سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب: عن ضمان المكيل والموزون، إذا لم يقبضه.
فأجاب: وأما الشيء المشترى إذا لم يقبض، إذا كان مكيلا أو موزونا، فضمانه على البائع.
وأجاب أيضا: وإذا تلفت المواشي قبل التمكن من القبض، فمن ضمان البائع، وإن تلفت بعد التمكن، فمن ضمان المشتري، وأما الصبرة إذا كان المشتري متمكنا من القبض، فإنها تصير من ضمان المشتري.
الإقالة
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: هل الإقالة تجوز بأقل من الثمن، أم لا تجوز إلا بمثله؟
فأجاب: لا تجوز إلا بمثل الثمن، عند كثير من أهل العلم.
وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن الإقالة في غير السلم بأكثر من رأس المال؟
فأجاب: لا تصح مع زيادة على ثمن معقود به، أو مع نقصه أو بغير جنسه، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر على ما كان عليه، ورجوع كل منهما إلى ماله، فلو قال: ولك كذا ففعل، فكرهه أحمد لشبهه بمسائل العينة، لأن السلعة ترجع إلى صاحبها، ويبقى له على المشترى فضل دراهم.
قال ابن رجب: لكن محذور الربا هنا بعيد، انتهى من المنتهى وشرحه.
стр. 2242
ولا فرق فيما قبل القبض أو بعده، حتى في مكيل أو موزون، لكونها فسخا على المشهور المختار للأصحاب، لإجماع العلماء، كما حكاه ابن المنذر على جوازها في السلم، مع النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
وسئل الشيخ سعيد بن حجي: هل الإقالة لها خيار مجلس؟
فأجاب: ليس لها خيار مجلس، لأنها ليست بيعا ولا بمعناه، وإنما هي فسخ للعقد من أصله، فليس فيها خيار مجلس، وتجوز الإقالة في دين السلم، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم، لأنها فسخ للعقد إذا قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة، هذا المختار عند الموفق والشارح وصاحب المبدع وغيرهم، يعني قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن قولهم: ومؤنة رد مبيع تقايلاه على بائع؟
فأجاب: وأما ما ذكره الفقهاء من أن مؤنة رد مبيع تقايلاه على بائع، فهو المشهور.
стр. 2243
باب الربا
قال الشيخ حسين وإبراهيم وعبد الله وعلي، أبناء الشيخ محمد ﵏، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٦] والنبي ﷺ " لعن آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه " ١.
وأجاب: أيضا عبد الله بن الشيخ، المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقد " لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، والمحلل والمحلل له " ٢ قال الترمذي حديث صحيح، فالاثنان ملعونان; وكان أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل، قال له: أتقضي أم تربى؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال والأصل واحد.
وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين، وأما إذا كان هذا هو المقصود، ولكن توسلوا بمعاملة أخرى، فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين، وأما الصحابة فلم يكن منهم نزاع
стр. 2244
في أن هذا محرم، فإن الأعمال بالنيات والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة، والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهذا موجود في المعاملات الربوية.
وإذا حل الدين وكان الغريم معسرا، لم يجز بإجماع المسلمين أن يلزم بقلب، لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره، وإن كان موسرا كان عليه الوفاء، فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره، ولا مع إعساره، والواجب على ولاة الأمور: تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية، بأن يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال، ويسقط الزيادة الربوية، فإن كان معسرا وله مغلات يوفي منها، وفى دينه منها بحسب الإمكان.
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: اعلم وفقنا الله وإياك، أن الله تعالى نهى عباده عن أكل الربا، وأنزل بتحريمه القرآن المجيد، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] وزجر عنه عباده بضروب من التحذير والتهديد والوعيد الشديد، فقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] قال ابن عباس في معنى
стр. 2245
الآية: " آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق " رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] قال البخاري ﵀ في صحيحه: قال ابن عباس: "هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ " وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠] الآية، إلى غير ذلك من الآيات المحكمات.
