← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فهو حرام، ولا تحل له الزكاة، بل لو جاءته من غير سؤال لم تحل له، إلا إن كان من الخمسة المذكورين في الحديث; وذلك لأن الله تعالى قسمها بنفسه، ولم يرض فيها بقسم نبي ولا غيره; وفي الحديث: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " ١. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قول شارح بلوغ المرام، على قوله: " أو غاز في سبيل الله " ٢، ويلحق به من كان قائماً بمصلحة عامة ... إلخ؟ فأجاب: لم أقف على شيء من كلام أئمتنا يعضد هذا المأخذ ويومي إليه، وغاية ما رأيته ما قد أشرت إليه، من قول شيخ الإسلام، ونصه في الاختيارات: ومن ليس معه ما يشتري به كتباً يشتغل فيها، يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري به ما يحتاج إليه من كتب العلم، التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها. انتهى كلامه، والله أعلم. سئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: هل يجزي دفع الزكاة في الجهاد الذي يؤخذ من الناس اليوم؟ فأجاب: لا يجزئ، لأنه حينئذ يكون واقياً بها ماله، بمنْزلة ما لو دفع زكاته عما وجب عليه من النفقة للأقارب ونحوهم؛ والزكاة حق مستقل، والجهاد حق آخر. وقد تولى

стр. 1997

الرب سبحانه قسمة الزكاة وحصرها في الثمانية الأصناف، فلا يجوز صرفها في غيرهم؛ لكن لو دفع الزكاة إلى الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم ليأكلوها في حال الغزو، كان جائزاً؛ فإنهم أحد الأصناف الثمانية. انتهى ملخصاً. وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن دفعها عند الاستسقاء، أو الذين يسألون في المساجد، أو في بناء المساجد؟ فأجاب: المساكين الذين يسألون في المساجد، لا بأس أن يعطيهم الإنسان من زكاة ماله، لأنهم من أهل الزكاة المذكورين في الآية. وما يخرجه من الصدقة عند الاستسقاء، إذا كان المعطى من أهل الزكاة فلا بأس أن يعطى من الزكاة. وأما النية عند الإخراج، فلا بد منها في هذا والذي قبله. وأما دفع الزكاة في بناء المساجد، فقد ذكر الأصحاب أنه لا يجوز صرفها إلى غير الثمانية المذكورين في الآية؛ قال في الإقناع وشرحه: لا يجوز صرفها إلى غير الثمانية المذكورين، كبناء المساجد والقناطر وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغير ذلك. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: الذي ظهر لي أن صرف الزكاة في بناء المساجد، المنع منه أصح عند جمهور العلماء وأحوط. ودفعها إلى غير مسلم لا يسقط فرضها، فلا

стр. 1998

بد من دفعها إلى مسلم من الأقسام الثمانية، التي ذكرها الله . سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا كان فقير من بني هاشم، أو بني المطلب، وليس له ما يقوم بكفايته، هل يحل له شيء من الزكاة، إذا كان نائب الإمام لا يملك ما ينفق عليهم إلا منها؟ وإذا بعث الإمام أو نائبه أحدهم عاملاً على الزكاة، هل يعطى أجرته منها؟ فأجاب: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: " أخذ الحسن ﵁ تمرة من تمر الصدقة، فقال له النبي ﷺ : كخ، كخ - يعني: اطرحها -؛ أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟ " ١، وقال ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس " ٢، و" لما رأى تمرة على فراشه أخذها ثم ألقاها، وقال: لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها " ٣، متفق عليه. وقال ﷺ لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن عباس، وقد سألاه العمل على نصيب العامل: " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد " ٤، رواه مسلم. وروى أبو رافع: " أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فانطلق أبو رافع إلى رسول الله ﷺ فقال: ﷺ لا تحل لنا

стр. 1999

الصدقة، إن مولى القوم منهم " ١، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. إذا علمت هذا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهبت طائفة إلى التحريم مطلقاً، سواء منعوا خمس الخمس أو لم يمنعوا؛ وهم الأكثرون. وطائفة قالوا: إذا منعوا خمس الخمس أبيح لهم الأخذ من الزكاة، بشرط الحاجة والضرورة. ونحن نسوق كلام العلماء إن شاء الله تعالى: قال النووي في شرح صحيح مسلم، على قوله: باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ وعلى آله، وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم، وذكر حديث الحسن المتقدم، ثم قال: وفي هذا الحديث دليل على تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله، و٥ هم: بنو هاشم، وبنو المطلب ; وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك، رحمهما الله: هم بنو هاشم خاصة؛ قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلهم. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. ودليل الشافعي: أن النبي ﷺ قال: " إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد "، وقسم بينهم سهم ذوي القربى. وأما صدقة التطوع، فالشافعي يرى فيها ثلاثة أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله ﷺ وتحل لآله. والثاني: تحرم عليه وعليهم. والثالث: تحل له ولهم. وأما موالي بني هاشم وبني المطلب، فهل تحل لهم

стр. 2000

الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنها تحرم، للحديث الذي ذكره مسلم، وهو حديث أبي رافع. والثاني: تحل. وبالتحريم قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض المالكية; وبالاباحة قال مالك. وادعى ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالاجماع؛ وليس كذلك، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على بني هاشم، وبني المطلب، ولا فرق بينهما، والله أعلم. وقوله ﷺ : " إنا لا تحل لنا الصدقة " ١ ظاهره تحريم صدقة الفرض والنفل، وفيها الكلام السابق. انتهى. وقال في الإنصاف: قوله: ولا بني هاشم، هذا المذهب مطلقاً نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وكالنبي ﷺ إجماعاً; وقيل: يجوز إن منعوا خمس الخمس، لأنه محل حاجة وضرورة - إلى أن قال - قال في الفروع: ومال شيخنا – يعني: أبا العباس - إلى أنهم إن منعوا خمس الخمس أخذوا من الزكاة، وربما مال إليه أبو البقاء، وحكى الخلاف في العاملين، وقال: إن منعوا خمس الخمس جاز لهم الأكل، وإلا فلا، والله أعلم. وقال في الإقناع وشرحه: ولا لبني هاشم، يعني: ولا يجوز دفع الزكاة لبني هاشم، كالنبي ﷺ ، وهم - أي بنو هاشم - من كان من سلالة هاشم، فدخل فيها آل العباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل أبناء أبي

