هذه المساجد الثلاثة، لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم. وإذا كان السفر إلى مسجد غير الثلاثة ممتنعاً شرعاً، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع؛ ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، التي أحدثها الملوك وأشباههم. والأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة قبره ﵇، كلها مكذوبة موضوعة، باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي، والشيخ تقي الدين وغيرهم، ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذا تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يروون بخلافه. وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقاً بعد أن نهى عنها، كما ثبت في الصحيح، لكن بلا شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك.
وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه، دخلت زيارة القبر تبعاً، لأنها غير مقصودة استقلالاً; وحينئذ، فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها، بشرط عدم فعل محذور عند القبر، قال ابن حجر: ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل، لتكون زيارة القبر تابعة. انتهى. واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، هو الْمُوقِع لكثير من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك.
فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، كوَدّ
стр. 2137
وسواع ويغوث ويعوق، وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك، يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم؛ والشرك بقبر النبي ﷺ أو الرجل المعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو بحجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً ما يتضرعون ويخشعون عندها، ما لا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء، وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذها أعياداً، والطواف بقبورهم، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان، يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم.
فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه، كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران، وأنها تجُبُّ ما قبلها من الآثام؛ بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها، واسم من تنسب إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.
стр. 2138
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: بعض العلماء قد قال بجواز السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وهذا القول لصاحب المغني، وبعض المتأخرين من الحنابلة والشافعية، وهؤلاء يحتجون بقوله: " فزوروها ". وأما ما يحتج به بعض من لا يعرف الحديث، من قوله: " من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي "، فهذا الحديث لا تقوم به حجة عند من له معرفة بعلل الحديث. وأما ما يقوله بعض الناس: إنه حديث: " من حج ولم يزرني فقد جفاني "، فهذا لم يروه أحد من العلماء؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، ومثله حديث: " من زارني ضمنت له على الله الجنة "، قال الشيخ: وهذا أيضاً باطل باتفاق العلماء.
قال: والصحيح: ما ذهب إليه المتقدمون، كأبي عبد الله ابن بطة، وأبي الوفاء ابن عقيل، وطوائف من المتقدمين، من أن هذا السفر منهي عنه، لا تقصر فيه الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد؛ وحجتهم: ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١، وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته، والعمل به في الجملة؛ فلو نذر رجل أن يصلي في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه أو يسافر إليه، غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى، لصلاة أو اعتكاف، وجب
стр. 2139
عليه الوفاء بهذا النذر، عند مالك والشافعي وأحمد، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذا عرفت أقوال العلماء في هذه المسألة، فاعلم أن الزائر إذا نوى الزيارة التي فيها شد الرحل لسفر زيارة مسجد رسول الله ﷺ ، صار ذلك به سفر طاعة بإجماع العلماء، ويحصل له به زيارة قبر النبي ﷺ تبعاً إذا وصل المسجد، وفعل ما هو المشروع من البداءة بتحية المسجد، ثم السلام على رسول الله ﷺ والسلام على صاحبيه، ﵃؛ وذلك لا محذور فيه بوجه، بل هو مصلحة محضة. فأي محذور في تحصيل المصلحة المطلوبة على وجه صحيح بالإجماع؟
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ومن البدع: الاجتماع في وقت مخصوص، على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقاداً أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير، فإن ذلك لم يرد. ومنها: الاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح، والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان، وراتب الحداد ونحوهما؛ بل قد يشتمل على شرك أكبر، فيقاتَلون على ذلك، فإن سلموا من الشرك، أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه ردعاً.
стр. 2140
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما ما يحكى من حال سبب وضع الشباك على الحجرة، فله سبب ولا أستحضر صورته الآن، ونقل عن السيد السمهودي، في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى، عن الكمال الإسنوي الشافعي، في الباب التاسع عشر من الخلاصة المذكورة، من الحوادث الغريبة، والوقعات العجيبة في المدينة المنورة، والحجرة الشريفة. وكذلك المطري ذكر ذلك، فقال: وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن قسنقر التركي، في سنة ٥٥٧ إلى المدينة، بسبب رؤيا رآها: رأى النبي ﷺ في منامه ليلة، ثلاث مرات، وهو يشير إلى رجلين أشقرين، ويقول: أنجدني! أنقذني من هذين!
فأرسل إلى وزيره، وتجهزا في بقية ليلتهما على رواحل خفيفة في عشرين نفراً، واستصحب مالاً كثيراً، فقدم المدينة في ستة عشر يوماً، فزار، ثم أمر بإحضار أهل المدينة بعد كتابتهم، وصار يتصدق عليهم، ويتأمل تلك الصفة، إلى أن انقضت الناس، فقال: هل بقي أحد؟ فقالوا: لم يبق سوى رجلين صالحين عفيفين مغربيين يكثران الصدقة، فطلبهما، فرآهما الرجلين اللذين أشار إليهما النبي ﷺ فسأل عن منْزلهما، فأخبر أنهما برباط بقرب الحجرة، فأمسكهما ومضى إلى منْزلهما، وذكر القصة - إلى أن قال - وأمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة، ثم أمر
стр. 2141
بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقاً عظيماً إلى الماء حول الحجرة كلها، وأذيب ذلك الرصاص وملئ به الخندق، فصار حول الحجرة سور رصاص.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عما ذكر الشيخ من أمر الصخرة؟
فأجاب: ما أشكل من أمر الصخرة، فما ذكر الشيخ لا إشكال فيه، ولا يدل على أنها على الأرض ولا بعضها - كما توهمه صاحب الهامش - لأن ارتفاع الصخرة زمن سليمان ﵇ اثنا عشر ذراعاً بذراع الإنسان، ذراع وشبر وقبضة، لكن دفنها بختنصر، فإنه أمر عسكره أن يملأ كل إنسان منهم ترسه تراباً ويقذفه ببيت المقدس، وبعده الروم استولوا على بيت المقدس، وطرحوا الزبل والتراب الكثير على الصخرة، مغايظة لبني إسرائيل. فلما فتحها عمر ﵁ بسط ﵁ رداءه، وجعل يكنس التراب والزبل فيه، فأخذ المسلمون يكنسون معه، ويفعلون ما فعل. فإن قصد صاحب الهامش أنها كانت على الأرض قبل أن تكشف فصحيح، وإلا فوهم، والله أعلم.
стр. 2142
باب الأضاحي
الأضحية عن الميت
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: أيما الصدقة عن الميت أو الأضحية؟
قال: الأضحية. وأجاب في موضع آخر: وأستحسن الصدقة عن الميت على الأضحية.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هذه المسألة اختلف العلماء فيها: فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل؛ وهذا القول أقوى في النظر، وذلك لأن التضحية عن الميت لم يكن معروفاً عن السلف، إلا أنه روي عن علي ﵁ أنه كان يضحي عن النبي ﷺ ، ويذكر أن رسول الله ﷺ أوصاه بذلك. والحديث ليس في الصحاح، وبعض أهل العلم تكلم فيه، وبعض الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره، وقال: لا يضحى عن الميت إلا أن يوصي بذلك، فإن لم يوص فلا يذبح عنه، بل يتصدق بثمنها. فإذا كان هذا صورة المسألة، فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله.