وقد جاءت السنة الصحيحة بالزجر عنه والتحذير، وإيضاح ما أجمل منه بالبيان والتفسير، عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " ١ رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والنسائي.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء" ٢ رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب، قال قال رسول الله ﷺ " رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر
стр. 2246
رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج، رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت ما هذا؟ فقال الذي رأيته في النهر: آكل الربا " ١ رواه البخاري في صحيحه، وعن ابن عباس ﵄، قال "نهى رسول الله ﷺ أن نشتري الثمرة حتى تطعم " ٢ وقال: " إذا ظهر الزنى والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ; وفي حديث الإسراء: " أن رسول الله ﷺ مر ليلتئذ، بأقوام لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم؟ فقيل هؤلاء أكلة الربا " ٣ رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا قال قيل له: الناس كلهم؟ قال: من لم يأكله منهم ناله من غباره " ٤ رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " الربا ثلاثة وسبعون بابا " ٥ رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه، وزاد " أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " ٦ وقال على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ; ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود موقوفا، قال: "الربا بضع وسبعون بابا، والشرك نحو ذلك" ورواه أيضا عن أبي هريرة موقوفا قال: " الربا سبعون حوبا أدناهن مثل ما يقع الرجل على أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه " ٧ وروي أيضا عن
стр. 2247
أبي هريرة مرفوعا قال: " ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحل أم بحرام " ١ ورواه البخاري ولفظه: " لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام " ٢.
وعن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله ﷺ " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض; ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز " ٣ رواه مالك والبخاري، والنسائي.
وللبخاري: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطى فيه سواء " ٤ وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄: أن أبا سعيد حدثه مثل ذلك، حديثا عن رسول الله ﷺ فلقيه عبد الله بن عمر، فقال يا أبا سعيد: ما هذا الذي تحدث عن رسول الله ﷺ فقال أبو سعيد في "الصرف" سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب مثلا بمثل، والورق بالورق مثلا بمثل " ٥ رواه البخاري.
وقال محمد بن نصر المروزي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا روح بن عبادة، حدثنا حبان بن عبد الله العدوي، وكان ثقة قال: سألت أبا مجلز عن "الصرف" فقال: "كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا، ما كان منه يدا بيد، فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: إلى متى؟ ألا
стр. 2248
تتقي الله، حتى متى توكل الناس الربا؟ أما بلغك: أن رسول الله ﷺ قال:- وهو عند زوجته أم سلمة- إني لأشتهي تمر عجوة فبعث بصاعين، فأتي بصاع عجوة، فقال. من أين لكم هذا؟ فأخبروه، فقال: ردوه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فما زاد فهو ربا ثم قال: وكذلك ما يكال أو يوزن أيضا فقال ابن عباس: جزاك الله الخير يا أبا سعيد، ذكرتني أمرا كنت نسيته، فاستغفر الله وأتوب إليه" قال: فكان ينهى عنه بعد، قال روح، وكان حبان رجل صدق.
ربا الفضل والبيوع الربوية
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: " سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءا بسواء، عينا بعين " ١ رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة، وزنا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى " ٢ رواه مسلم والنسائي
وعن أبي بكرة ﵁ قال " نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا " ٣ رواه البخاري، والنسائي،
وله في رواية: " نهانا رسول الله ﷺ أن نبيع الفضة بالفضة، إلا عينا بعين، سواء بسواء، ولا نبيع
стр. 2249
الذهب بالذهب، إلا عينا بعين سواء بسواء " ١.
وعن مجاهد أنه قال: "كنت مع عبد الله بن عمر، فجاءه صائغ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم" رواه مالك والنسائي.