стр. 2001

طالب بن عبد المطلب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب بن عبد المطلب؛ قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، لقول النبي ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس " ١. وعن أبي هريرة قال: " أخذ الحسن تمرة ... " الحديث، متفق عليه. وسواء أعطوا من خمس الخمس أو لم يعطوا، لعموم النصوص، ولأن منعهم من الزكاة لشرفهم، وشرفهم باق، فبقي المنع ما لم يكونوا - أي بنو هاشم - غزاة، أو مؤلفة، أو غارمين لذات البين، فلهم الأخذ لذلك، لجواز الأخذ مع الغنى، وعدم المنة فيه. واختار الشيخ تقي الدين وجمع، منهم القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا. وقال أبو يوسف من الحنفية، والإصطخري من الشافعية: جواز أخذهم إذا منعوا خمس الخمس، لأنه محل حاجة وضرورة. وقال الشيخ تقي الدين أيضاً: ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين، ذكره في الاختيارات. ويجوز دفع الزكاة إلى ولد هاشمية من غير هاشمي في ظاهر كلامه، وقاله القاضي اعتباراً بالأب. وقال أبو بكر: لا يجوز، واحتج بحديث: " إن ابن أخت القوم منهم " ٢. ولا يجوز دفع الزكاة لموالي بني هاشم، وهم الذين أعتقهم بنو هاشم، لحديث أبي رافع المتقدم. انتهى. وذكر ما قاله الصنعاني في شرح

стр. 2002

البلوغ، ثم قال: فهذا حاصل ما حررناه من كلام العلماء. إذا علمت ذلك، فالذي نراه: أن بني هاشم وبني المطلب - إذا منعوا خمس الخمس والفيء وكانوا محتاجين - لهم الأخذ من الزكاة؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، كما تقدم. هذا ما ظهر لي، والله أعلم. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن دفع الزكاة إلى أولاد الإخوة والأخوات ... إلخ؟ فأجاب: وأما إعطاء عيال إخوانك وأخواتك، فهو جائز إن شاء الله تعالى. ويجوز إعطاء إخوانك وأخواتك وعماتك، وكذا بنات عيال أخيك، يجوز إعطاؤهن. وأما القوي من عيال أخيك، فإن لم يكن له كسب يكفيه، جاز أن يعطى الزكاة، فإن كان لو يحترف كفى نفسه بحرفته، لكن يترك الحرفة تكاسلاً، فلا يعطى منها. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: أما دفع الزكاة إلى أولاد البنات، فالمشهور في المذهب عدم الجواز، الوارث وغيره فيه سواء نصاً، لأن دفعها إليهم عن نفقته، ويسقطها عنه فيعود عليه نفعها، فكأنه دفعها إلى نفسه، أشبه ما لو قضى بها دينه. سئل الشيخ عبد الله بن محمد: هل يعطى من عليه الدين من الزكاة؟

стр. 2003

فأجاب: إن كان فقيراً مستحقاً أعطي، وإن كان غنياً ويعطى من الزكاة لأجل دينه، فلا يحل له أن يعطى منها. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن دفع الزكاة إلى الغريم، ثم يوفيه بها؟ فأجاب: وأما إن دفع إنسان شيئاً من زكاته إلى غريمه، ثم أوفاه بذلك من دينه الذي عليه، فقد نص الإمام أحمد على جواز ذلك ما لم يكن حيلة، فقال: إن أراد إحياء ماله لم يجز، وقال أيضاً: إن كان حيلة فلا يعجبني، وقال: إن أراد الحيلة لم يصلح، ولا يجوز. وقال الشيخ الموفق: الذي تحصل لنا من كلام أحمد، أنه إن قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز، لأنها لله فلا يصرفها إلى نفعه. وقال القاضي: المراد بالحيلة في كلام أحمد: أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه، فلا تجزيه، يعني: فإن ردها من غير شرط جاز؛ فكلام القاضي صريح في أنه إنما يمنع إذا كان بشرط، وكلام الموفق صريح في أنه إذا كان قصد الدافع إحياء ماله، لا سيما مع وعد القابض بردها عليه وفاء عن حقه، فإنه لا يجوز. وسئل: هل يجزي إذا أسقط عن الفقير زكاة الدين الذي عليه؟ فأجاب: المعروف المعمول به في المذهب: أنه إذا

стр. 2004

أسقط عن المعسر والفقير غير المعسر زكاة الدين الذي عليه، أن ذلك لا يجوز ولا يجزي. وسئل: عن المحتاج الذي في بيته، هل هو أولى بالدفع إليه ... إلخ؟ فأجاب: والمحتاج الذي في بيته لا يسأل الناس أولى من الذي يسألهم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل يجوز شراء زكاته؟ فأجاب: أما شراء المزكي زكاته ففيه خلاف، والمشهور أنه لا يجوز. وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عن دفع زكاة الكري لصاحبه ... إلخ؟ فأجاب زكاة الكري لا يحل لصاحب الكري ما يخص كراه منها؛ بل يجب عليه إخراجه، ويأخذ من غيره. سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن تحري الأوقات الفاضلة، كرمضان ... إلخ؟ فأجاب: وأما تحري المتصدق بصدقته الأوقات الفاضلة، كرمضان والعشر الأواخر، فهذا حسن؛ والصدقة لها مزية في الأوقات الفاضلة والأماكن المعظمة، سواء كانت الصدقة من ماله، أو كان نائباً في تفريقها، إذا لم يعين له الموكل وقتاً بعينه أو مكاناً بعينه.