стр. 2143
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: والصدقة بثمن الأضحية، ذكر بعض العلماء: أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها مطلقاً.
[هل يضحي عن الغير قبل أن يضحي عن نفسه]
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هل له أن يضحي عن غيره قبل أن يضحي لنفسه؟ وهل له أن يضحي وعليه نذر قبل أن يوفي بنذره؟
فأجاب: التضحية عن الغير قبل أن يضحي لنفسه لا أعلم فيها بأساً، وإنما المنع فيمن عليه حجة الإسلام، فليس له أن يحج عن غيره قبل أن يحج فريضة الإسلام.
وأما تقديم الأضحية على النذر، فالواجب تقديم النذر على النافلة، فإذا كان المنذور أضحية ذبحها قبل أضحية التطوع، فإن تطوع وترك النذر الواجب، وجب عليه أن يذبح الواجب أيضاً، أما إذا أراد أن يذبحهما جميعاً، لكنه قدم التطوع على النذر فلا أعلم في هذا بأساً.
وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: إذا لم يعق عنه ولا ضحى لنفسه، هل يضحي لوالديه ... إلخ؟
فأجاب: إذا ضحيت، فضح لك ولوالديك وأهل بيتك، لأن الأمر واسع.
стр. 2144
فضل الأضحية
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن قوله: " استفرهوا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم "؟
فأجاب: هذا الحديث ليس من الأحاديث المعروفة، ولا هو مخرج في الكتب المعتمدة، وإنما أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبد الله عن أبي هريرة، رفعه بهذا؛ ويحيى ضعيف جداً عند أهل الحديث. وقال بعضهم: هذا الحديث ليس معروفاً ولا ثابتاً فيما علمناه. وقال ابن العربي المالكي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، ومنها قوله: " إنها مطاياكم إلى الجنة "، ذكر ذلك السخاوي في كتاب المقاصد الحسنة. فمثل هذا الحديث لا يحتج به، وإن ذكره بعض أهل العلم، فعادتهم يتساهلون في فضائل الأعمال، في ذكر الأحاديث الضعيفة، فلا ينبغي أن يجزم أن رسول الله ﷺ قاله، بل يذكر بصيغة التمريض. وأما معناه، فقيل إنها تسهل الجواز على الصراط.
[اشترى شاة ونواها أضحية]
سئل الشيخ عبد الله العنقري: إذا اشترى شاة ونواها أضحية ... إلخ؟
فأجاب: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد; الأولى - وهي المذهب عند أصحابه -: أنها لا تعين أضحية إلا باللفظ لا بالنية، كقوله: هذه أضحية، وينوي مع ذلك. الثانية: إذا اشتراها ونواها أضحية، تعينت بذلك، ولو لم يقل: هذه أضحية؛ وهذا اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية، وبه قال مالك وأبو حنيفة. فعلى هذا، لا يصح بيعها ولا هبتها إذا تعينت.
стр. 2145
[وقت الأضحية وما يجزئ فيها]
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن قوله: " البدنة عن سبعة " ... إلخ؟
فأجاب: قوله: " الجزور عن سبعة " يعني: التضحية بالإبل والبقر عن سبعة أشخاص مجزية: عن كل واحد سبع. انتهى من المفاتيح. وقال عن حديث ابن عباس، الذي رواه الترمذي والنسائي: " كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة " ١: إن هذا الحديث منسوخ بما تقدم: " الجزور عن سبعة " ٢. قال في المغني عن حديث رافع: " أن النبي ﷺ قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير " ٣ هو في القسمة لا في الأضحية. انتهى.
وقد أخذ كثير من العلماء بمفهوم الناسخ، فقال: لا تجزي البدنة كالبقرة عن أكثر من سبعة أشخاص، لكن لو اشترك جماعة في بدنة أو بقرة، فذبحوها على أنهم سبعة، فبانوا ثمانية، ذبحوا شاة وأجزأتهم؛ قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب، ونقله ابن القاسم، وعليه أكثر الأصحاب. وقال مهنا: تجزي عن سبعة ويرضون الثامن، ويضحي، وهو قول في الرعاية. قال في حاشية التنقيح: قوله: عن سبعة، ويعتبر ذبحها عنهم، قال الزركشي: ويعتبر أن يشترك جماعة دفعة واحدة؛ فلو اشترك ثلاثة في بقرة، وقالوا: من جاء يريد الأضحية شاركنا، فجاء قوم فشاركوهم،
стр. 2146
لم تجز إلا عن ثلاثة. انتهى. وإذا صح الاشتراك، فالظاهر لا يمنع كون أحدهم مضح لنفسه، وبعضهم مضح لميته.
وأما الحديث الثاني، فقال الخطابي في معالم السنن: في قوله ﷺ : " اللهم تقبل من محمد وآل محمد " ١ دليل على أن الشاة الواحدة، تجزي عن الرجل وأهله وإن كثروا. وروي عن أبي هريرة وابن عمر كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والشافعي، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق; وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة. انتهى. قال في الفتاوى المصرية: أجزأه ذلك في أظهر قولي العلماء؛ وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فإن الصحابة كانوا يفعلون، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ ضحى، فذكر الحديث. وترجم جده في المنتقى: باب الاجتزاء بالشاة الواحدة لأهل البيت، ثم ذكر حديث علي بن يسار عن أبي أيوب. وذكر في الإفصاح عن مالك: أنه لا يجوز الاشتراك فيها بالأثمان والأعراض، بل على سبيل الإرفاد، كأن يشرك رب البيت أهل بيته، وسواء في ذلك عنده البدنة والبقرة والشاة.
وقال في الإنصاف: وتجزئ الشاة عن واحد بلا نزاع، وتجزي عن أهل بيته وعياله على الصحيح من المذهب؛ نص عليه أحمد، وعليه أكثر الأصحاب، وقطع به كثير منهم; وقيل: لا تجزي، وقدمه في الرعاية الكبرى، وقال: وقيل في الثواب لا في الإجزاء. انتهى. والمعتمد عند الشافعية: عدم إجزاء الشاة عن أكثر من واحد؛ قال في المنهاج
стр. 2147
وشرحه: والشاة عن واحد، فلو اشترك اثنان في شاة لم تجز; والأحاديث في ذلك كحديث: " اللهم هذا عن محمد وأمة محمد " ١ محمولة على أن المراد التشريك في الثواب، لا في الأضحية. انتهى.