وعن سعيد بن المسيب، عن بلال قال: " كان عندي تمر دون، فابتعت به من السوق تمرا أجود منه بنصف كيله، فقدمت إلى رسول الله ﷺ فقال: ما رأيت كاليوم تمرا أجود منه، من أين لك هذا يا بلال؟ " قال فحدثته بما صنعت، فقال: انطلق فرده إلى صاحبه، وخذ تمرك، فبعه بحنطة أو شعير، اشتر به من هذا التمر قال ففعلت، ثم أتيته به، ثم قال رسول الله ﷺ التمر بالتمر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والذهب بالذهب وزنا بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، فما كان من فضل فهو ربا " رواه الإمام محمد بن نصر المرزوي.
стр. 2250
فتضمنت هذه النصوص: تحريم بيع الجنس من هذه الأجناس الستة ونحوها بجنسه، ما لم تعلم مساواته للآخر، وفرق النبي ﷺ بين الحلال والحرام، بقوله: " مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء، وزنا بوزن، عينا بعين " ١ وأكد ذلك بقوله: " فما كان من فضل فهو ربا " وبقوله: " فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء " ٢ فليس فوق هذا البيان بيان.
وبهذا يعلم: أن الصور في بيع الجنس الربوي، ثلاث صور، صورة منها تحل، وهي: ما إذا علم بالتماثل، وحصل التقابض في المجلس، وصورتان لا تحلان، وهما: إذا جهل التماثل، أو علم التفاضل، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة، وبه صرح العلماء رحمهم الله تعالى،
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: وافترض رسول الله ﷺ أن لا يباع الذهب، أو الفضة بشيء من نوعه، إلا عينا بعين، وزنا بوزن، وأن لا يباع شيء من الأصناف الأربعة، بشيء من نوعه، إلا كيلا بكيل، وعينا بعين، فإذا بان في أحد الأنواع المذكورة خلط شيء مضافا إليه، فلا سبيل إلى بيعه بشيء من نوعه، عينا بعين، ولا كيلا بكيل، ولا وزنا بوزن، لأنه لا يقدر على ذلك أصلا، انتهى.
وقال العماد بن كثير ﵀، في تفسيره: قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، انتهى، وهذا الذي حكاه العماد ﵀ عن الفقهاء ﵏، يكفينا عن
стр. 2251
تتبع أقوالهم، قال في الشرح الكبير: وأما ربا الفضل، فيحرم في مكيل أو موزون بيع بجنسه، وإن كان يسيرا وإن لم يأت فيه الكيل أو الوزن، إما لقلته كالحبة والحفنة، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو لكثرته كالصبرة العظيمة،
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ذلك لا يجوز، إذا كان من جنس واحد، وفي الكافي وغيره الربا: في كل ما كان جنسه مكيلا أو موزونا، وإن تعذر الكيل فيه والوزن، إما لقلته كالتمرة والقبضة، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، وإما لعظمته كالزبرة العظيمة، وإما للعادة كلحم الطير، لأنه من جنس فيه الربا.
وفي المنتهى: يحرم ربا فضل في كل مكيل أو موزون بجنسه وإن قل، كتمرة بتمرة، قال المحشي: قوله: وإن قل، لعدم العلم بالتساوي، انتهى،
وفي الكافي: وما جرى الربا فيه اعتبرت فيه المماثلة، في المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا، لقول النبي ﷺ " الذهب بالذهب وزنا بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، والبر بالبر كيلا بكيل، والشعير بالشعير كيلا بكيل " رواه الأثرم، قال: ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه، كحنطة فيها شعير وزوان، بخالصة، أو غير خالصة، ولبن مشوب بخالص أو مشوب، أو عسل بشمعه بمثله، إلا أن يكون الخلط يسيرا لا وقع له، كيسير التراب ; و"الزوان" الذي لا يظهر في المكيل، ولا يمكن التحرز منه.
стр. 2252
وقال بعضهم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، وفقنا الله وإياهم، اتباع الحق المبين، والتمسك بسنة سيد المرسلين ; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ وبعد: فاعلموا أن الله تعالى حرم على عباده الربا في المعاملات، وأخبر النبي ﷺ أنه من السبع الموبقات، وقد قال تعالى في كتابه العزيز، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] .
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] أي: أنه يكون يوم القيامة كالمجنون ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
стр. 2253
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠-١٣٢] .