стр. 2005

سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عمن طلب من الثمرة عند الجذاذ ... إلخ؟ فأجاب: من طلب من الثمرة عند الجذاذ، يعطى إذا كان فقيراً أو مسكيناً، ما يسد جوعته، وأما إذا طلب من الزكاة، فيعطى بحسب الزكاة وقدرها، وكثرة المساكين. سئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: عن صلة العاصي ... إلخ؟ فأجاب: وأما صلة العاصي لقصد ما فيه من الخير، كالإسلام، أو لتأليفه، أو لدفع مفسدة ظاهرة لا تعارض الأصل، وهو المنافرة لأهل المعاصي، فلا بأس به؛ بل ربما يتأكد. ولك الأسوة الحسنة في أبي بكر ﵁ بمسطح بن أثاثة، وأم حبيبة، وصلة عمر لأخيه الذي في مكة، وغير ذلك؛ ولكن لا بد مع التحلي بالحب في الله، التحلي أيضاً بالبغض فيه، ضرورة أن الباعث على الأول كونه مطيعاً لله، وهو مستلزم لبغض العصاة؛ ومعلوم أن من أحب لسبب أبغض لضده، فاستصحب هذا الأصل تنجو من معرة الطرفين، والله أعلم. سئل الشيخ حمد بن معمر: عن الصدقة في مكة ... إلخ؟ فأجاب: الصدقة في مكة لها مزية في الفضيلة، لفضيلة

стр. 2006

البقعة؛ ومتحري الخير يتيسر له ذلك، خصوصاً في أيام الحج، إذا حج ناس من المسلمين، فإنه يجد مع الحاج من فقراء المسلمين ناساً محتاجين يتصدق عليهم، فيحصل فضيلة البقعة مع فضيلة أيام الحج. وأما الصدقة على أهلها اليوم، وهم على هذه الحال، فقد ذكر أهل العلم ما يدل على أن المسلم يثاب على الصدقة على الكافر، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورةالممتحنة آية: ٨] . وذكر أهل التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٢] ، أنها نزلت في الصدقة على أهل الذمة. انتهى ملخصاً. قال الشيخ محمد بن عمر بن سليم: أنشدنا شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن هذه الأبيات: يا من له الفضل محضاً في بريته ... وهو المؤمل في الضراء والباسِ عوَّدتني عادة أنت الكفيل بها ... فلا تكلني إلى خلق من الناسِ ولا تذلّ لهم من بعد عزته ... وجهي المصون ولا تخضع لهم راسِي وابعث على يد من ترضاه من بشر ... رزقي وصنِّي عمن قلبه قاسِي فإن حبْل رجائي فيك متصل ... بحسن صنعك مقطوعاً عن الناسِ وذكر أن الله بعث لمنشئها رزقاً بسبب فأرة خرجت من جحر وبفيها دينار، فحفره فوجد دنانير كثيرة.

стр. 2007

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن حديث " سبق الفقراء ... "... إلخ؟ فأجاب: أما حديث: " سبق الفقراء بخمسمائة عام "، وفي حديث: " بأربعين عاماً "، فهذا أثبت، ولكن لا يدل على فضلهم؛ بل بعض الأغنياء الذين يدخلون بعدهم، يكونون أرفع درجة منهم، وهذا له شواهد كثيرة: أن الفضيلة الخاصة لا تدل على الفضيلة العامة، والفقر والغنى موكول إلى العرف، وقوله: " إنك إن تذر ورثتك أغنياء ... " ١ إلخ، لا إشكال فيه أن الرجل إذا أراد أن يتصدق بماله كله، قيل له: إنك إن تذر ورثتك أغنياء، ما فيه إشكال.

стр. 2008

كتاب الصيام صيام يوم الشك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: عن قول عمار: " من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، هل هذا من قول عمار؟ أو من قول رسول الله ﷺ ؟ فأجاب: بل هو من قول عمار، بدليل صيغة اللفظ، ولكنه عند العلماء في حكم المرفوع، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، وذلك كقول الصحابي: من السنة كذا، أو أمرنا بكذا. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى: وقفت على نسختين لعثمان بن منصور، تتضمن التشنيع والتجهيل والتضليل، لمن نهى عن صيام يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، ويزعم: أن صيامه بنية رمضان واجب جزماً؛ ولا يخفى أن

стр. 2009

المحققين من العلماء في مذهب أحمد من الحنابلة وغيرهم، ذهبوا إلى أنه لا يجب صيامه، بل يكره أو يحرم، فمنهم الحافظ محمد بن عبد الهادي الحنبلي. وقد صنف في الرد على من أوجب صيامه، فإنه، ﵀، قال: فصل في الكلام على مسألة الغيم مختصراً: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، رضوان الله عليهم، إيجاب صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين؛ ومن ادعى ذلك فلينقله لنا بإسناد يحتج به. وكذلك لم يثبت عن الإمام أحمد، أنه أوجب صومه؛ والصحيح أنه لا يجب صومه؛ ومن قال بالوجوب من أصحاب أحمد، كالخرقي والخلال صاحبه، النجاد وابن شاقلا وابن حامد وغيرهم، فليس معهم دليل على ذلك، بل أكثر ما معهم معان مقابلة بأقوى منها، وأحاديث متشابهة لا حجة فيها، يجب ردها إلى المحكم الواضح؛ فإن العمل بالمتشابه من الآيات والأحاديث وغيرها من الأدلة، لا يجوز إذا أفضى إلى رد محكم، بل يجب العمل بالمحكم ورد المتشابه إليه. ومتى وقع النّزاع في مسألة من المسائل بين أهل العلم، لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر بالاتفاق، بل يجب رد ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

стр. 2010

وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . ولا ريب أن من قال بوجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان، ليس معه دليل صحيح أصلاً. بل الأدلة الصحيحة الصريحة التي هي غير قابلة للتأويل تدل على عدم الوجوب. فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه، من حديث أمير المؤمنين، في الحديث شعبة بن الحجاج، قال: حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ ، أو قال أبو القاسم ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ١، كذا رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، وكفى به حجة؛ وهو صريح في إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو غير قابل للتأويل بوجه، بل هو فاصل للنّزاع في المسألة. ولا ينافيه ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة: " فصوموا ثلاثين يوماً " ٢، وفي لفظ: " فإن غم عليكم، فأكملوا العدد " ٣، وفي لفظ: " ف إن أغمي عليكم الشهر، فعدوا ثلاثين " ٤؛ فإن هذه الألفاظ كلها موافقة للفظ البخاري، لا مخالفة له، ومن جعلها معارضة لما رواه البخاري، فقد قصر في النظر. ومنها: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارقطني، من حديث الإمام الحافظ الثبت أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن

стр. 2011

عائشة، قالت: " كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام " ١، هذا حديث صحيح صريح في المسألة، لا يقبل التأويل؛ قال الإمام الحافظ الكبير، أبو الحسن الدارقطني: هذا الإسناد صحيح، كذا قال أبو الحسن، وهو إمام عصره في علم الحديث، وهو مصيب في قوله: فإن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، خرج لهم في الصحيح; فإن عبد الله بن قيس، ومعاوية بن صالح، من رجال مسلم؛ ولم يصب من طعن في هذا الحديث، لأجل معاوية بن صالح، وجعل الدارقطني متعصباً في تصحيحه إسناد هذا الحديث، فإن معاوية بن صالح ثقة احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة وغيرهم من الأئمة، ولم يتكلم فيه بحجة، والله أعلم. ومنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والترمذي والنسائي وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم الطبراني، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وغيرهم من رواية عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان " ٢، هذا لفظ أبي داود الطيالسي، وهذا الحديث صحيح، رواته كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح؛ قال الترمذي هذا حديث صحيح، وهو

стр. 2012

صريح في المسألة، قاطع للعذر، غير قابل للتأويل بوجه من الوجوه. وقد رواه الحافظ أبو بكر الخطيب من رواية ابن قتيبة عن حازم بن إبراهيم البجلي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه قال: " تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم غداً، فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فذكر أنه رآه، فقال النبي ﷺ : تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فأمر النبي ﷺ بلالاً فنادى في الناس، ثم قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوماً "؛ قال الحافظ أبو بكر: وهذا أولى أن يؤخذ به من حديث ابن عمر، لما فيه من البيان الشافي، واللفظ الواضح الذي لا يحتمل التأويل. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وأبو حاتم ابن حبان البستي، وأبو الحسن الدارقطني، من رواية الثقة الحجة، جرير بن عبد الحميد عن منصور عن ربعي عن حذيفة، قال قال رسول الله ﷺ : " لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة قبله " ١، هذا لفظ الدارقطني؛ وهذا الحديث رواته كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيحين، وهو صريح في عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا غم الهلال. ومنها: ما رواه الإمام أحمد والنسائي، والدارقطني،

стр. 2013

من رواية حسين بن الحارث الجدلي، قال: " خطب عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني قد جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم. ألا وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين ". ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن روح عن زكريا عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا؛ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً " ١، هذا إسناد صحيح. ومنها: ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب، من رواية قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله، فقال: يا رسول الله، اليوم يصبح الناس يقول القائل: هو من رمضان، ويقول القائل: ليس من رمضان، فقال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين "؛ وهذا الحديث وإن كان بعض رواته متكلم فيه، فهو يصح للاعتضاد والاستشهاد بلا ريب. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجة والترمذي، من حديث أبي إسحاق عن صلة بن زفر، قال: " كنا عند عمار بن ياسر، فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، قال الترمذي:

стр. 2014

هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه مرفوعاً: النهي عن صوم يوم الشك، وقد روي عن جماعة من الصحابة، ﵃، أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس. وقد نص الإمام أحمد بن حنبل، في رواية المروذي، على أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك، وهذا القول صحيح بلا ريب، فالقول بوجوب صوم هذا اليوم لا دليل عليه أصلاً. والقائلون بعدم الوجوب، قد ذكروا من جهة المعنى وجوهاً عاضدة ومقوية لما تقدم من الأحاديث: الوجه الأول: قالوا: الواجب صوم رمضان، وهذا اليوم ليس من رمضان فلا يجب صومه; والدليل على أنه ليس من رمضان الحكم والمعنى. الوجه الثاني، قالوا: الشك بالغيم ليس بأكثر من الشك الحاصل بالشهادة من رد الحاكم شهادته، ثم هناك لا يجب به الصوم، فكذلك الغيم؛ يوضح هذا: أن الغيم ليس سبباً في وجوب الصوم، إنما السبب رؤية الهلال، أو شهادة برؤيته، ونحن على الأصل، والغيم لا يصلح ناقلاً. الوجه الثالث: قالوا: عبادة، فلا يجوز الدخول فيها إلا على يقين، كسائر العبادات؛ وذلك: أن الشرع لما أوجب العبادات الموقتة، نصب لها أسباباً وأعلاماً، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها. فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة على عدم الوجوب، معارض لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن

стр. 2015

عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا رأيتموه فصوموا، واذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ١، فإن معنى: " اقدروا له ": ضيقوا له عدداً يطلع في مثله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٧] أي: ضيق. قلنا: ليس في هذا الحديث دليل على وجوب الصوم أصلاً، بل هو حجة على عدم الوجوب؛ فإن معنى " اقدروا له ": احسبوا له قدره، وذلك ثلاثون يوماً، وهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، ليس من التضييق في شيء؛ والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث ابن عمر: " فإن أغمي عليكم، فاقدروا ثلاثين " ٢، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر أيضاً: " الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ٣، فإن اللام في قوله: " فأكملوا العدة " للعهد، ولم يخص النبي ﷺ شهراً دون شهر بإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره. وقد روى الإمام أحمد عن وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي، قال: سمعت ابن عمر يقول: " لو صمت السنة كلها، لأفطرت اليوم الذي يشك فيه ?"، ثم ذكر الروايات عن الإمام أحمد، كما هي مذكورة فيما يأتي، نقلاً عن المغني والإنصاف. انتهى ما أردت نقله من كلام الحافظ محمد بن عبد الهادي، ﵀. فتأمل ما أورده في الفصل من الأحاديث التي قد تواترت

стр. 2016

كثرة وصحة، فاتبعت ما ذكره في هذا الفصل بما ستقف عليه؛ قال أحمد، ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأى سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وذكر صاحب المغني، ﵀، عن الإمام أحمد في هذه المسألة، ثلاث روايات: رواية الوجوب، ذكرها بصيغة التمريض، وضعفها شيخ الإسلام، وصاحب الفروع وغيرهما؛ قال في المغني: وروي عنه أن الناس تبع للإمام. وعنه رواية ثالثة: لا يجب صومه، ولا يجزيه عن رمضان إن صامه، قال: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومن تبعهم، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً " ١. انتهى. قلت: وحديث أبي هريرة صريح في الأمر بإكمال شعبان، إذا غمي الهلال ليلة الثلاثين، كما تقدم في كلام الحافظ؛ ولو لم يكن في هذه المسألة إلا هذا الحديث، لتعين الأخذ به والعمل، لصراحته وصحته. فهذا حكم من النبي ﷺ أرشد أمته إليه وأمرهم به، فقال في الإنصاف: وإن حال دون منظره سحاب أو قتر ليلة الثلاثين، وجب صيامه عند الأصحاب، وهو المذهب، وهو من المفردات، وعنه: لا