وقال الخلخالي في المفاتيح: ذكر في الروضة: إن الشاة الواحدة لا يضحى بها إلا عن واحد، لكن إذا ضحى بها واحد عن أهل بيته تأدى الشعار والسنة لجميعهم؛ وعلى هذا حمل ما روي: " أنه ﷺ ضحى بكبشين، وقال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد " ٢. وكما أن الفرض بنفسه ينقسم إلى عين وكفاية، فقد ذكروا أن الضحية كذلك، وأنها مسنونة لكل أهل بيت،؛وقد حمل جماعة الحديث على الاشتراك في الثواب، لأنه قال: " وأمة محمد ".
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما كون البدنة أو البقرة تجزي عن سبع من الغنم، فهذا في الإجزاء، وأما في الفضل فقد ذكر العلماء أن الشاة أفضل من سُبْع بدنة. وقال: إذا أراد إنسان أن يضحي بأضحية عن جماعة، جاز تشريكهم فيها؛ وتكفي النية، فلا يشترط أن يسمي من أرادهم بالأضحية، لكن تستحب تسميتهم، فيقول بعد التسمية والتكبير: عن فلان، وفلان، وعن أهل بيتي، أو عن والدي ونحوه. وأما مسألة التشريك في سبع البدنة أو البقرة، فلم أر ما يدل على الجواز ولا عدمه، وإن كان بعض الذين أدركنا يفعلون ذلك، لكني ما رأيت ما يدل عليه.
стр. 2148
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: ما ذكرت من حال التعريض بالخلاف بين العلماء، فلا خلاف مع وجود النص، لقوله ﷺ : " البدنة عن سبعة " ١؛ والتشريك في السبع زيادة على النص، فلا يجوز؛ فانتبه.
وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف: الظاهر: المنع من التشريك في السبع.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن ضحى بعد صلاة الإمام ولو لم يصل هو ... إلخ؟
فأجاب: وأما الذي ضحى بعد صلاة الإمام، فأضحيته مجزية ولو لم يصل، لأن العبرة بصلاة الإمام، لا صلاة كل إنسان بنفسه.
وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد: عن التضحية بسبع البدنة عن عدة أشخاص، هل يجوز ذلك كالشاة، أم لا؟
فأجاب: لا يخفى أن رسول الله ﷺ قال: " تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته "، وإلى ظاهر الحديث ذهب أحمد، وإسحاق; وذهب أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، ومالك، إلى أنه لا يجوز التضحية بالشاة عن أكثر من واحد، قياساً على الهدي، وهو أيضاً مذهب الشافعي، كما قاله الرافعي، وأن معنى الحديث عندهم - إذا ضحى الرجل من أهل البيت -: تأتّى الشِّعار والسنة لجميعهم، كرد السلام من واحد يجزي عن الجماعة.
стр. 2149
وقد حكى النووي وابن رشد: اتفاق العلماء على ذلك، وهو غلط، إذ السنة واضحة في جواز الاشتراك في الشاة، كما هو مذهب أحمد، وقول كثير من العلماء.
أما الاشتراك في سبع البدنة، فلم أر أحداً من أهل العلم يقول به؛ بل أفتى الرملي الشافعي وبعض فقهاء نجد قبل هذه الدعوة بالمنع، لمفهوم قوله ﷺ : " تجزي الشاة عن الرجل وأهل بيته "، ولأن الشاة دم مستقل، بخلاف سبع البدنة، فإنه شركة في دم، ولعدم مساواته لها في العقيقة والزكاة، فحينئذ يقتصر على مورد النص، والله أعلم.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق؟
فأجاب: وأما الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق، ففيه خلاف، والراجح أنه يجوز.
وأجاب الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: إذا مضى يومان مع يوم العيد، فقد مضى وقت الأضحية؛ والذي رجح ابن كثير: أنها ثلاثة أيام مع يوم العيد، وهو قول الشافعي، ﵀. وهذا قول قوي جيد يؤخذ به، وأما ما عدا ذلك فلا نرى التضحية فيه مجزية.
[دفع الأضاحي من بلاد المسلمين إلى من هو مقيم في بلاد المشركين]
سئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عن ضحايا في بلدان سدير، وأهلها في الزبير، وطلبوها ولهم أقارب بعيدو النسب ... إلخ؟
стр. 2150
فأجاب: دفع الأضاحي من بلاد المسلمين إلى من هو مقيم في بلاد المشركين لا يجوز، لأن الاستيطان في بلاد الشرك معصية لله ورسوله، ومعرضة للردة عن الإسلام؛ فلا يعطى من هذه حاله ما يستعين به على معصيته، بل تدفع للقريب الذي في بلاد الإسلام، ولو بَعُد.
[هل للوكيل أن يجعل الأضحية أثلاثاً كصاحبها]
سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: هل للوكيل أن يجعلها أثلاثاً، كصاحبها ... إلخ؟
فأجاب: لا يفعل ذلك إلا أن يجعل صاحبها ذلك للوكيل.
من أهدي إليه جلد الأضحية أو لحمها
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن أهدي إليه جلد الأضحية، أو لحمها ... إلخ؟
فأجاب: وأما الذي يتصدق عليه بجلد الأضحية أو لحمها، أو يهدى إليه ذلك، فإنه يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره.
стр. 2151
فصل في العقيقة
العقيقة عن الكبير
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل يعق عن الكبير ... إلخ؟
فأجاب: العقيقة عن الكبير ما علمت لها أصلاً.
الصدقة عن المولود
وسئل ابنه: الشيخ عبد الله: عن الصدقة إذا ولد المولود ... إلخ؟
فأجاب: الصدقة التي تخرج إذا ولد المولود لا بأس بها، والسنة التي وردت عن النبي ﷺ : " أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة " ١.
[هل يعق الإنسان عن نفسه]
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا لم يعق الأب، هل للابن أن يعق عن نفسه؟
فأجاب: العقيقة مشروعة في حق الأب فقط عند الجمهور، واستحب جماعة من الحنابلة أنه يعق عن نفسه إذا بلغ، وهي مشروعة ولو بعد موت المولود.
[العقيقة عن السقط]
وسئل: عن العقيقة عن السقط ... إلخ؟
فأجاب: والعقيقة إنما تشرع فيمن ولد حياً.
[التسمي بمالك ونافع ومحسن]
سئل الشيخ حسين، والشيخ عبد الله: ابنا الشيخ محمد، رحمهما الله: عن تسمية مالك، ونافع، ومحسن، ومحمد رفيع الدين، أو محمد الصادق؟
فأجابا: لا بأس بالتسمي بمالك، ونافع، ومحسن، ومحمد رفيع الدين، ومحمد الصادق، لأنه لم يرد في الحديث النهي عن ذلك؛ وقد كان في الصحابة من اسمه
стр. 2152
مالك، ونافع، ومحسن، وفي التابعين جعفر الصادق وغيره.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن قوله في كتاب التوحيد: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، حاشا عبد المطلب، ما الحكمة في هذا الاستثناء ... إلخ؟
فأجاب: سبب الاستثناء أن بعض العلماء أجاز التسمية بعبد المطلب، لظاهر ما صح عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة حنين، لما انهزم عنه أصحابه إلا قليلاً: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ١. فلما حكى ابن حزم الإجماع على تحريم كل اسم معبد لغير الله، استثنى التسمية بعبد المطلب من ذكر الإجماع، لأجل ما تقدم عن بعض العلماء.