فتدبروا ما في هذه الآيات من الوعيد الشديد.
وفي الحديث: " لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه " ١ وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، بحلال أم بحرام " ٢ وعنه قال ﷺ " الربا سبعون حوبا، أدناهن مثل ما يقع الرجل على أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه " ٣ وعن عبد الله بن مسعود قال: " الربا بضع وسبعون بابا، والشرك نحو ذلك " وقد روي هذا عن ابن مسعود من طرق، وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الذهب بالذهب ربا إلا ها وها، والبر بالبر ربا إلا ها وها، والتمر بالتمر ربا إلا ها وها، والشعير بالشعير ربا إلا ها وها " ٤ أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: وهو عند زوجته أم سلمة " إني لأشتهي تمر عجوة فأتي بصاع عجوة، فقال: من أين لكم هذا؟ فأخبروه فقال ردوه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل ثم قال وكذا ما يكال ويوزن أيضا ".
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا
стр. 2254
بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد " ١.
رواه مسلم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا " ٢ رواه مسلم.
وعن فضالة بن عبيد، قال: " اشتريت يوم خيبر قلادة بإثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل " ٣ رواه مسلم وأبو داود.
وعنه أيضا قال: " أتي النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز معلقة بذهب، ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال النبي ﷺ لا حتى تميز بينه وبينه فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ لا حتى تميز بينهما " ٤ رواه أبو داود.
وأنتم اليوم: وقعتم فيما نهيتم عنه، من ذلك: يباع السيف المحلى بالفضة بريالات ولا يحصل تمييز الفضة من غيرها، فلا يحصل تساو في الفضة، ولا يدا بيد; وقد بين النبي ﷺ في هذه الأحاديث: أنه لا بد من التماثل والتقابض، فإذا لم يحصل ذلك، فهو الربا الذي حرمه الله ورسوله، فتدبروا ما في حديث فضالة، من قول المشتري: إنما أردت الحجارة، فقال ﷺ " لا حتى تميز بينهما " وقد جاءتكم الموعظة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بالنهي عن ذلك،
стр. 2255
فانتهوا عما حرمه الله عليكم، فإن فيما أحل الله لكم غنى عما حرم عليكم، فإن البركة في الحلال، وفي السلامة من الوعيد والوبال، فإياكم والتعرض لسخط الله.
فإذا اشترى أحدكم سيفا أو غيره مما فيه من الفضة، فافصلوا الفضة واقبضوا عوضها في مجلس العقد يدا بيد، فإن كانت بريالات وفضتها فضة الريال، فبيعوها وزنا بوزن وإلا فبيعوها بغير الفضة يدا بيد، فإن في ذلك السلامة من اللعنة والنار، ومحق البركة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٠] وكونوا من معاصي الله على حذر، فإن للمعاصي عقوبات عاجلا وآجلا، أجارنا الله وإياكم من المعاصي وعقوباتها، ووفقنا وإياكم لتقوى الله، والعمل بما يحبه ويرضاه.
أكل الربا وتأكيله والشهادة عليه وكتابته
وقال الشيخ: عبد الله أبا بطين، وأما أكل الربا وتأكيله، والشهادة عليه وكتابته، فإنما يستحق هؤلاء الثلاثة اللعن إذا علموا به، كما في الحديث.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀: ومن أعظم الكبائر التي تمحق البركات، ويسعى بها صاحبها في حرب الله تعالى، المعاملات الربوية، وقد فشت وكثرت في الناس، وأكثر من غرهم بعض المنتسبين عياذا بالله، وقد شدد ﷺ في الربا وغلظ فيه، وبين شعبه وأنواعه، وألحق
стр. 2256
وسائله بأصوله في التحريم، قال ﷺ " الربا سبعون بابا أسهلها مثل من يأتي أمه علانية "
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عن الربا يختص في المطعومات؟.
