بالعراقي، وقال أبو حنيفة ومن تبعه: المد رطلان; فعلى هذا، يكون الصاع ثمانية أرطال بالعراقي. وقد رجع أبو يوسف إلى الحق في هذه المسألة، ووافق أهل القول الأول لما دخل المدينة ووقف على أمداد أهلها، واحتجوا على قولهم هذا بأشياء لا تصح:
الأول: حديث رواه شريك القاضي: عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " يجزئ في الوضوء رطلان " ١، مع الأثر الصحيح أنه ﵇ " كان يتوضأ بالمد " ٢.
والجواب من وجهين: الأول: ما في شريك من المقال، فإنه وإن كان واسع العلم فقيهاً، فقد ضعفه كثير من أئمة الحديث، كابن المبارك ويحيى بن القطان وغيرهما، ووثقه طائفة. الثاني: أن ذلك لو صح لا يدل على أن ذلك المد رطلان؛ فقد صح أن رسول الله ﷺ توضأ بثلثي مد، ولم يكن النبي ﷺ يكال له الماء للوضوء، فلو صح لما كان فيه دليل على أنه لا يجزئ أقل من رطلين، وأبو حنيفة وأصحابه أول موافق لنا في هذا، فمن توضأ عندهم بنصف رطل أجزأه.
الثاني: حديث رواه موسى الجهني، قال: "كنت عند مجاهد فأتى بإناء يسع ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، فقال: قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يغتسل بهذا "،
стр. 1962
مع الأثر الثابت أنه ﵇ كان يغتسل بالصاع.
والجواب: أن موسى قد شك في ذلك الإناء، هل يسع ثمانية أرطال، أو عشرة أرطال، وهم يقولون الصاع لا يزيد على ثمانية أرطال ولا درهماً، وأيضاً، فإن ذلك ظن وتخمين من موسى.
الثالث: رواه أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن رجل عن موسى بن طلحة، أن القفيز الحجاجي: قفيز عمر، أو صاع عمر. الرابع: ما رواه مجالد عن الشعبي قال: القفيز الحجاجي: صاع عمر. الخامس: قول إبراهيم: عبرنا صاع عمر، فوجدناه حجاجياً. والسادس: ما رواه الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن إبراهيم، قال: كان صاع رسول الله ﷺ ثمانية أرطال، ومده رطلين.
والجواب عن الثالث: أن من بين أبي إسحاق وبين موسى بن طلحة لا يدرى من هو. وعن الرابع: بأن مجالداً ضعيف، ضعفه الناس، أولهم أبو حنيفة. وعن الخامس: أن إبراهيم لم يدرك زمن عمر. ثم لو صح كل ذلك لم يكن لهم فيه حجة، لأن النّزاع لم يكن في صاع عمر ولا قفيزه، وإنما النّزاع في صاع النبي ﷺ ومده، وقد يكون لعمر صاع وقفيز ومد رتبه لأهل العراق، كما كان لمروان بالمدينة مد اخترعه، ولهشام بن إسماعيل مد اخترعه. وكما قال البخاري في
стр. 1963
الصحيح: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا القاسم بن مالك المزني، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن السائب بن يزيد، قال: " كان الصاع على عهد النبي ﷺ مداً وثلث مدكم اليوم، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز ". وقال مالك عن نافع: " كان ابن عمر يعطي زكاة الفطر من رمضان بمد النبي ﷺ المد الأول "، فصح أن بالمدينة صاعاً ومداً غير صاع النبي ﷺ ومده، ولو كان صاع عمر هو صاع النبي ﷺ لما أضيف إلى عمر دون أن يضاف إلى رسول الله ﷺ .
وعن السادس: بأنه لا يحتج به من يحسن مواضع الاحتجاج، لوجهين: الأول: أن الحجاج بن أرطاة ضعيف مدلس. والثاني: أنه مرسل. وفي المسألة طول، وفي هذا القدر كفاية، والله أعلم.
وأما قدر الرطل العراقي من المثاقيل، فاعلم أولاً: أن زنة المثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، وبالحب: اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة، وقيل: ثنتان وثمانون حبة من الشعير المطلق، ذكر ذلك في الإقناع وغيره; قال: ولا تنافي بينهما. إذا علمت ذلك، فالرطل العراقي من الدراهم: مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وبالمثاقيل: تسعون مثقالاً؛ ذكر ذلك في شرح الإقناع.
وأما ما بين الوزنة وصاع النبي ﷺ ، فقد عرفت قدر الصاع النبوي بالدليل؛ واعتبار ذلك بالوزنة يعسر على مثلي.
стр. 1964
وأيضاً: فالظاهر أن ذلك لا يمكن، لأن الثمر يختلف اختلافاً كثيراً بالرطوبة واليبوسة، فقد تبلغ الوزنة من التمر الخفيف صاعاً، وقد تكون من الثقيل نصف صاع.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: هل يجزي إخراج زكاة الفطر من النقدين؟
فأجاب: إخراج زكاة الفطر من النقدين لا يجزئ، ولو تعذرت أجناس الطعام؛ لكن إذا عدم المجزي قضى إذا وجده، ولو بعد وقت الإخراج.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن توديع الفطرة عند جار ونحوه ... إلخ؟
فأجاب: وما يفعله بعض الجهال من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه، إلى أن يجيء الذي يعطونها إياه، فهذا لا يجزئ، لأنهم لم يخرجوها، فلا تسقط.
وسئل: عن دفع زكاة الفطر إلى الأخ وابن العم ونحوهم؟
فأجاب: يجوز دفع صدقة الفطر إلى من ذكر إذا لم تجب نفقتهم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن دفع صدقة الفطر للمعلم؟
فأجاب: الذي ذكر أهل العلم، أنها لا تدفع إلا إلى
стр. 1965
الفقراء والمساكين ونحوهم، ممن يجوز له أخذ زكاة الأموال؛ فإن كان هذا المدرس فقيراً وأعطي منها لأجل فقره فهذا حسن، وإن كان إنما أعطي لأجل التدريس فلا يجوز; ولا ينبغي للإنسان أن ينتفع بزكاته ولا يجعلها وقاية لماله، فإن فعل ذلك لم تجز عنه. والصدقة إن جعل الأمير لها جابياً يجباها دفعها إليه، فإن لم يكن لها جاب، فليدفعها إلى من اشتدت حاجته إليها من الفقراء والمساكين، ولا يجوز دفعها إلى غني، ولا يستخدم بها الفقير.