[معنى لفظتي: السيد والمولى]
سئل الشيخ أبا بطين: عن معنى لفظتي: السيد والمولى؟
فأجاب: لهما معان كثيرة، ذكر النووي للمولى ستة عشر معنى، منها: المالك، والناصر، والقريب، والصديق، والمعتق، والعتيق، والحليف، والجار؛ والناس يستعملونه، وبعض أهل العلم يكره أن يقال: يا مولاي، ويشدد فيه، وبعضهم يبيحه، والله أعلم. وأما لفظة: السيد، فكره بعض أهل العلم إضافتها إلى غير الله، وأجازه الأكثرون؛ وفي الحديث: " وليقل: سيدي "، يعني: المملوك لمالكه. وقال ﷺ : " إن ابني هذا سيد " ٢، وقال: " قوموا إلى سيدكم ".
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: وأما قول: يا
стр. 2153
سيدي، ومولاي ... إلخ، فهذه الألفاظ تستعملها العرب على معان، كسادة الرياسة والشرف. والمولى يطلق على: السيد، والحليف، والمعتق، والموالي بالنصرة، والمحبة، والعتق. وأطلق السيد على الزوج، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [سورة يوسف آية: ٢٥] . فإطلاق هذه الألفاظ على هذا الوجه معروف لا ينكر؛ وفي السنة من ذلك كثير. وأما إطلاق ذلك في المعاني الحديثة، كمن يدّعي أن السيد هو الذي يُدْعَى ويعظم، والولي هو الذي ينبغي منه النصر والشفاعة، ونحو ذلك من المقاصد الخبيثة، فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك.
[هل يدعى المسلم لأمه]
وسئل: عمن يدعو المسلم لأمه؟
فأجاب: إن الله ذكره، قال: في شأن زيد بن حارثة، لما دعاه الناس: زيد بن محمد: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤-٥] . وهذه الآية الكريمة دلت على وجوب دعاء الرجل لأبيه، فإن جهل فيدعى بالأخوة الإسلامية، أو بمولى فلان، أو آل فلان، ولم يذكر قسماً رابعاً، وهو دعاؤه لأمه. ونسبة الرجل إلى أمه تأنف منه العرب وأهل المروءة، فضلاً عن أهل العلم والدين، لما في ذلك من غمص والده، والتنويه بأمه بين الأجانب؛ وما ظننت عاقلاً يرضى هذا ويستحسنه، فضلاً عن
стр. 2154
أن ينكر على من كرهه ونهى عنه. والآية الكريمة، وإن كانت نصاً في دعوى الرجل إلى من تبناه غير أبيه، فهي عامة في دعائه لأمه، لأن قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥] نص في أنه لا يدعى لغيره، ولا شك في دخول الأم في الغير؛ وعلى هذا فالنص عام، ولو قيل بخصوصه أخذاً من خصوص السبب، فلا مانع من إلحاق النظير. والجمهور يرون في هذه المسألة أن عموم اللفظ مقدم في الاعتبار على خصوص السبب؛ والأول قال به بعض الأصوليين. وجماهير أهل العلم والتأويل قد رجحوا الثاني؛ وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ عام في ترك دعائهم لغيرهم، وإن كان المدعو إليه أُمًّا؛ فتفطن.
[تلقيب الإنسان]
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن لقب الإنسان ... إلخ؟
فأجاب: قال النووي: باب النهي عن الألقاب التي يكرهها صاحبها: قال تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [سورة الحجرات آية: ١١] ، واتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواء كان صفة له، كالأعمى والأعمش، أو صفة لأبيه، أو غير ذلك مما يكرهه، واتفقوا على جواز ذلك على سبيل التعريف، لمن لا يعرف إلا بذلك. ثم قال: باب استحباب اللقب الذي يحبه صاحبه: فمن ذلك علي ﵁، " أن رسول الله ﷺ وجده نائماً في المسجد،
стр. 2155
وعليه التراب، فقال: قم أبا تراب، قم أبا تراب " ١، فلزمه هذا اللقب الحسن الجميل، وكان أحب أسمائه إليه. انتهى. فقد عرفت الفرق بين اللقب الذي يحبه صاحبه، واللقب الذي يكرهه صاحبه، فإنه ينهى عنه.
وقال الشيخ تقي الدين: وأما الألقاب، فكانت عادة السلف الأسماء والكنى، فإذا أكرموه كنوه بأبي فلان، وتارة يكنى الرجل بولده، وتارة بغير ولده، كما يكنون من لا ولد له إما بإضافة اسمه، أو أبيه، أو أبي سميه، أو إلى أمر له به تعلق، كما كنى النبي ﷺ عائشة باسم ابن اختها عبد الله، وكما يكنون داود أبا سليمان، لموافقته اسم داود الذي اسم ولده سليمان، وكذلك كني إبراهيم أبا إسحاق، وكما كنى النبي ﷺ أبا هريرة باسم هرة كانت تكون معه؛ ولا ريب أن الذي يصلح من الكنى، ما كان السلف يعتادونه. انتهى. فقد عرفت أن هذه الألقاب التي يكرهها صاحبها، ليست من عادة السلف، وهم القدوة، والخير في اتباعهم.
[نداء الشخص والديه أو قرابته بأسمائهم]
وسئل: هل نداء الشخص والديه أو قرابته بأسمائهم، من العقوق؟
فأجاب: قال في كتاب الأذكار: باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ، أن ينادي أباه، أو معلمه، أو شيخه باسمه: روينا في كتاب ابن السني: عن أبي هريرة " أن النبي ﷺ رأى رجلاً معه غلام، فقال: يا غلام من هذا؟
стр. 2156
قال: أبي، قال: لا تمش أمامه، ولا تستسب له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه "؛ قلت: معنى " لا تستسب له " أي: لا تفعل فعلاً تتعرض فيه لأن يسَب أبوك زجراً وتأديبا على فعلك القبيح. وروينا فيه عن عبد الله بن زحر، قال: كان يقال من العقوق أن تسمي أباك باسمه، وأن تمشي أمامه في الطريق. انتهى.
وأما القرابة غير الوالدين، فلا أعلم في ندائهم بأسمائهم بأساً.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
انتهى الجزء الخامس
ويليه الجزء السادس
وأوله: كتاب البيع
стр. 2157
المجلد السادس: (كتاب البيع)
*
...
كتاب البيع
الإيجاب والقبول
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عمن كتب إلى آخر ببلد بإيجاب في بيع أو قبول؟
فأجاب: هذه المسألة لم أر من ذكرها إلا صاحب الإقناع فيه، حيث قال: وإن كان المشتري غائبا عن المجلس، فكاتبه البائع أو راسله: أني بعتك داري بكذا، أو أني بعت فلانا داري بكذا، فلما بلغه الخبر قبل البيع، صح العقد; قال شارحه: لأن التراخي مع غيبة المشتري لا يدل على إعراضه عن القبول، بخلاف ما إذا كان حاضرا، ففرق المصنف في تراخي القبول عن الإيجاب، بينما إذا كان المشتري حاضرا وبينما إذا كان غائبا.
