم بن مالك المزني، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن السائب بن يزيد، قال: " كان الصاع على عهد النبي ﷺ مداً وثلث مدكم اليوم، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز ". وقال مالك عن نافع: " كان ابن عمر يعطي زكاة الفطر من رمضان بمد النبي ﷺ المد الأول "، فصح أن بالمدينة صاعاً ومداً غير صاع النبي ﷺ ومده، ولو كان صاع عمر هو صاع النبي ﷺ لما أضيف إلى عمر دون أن يضاف إلى رسول الله ﷺ . وعن السادس: بأنه لا يحتج به من يحسن مواضع الاحتجاج، لوجهين: الأول: أن الحجاج بن أرطاة ضعيف مدلس. والثاني: أنه مرسل. وفي المسألة طول، وفي هذا القدر كفاية، والله أعلم. وأما قدر الرطل العراقي من المثاقيل، فاعلم أولاً: أن زنة المثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، وبالحب: اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة، وقيل: ثنتان وثمانون حبة من الشعير المطلق، ذكر ذلك في الإقناع وغيره; قال: ولا تنافي بينهما. إذا علمت ذلك، فالرطل العراقي من الدراهم: مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وبالمثاقيل: تسعون مثقالاً؛ ذكر ذلك في شرح الإقناع. وأما ما بين الوزنة وصاع النبي ﷺ ، فقد عرفت قدر الصاع النبوي بالدليل؛ واعتبار ذلك بالوزنة يعسر على مثلي.

стр. 1964

وأيضاً: فالظاهر أن ذلك لا يمكن، لأن الثمر يختلف اختلافاً كثيراً بالرطوبة واليبوسة، فقد تبلغ الوزنة من التمر الخفيف صاعاً، وقد تكون من الثقيل نصف صاع. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: هل يجزي إخراج زكاة الفطر من النقدين؟ فأجاب: إخراج زكاة الفطر من النقدين لا يجزئ، ولو تعذرت أجناس الطعام؛ لكن إذا عدم المجزي قضى إذا وجده، ولو بعد وقت الإخراج. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن توديع الفطرة عند جار ونحوه ... إلخ؟ فأجاب: وما يفعله بعض الجهال من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه، إلى أن يجيء الذي يعطونها إياه، فهذا لا يجزئ، لأنهم لم يخرجوها، فلا تسقط. وسئل: عن دفع زكاة الفطر إلى الأخ وابن العم ونحوهم؟ فأجاب: يجوز دفع صدقة الفطر إلى من ذكر إذا لم تجب نفقتهم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن دفع صدقة الفطر للمعلم؟ فأجاب: الذي ذكر أهل العلم، أنها لا تدفع إلا إلى

стр. 1965

الفقراء والمساكين ونحوهم، ممن يجوز له أخذ زكاة الأموال؛ فإن كان هذا المدرس فقيراً وأعطي منها لأجل فقره فهذا حسن، وإن كان إنما أعطي لأجل التدريس فلا يجوز; ولا ينبغي للإنسان أن ينتفع بزكاته ولا يجعلها وقاية لماله، فإن فعل ذلك لم تجز عنه. والصدقة إن جعل الأمير لها جابياً يجباها دفعها إليه، فإن لم يكن لها جاب، فليدفعها إلى من اشتدت حاجته إليها من الفقراء والمساكين، ولا يجوز دفعها إلى غني، ولا يستخدم بها الفقير. وإذا أعطى الجماعة أحداً من الفقراء قدر فطرته، لا أزيد ولا أنقص، فهذا لا بأس به إذا كان معطى من غير فطرته التي دفعها، بل بعض أهل العلم يجوز له أن العامل يرد عليه ولو زكاته بنفسه إذا بلغت العامل. وهل الأفضل خلط فطرة أهل البلد؟ أم تفريقها في أوانيها؟ فالأفضل المبادرة بإخراجها إلى مستحقها، سواء خلطت أم لا. سئل الشيخ سعيد بن حجي: أين تخرج صدقة الفطر؟ فأجاب: زكاة الفطر يخرجها في البلد الذي هو فيه. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: والفطرة يخرجها في البلد الذي استهل له فيه هلال شوال، ولو لم يصم فيها إلا يوماً واحداً، وفطرة من تلزمه فطرته يخرجها حيث أفطر.
следующие страницы →