وإذا أعطى الجماعة أحداً من الفقراء قدر فطرته، لا أزيد ولا أنقص، فهذا لا بأس به إذا كان معطى من غير فطرته التي دفعها، بل بعض أهل العلم يجوز له أن العامل يرد عليه ولو زكاته بنفسه إذا بلغت العامل. وهل الأفضل خلط فطرة أهل البلد؟ أم تفريقها في أوانيها؟ فالأفضل المبادرة بإخراجها إلى مستحقها، سواء خلطت أم لا.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: أين تخرج صدقة الفطر؟
فأجاب: زكاة الفطر يخرجها في البلد الذي هو فيه.
وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: والفطرة يخرجها في البلد الذي استهل له فيه هلال شوال، ولو لم يصم فيها إلا يوماً واحداً، وفطرة من تلزمه فطرته يخرجها حيث أفطر.
стр. 1966
فصل في إخراج الزكاة
قال أبناء الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حسين وإخوانه، إلى من يراه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة النور آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] . والزكاة فرضها الله على عباده في أموالهم، وهي أحد أركان الإسلام التي بني عليها؛ وأمر الله تعالى بقتل من لم يزك حتى يؤديها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، وقال ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " ١، وقال أبو بكر الصديق ﵁: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة; فالزكاة حق المال.
стр. 1967
والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه ".
والآيات والأحاديث في وجوب الزكاة، وفي الوعيد الشديد فيمن لم يزك، كثيرة مشهورة، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤-٣٥] ، قال ابن عباس، ﵄: " نزلت هذه الآية في مانعي الزكاة من المسلمين ". قال ابن عمر: " كل مال أديت زكاته فليس بكنْز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنْز، وإن كان على وجه الأرض ". قال الله تعالى ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٠] .
في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد " ١، وفي الصحيح أيضاً، أن النبي ﷺ قال: " من رزقه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوق به يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنْزك، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلا
стр. 1968
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية? " ١.
وقال ابن مسعود، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، قال: " لا يوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم، ولكن يوسع جلده، حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته ".
والله سبحانه - وله الحمد - وسع عليكم وأغناكم، وأعطاكم الكثير، وطلب منكم اليسير، ونفعه عائد إليكم، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [سورة محمد آية: ٣٨] . والزكاة سميت زكاة، لأنها تزكي المال وتنميه؛ فإخراجها سبب لزيادة المال، والبخل بها سبب لهلاكه، كما في الحديث عن النبي ﷺ قال: " ما خالطت الزكاة مالاً قط إلا أهلكته "، والمال غربال، وفتنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن آية: ١٥-١٦] .
والموجب لما ذكرنا: أن بعض الناس لما نظرنا في حالهم، إذا عندهم أموال ما أخرجوا زكاتها، ولا وصل عامل الزكاة منهم شيء بالكلية، وبعض الناس غني وفي يده مال كثير، ولا أعطى العمال إلا القليل؛ والزكاة أمرها أمر عظيم ٢.
стр. 1969
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عمن منع بعض زكاته، هل يثاب على ما أخرج ... إلخ؟
فأجاب: وأما المانع لبعض الزكاة، فذكر الشيخ أنه يثاب على ما فعل، ويعاقب على ما ترك، إلا إن كان له تطوع يجبر نقص الفريضة، مستدلاً بالحديث: " أول ما ينظر فيه من عمل العبد: صلاته، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا فهل له من تطوع؛ ثم يفعل بسائر الأعمال كذلك " ١.
وقال أبناؤه: الشيخ إبراهيم، وعبد الله، وعلي: ومنها: أن من الناس من يمنع الزكاة، والذي ما يقدر على المنع يحبسها؛ والزكاة ركن من أركان الإسلام، واجب أداؤها إلى الإمام أو نائبه، على الأمر المشروع.
وقالوا في موضع آخر: وأما من ترك أداء الزكاة، فإن كان تحت قبضة الإمام أخذها منه قهراً، وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أنها تؤخذ منه وشطر ماله، ولفظه: " ومن منعها، فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا " ٢. وأما إن كانوا طائفة ممتنعة، وقاتلوا الإمام على دفعها، فإنهم يكفرون، ويقاتلون، كما أجمع عليه الصحابة، ﵃، ولهذا قال الصديق لعمر: " والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعها "، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. ولم ينقل عن الصحابة أنهم قالوا لأحد من مانعي الزكاة: هل أنت مقر
стр. 1970
بوجوبها، أو جاحد لها؟ بل قاتلوهم لما امتنعوا من أدائها، وسموهم أهل الردة، وقاتلوا مقاتلتهم حتى رجعوا إلى الإسلام، وسمحوا بأدائها إلى أبي بكر ﵁.
وسئل أيضاً: الشيخ حسين، وعبد الله: ابنا الشيخ، ﵏: هل للإمام طلب الزكاة من الأموال الباطنة؟
فأجابا: هذه المسألة اختلف فيها العلماء: فمنهم من يقول: للإمام أخذ الزكاة من الأموال الباطنة كالظاهرة، ويجب دفعها إليه؛ وهو قول مالك، وقول في مذهب أحمد. وأما الأموال الظاهرة، فيجب دفعها إلى الإمام العادل إذا طلبها؛ وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. واتفقوا على أن للإمام طلب الزكاة من الأموال الظاهرة والباطنة، وإنما الخلاف في وجوب الدفع إليه، وهل يجزئ عن صاحبها إذا لم يدفعها إليه أو لا؟
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن إخراج الإنسان زكاته، أو بعضها بنفسه؟
فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يجوز أن يخرجها ولا بعضها، إذا كان الإمام عدلاً يضعها في أهلها، بل يجب دفعها إليه.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن رجل مات وأخرج وكيله زكاة ماله ... إلخ؟
стр. 1971
فأجاب: للورثة تغريم الوكيل، لأن المال انتقل إلى الورثة بموت ربه، وأيضاً، فإخراج الزكاة يحتاج إلى نية من الموكل، وإذن للوكيل.