وهذا يوافق رواية أبي طالب في النكاح، قال في رجل مشى إليه قوم، فقالوا: زوج فلاناً فلانة، فقال: زوجته على ألف، ورجعوا إلى الزوج وأخبروه بذلك، فقال: قد قبلت ; هل يكون هذا نكاحا؟ قال: نعم؟
قال الشيخ تقي الدين: ويجوز أن يقال: إن كان العاقد الآخر حاضرا، اعتبر قبوله في
стр. 2158
المجلس، وإن كان غائبا جاز تراخي القبول عن المجلس، كما قلنا في ولاية القضاء، قال شارحه: ولم أر المسألة ههنا في الفروع، ولا في الإنصاف، ولا غيرهما
البيوع المنهي عنها
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: وهذه الصور التي نهى عنها رسول الله ﷺ وسلم في البيع. نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن السنور، وكسب الحجام، وبيع الخمر، وكل ما حرم أكله، وبيع الميتة، وبيع الأصنام وبيع الحر، وبيع عسب الفحل، وبيع فضل الماء، وبيع الكلأ، وبيع الحصاة، وبيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والمعاومة، والثنيا، وبيع الثمرة قبل الصلاح، وبيع الطعام قبل قبضه، والبيع على بيع أخيه، والنجش، والتصرية، وبيع حاضر لباد، وتلقى الركبان، والغش، والكذب والاحتكار، وأكل الربا وتوكيله، وبيع الذهب بمثله متفاضلا. وبيع الفضة بمثلها متفاضلة، والبر بالبر متفاضلا والذهب بالذهب نسأ، والفضة بالفضة نسأ، والتمر بالتمر نسأ، والشعير بالشعير نسأ، والبر بالبر نسأ، والملح بالملح نسأ، والذهب بالفضة نسأ، والتمر بالبر نسأ، والتمر بالشعير نسأ، والتمر بالملح نسأ، والبر بالشعير نسأ، والبر بالملح نسأ، والشعير بالملح نسأ، واشتراط ليس في كتاب الله، وكل ما تقدم ذكر في الصحيحين، أو أحدهما.
стр. 2159
قوله: المزابنة، وهي: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمرٍ كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بطعام كيلا، نهى عن ذلك كله، ويروى المزابنة: أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر كيلا مسمى، إن زاد فلي وإن نقص فعلي، قوله: نهى عن المخابرة والمحاقلة، فالمحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة، والمزابنة: أن يبيع الثمر في رؤوس النخل بمائة فرق مثلا، والمخابرة: كرى الأرض بالثلث أو الربع, والمعاومة: أن يبيع حمل الشجر المستقبل أعواما.
قوله: المنابذة، وهي: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، قوله: الملامسة، وهي: لمس الثوب لا ينظر إليه. قوله حبل الحبلة، وكان بيعا يبيعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها; وقيل: إنه كان بيع الشارف ; وهي الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي ببطن ناقته، وقوله: بيع الحصاة، وهو أن يقول: أي موضع وقعت عليه هذه الحصاة من هذه الأرض، فهو لي.
وسئل الشيخ: عبد الله أبا بطين عن ثمن الكلب ومهر البغي: الخ؟
فأجاب: ثمن الكلب هو أخذ العوض عنه ; ومهر البغي هو الجعل الذي تأخذه على زناها، وحلوان الكاهن:
стр. 2160
هو ما يأخذه الكاهن في مقابلة إخباره بالمغيبات، وثمن السنور: هو أخذ العوض عنه، وكسب الحجام: هو ما يأخذه أجرة على حجامته، فأما ما يعطاه بغير شرط فرخص فيه بعض العلماء، لأن النبي ﷺ أعطى الذي حجمه، قالوا: ولو كان حراما لم يعطه النبي ﷺ ، وحملوا النهي على الاشتراط خاصة، وتحريم بيع الخمر ظاهر، وهو المعاوضة عنه ; وكذا حكم كل مسكر، وبيع الميتة وما حرم أكله، لما في الحديث المشهور " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " وثمن الحر ظاهر، وهو أخذ العوض عنه، وبيع عسب الفحل: وهو أخذ العوض عن ضرابه، كما يفعله كثير من الناس في أخذ العوض على نزو الحصان على الرمكة.
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين، عن بيع الحصاة وبيع الغرر ... الخ؟
فأجاب: وأما بيع الحصاة، فهو أن يقول: إرم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت، أو دابة، فهو لك بكذا، وفسر بأن يقول: أبيعك من هذه الأرض ما تبلغ هذه الحصاة، إذا رميت بها بكذا، وبيع الغرر يدخل تحته صور كثيرة، منها: بيع العبد الآبق، والدابة الشاردة، ومنها بيع الدين لغير من هو في ذمته، إذا كان غير مليء، ويدخل تحته كل مبيع لا يدري مشتريه، أيحصله أم لا، وأما بيع حبل الحبلة، ففيه تفسيران: أحدهما أن أهل الجاهلية كانوا يشترون الجزور ونحوها إلى أن تلد الناقة، ثم يلد ولدها، فيكون النهي لأجل
стр. 2161
جهالة الأجل، وقيل: هو أن يبيعه نتاج ما في بطن هذه الناقة، وهو ولدها، لما فيه من الغرر.
وأما بيع الملامسة: فنحو أن يقول: أي ثوب لمسته فهو لي بكذا، فيشتريه من غير نظر إليه ولا تقليب ; وأما بيع المنابذة: هو أن يقول-: كل ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا، والعلة في ذلك جهالة المبيع وقت العقد، ولهذا اشترط العلماء لصحة البيع، معرفة المبيع، ونهيه عن الثنيا إلا أن تعلم، فهو أن يبيعه عددا من الدواب أو الثياب ونحوها، ويستثنى منها غير معين، نحو أن يقول: بعتك هذه الغنم بكذا، ولي منها واحدة أختارها، وفيه صور كثيرة.
وقال رحمه الله تعالى: وأما بيع المضامين والملاقيح، فقيل في المضامين ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الفحول، وفسر بالعكس، وبيع الغنيمة قبل القسمة، المراد به: الإنسان يبيع نصيبه من الغنيمة قبل تمييزه وقبضه.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، عن بيع المكره بحق؟
فأجاب: وأما قوله: إلا أن يكره بحق، كما يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، فهذا لا بأس بالشراء منه، سواء رضي بذلك أو لم يرض.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن سكوت المرأة عن بيع نصيبها من العقار، هل يوجب صحة البيع أم لا؟
стр. 2162
فأجاب: لا يجب به بيع، لعدم وجود الرضا منها صريحا وهي على ملكها، والمشتري يرجع على من باعه، سواء أدرك منه الثمن أم لا، والمرأة لا رجوع عليها والحالة هذه، وما استغل من عقارها رده عليها، أو مثله إن تلف.