стр. 2017

يجب صومه قبل رؤية الهلال، وقبل إكمال شعبان ثلاثين. قلت: وهذه الرواية التي ذكرها في المغني بقوله: وعنه لا يجب صومه وفاقاً للثلاثة وأكثر العلماء؛ قال في الإنصاف: قال الشيخ تقي الدين: هذا مذهب أحمد الصحيح الصريح عنه، وقال: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة. انتهى. قال: ورد في الفروع جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب، وقال: لم أجد عن أحمد صريحاً في الوجوب، ولا أمر به، ولا يتوجه إضافته إليه. قلت: فأنكر صاحب الفروع على كثرة اطلاعه، على جميع ما صنف في مذهب أحمد قبله، أن يضاف إلى الإمام أحمد القول بوجوب صيامه؛ وحسبك بصاحب الفروع. وللقائلين بالمنع من صيامه أن يحتجوا بما تقدم، وبقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٥] ، فلم يتعبد عباده بصيامه إلا عند شهود الشهر، وشهوده إنما هو رؤية هلاله بلا ريب. ومما يحتج به البراءة الأصلية، وهي أن الأصل بقاء شعبان، وأما تأويلهم ما في حديث عبد الله بن عمر " فاقدروا له " بمعنى: ضيقوا له، فهذا تأويل ضعيف جداً، لأن النبي ﷺ بين معنى هذه الكلمة، وأن معناها إكمال الثلاثين، كما تقدم ذلك صريحاً في كلام الحافظ؛ وقد قال في الإنصاف، لما ذكر رواية أنه لا يجب صومه، قال: واختار هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل، ذكره في الفائق، واختارها صاحب التبصرة، واختارها الشيخ تقي الدين وأصحابه، منهم

стр. 2018

صاحب التنقيح والفروع والفائق وغيرهم، وصححه ابن رزين في شرحه. قلت: وصاحب التنقيح الذي ذكر الحافظ: محمد بن عبد الهادي. وقال صاحب الإنصاف: وعنه صومه منهي عنه، قال في الفروع: واختاره أبو القاسم بن منده الأصبهاني، وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم، فعلى هذه الرواية، قيل: يكره صومه، وقيل: النهي للتحريم، ونقله حنبل، وذكره القاضي. قلت: ورواية حنبل بتحريم صيامه، هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن قوله: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ١ أمر منه ﷺ بإكمال شعبان؛ والأمر بالشيء نهي عن ضده، وتقدم حديث عمار وغيره. وكل من ذكره صاحب الإنصاف من أئمة الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وابن رزين، وابن منده، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجميع أصحابه، كلهم قد تركوا القول بالوجوب، وضعفوه، واختاروا الكراهة لصومه أو تحريمه، فوافقوا الأئمة الثلاثة في المنع من صيامه، وصححوا هذه الروايات عن الإمام أحمد، وبعضهم منع من نسبة القول بوجوبه إلى الإمام أحمد، كشيخ الإسلام وصاحب الفروع؛ فتوجه إنكار ذلك على من نسبه إليه من جهلة المتعصبين. وقال الحافظ ابن حجر، في شرح البخاري: قال

стр. 2019

العلماء في معنى الحديث: " لا تستقبلوا رمضان بصيام " على نية الاحتياط لرمضان؛ قال الترمذي لما أخرجه: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان. انتهى. قال شارح العمدة: والمعتمد كما قال الحافظ ابن حجر، أن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم؛ قال الروياني من الشافعية بتحريم تقدم رمضان بيوم أو يومين، لحديث الباب، قال الشارح قلت: ونعم ما قال، لأن النهي يقتضي التحريم. انتهى. ما يثبت به صيام رمضان وقال العلامة ابن القيم: فصل: وكان من هديه ﷺ أنه لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية متحققة، أو بشهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، وصام بشهادة أعرابي، واعتمد على خبرهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة؛ فإن كان ذلك إخباراً فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة. فإن لم تكن رؤية ولا شهادة، أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صام، ولم يكن يصوم يوم الإغماء، ولا أمر به، بل بأن يكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل كذلك؛ فهذا فعله، وهذا أمره. ولا يناقض هذا قوله: " فإن غم عليكم فاقدروا له " ١، فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال، كما قال: " فأكملوا العدة " والمراد بالاكمال: عدة الشهر الذي غم، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: " فأكملوا عدة شعبان " ٢،

стр. 2020

وقال: " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة " ١. فالذي أمر بإكمال عدته، هو الشهر الذي يغيم عند صيامه، وعند الفطر منه. وأصرح من هذا قوله: " الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة " ٢، وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه، وإلى آخره بمعناه؛ فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه، واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: " الشهر ثلاثون، والشهر تسع وعشرون، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين "، وقال: " لا تصوموا قبل رمضان. صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غياية فأكملوا ثلاثين " ٣، وقال: " لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا. ولا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة " ٤. قالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته ويفطر لرؤيته، فإن غم عليه أكمل شعبان ثلاثين يوماً ثم صام " ٥، صححه الدارقطني وابن حبان. وقال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين " ٦، وقال: " لا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " ٧، وقال: " لا تقدموا رمضان "، وفي لفظ: " لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صياماً فليصمه " ٨. والدليل على أن يوم الإغماء داخل في النهي: حديث ابن عباس رفعه: " لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته

стр. 2021

وأفطروا لرؤيته، فإن حالت غياية فأكملوا ثلاثين " ١، ذكره ابن حبان في صحيحه؛ وهذا صريح في أن صوم يوم الإغماء من غير رؤية ولا إكمال ثلاثين، صوم قبل رمضان، وقال: " لا تقدموا الشهر إلا أن تروا الهلال أو تكملوا العدة " ٢، وقال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً " ٣، قال الترمذي: حديث صحيح. وفي النسائي من حديث يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رفعه: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ثم صوموا. ولا تصوموا قبله يوماً، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا عدة شعبان " ٤، وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: " تمارى الناس في هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غداً، فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فذكر أنه رآه، فقال النبي ﷺ : تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر النبي ﷺ بلالاً فنادى في الناس: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوماً ". وكل هذه الأحاديث صحيحة، بعضها في الصحيحين، وبعضها في صحيح ابن حبان والحاكم وغيرهما؛ وإن كان قد أعل بعضها، فلا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، وكلها يصدق بعضها بعضاً، والمراد منها متفق عليه؛ وهذا بحمد الله هو

стр. 2022

العلم الذي يعرفه العلماء من أهل السنة والجماعة، الذين يعرفون بالعلم ويعرف بهم، وقد حفظوه بحمد الله على من بعدهم، لكن لا يهتدي له إلا من ألهمه الله رشده ووقاه شر نفسه. وأما الذي أسف عليهم هذا الرجل المتقدم ذكره ١ من أشباهه، فإنهم من جهلهم وضلالهم ينكرون هذه الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية، حسداً وبغياً، وظلماً وجهلاً وعناداً، وهم فلان، وفلان، فالحمد لله على معرفة الخطإ من الصواب، والتمسك بالسنة والكتاب. وأما ما احتج به بعضهم من أن بعض الصحابة صام يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في مطلع الهلال غيم أو قتر، فالجواب عنه من وجوه: أما ما ذكره عن ابن عمر: أنه صامه، فإنه لم يوجبه، ولا قال أحد إنه قال بوجوبه. الوجه الأول: أنه قد صح عنه الحديث بلفظ: " فاقدروا له ثلاثين يوماً " ٢، والحجة فيما روى لا فيما رأى. الوجه الثاني: أن قول الصحابي حجة عند بعض العلماء كالإمام أحمد، ما لم يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره فليس بحجة عند الجميع؛ فكيف إذا خالف نصوص الأحاديث، والمرجع فيما اختلفوا فيه إلى الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن كان أسعد بالدليل فهو المصيب، وقوله هو الحق; والعمل على ما وافق

стр. 2023

الدليل، وهذا هو الذي أمرنا الله به وفرضه علينا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وبهذه الآية العظيمة ختمنا الجواب، لما فيها من فصل النزاع في كل دعوى ادعى بها كل مدع، وبالله التوفيق. قال ابن رجب في كتاب اللطائف، في المجلس الثالث في صيام آخر شعبان، بعد كلام له على حديث عمران بن حصين: في صيام آخر شعبان، له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصام بنية الرمضانية احتياطياً لرمضان، فهذا منهي عنه. والثاني: أن يصام بنية النذر، أو قضاء، أو كفارة، أو نحو ذلك، فجوزه الجمهور، ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم. والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق، فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر - إلى أن قال - وفرق الشافعي، والأوزاعي، وأحمد وغيرهم، بين أن يوافق عادة أو لا - إلى أن قال - ولكراهة التقدم قبله، لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهى عن صيام يوم العيد لهذا المعنى، حذراً مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم، وكان من السلف من يتقدم للاحتياط، والحديث حجة عليه - إلى أن قال - المعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل، فإن جنس الفصل

стр. 2024

بين الفرائض والنوافل، مشروع، إلى آخر كلامه. وأجاب أيضاً: ولا يخفى أن صيامه من مفردات مذهب الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، نفى أن يكون الإمام أحمد أوجبه، وقال: ليس في كلام أحمد ما يدل على وجوبه، وقال: يحتمل الاستحباب والإباحة. وللإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي مصنف ذكر فيه ما ورد فيه من النهي عن صيامه، وذكر في بعض روايات ابن عمر: " فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ١، وذكره عن ابن عمر أيضاً مرفوعاً، وهذا يدل على المنع من صيامه. والأحاديث صحيحة مقطوع بصحتها. والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ومن أخذ عنه. وينهون عن ذلك لوجوه أربعة: الأول: أن تلك الليلة من شعبان بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان، إلا بيقين. الوجه الثاني: النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومن صام فقد تقدم رمضان. الوجه الثالث: الأحاديث التي فيها التصريح بالنهي عن صيامه، وذلك قوله: " فأكملوا العدة ثلاثين " ٢؛ وفي بعضها تخصيص شعبان. الوجه الرابع: حديث عمار: " من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم ". وسئل أيضاً عن قوله: إذا حال دون منظره غيم أو قتر، ويستدل بقوله في الحديث: " فإن غم عليكم فاقدروا له " ٣.

стр. 2025

ويقول: إن القدر: التضييق، مثل قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٧] ، وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صام، وصامه بعض الصحابة. فأجاب: هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثلاثة، وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستحبابه؛ قال في الإنصاف: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه: لا يجب، قال الشيخ: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، ولا أصل للوجوب في كلامه، ولا كلام أحد من الصحابة، ﵃، أنه صامه، إلا عبد الله بن عمر احتياطاً، قاله ابن القيم، وذكر أن ابن عباس، ﵄، أنكر عليه صيامه. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي، رحمه الله تعالى: وقد روى من غير وجه مرفوعاً: النهي عن صوم الشك، منهم حذيفة وابن عباس. ونص الإمام أحمد في رواية المروذي: أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم الشك، وهذا القول صحيح بلا ريب. قال الحافظ: وليس في الحديث الذي استدل به المتأخرون دليل على وجوبه أصلاً، بل هو حجة على عدم الوجوب، فإن معنى اقدروا: احسبوا له قدره، وذلك بثلاثين يوماً، فهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، ليس من الضيق في شيء، والدليل على ذلك، ما في صحيح مسلم عن ابن عمر: " فإن أغمي عليكم، فاقدروا ثلاثين " ١ أي: فأكملوا العدة ثلاثين، وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به