وأجاب أيضاً: صرحوا بأن الإنسان إذا دفع عمن لا تلزمه زكاته بإذنه صحت، وبغير إذن الحي لا تصح، وأطلقوا ذلك.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عمن ادعى نقص الزرع أو الثمر عن الخرص؟
فأجاب: إذا نقص الزرع أو الثمر عن الخرص، فالذي يعمل به عندنا أن الذي لا يتهم في الزكاة، ويعرف بالديانة والأمانة، يصدق في دعواه، ومن لا فلا.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: قال ﷺ : " لا تستحلفوا الناس على صدقاتهم "، وتابعه عمر، فمعنى الحديث - والله أعلم -: إذا كان العامل يظن له مالاً، فلا يحلفه على مجرد ظنه، وأما إذا عرف له مال وجحده، أو ادعاه لغيره ممن هو غائب، فالتهمة قائمة، فيجتهد العامل، إلا أن يكون موثوقاً به، يعرف منه الصدق والديانة، فلا يحلف؛ فالمسألة لها صور ثلاث، ولها صورة رابعة، وهي: ما إذا عرف أن هذا الذي في يده من المال ليس لغيره، فتؤخذ منه الزكاة على كل حال.
стр. 1972
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هل تؤخذ الزكاة من خيار المال، أو من رديئه ... إلخ؟
فأجاب: تؤخذ من أوساط المال، ولا تؤخذ من خياره، ولا من رديئه، فإن كان صاحب المال دفعها من خيار المال فحسن.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن العروض، هل تجزئ في الزكاة إذا أخرجت بقيمتها؟
فأجاب: المسألة فيها روايتان عن أحمد: إحداهما: المنع، لقوله: " في كل أربعين شاة: شاة، وفي مائتي درهم: خمسة دراهم " ١، وأشباهه. والثانية: يجوز، قال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخله؟ فقال: عشره على الذي باعه، قيل: يخرج ثمراً أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمراً، وإن شاء أخرج من الثمن. إذا ثبت هذا، فقد قال بكل من الروايتين جماعة، وصار نزاع فيها، فوجب ردها إلى الله والرسول؛ قال البخاري في صحيحه: باب العرض في الزكاة: وقال طاووس: قال معاذ لأهل اليمن: " ائتوني بعرض ثياب، خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة "، وقال النبي ﷺ :" وأما خالد، فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله " ٢، ثم ذكر في الباب أدلة غير هذا.
فصار الصحيح: أنه يجوز، واستدلال من منعه بقوله:
стр. 1973
" في كل أربعين شاة: شاة " ١ وأمثاله، لا يدل على ما أراد، ولأن المراد نفع الفقراء وقد حصل، كما أنه ﷺ لما أمر المستجمر بثلاثة أحجار، بل نهى أن ينقص عن ثلاثة أحجار، لم يجمدوا على مجرد اللفظ، بل قالوا: إذا استجمر بحجر واحد له ثلاث شعب أجزأه؛ ولهذا نظائر أنه يأمر بالشيء، فإذا جاء مثله أو أبلغ منه أجزأ.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: أخذ العرض في الزكاة عن الدنانير، أو الدراهم والدنانير عن زكاة الحبوب، والتمر، أو عن زكاة الإبل والغنم، قد اختلف العلماء في ذلك: فذهب الحنفية وغيرهم إلى جواز ذلك، ووافقهم البخاري، فقال: باب العرض في الزكاة، وقال طاووس: قال معاذ لأهل اليمن: " ائتوني بعرض ثياب، خميص أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة "، وقال النبي ﷺ : " تصدقن ولو من حليكن "، فلم يستثن صدقة العرض من غيرها، فجعلت المرأة تلقي قرطها وسخابها، ولم يخص الذهب والفضة من العرض.
ثم ذكر حديث أنس في كتاب الصدقة، الذي كتبه أبو بكر بعد وفاة النبي ﷺ ، وفيه: " هذه فريضة الصدقة، التي أمر الله ورسوله "، وفيه: " ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين. فإن لم يكن عنده بنت مخاض على
стр. 1974
وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء " ١.
فاحتج البخاري، ﵀، بهذه الأحاديث والآثار، على جواز أخذ العرض في الزكاة، قال في شرح البخاري: قوله: "بعرض" ما عدا النقد، وقوله: "خميص" بفتح الخاء المعجمة وآخره صاد، بيان السابقة، أي: خميصة، قال الكرماني: كساء أسود مربع له علمان، والمشهور "خميس" بالسين، قال أبو عبيد: هو ما طوله خمسة أذرع، قوله: "أو لبيس" بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، قيل: بمعنى: ملبوس، قوله: "هو أهون": أسهل عليكم، "وخير" أي: أرفق لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة، لأن مؤنة النقل ثقيلة، فرأى الأخذ في ذلك خيراً من النقل؛ وهو موافق لمذهب الحنفية، في جواز دفع القيم في الزكاة، وإن كان المؤلف كثير المخالفة لهم، لكن قاده إليه الدليل; وهذا التعليق وإن كان صحيحاً إلى طاووس، لكنه لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. نعم إيراد المؤلف له في معرض الاحتجاج، يقتضي قوته عنده؛ وقد حكى البيهقي عن بعضهم أنه قال فيه عن الجزية بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط الاحتجاج به، لكن المشهور الأول رواية الصدقة.