بيع الفضولي
سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر، عن تصرف الفضولي؟
فأجاب: اختلف الفقهاء، فمنهم من قال: لا ينعقد البيع أصلا، ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف، بل الملك باق على ملك صاحبه، ولا ينتقل بتصرف الفضولي، ونماؤه لمالكه، وأما قوله، إذا قال الفضولي للمشتري: أنا ضامن ما لحقك من الغرامة، هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول: إن كان المشتري جاهلا أن هذا مال الغير، أو كان عالما لكن جهل الحكم وغره الفضولي، فما لزم المشتري من الغرامة من هذا النماء الذي تلف تحت يده، فهو على الضامن الغارم.
وأجاب الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏: الأشبه بالقواعد الشرعية، ما اقتضته المعاقد المذهبية، من تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه إذا علم بالحال، وأن حكمه حكم الغاصب، لتعديه بتناوله المحظور عليه شرعا بغير إذن مالكه، فنصحح تصرفه، يعني أن الربح الحاصل بتصرفه لمالك المال كأصله، لأنه نماء ملكه ونتيجته، وليس للمتصرف من الربح شيء، ونص عليه الإمام
стр. 2163
أحمد في المتجر بالوديعة في رواية الجماعة، قال ابن نصر: نصوص أحمد متفقة على أن الربح للمالك.
سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى، عن قوله: " لا تبع ما ليس عندك " ١؟
فأجاب: أهل العلم ذكروا أن النهي يقتضي الفساد، فقالوا: لا يصح أن يبيع ما ليس في ملكه، ثم يمضي فيشتريه ويسلمه للمشتري، فعلى هذا: إذا خالف وفعل لم يصح البيع، وتكون على ملك الذي اشتراها من السوق، فإن تلفت بيد المشتري الثاني ضمنها بقيمتها، لا بثمنها الذي اشتراها به، فإن كانت مثلية مثل المكيل والموزون، ضمنه بمثله.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما ربح ما لم يضمن، فهو أن يبيع ما لا يدخل في ضمانه، كأن يشتري طعاما ويبيعه قبل اكتياله.
وسئل الشيخ عبد الله العنقري: عن الرجل يقول: من أراد منكم أبيعه ثمن العشرة بأربعة عشر إلى أجل، ويذهب مع المشتري إلى السوق فيشتري ثم يقبضه.
فأجاب: هذا العقد لا يصح، لأن النبي ﷺ وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن؟ وقال لحكيم بن حزام " لا تبع ما ليس عندك " ٢ أي لا تبع ما ليس في ملكك، والحديثان صحيحان، وقد ذكر العلماء ﵏ من شروط البيع: أن يكون البائع
стр. 2164
مالكا للمبيع حالة العقد، أو مأذونا له فيه كالوكيل ونحوه، والمقصود: أن هذا البيع باطل محرم.
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن ﵀: عمن باع شيئا من عقار بيت المال حال وضع يده عليه ثم رجعت في بيت المال، هل يحكم برد الثمن؟
فأجاب: نعم، لأن البيع غير صحيح.
سئل بعضهم: عن بيع فضل الماء؟
فأجاب: الذي اطلعت عليه من الكلام على مسألة بيع فضل الماء، لا يخفاك أن الأحاديث في ذلك مطلقة في الصحيحين وغيرهما، وقد فهم أئمة الحديث من ذلك العموم، كما في حديث: " الناس شركاء في ثلاث " ١ الخ، ولم يخصصوا من هذا العموم إلا ما كان منه محرزا في آنية فإنه يجوز بيعه، قياسا على جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، وهذا على مذهب من يجوز التخصيص بالقياس، وأما شراء نصف رومة من اليهودي، فقد أجاب المحققون: أن هذا كان في صدر الإسلام، وأيضا: فالماء تبع للبئر، قال في مختصر الشرح: ولا يجوز بيع كل ماء عد، كمياه العيون، ونقع، ولا ما في المعادن الجارية، ولا ما نبت في أرضه من الكلأ والشوك، وأما نفس البئر وأرض العين، فهي مملوكة والماء غير مملوك.
والوجه الآخر: يملك، وروى عن أحمد نحو ذلك،
стр. 2165
فإنه قيل له: رجل له أرض ولآخر ماء، يشتركان الزرع يكون بينهما؟ فقال: لا بأس، وكذا النابت في الأرض، فكله يخرج على الروايتين في الماء، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن قوم بينهم نهر، فشرب منه أرضوهم، لهذا يوم ولهذا يومان، فيتفقون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا أحتاج إليه، أُكْرِيه بدارهم؟ قال: ما أدري، أما النبي ﷺ فقد نهى عن بيع الماء، فقيل له: إنما نكريه، فقال: إنما احتالوا بهذا ليحبسوه، فأي شيء هذا إلا البيع؟، انتهى يؤيده ما روى أبو عبيد: أنه ﷺ " نهى عن بيع فضل الماء إلا ما يحمل منه " ١.
وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد، عن بيع النهر؟
فأجاب: جواز بيعه مبني على ملك الماء وعدمه، والصحيح أن الماء يملك بالعمل فيه، لا نفس النقع، فإنه لا يملك إذا لم يكن نبع في ملكه، والعمل هو احتفار السواقي وإصلاحها، وبعث الآبار وعمارتها، فبهذا تكون مملوكة، ونحن نذكر لك كلام صاحب الشرح، قال: أما الأنهار النابعة في غير ملك، كالأنهار الكبار فلا تملك بحال، ولا يجوز بيعها، ولو دخل إلى أرض رجل لم يملكه بذلك، كالطير يدخل في أرضه، ولكل واحد أخذه ويملكه، إلا لأن يحفر منه ساقية، فيكون أحق بها من غيره، وأما ما ينبع في ملكه، كالبئر والعين المستنبطة، فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض، والماء الذي فيها غير مملوك في ظاهر
стр. 2166
المذهب، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
والوجه الآخر: يملك، لأنه نماء الملك، وقد روي عن أحمد نحو ذلك، فإنه قيل له: في رجل له أرض، ولآخر ماء، يشترك صاحب الماء وصاحب الأرض الزرع، يكون بينهما، فقال: لا بأس، اختاره أبو بكر، وهذا يدل من قوله: على أن الماء مملوك لصاحبه، وجواز بيع ذلك مبني على ملكه، قال أحمد: لا يعجبني بيع الماء البتة، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأل عن قوم بينهم نهر، فشرب منه أرضوهم، لهذا يوم ولهذا يومان، فيتفقون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا أحتاج إليه، أكريه بدارهم؟ قال: ما أدري، أما النبي ﷺ وسلم فنهى عن بيع الماء، قيل له: إنه ليس يبيعه إنما يكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ليحبسوه، فأي شيء هذا إلا البيع؟!.