стр. 2026

وصرح في هذه الأحاديث بمعناه، وهو إكمال شعبان ثلاثين. واستدل الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار، وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي، عن طلحة بن زفر، قال: " كنا عند عمار بن ياسر، وأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ١. قلت: وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع، وقد جاء صريحاً في حديث أبي هريرة: الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غبى الهلال، وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال، أو قال أبو القاسم ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ٢. قال الحافظ: وهذا الحديث لا يقبل التأويل، وذكر أحاديث كثيرة، منها: ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه أتم ثلاثين يوماً ثم صام " ٣، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يشرع لأمته صيام الثلاثين إذا غم الهلال ليلته. فهذا وغيره من الأحاديث بين أن الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غم الهلال ليلته، وأن السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال؛ وهو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. وأجاب أيضاً: وما ذكرت أن مرعي له رسالة في تصحيح

стр. 2027

صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون منظره غيم أو قتر، فلا يجوز أن الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد تترك، لقول مقلد، بلا حجة ولا برهان، وأن هذا يصير هو العلم، وأن ما قرره الحفاظ المحققون بالأدلة، يقدم عليه قول مرعي ومن فوقه، أو دونه. وأجاب أيضاً: وما ذكرت أن مرعي صحح صيام يوم الشك من رمضان، فعجباً لك! كيف يمكن مرعي أو غيره يصحح ما قد ثبت فيه من رواية عمار بن ياسر: " من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم "، والحديث الذي في الصحيح: " فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ١، وحديث " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة " ٢؛ فأمر ﷺ بإكمال شعبان مع الإغماء، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وسياق الحديث الثاني في شعبان، وعمومه يتناول غيره من الشهور، كشهر ذي الحجة والمحرم، والكلام في هذا المحل يطول. وأيضا، كيف يوزن مرعي بشيخ الإسلام، وابن مفلح صاحب الفروع، والحافظ محمد بن عبد الهادي، وهم المحققون المتبعون، والحجة معهم؛ فلهذا لا يسع أحداً يترك ما حققوه بالدليل، ويميل إلى غيرهم. وفي الشرح الكبير والمغني، ما ينصر قول هؤلاء الأئمة والحفاظ، فسبحان الله ما أكثر من ضل فهمه! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 2028

وقال ابنه الشيخ عبد اللطيف، رحمهما الله تعالى، في رده على عثمان بن منصور، قال: وأما قوله في مسألة صوم يوم الثلاثين، إذا حال دون المنظر غيم أو قتر، وزعمه أن هذه المسألة سلكها إمام السنة، إلى آخر ما قال في مدح الإمام أحمد، فيناقش أولاً في اللفظ، ويقال: قوله: هذه المسألة سلكها إمام السنة، عبارة نبطية ليست بعربية؛ فإن المسألة لا تسلك، إنما يسلك الطريق، والمذهب ونحوهما، ثم مدح الإمام أحمد، وقول أبي داود وغيره في تفضيله، والثناء عليه كله حق؛ لكن لا يفيد هنا، ولا يدل على أنه لا يقول إلا صواباً، فإن هذا لا يثبت إلا للمعصوم، وقد أفتى، ﵀، في مسائل معروفة، ورجع عنها، كالمنع من القراءة عند القبر، ولا يدعي عصمته من يعقل. وأيضاً، فأتباع الأئمة يوردون في فضل أئمتهم مثل هذا، والمخالف يورد في فضل من لم يصم هذا اليوم ما هو أبلغ؛ فإن جمهور الصحابة والتابعين لم يصوموا، فإن كان هذا حجة فهم أسعد بها للقوة والكثرة، وإن لم يكن حجة فهذه المقدمة التي قدمها في مدحه لا دليل فيها على محل النّزاع كما هو ظاهر. ثم الخصم لا يسلم لكم أن أحمد قال بالوجوب، وليس معكم من الأدلة على ذلك دليل يجب التسليم له. وسيأتيك نقض أدلته، ومعارضتها دليلاً دليلاً. وقد ذكر عن أحمد في هذه المسألة سبع روايات، تأتيك إن شاء الله

стр. 2029

مفصلة، كل رواية قال بها طائفة واحتجوا لها. وترجيح من قال بالوجوب ليس دليلاً على من قال بالجواز ورجحه، أو الإباحة ورجحها، أو التحريم ورجحه، ولا يحتج بقول على قول؛ والحجة في الدليل. ومع من منع صومه من الأحاديث النبوية، التي تعددت طرقها ما لا يدفعه دافع، ولا يقاومه مقاوم، ولا يعارضه معارض، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ونبدأ أولاً بذكر الأحاديث النبوية، الواردة في خصوص هذه المسألة، ثم نأخذ في نقض أدلة الخصم مفصلة. فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين في الحديث، شعبة بن الحجاج، قال: حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ ، أو قال أبو القاسم ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " ١، كذا رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، وكفى به حجة وهو صريح في إكمال شعبان ثلاثين، وهو غير قابل للتأويل بوجه، بل هو فاصل للنّزاع في المسألة. فأي عذر يبقى في ترك العمل بهذا بعد بلوغه؟ ومنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارقطني، من رواية الإمام الحافظ الثبت أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس،

стр. 2030

عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام " ١. قلت: فهذا فعله ﷺ والأول أمره، فثبت بهذا أنه ترك صيامه، وتركه سنة. قال الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي: هذا حديث صحيح صريح في المسألة لا يقبل التأويل أصلاً. انتهى. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: هذا إسناد صحيح، قال ابن عبد الهادي: كذا قال الحافظ أبو الحسن، وهو إمام عصره في علم الحديث، وهو مصيب في قوله؛ فإن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح، ومعاوية بن صالح ثقة احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه ابن مهدي والإمام أحمد، وأبو زرعة وغيرهم، قاله الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي. ومنها: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود السجستاني، والترمذي والنسائي، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم الطبراني وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه وغيرهم من رواية عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة، فأكملوا شهر شعبان ثلاثين يوماً، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان "، هذا لفظ أبي داود الطيالسي؛ قال ابن عبد الهادي: وهذا الحديث صحيح، ورواته كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيح، قال الترمذي: هو حديث صحيح