قوله: "خالد" أي: ابن الوليد، سيف الله، "واحتبس" أي: وقف، وحبسته واحتبسته بمعنى واحد، "وأعتده" بضم الفوقانية، جمع العتاد، وهو: آلة الحرب. فإن قلت كيف
стр. 1975
دلالته على الترجمة؟ قلت: معناه لولا وقفه لهما لأعطاهما في وجه الزكاة، ولما صح صرفهما في سبيل الله وقفاً، صح صرفهما زكاة، لأنها أيضاً سبيل الله، لأن سبيل الله أحد مصارفه الثمانية المذكورة في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] ، قال النووي: إنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده، ظناً منهم أنها للتجارة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي ﷺ : إن خالداً منع الزكاة فقال: إنكم تظلمونه، لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، لأنه قد وقف أمواله متبرعاً، فكيف يشح بواجب عليه؟
قال: وفيه دليل صحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا بعض الكوفيين. قوله: "بنت مخاض" بفتح الميم والخاء والضاد المعجمتين: الأنثى من الإبل، وهي التي تم لها عام. فإن قلت: فما وجه دلالته على الترجمة؟ قلت: ليستدل عليه من حيث جواز إعطاء سن من الإبل، بدل سن آخر، ولما صح إعطاء العامل الجبران، صح العكس أيضاً؛ ولما جاز أخذ الشاة بدل تفاوت سن الواجب، جاز أخذ العرض بدل الواجب.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن مذهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد، على أن إخراج قيمة الزكاة لا يجوز، ولا
стр. 1976
يجزي؛ قال في الفروع: ولا يجزي إخراج قيمة الزكاة طائعاً، وفاقاً لمالك والشافعي، أو مكرهاً خلافاً لمالك، لقوله ﵇ لمعاذ: " خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر " ١، رواه أبو داود وابن ماجة، وفيه انقطاع.
والحيوانات المقدرة في خبر الصديق الذي رواه البخاري وغيره، يدل على أن القيمة لا تشرع، وإلا كانت عبثاً، وكسمينة عن مهزولتين، وكالمنفعة، وكنصف صاع جيد عن صاع رديء، أو نصف صاع تمر عن صاع شعير مثله في القيمة وفاقاً لهم، مع تجويز المخالف ثوباً ثمن الإطعام في الكفارة بطريق القيمة، وكعدوله من السجود الواجب إلى وضع الخد، أو عن الركوع، إليه، وإن كان أبلغ في الحضور، أو عن الأضحية إلى الضعفاء قيمتها؛ وعنه: تجزي القيمة وفاقاً لأبي حنيفة، وعنه: في غير زكاة الفطر، وعنه: تجزي للحاجة أو مع تعذر الفرض ونحوه؛ نقلها وصححها جماعة.
وأجاب أيضاً: الذي عليه أكثر أهل العلم: عدم الجواز، وهو الذي يفتي به عندنا؛ اللهم إلا أن يكون ذلك من حاجة، بأن لا يوجد الفرض المقدر في الشرع، فهنا يتوجه القول بجواز ذلك.
وقال أيضاً: وقولكم إن الله ورسوله سنوا زكاة المواشي منها، وأنتم تأخذون من رب المال، فنقول: أما أخذ القيمة
стр. 1977
في الزكاة فقد اختلف العلماء فيها: فمنعها بعضهم وأمر بأخذ الزكاة من كل صنف من المال، وأجاز ذلك بعضهم، واحتج بما ذكره البخاري في صحيحه: أن معاذ بن جبل صاحب رسول الله ﷺ أخذ من أهل اليمن قيمة الصدقة، وقال:" ذلك أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة "، وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الزكاة، واحتج عليها بأحاديث صحيحة تدل عنده على الجواز.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: أخذ الزكاة دراهم عن ثمرة النخل إذا بيعت، أكثر العلماء لا يجيزونه، وأجازه شيخ الإسلام وهو إمام جليل.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: المشهور في المذهب: أنه لا يجزئ إخراج القيمة، وهو مذهب الشافعي، وفي رواية يجزئ إذا كان أنفع لأهل الزكاة؛ وهذا قول مالك، وأبي حنيفة؛ والقول بالإجزاء عند عدم العين وسط بين القولين.
[نقل الزكاة من بلد إلى بلد]
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن نقلها؟
فأجاب: الذي نفهم أن الذي نقل إلى النبي ﷺ من الزكاة، زكاة البادية، وأما زكاة القرى، فيذكرون أن النبي ﷺ ما نقلها هو ولا أصحابه، إلا إذا لم يجدوا في أهل البلد من
стр. 1978
يستحق؛ لكن في وقتنا نقلها للمصلحة، وأظن أن الشيخ تقي الدين اختار جواز ذلك للمصلحة.
وأجاب ابنه عبد الله: والزكاة تدفع إلى أهل البلد الذي فيه المال، وإذا دفع مال إلى أحد مضاربة وحال عليه الحول، والمال بيد المضارب، ببلد غير بلده، فالذي وقفنا عليه من كلام أهل العلم، أنه متى أخرجها أجزأت، سواء كان بنفسه في بلده أو المضارب؛ ونرجو أن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى.
وأجاب أيضاً: إذا كان ببلد وله مال ببلد آخر، فإنه يخرج زكاة كل مال في بلده أحوط، لا سيما إن كان المال الخارج من الأرض.
وأجاب أيضاً: وأما نقل الزكاة من بلد إلى بلد، فبعض العلماء يرى جواز ذلك، لأجل المصلحة إذا رآه الإمام؛ وهو الذي نعمل عليه. وأما ذكر السائل: أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا نعرفه من وجه صحيح. وأما قول السائل: إنه ذكر في الخبر أنه جاءته صدقة خراسان، فلم أر لهذا أصلاً.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا كان في بلد وماله
стр. 1979
في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، أي المال؛ نص عليه، لأن المال سبب الزكاة.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأخوك يجوز إعطاؤه، ولكن نقلها في هذه المسافة فيه اختلاف بين العلماء، وأرجو أن القول بجوازه للقريب ونحوه صواب، وأرجو أنه لا بأس إذا أرسلت إليه شيئاً من الزكاة أو لعياله.
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى جناب الأخ الحبيب: عبد الرزاق الطبيب، سلك الله بنا وبه الصراط المستقيم، وجنبنا وإياه أهل الجحيم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فما سألت عنه فهذا جوابه:
أما مشروعية إخراج الزكاة وصرفها في بلدها، فلا إشكال فيه، لما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، ﵄، أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: ?" إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم
стр. 1980
وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم! واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " ١.
والضمير في قوله ﷺ : " وترد على فقرائهم " عائد على المذكور في صدر الحديث، وهو قوله: " قوماً من أهل الكتاب "، فإن المسلمين لم يجر لهم ذكر في صدر الحديث حتى يقال: يعود الضمير إليهم.
ومما يدل على هذا أيضاً: ما رواه الترمذي من حديث أبي جحيفة، وقال: حديث حسن، قال:? " قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاماً يتيماً، فأعطاني منها قلوصاً "; وروى أبو داود، وابن ماجة عن عمران بن حصين: " أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: أو للمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناها حيث كنا نضعه ".