وروى الأثرم بإسناده عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: " المسلمون شركاء في ثلاث، الكلأ والنار والماء " ١ فإن قلنا يملك جاز بيعه، وإن قلنا لا يملك، فصاحب الأرض أحق به من غيره، لكونه في ملكه، والخلاف في بيع ذلك إنما هو قبل حيازته، فأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله أو يحرزه في رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك بغير خلاف بين أهل العلم، وليس لأحد أن يشرب منه، ولا يأخذ ولا يتوضأ إلا بإذن مالكه لأنه ملكه، قال أحمد: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في
стр. 2167
قراره، ويجوز بيع البئر نفسها والعين، ومشتريها أحق بمائها.
ثم ذكر حديث بئر رومة، وقال بعد ذكره: وفي هذا دليل على صحة بيعها وتسبيلها، وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها بالمهايأة، وكون مالكها أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق، وليس بمملوك ملك مياه الأمطار، فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار يجمع فيها ونحوها من البرك وغيرها، فالأولى أن يملك ماؤها ويصح بيعه، لأنه مباح حصل بشيء معد له، فملكه كالصيد يحصل في شبكته، والسمك في بركة معدة له ولا يحل أخذ شيء منه بغير إذن مالكه، وكذلك إن أجرى من نهر غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقر الماء فيها لا يخرج منها، فحكمه حكم مياه الأمطار تجتمع في البركة قياسا عليه، انتهى ملخصا، وقد عرفت ما قدمناه.
وسئل الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، عمن عنده فضل ماء، وإلى جنبه من هو محتاج إليه هل يجوز بذل ذلك الفضل، بجزء مما يخرج من الزرع الذي بجواره، أو بدراهم معلومة، أو آصع معلومة؟
فأجاب: أما فضل الماء، فالسنة واضحة في المنع من بيعه، ووجوب بذله مجانا، لكن ذكر العلامة ابن القيم ﵀: إمكان التحيل على المعاوضة عنه بحيلة جائزة.
قال رحمه الله تعالى: المثال الثامن والثلاثون، إذا استنبط في ملكه، أو أرض استأجرها عين ماء ملكه، ولم
стр. 2168
يملك بيعه لمن يسوقه إلى أرضه، أو يسقي بها بهائمه، بل يكون أولى به من كل أحد، وما فضل منه لزمه بذله لبهائم غيره وزرعه، فالحيلة على جواز المعاوضة: أن يبيعه نصف العين، أو ثلثها، أو يؤجره ذلك، فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعا لملك العين أو لمنفعتها، ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء تبعا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يفرد وحده، انتهى، فلا بد فيما ذكره من بيع جزء من البئر مثلا، أو إجارته، وشروط البيع والإجارة غير خافية عليك.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد ﵏، هل يملك المفلا ١ الخ؟
فأجاب: المفلا لا يملك ولو بالشراء.
سئل الشيخ: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ﵏، عما جلب في أسواق المسلمين من الجلاء ... الخ؟
فأجاب: وأما ما جلب في أسواق المسلمين من الجلاء إذا كان فيها من يصيد من المسلمين وغيرهم، يحتمل أن يكون الصائد له مسلما، فمن قال: إن الأصل فيما دخل أسواق المسلمين الإباحة، أجازه، ومن جعل الأصل
стр. 2169
استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، أبقى الصيد على أصله في التحريم، حتى ينقله ناقل.
قال ابن القيم ﵀: وقد دلنا الشارع على تعليق الحكم به- يعني بالوصف- في قوله في الصيد "وإن وجدته غرقا فلا تأكله، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك " ١ وقال في الكلاب: "ولا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره " ٢ لما كان الأصل في الذبائح التحريم، ونشك هل وجد الشرط المبيح أم لا؟ بقى الصيد على أصله، انتهى، إذا تبين هذا، فالأحوط: اجتناب ما يتطرق إليه الاحتمال الذي صورنا، حتى يتحقق أن الصائد مسلم، على ما قرره ابن القيم ﵀.
سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين، عن فرس شريت بمال حرام وحلال، هل يصح الشراء ... الخ؟.
فأجاب: وأما الفرس التي شريت بمال حرام وحلال، إن اشتراها بعين المال الحرام المخلوط بالحلال، لم يصح الشراء، وإن اشتراها في ذمته، ثم نقد ذلك الثمن صح البيع، وعليه إثم الحرام، ووجب عليه رد نظيره إلى صاحبه، فعلى القول بعدم صحة البيع، فولدها وولد ولدها على فذلك، وعلى القول بالصحة، فالجميع ملكه.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀، عمن باع ما لم يره..... إلخ؟
стр. 2170
فأجاب: ومن باع ما لم يره ثبت له خيار الرؤية، إذا كان ما استوفى صفات البيع.
وقال الشيخ: حسن بن حسين بن علي: أهل العلم ذكروا أن البيع بالصفة ينقسم إلى قسمين، موصوف معين، وموصوف في الذمة، فالأول كأن يقول: بعتك عبدي التركي، أو من أمتعتي التي في ظروفها، أو تمري الذي على رؤوس النخل، ويصفه له بما يميزه، فهذا لا يشترط فيه قبض ثمن ولا مثمن، ويصح أن يكون ثمنه دينا كالحاضر،
والثاني: يشترط فيه قبض الثمن أو المثمن بالمجلس، فلا يصح أن يكون ثمنه دينا، كأن يقول: بعتك عبدا تركيا أو ثمرا من ذمتي ويصفهما، هذا ما ظهر من كلامهم.
وسئل: عمن اشترى طعاما لم يره، ولم يوصف له ... إلخ؟
فأجاب: إذا اشترى من ذمته زادا لم يره، ولم يوصف له، بثمن مؤجل، لم يلزمه العقد، وليس بصحيح، وهو من بيع الدين بالدين، وإن كان رأى الزاد، أو وصفه له، انعقد فيما إذا رأى الزاد، وأما الموصوف، فإن كان موصوفا معينا انعقد أيضا وإن كان في الذمة لم يصح، ولم ينعقد إلا بقبض الثمن في المجلس قبل التفرق.
سئل الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق: إذا باع رجل جملا، واشترط حملانه إلى موضع معين، هل يصح؟ وإذا تلف هل ضمانه على المشتري أو البائع؟
стр. 2171
فأجاب: إذا باع الجمل واشترط حملانه إلى موضع معين، صح الشرط، كما دل عليه حديث جابر، فإن تلف في يد البائع، فضمانه على المشتري، وليس على البائع ضمان، لأنه أمانة في يده، إن تلف بغير تعد منه فلا ضمان عليه، ثم بعد أن كتبنا هذا الجواب: عثرت على كلام لابن القيم ﵀ في هذه المسألة، وقرر: أن ضمان البعير في هذه الصورة على البائع، وعلل بأن قبض المشتري والحالة هذه غير تام، فليراجع كلام ابن القيم ﵀، وهو في كتاب الإعلام في آخره.