стр. 2031

حسن، وهو صريح في المسألة، قاطع للعذر، غير قابل للتأويل بوجه من الوجوه. وقد رواه الحافظ أبو بكر الخطيب، من رواية أبي قتيبة عن حازم بن إبراهيم البجلي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه قال: " تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال: بعضهم: اليوم، وقال بعضهم غداً، فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فذكر أنه قد رآه، فقال النبي ﷺ : تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر النبي ﷺ بلالاً فنادى في الناس: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً، ثم صوموا؛ ولا تصوموا يوماً قبله "، قال الحافط أبو بكر: وهذا أولى أن يؤخذ به من حديث ابن عمر، لما فيه من البيان الشافي، واللفظ الذي لا يحتمل التأويل. قلت: ففي هذا الحديث نهيه عن صومه نهياً صريحاً. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وأبو حاتم ابن حبان البستي، وأبو الحسن الدارقطني، من رواية الثقة الحجة جرير بن عبد الحميد عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله " ١، هذا لفظ الدارقطني؛ قال الحافظ ابن عبد الهادي: وهذا الحديث رواته كلهم مخرج لهم في الصحيحين، وهو صريح في عدم وجوب صوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال، وفي لفظ رواه النسائي مرسلا " فإن غم فأتموا شعبان

стр. 2032

ثلاثين، إلا أن تروا الهلال قبل ذلك " ١. ومنها: ما رواه الإمام أحمد، والنسائي والدارقطني، من رواية حسين بن الحارث الجدلي، قال خطب عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، ألا وإنهم حدثوني: أن رسول الله ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين " ٢. ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن روح عن زكريا عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً " ٣، وهذا إسناد صحيح. ومنها: ما رواه الحافط أبو بكر الخطيب، من رواية قيس بن طلق عن أبيه: عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله، اليوم يصبح الناس، ويقول القائل: ليس هو من رمضان، فقال: رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين "، وهذا الحديث وإن كان بعض رواته متكلماً فيه، فإنه يصلح للاعتضاد والاستشهاد بلا ريب، قاله الحافظ ابن عبد الهادي.

стр. 2033

ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجة والترمذي، من حديث ابن إسحاق عن صلة بن زفر، قال: " كنا عند عمار بن ياسر، فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم "، قال الحافظ ابن عبد الهادي: وقد روي من غير وجه مرفوعاً النهي عن صوم يوم الشك، وقد روي عن جماعة من الصحابة، ﵃، أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس. وقد نص الإمام أحمد، ﵀ في رواية المروذي، على أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك؛ وهذا القول صحيح بلا ريب، فإن هذا اليوم يحتمل أن يكون من رمضان، ويحتمل أن يكون من شعبان، وهو الأصل. إذا عرفت هذا، فالمخالف ادعى وجوب صومه من رمضان، واحتج بأمور، منها: أنه زعم أنه مذهب الإمام أحمد، ﵀، ومنها: أنه زعم أنه قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وكاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان، وعائشة أم المؤمنين، وأسماء بنت الصديق وابن العاص وأبي هريرة وأنس بن مالك. واحتج على أن عمر قال بوجوبه بما رواه العكبري: عن ثوبان عن أبيه عن مكحول، أن " عمر كان يصوم إذا كانت السماء مستغيمة ليلة الثلاثين من شعبان، ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه بالتحري ". واحتج لما نسبه إلى علي بما روى عن فاطمة بنت حسين أن " علياً كان يصومه

стр. 2034

ويقول: لأن أصوم يوماً من شعبان، أحب إلى أن أفطر يوماً من رمضان ". واحتج لما نسبه إلى معاوية بما روي عنه، من قوله: " لأن أصوم يوماً من شعبان أحب الي أن أفطر يوماً من رمضان "، واحتج لما نسبه إلى عمرو بن العاص، بما روي أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان إذا كانت غيماً، واحتج لدعواه على أبي هريرة بقوله: "لأن أتعجل في رمضان بيوم، أحب إلي من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني "، واحتج لما نسبه إلى عائشة أم المؤمنين أنها كانت تصوم، وكذا عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه إذا كانت غيماً، ولما نسبه إلى ابن عمر بأنه كان يصومه، إذا حال دون منظره سحاب أو قتر. ثم قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا كان في السماء سحاب أو علة أصبح صائماً، قال: قلت لأبي عبد الله: فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به، فإذا أصبح عازماً على الصوم اعتد به ويجزيه، ثم ذكر كلاماً يحتج به على فضل بعض الصحابة، ثم ادعى أن يوم الشك إذا كانت السماء مصفية، ليس عليها غيم ولا علة، ثم زعم أن أحمد نص على وجوب صوم يوم القتر أو الغيم، وذكر أن الخلال، وأبا بكر عبد العزيز، نصا عليه، والقاضي أبو يعلى، والخرقي، والزركشي، وابن قدامة، حكى الوجوب رواية.

стр. 2035

ثم حكى رواية عن أحمد بعدم الوجوب والإجزاء، وأجاب عنه بأن النفي هنا إثبات في الرواية الأولى، فجعل النفي هو الإثبات، وذكر عبارة الإنصاف وقوله: إن حال دون المنظر غيم أو قتر ليلة الثلاثين، وجب الصيام بنية رمضان، وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه. ثم ذكر كلام أبي العباس ابن تيمية، في عدم الوجوب، وقد تصرف في العبارة، وستأتيك على وضعها في الجواب، ثم نقل عن ابن مفلح في فروعه روايتين، الوجوب والجواز. ثم زعم أن كلام شيخ الإسلام دائر بين الاستحباب والإباحة، وساق كلاماً له في المسألة فيه تفصيل وحكاية للأقوال، ثم تعقبه بكلام يوسف بن عبد الهادي، صاحب جمع الجوامع، وليس هو الحافظ شمس الدين، واعترض فيه على الشيخ في قوله: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، وزعم أنه من تجاهل العارف، واستدل بأن أحمد كان يصوم بنية رمضان، قال: ولا شك أنا إذا حكمنا بالصوم بنية رمضان، فالصوم حكمه حكم الصوم برؤية الهلال، قال: وكلام أحمد إن لم يكن فيه نص على الوجوب، فإن معناه الوجوب، قال: والنظر في المعاني لا إلى الألفاظ. ثم زعم المفتي أن ابن مفلح لم يرض كلام الإمام ابن تيمية، وأنه قال بعده: كذا قال، ثم جعل صاحب جمع الجوامع من أصحاب الشيخ، وأين هو من زمن الشيخ ووقته؟ فاشتبه عليه
следующие страницы →