وأما نقلها: فمنعه الجمهور، لما تقدم، وجوزوه إذا استغنى عنها أهل بلدها، أو فضل شيء عن كفايتهم، جمعاً بين الأخبار؛ بل جوزه المحققون أيضاً، لرجحان الحاجة، وهو المعمول به عندنا، وفيه - كما لا يخفى - أيضاً جمع بين الأخبار المذكورة، والأخبار الدالة على النقل; فإنه قد علم
стр. 1981
بالضرورة: أن النبي ﷺ كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة، ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار.
وقد جوز نقلها مطلقاً: الليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، وهو ظاهر صنيع البخاري، رحمه الله تعالى، في صحيحه، وهو رواية عن أحمد؛ لكن الصحيح ما تقدم. وأما الأحاديث التي ذكرت: فما يدل منها على النقل، فمحمول على الاستغناء عنها، وأنه شيء فاضل عن كفاية أهل البلد، أو لرجحان حاجة فقراء المهاجرين والأنصار، جمعاً بينها وبين ما تقدم.
وأما تأثيم صاحب الروض المربع، لمن نقلها فوق مسافة قصر، فهو بناء على أن النقل المذكور محرم، ولا ريب في تأثيم فاعل المحرم، مع أن تحديد مسافة النقل المختلف فيه بمسافة القصر لا دليل عليه، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، واختار تحديده بالإقليم.
وأما مصرف الزكاة، فالرب ، هو الذي تولى قسمها بنفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] .
стр. 1982
فجعلها تعالى لهؤلاء الثمانية، فإن "إنما" للحصر، وهي تثبت المذكور، وتنفي ما عداه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النساء آية: ١٧١] ، فإن معناه: لا إله إلا الله؛ فيكون معنى الآية: ليست الصدقات إلا للفقراء والمساكين ... إلى آخرها. وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على ذلك، إلا ما روي عن أنس، والحسن: أنها تجعل في الجسور; والصحيح الأول، للآية الكريمة.
وأما جبايتها وتفرقتها، فإلى الإمام إذا طلب ذلك؛ ويجب عليه صرفها مصارفها الشرعية، كما يدل على جميع ذلك ما تقدم من الأخبار؛ فإن فعل فهو المتعين عليه شرعاً، وإن خالف أثم، وبرئت ذمة الدافع إليه من عهدة الزكاة، وأجزأت في حقه.
وأما الجهاد، فإن الله تعالى أوجبه على جميع العباد بأنفسهم وأموالهم وألسنتهم؛ والنصوص من الآيات والأحاديث على فرضية الجهاد كثيرة تدل على وجوب الجهاد في الأموال، وهو حق آخر غير حق الزكاة، ثم ما يصير إلى الإمام من الأموال الأخر، غير الزكاة هي في المصالح؛ ومن المعلوم أن أهمها وأعظمها: أمر الجهاد، كما يعلم من هدي النبي ﷺ وهدي خلفائه الراشدين. والمقصود: أن الجهاد ليس هو مصرف الزكاة.
وأما الفقير والمسكين، فقيل: إنهما وصفان لموصوف
стр. 1983
واحد، وقيل: بتغاير موصوفيهما وهو أشهر؛ فقيلك المسكين أشد حاجة من الفقير، وقيل: العكس، وهو أظهر، فإن الفقير أشد حاجة، فإنه من لا يجد الكفاية، والمسكين من لا يجد تمام الكفاية.
ومما يدل على ذلك: الاشتقاق، فإن الفقير: فعيل بمعنى: مفعول، من الفقر، وهو انقطاع الظهر، فكأنه لشدة فاقته قد انقطع ظهره. وأما المسكين فهو مفعيل من السكون وهو عدم الحركة، فكأنه لحاجته، وعدم ما يتصرف فيه بقي لا حركة له. ومن المعلوم أن الأول، وهو انقطاع الظهر يستلزم الثاني، وهو السكون وترك الحركة، بخلاف العكس.
ومما يدل عليه أيضاً: البداءة بالفقير في الآية؛ والقرآن نزل بلغة العرب، وهم إنما يبدؤون بالأهم، قال سيبويه: العرب لا يبدؤون إلا بما هم به أعنى وبشأنه أهم.
وهذا الفرق إنما هو عند اقتران الاسمين كما في آية الصدقات، وأما إذا أفرد أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر، كقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧١] ، فإنه يدخل فيه المسكين، وكقوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [سورة البلد آية: ١٦] ، فإنه يدخل فيه الفقير؛ ولهذا نظائر، كالإسلام والإيمان، وغير ذلك مما يختلف مدلوله بالاقتران والانفراد.
وأما مسألة إرسال زكاة مالك إلينا بخصوصها، فاعلم،
стр. 1984
وفقنا الله وإياك: أنا لا نعلم أحداً شرقاً ولا غرباً، تجب طاعته وإمامته، وتجب دفع الزكاة إليه، إلا هذا الإمام، الذي أقام الله تعالى به علم الجهاد، وكبت به أهل البغي والعناد، ونشر به علم السنة النبوية، وطمس به جميع الأوثان الشركية، والبدع المخالفة للشريعة المحمدية، ونصر الله به الموحدين، وانتشرت في ولايته كتب العلماء المحققين.
فنسأل الله أن يمتع المسلمين ببقائه، ويثبته على الدين القويم، وينصر به شريعة هذا النبي الكريم؛ وصلى الله على عبده ورسوله النبي الأمي الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، آمين.
[حكم تأخير الزكاة]
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن تأخيرها؟
فأجاب: وأما تأخير الزكاة فلا يجوز، ومن استدل بحديث: " هي علي مثلها " ١، فقد أخطأ خطأ ظاهراً: الأول: أن الحديث لا يدل على المسألة المسؤول عنها، هل يحل لصاحب المال تأخير الزكاة عن وقتها لحاجة أو غيرها؟ والمسألة التي قال بعض أهل العلم إن الحديث يدل عليها ليست هذه، بل إذا أراد الإمام أو الساعي أن يؤخر الزكاة لمصلحة؛ وهذه المسألة غير الأولى، والدليل على هذا: أن أحمد سئل عن تأخير الزكاة، فمنعه.