وأجاب الشيخ: عبد الله بن عبد العزيز العنقري: أما البيع بالصفة، فالبيع صحيح، ولو تلف قبل القبض كان من ضمان البائع، لكن للمشتري الخيار إذا بان بخلاف ما وصف له.
سئل الشيخ: سليمان بن الشيخ عبد الله بن محمد، ﵏: إذا اشترى رجل من شخص ناقة بصفة، وتركها مع البائع ثم نتجت بنتاج منفصل، هل النتاج للبائع في مقابلة الضمان أم لا؟
فأجاب: إن كان المشتري قد قبضها ثم تركها مع البائع، فيد البائع يد أمانة لا ضمان عليه فيها، فيكون النتاج للمشتري لذلك، وإن كان البائع لم يمكنه من القبض، لأنه لم يعطه الثمن ونحو ذلك، فالنماء للبائع في مقابلة ضمانه، إذ لو
стр. 2172
تلفت في هذه الحال لانفسخ فيها العقد، هذا فيما إذا كانت معينة، كما هو ظاهر السؤال، والله أعلم.
سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏: عن بيع التمر بظروفه.
فأجاب: قال في المنتهى وشرحه: ويصح بيع ما بوعاء، كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة، كل رطل بكذا، أي: سواء علما مبلغ الوعاء أو ما به أو لا، لرضاه بشراء الظروف كل رطل بكذا، كالذي فيه، ويصح ما بوعاء دونه، أي: الوعاء، مع الاحتساب بزنته، أي الوعاء على اشتراط، إن علما حال العقد مبلغ كل منهما وزنا، لأنه إذا علم أن ما بالوعاء عشرة أرطال، وأن الوعاء رطلان، واشترى كذلك كل رطل بدرهم، صار كأنه اشترى العشرة التي بالوعاء باثني عشر درهما، فإن لم يعلما مبلغ كل منهما لم يصح البيع، لأدائه إلى جهالة الثمن، انتهى، فتأمله فإنه صريح في المسألة، وافهم الفرق بين الصورتين.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، إذا باع رجل شقصا، واستثنى سهما معلوما من غلة الشقص مدة ... إلخ؟
فأجاب: لا يصح هذا الاستثناء، فإن استثناء الغلة مدة سنين، لا أعلم أحدا قال بجوازه من العلماء، وإنما إلخلاف بينهم فيما إذا باع نخلا لم يؤبر، واستثنى البائع غلته الموجودة تلك السنة، فمالك ﵀، قال: لا يجوز، والحنابلة
стр. 2173
يقولون: بالجواز، وعللوا ذلك بأنه بيع حال العقد، فصح استثناؤه كغيره من العين المبيعة، وأما استثناء الغلة مدة سنين معلومة، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه " نهى عن الثنيا إلا أن تعلم " ١ بل منع كثير من الفقهاء استثناء الحمل، الذي في بطن الدابة أو الأمة مع كونه موجودا حالة العقد، كما هو المشهور في المذهب، فإذا كان هذا كلامهم في الموجود حالة العقد، فما ظنك بالمعدوم.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن اشترى فرسا، واستثنى شيئا لم يخلق؟.
فأجاب: من باع فرسا واستثنى شيئا لم يخلق، فهذه ثنيا باطلة، للحديث: " نهى عن الثنيا إلا أن تعلم " ٢.
وأجاب أيضا: وأما بيع الخيل بالمثاني فهو حرام، لا تجوز الشهادة عليه، ولا الكتابة بينهم.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عمن اشترى عضوا من الذبيحة قبل الذبح؟
فأجاب: العضو إذا اشتري من الذبيحة فهو غرر، هذا إذا كان قبل الذبح.
وأجاب: الشيخ عبد الله العنقري: والذي يبيع حيوانا مما يؤكل ويستثنى منه عضوا، فهذا لا يجوز، فإن كان المستثنى رأسا أو جلدا أو سواقط، أو يكون المستثنى سهما
стр. 2174
مشاعا، كالربع ونحوه، فلا بأس بذلك.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل يجوز بيع ما هو مستتر في الأرض، كالبصل ونحوه؟
فأجاب: المسألة فيها روايتين وجزم الشيخ بالجواز.
قال الشيخ: عبد الله أبا بطين: ومن بيع الغرر بيع اللبن في الضرع، نحو أن يشتري من حليبها أسبوعا أو شهرا، ونحو ذلك.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن البيع بما ينقطع به السعر.... إلخ؟
فأجاب: الرجل الذي باع على ما ينقطع به سعر فلان، فالشيخ يصححه، وغالب العلماء ما يصححونه.
سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر: عن بيع الصبرة فيها كذا وكذا بالدراهم، هل يجوز؟
فأجاب: لا يجوز، واحتجوا بما روى الأثرم بإسناده عن الحكم، قال: "قدم طعام لعثمان ﵁ على عهد رسول الله ﷺ فقال اذهبوا إلى عثمان نعينه على طعامه فقال عثمان: إن في هذه الغرارة كذا وكذا، وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ إذا سميت الكيل فكل " واحتج به أحمد، فعلى هذا إذا أعلمه بالكيل والوزن، ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن زاد أو نقص لم يجز.
وسئل بعضهم: عن بيع الصبرة جزافا ... إلخ؟
стр. 2175
فأجاب: يجوز ويصح، قال ابن أبي عمر: لا نعلم فيه خلافا، لقول ابن عمر "كنا نشتري الطعام جزافا" قال ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا، وقال مالك: لا يصح في الأثمان، لأن لها خطرا، ولا يشق وزنها ولا عددها، وإن كان البائع يعلم قدر الصبرة لم يجز بيعها جزافا، وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد، وبه قال مالك وإسحاق، وقال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، ولم ير الشافعي بذلك بأسا، لأنه إذا جاز مع جهلهما فمع العلم من أحدهما أولى، وروى الأوزاعي " أنه ﷺ قال: من عرف مبلغ شيء، فلا يبعه جزافا حتى يبينه " قال القاضي وأصحابه: هذا بمنْزلة التدليس، إن علم به المشتري فلا خيار له، انتهى.
وأجاب الشيخ: حمد بن عبد العزيز، وأما كون البائع قبض تمره، وآواه إلى منْزله، ثم باعه، يشاهده المشتري، بثمن معلوم، فهذا يدخل في بيع الصبرة، وهو جائز، ولا يخرجه عن بيع الصبرة كونهما يعلمان وزنه الأول، أو كونهما اتفقا على إسقاط وزان عن نقصه، كل ذلك لا يخرجه عن كونه صبرة مشاهدة، بيعت بثمن معلوم، وذلك جائز عند الفقهاء، انتهى.
قال الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: وأما الذي قال أنا أعطيك بعشرة هذه الزرور، التي في ذمة هذا الرجل عشرة آصع، فلا يجوز هذا، لأنه غرر.
سئل بعضهم: عمن قال لمن اشترى سلعة بعشرة، أنا أعطيك مثلها بتسعة ... إلخ؟