وسئل عن الساعي إذا أراد تأخيرها في سنة مجدبة،
стр. 1985
فرخص له واستدل بفعل عمر، مثال ذلك والي اليتيم إذا قيل إنه يجوز لوليه بيع عقاره لمصلحة، هل يحل لأحد أن يستدل بهذه المسألة، إذا كان عنده ليتيم دار أو أرض، فأراد أن يعطي اليتيم أو الولي عنها لمصلحة المعطى، هل يقول أحد إن هذا جائز؟ ولو استدل على ذلك بجواز بيع وليه عقاره لمصلحة، لعده الناس ضحكة.
فينبغي لطالب العلم أن يتفطن لصورة المسألة، في الدليل الذي يدل عليها، ويجيل نظره في ذلك؛ فإن كثيراً من الأغاليط وقعت في مسائل واضحة جداً. وتستدل بشيء من القرآن وهو لا يدل على ذلك، كما فعله الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: وأما تأخير الزكاة إلى أجل معلوم، فإن رأى العامل في ذلك مصلحة جاز له فعله.
وأجاب بعضهم، ﵀: وأما من عليه زكاة وسافر قبل أن يخرج زكاته، فلا يجوز بيع شيء من ماله؛ هذا دين في ذمته إذا جاءكم، وأرى لكم التأني إذا صار غائباً حتى يحضر.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يدفعه أهل الثمار للعمال؟
стр. 1986
فأجاب: أما الذي يهدى للعمال إن دفع ذلك دفعاً لظلمهم، فلا بأس إن شاء الله تعالى.
стр. 1987
فصل [في مصرف الزكاة]
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن مصرف الزكاة؟
فأجاب: وأما مصرف الزكاة، فعلى ثمانية أصناف: ذكرها الله في كتابه في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] .
وأجاب أيضاً: وأما قسمة الصدقات المفروضة، فقد قسمها سبحانه في ثمانية أصناف، لا يجوز صرفها إلى غيرهم، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء؛ لكن اختلفوا هل المراد أنها تقسم بين الأصناف الثمانية بالسوية، كما يقسم الميراث بين أهله؟ أو أنه لا بد من تعميم الأصناف الثمانية؟ أو المراد بذلك بيان المصرف، وأنها لا تصرف إلى غير هؤلاء؟ أو أنه يجوز صرفها إلى بعض الأصناف دون بعض بحسب الحاجة والمصلحة؟
فذهب الشافعي إلى أنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية، وذهب الجمهور إلى جواز عدم التعميم، واحتجوا بفعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وبقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية:
стр. 1988
٢٧١] ، وبقول النبي ﷺ في حديث معاذ: " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " ١؛ فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً. وأمر النبي ﷺ بني زريق أن يدفعوا صدقتهم إلى سلمة بن صخر; وقال لقبيصة: " أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " ٢، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز صرفها إلى واحد؛ ولهذا قال الجمهور بجواز صرفها إلى صنف واحد، وهو مروي عن عمر، وحذيفة، وابن عباس؛ وبه يقول سعيد بن جبير والحسن وعطاء، وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي؛ وهو مذهب الإمام أحمد.
وأجاب سعيد بن حجي: اعلم أن الله حصر الزكاة في ثمانية أصناف، بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٦٠] ، وهذا إجماع؛ قال الموفق وغيره من الحنابلة: وأربعة يأخذون أخذاً مستقراً لا يرجع عليهم بشيء: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة، لأنهم ملكوها ملكاً مستقراً، وأربعة يأخذون أخذاً مراعىً: الرقاب، والغارمون، والغزاة، وابن السبيل، إن صرفوه فيما أخذوا له، وإلا استرجع منهم؛ فقد علمت أن الأربعة المتقدمة يملكون ما أخذوه من الزكاة، فعلى هذا يملكون جميع التصرفات فيه، ولا يحرم على غيرهم ما أخذه منهم هبة أو صدقة أو نحوها.
وسئل بعضهم: ما قولكم، رحمكم الله، في الزكاة، هل يجوز صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية المذكورين في الآية؟
стр. 1989
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٦٠] ، و"إنما" تأتي للحصر، فبينوا لنا، رحمكم الله.
فأجاب: نقول وبالله التوفيق: قد اختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات، وفي جواز صرفها إلى صنف واحد مع وجود الأصناف الثمانية: فذهب جماعة، منهم الإمام الشافعي، إلى أنه لا يجوز صرفها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف؛ وأقل ما يعطى من الصنف ثلاثة، فإن لم يجد إلا واحداً صرف حصة ذلك الصنف إليه.
وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الثمانية، أو إلى شخص واحد، جاز، وقالوا: إنما سمى الله الأصناف الثمانية إعلاماً أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاباً لقسمها بينهم؛ وهو قول الخليفة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه. وبه قال الإمام أحمد، قال: يجوز أن يضعها في صنف واحد، ذكره البغوي في تفسيره، وذكره في كتاب الرحمة.
وقد قال مجد الدين بن تيمية في كتاب منتقى الأخبار، باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان، مع العدل والجور: عن أنس " أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: نعم " ١.
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " إنها ستكون
стр. 1990
بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، ﷺ فما تأمرنا؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم " ١، رواه البخاري ومسلم، وأحمد. وعن وائل بن حجر، قال: " سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا، ويسألونا حقهم؟ فقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " ٢، رواه مسلم، والترمذي. ويروى: " أن النبي ﷺ قال لسلمة بن صخر: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له، فليدفعها اليك " ٣، انتهى كلامه. وأول هذه الأحاديث تدل على جواز دفعها إلى صنف واحد، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن الغنى المانع من أخذ الزكاة، ما حَدُّه؟
فأجاب: الظاهر أن الغني ما عده الناس غنياً، فإذا كان عنده ما يكفيه جميع سنته فيما يحتاج إليه، فهو غني في سنته، فإن احتاج بعد ذلك جاز له الأخذ.
وسئل: عمن أعطي من الزكاة أو بيت المال؟
فأجاب: إن كان غنياً لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، وأما بيت المال، مثل الخمس، والفيء، وهو: ما حصل بغير قتال، فهذا لا بأس أن يأخذ الغني ما أعطي منه بلا سؤال ولا إشراف.
стр. 1991
وسئل: عن الكفاية؟
فأجاب: نص أحمد في رواية الميموني، قال: ذاكرت أبا عبد الله: يكون للرجل الإبل والغنم، تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعين شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم، وذكر قول عمر: " أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا "، فقلت: فلذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه; وقال في رواية ابن الحكم: إذا كان له عقار يستغله، أو ضيعة تساوي عشرة آلاف، أو أقل أو أكثر لا تقيمه، يأخذ من الزكاة؛ وذلك لأنه لا يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، لأن الفقر عبارة عن الحاجة؛ ولا يقال: هذا لو بيع عقاره صار غنياً، لأن بيع العقار الذي يحتاج إلى غلته لا يلزمه، وكذلك الغنم التي يحتاج إليها، وكذلك سواني الكد ودوابه، وعروض القنية التي يحتاج إليها، فكل ذلك لا يمنع من أخذ الزكاة مع الحاجة. وأما الأثمان، فإذا ملك منها ما يكفيه، لم تبح له الزكاة كما إذا كان له غلة نخل أو أرض تكفيه لا تباح له الزكاة.
وقال في المغني: اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان: أظهرهما: أنه ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام في مكسب وتجارة، أو أجر عقار ونحو
стр. 1992
ذلك؛ ولو ملك من العروض، أو الحبوب، أو السائمة، أو العقار ما لا يحصل به الكفاية لم يكن غنياً، وإن ملك نصاباً؛ هذا الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري والنخعي، وابن المبارك وإسحاق.
والرواية الثانية: أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة وإن ملك نصباً؛ والأثمان وغيرها في هذا سواء، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها، وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان، وعروض التجارة أو السائمة. انتهى ملخصاً.
وأما إمام المسجد الذي يصلي به ويقوم به، فإنه يعطى من الزكاة إذا كان فقيراً، وإن كان غنياً فلا يجوز له الأخذ من الزكاة.
وسئل أيضاً: عن القاضي وإمام المسجد، هل يجوز لهما الأخذ من الزكاة؟ فأجاب: لا يجوز لهما الأخذ من الزكاة لأنهما ليسا من أهلها.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: الغنى المانع من أخذ الزكاة: وجود ما تحصل به الكفاية، كاملة على الدوام، من مكسب أو تجارة أو أجرة عقار. فإذا ملك
стр. 1993
من ذلك ما لا تحصل به الكفاية كاملة لم يكن غنياً، فجاز أن يعطى من الزكاة تمام كفايته. انتهى.
وسئل الشيخ علي بن حسين بن محمد، ﵏: هل في كتب المذهب جواز الأخذ من الزكاة مع الغنى لمن قام بمصلحة عامة، كالقضاء ونحوه؟ أم ليس إلا عموم، كما في رواية عن أحمد: أن طلب العلم داخل في الجهاد؟
فأجاب: أكثر أهل العلم على المنع من الأخذ مع الغنى عموماً، أما مع التخصيص فلم أجد لأهل المذهب تصريحاً في الأخذ مع الغنى، غير عموم الأخذ من بيت المال وإن كثر، والأخذ من الزكاة لمن له الأخذ منها بقدر الكفاية. وأما قياسه على الجهاد، وأنه نوع منه، وأن للغازي الأخذ من الزكاة مع الغنى، والغازي مخصوص في الآية الكريمة، وهو الثامن، وليس فيه تصريح بجواز الأخذ مع الغنى لغير الغازي، إلا بفهم عمومات، كالقياس على الغازي والعامل والغارم مع الغنى.
قال القرطبي في تفسيره، عند قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] : إن العامل عطل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم، كالمرأة لما عطلت نفسها لحق الزوج، كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها. ولا يقدر رزق عامل بالثمن، بل تعتبر الكفاية، ثمناً كان أو أقل أو أكثر، كرزق القاضي. وقال في موضع آخر:
стр. 1994
دل قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] على أن كل ما كان من فروض الكفاية، كالساعي والكاتب والقاسم والجابي وغيرهم، فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه. ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق، فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية، ولا جرم أنه يجوز له الأخذ عليها؛ وهذا أصل الباب، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " ١، قاله ابن العربي. ومن ذلك قوله ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني " ٢؛ فيفهم منه: أن من كان قائماً بمصلحة عامة من مصالح المسلمين، كالقضاء، والإفتاء، والتدريس، أن له الأخذ بما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنياً، ذكر ذلك بعض شراح الحديث. وقد بوب البخاري، ﵀، فقال: باب رزق الحكام والعاملين عليها. والله أعلم بالصواب. انتهى.
وقال أبناء الشيخ إبراهيم، وعبد الله وعلي، رحمهم الله تعالى: وبعض الأمراء يأخذ جميع الزكاة، ولا يعطي المساكين منها، والإمام يأمره بإعطاء كل ذي حق حقه، ويعصي ويعمل على رأيه؛ والزكاة تولى الله قسمها في كتابه،
стр. 1995
وجزأها ثمانية أجزاء، وأخبر النبي ﷺ أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله: هل سؤال ولي الأمر داخل في السؤال المذموم؟
فأجاب: الذي عليه كثير من العلماء: أن الإنسان إذا كان له حق في بيت المال أو الزكاة، فلا بأس بكونه يسأل حقه من ولي الأمر، ولا يصير من السؤال المذموم، إن شاء الله تعالى.
وسئل عن الرجل يذكر لولي الأمر بعض أهل الحاجة، هل يجوز؟
فأجاب: هذا من الشفاعة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [سورة النساء آية: ٨٥] ، وقوله ﵇: " اشفعوا تؤجروا " ١.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر: عن سؤال إمام المسجد المعاونة من الفيء والزكاة؟
فأجاب: السؤال من حيث هو مذموم إلا في حال الاضطرار، لكن إن كان السؤال من الفيء فهو أخف، لأن الفيء للمسلمين غنيهم وفقيرهم، وما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب؛ فإذا سأل الإنسان نصيبه من الفيء لم ينكر عليه. وأما إن كان السؤال من الزكاة، فإن كان السائل غنياً
стр. 1996
فهو حرام، ولا تحل له الزكاة، بل لو جاءته من غير سؤال لم تحل له، إلا إن كان من الخمسة المذكورين في الحديث; وذلك لأن الله تعالى قسمها بنفسه، ولم يرض فيها بقسم نبي ولا غيره; وفي الحديث: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " ١.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قول شارح بلوغ المرام، على قوله: " أو غاز في سبيل الله " ٢، ويلحق به من كان قائماً بمصلحة عامة ... إلخ؟
فأجاب: لم أقف على شيء من كلام أئمتنا يعضد هذا المأخذ ويومي إليه، وغاية ما رأيته ما قد أشرت إليه، من قول شيخ الإسلام، ونصه في الاختيارات: ومن ليس معه ما يشتري به كتباً يشتغل فيها، يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري به ما يحتاج إليه من كتب العلم، التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها. انتهى كلامه، والله أعلم.
سئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: هل يجزي دفع الزكاة في الجهاد الذي يؤخذ من الناس اليوم؟
فأجاب: لا يجزئ، لأنه حينئذ يكون واقياً بها ماله، بمنْزلة ما لو دفع زكاته عما وجب عليه من النفقة للأقارب ونحوهم؛ والزكاة حق مستقل، والجهاد حق آخر. وقد تولى
стр. 1997
الرب سبحانه قسمة الزكاة وحصرها في الثمانية الأصناف، فلا يجوز صرفها في غيرهم؛ لكن لو دفع الزكاة إلى الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم ليأكلوها في حال الغزو، كان جائزاً؛ فإنهم أحد الأصناف الثمانية. انتهى ملخصاً.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن دفعها عند الاستسقاء، أو الذين يسألون في المساجد، أو في بناء المساجد؟
فأجاب: المساكين الذين يسألون في المساجد، لا بأس أن يعطيهم الإنسان من زكاة ماله، لأنهم من أهل الزكاة المذكورين في الآية. وما يخرجه من الصدقة عند الاستسقاء، إذا كان المعطى من أهل الزكاة فلا بأس أن يعطى من الزكاة. وأما النية عند الإخراج، فلا بد منها في هذا والذي قبله.
وأما دفع الزكاة في بناء المساجد، فقد ذكر الأصحاب أنه لا يجوز صرفها إلى غير الثمانية المذكورين في الآية؛ قال في الإقناع وشرحه: لا يجوز صرفها إلى غير الثمانية المذكورين، كبناء المساجد والقناطر وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغير ذلك.
وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: الذي ظهر لي أن صرف الزكاة في بناء المساجد، المنع منه أصح عند جمهور العلماء وأحوط. ودفعها إلى غير مسلم لا يسقط فرضها، فلا
стр. 1998
بد من دفعها إلى مسلم من الأقسام الثمانية، التي ذكرها الله .
سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا كان فقير من بني هاشم، أو بني المطلب، وليس له ما يقوم بكفايته، هل يحل له شيء من الزكاة، إذا كان نائب الإمام لا يملك ما ينفق عليهم إلا منها؟ وإذا بعث الإمام أو نائبه أحدهم عاملاً على الزكاة، هل يعطى أجرته منها؟
فأجاب: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: " أخذ الحسن ﵁ تمرة من تمر الصدقة، فقال له النبي ﷺ : كخ، كخ - يعني: اطرحها -؛ أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟ " ١، وقال ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس " ٢، و" لما رأى تمرة على فراشه أخذها ثم ألقاها، وقال: لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها " ٣، متفق عليه.
وقال ﷺ لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن عباس، وقد سألاه العمل على نصيب العامل: " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد " ٤، رواه مسلم. وروى أبو رافع: " أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فانطلق أبو رافع إلى رسول الله ﷺ فقال: ﷺ لا تحل لنا
стр. 1999
الصدقة، إن مولى القوم منهم " ١، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
إذا علمت هذا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهبت طائفة إلى التحريم مطلقاً، سواء منعوا خمس الخمس أو لم يمنعوا؛ وهم الأكثرون. وطائفة قالوا: إذا منعوا خمس الخمس أبيح لهم الأخذ من الزكاة، بشرط الحاجة والضرورة. ونحن نسوق كلام العلماء إن شاء الله تعالى:
قال النووي في شرح صحيح مسلم، على قوله: باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ وعلى آله، وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم، وذكر حديث الحسن المتقدم، ثم قال: وفي هذا الحديث دليل على تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله، و٥ هم: بنو هاشم، وبنو المطلب ; وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك، رحمهما الله: هم بنو هاشم خاصة؛ قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلهم. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. ودليل الشافعي: أن النبي ﷺ قال: " إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد "، وقسم بينهم سهم ذوي القربى.
وأما صدقة التطوع، فالشافعي يرى فيها ثلاثة أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله ﷺ وتحل لآله. والثاني: تحرم عليه وعليهم. والثالث: تحل له ولهم.
وأما موالي بني هاشم وبني المطلب، فهل تحل لهم
стр. 2000
الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنها تحرم، للحديث الذي ذكره مسلم، وهو حديث أبي رافع. والثاني: تحل. وبالتحريم قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض المالكية; وبالاباحة قال مالك. وادعى ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالاجماع؛ وليس كذلك، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على بني هاشم، وبني المطلب، ولا فرق بينهما، والله أعلم. وقوله ﷺ : " إنا لا تحل لنا الصدقة " ١ ظاهره تحريم صدقة الفرض والنفل، وفيها الكلام السابق. انتهى.
وقال في الإنصاف: قوله: ولا بني هاشم، هذا المذهب مطلقاً نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وكالنبي ﷺ إجماعاً; وقيل: يجوز إن منعوا خمس الخمس، لأنه محل حاجة وضرورة - إلى أن قال - قال في الفروع: ومال شيخنا – يعني: أبا العباس - إلى أنهم إن منعوا خمس الخمس أخذوا من الزكاة، وربما مال إليه أبو البقاء، وحكى الخلاف في العاملين، وقال: إن منعوا خمس الخمس جاز لهم الأكل، وإلا فلا، والله أعلم.
وقال في الإقناع وشرحه: ولا لبني هاشم، يعني: ولا يجوز دفع الزكاة لبني هاشم، كالنبي ﷺ ، وهم - أي بنو هاشم - من كان من سلالة هاشم، فدخل فيها آل العباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل أبناء أبي