فأجاب: مذهب الشيخ وابن القيم: أن الربا يختص في المكيل والموزون بالمطعوم، والذي قال: أنا أعطيك عن ثلاثين هذا الحمر، التي في ذمة هذا الرجل الغائب عشرين زرا، فهذا عين الربا، كيف يشكل هذا عليك؟ وقد اجتمع فيه ربا النسيئة وربا الفضل جميعا.
سئل ابنه: الشيخ عبد الله: عن بيع جنس بجنسه؟.
فأجاب: وأما بيع الحب بحب مثله متفاضلا. فلا يجوز ; وأما إذا كان من جنسين، كشعير بحب، وحب بشعير، فإنه يجوز التفاضل فيه، ولا يجوز بيع بعض ببعض في الذهب والفضة والمطعومات، إلا بشرط التقابض في المجلس، كما في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مِثلا بمثل، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " ١ والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون أنه يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل، وباقي الأصناف المذكورة في الحديث كذلك، فإذا اختلفت الأجناس، فلا
стр. 2257
بأس أن يباع بعضها ببعض متفاضلا، بشرط التقابض في المجلس.
وأجاب أيضا: وأما بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، فلا يجوز إلا سواء بسواء، يدا بيد، إلا إذا اختلفت الأجناس، فيجوز الزيادة لكن يدا بيد.
وأجاب الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر: هذه المسألة اختلف فيها كثير من العلماء، يقولون إن العلة في الذهب والفضة، كونها موزونتي جنس، فيطردون العلة في كل موزون من جنس واحد، فلا يجوز بيع الصفر بالصفر، والرصاص بالرصاص، والنحاس بالنحاس، والحديد بالحديد; وكذلك الأصناف الأربعة: البر والشعير، والتمر والملح، المنصوص عليها في حديث عبادة، المخرج في صحيح مسلم، والذهب والفضة، يقولون: العلة في البر والشعير، والتمر والملح "الطعم والكيل" فيطردون في كل مكيل مطعوم.
وأما المطعوم الذي لا يكال ولا يوزن، كالمعدودات كالبطيخ، والرمان، وكالبعير والفرس، وما جرى هذا المجرى، فيجوز التفاضل في ذلك، إذا كان يدا بيد، ولا يجوز بيع ذلك بعضه ببعض نسأ، هذا قول أكثر العلماء، وعليه الفتوى عندنا، واستدلوا على ذلك، بما روى الإمام أحمد في المسند: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبيعوا الدينار، بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع
стр. 2258
بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء " ١.
وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، الرجل يبيع الفرس، بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال "لا بأس إذا كان يدا بيد " ٢.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما الأصناف الستة الربوية المذكورة، فلا يجوز بيع واحد منها بجنسه، إلا مثلا بمثل يدا بيد، وأما بيعه بغير جنسه، فيجوز التفاضل فيه، بشرط التقابض في مجلس العقد.
وسئل: عن بيع الشاة بالشاة، وبيع اللبن في الشاة ... إلخ؟.
فأجاب: وأما بيع اللبن في الشاة على هذه الصورة، فكثير من العلماء يمنعه، وأباحه بعضهم، وبيع الشاة بالشاة فلا بأس به.
وسئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ: عن بيع اللحم بالشحم، أو عكسه؟.
فأجاب: اللحم والشحم أجناس، فمن الأصحاب من جوز بعضه ببعض متفاضلا، وقال القاضي هما جنس واحد، لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن بيع التين متفاضلا؟.
فأجاب: بيع التين متفاضلا، لا يجوزه الشيخ وابن القيم.
стр. 2259
سئل الإمام: عبد العزيز بن محمد بن سعود عن الربا، هل هو في الستة الأنواع المنصوص عليها؟ أم ليس هو إلا في النسيئة؟.
فأجاب: الذي ثبت عن رسول الله ﷺ واتفقت عليه الأمة، هو: ربا النسيئة في الأنواع الستة، التي في حديث عبادة: " البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والملح بالملح " ١.
وأما ربا الفضل مع عدم النسيئة، فالذي عليه كثير الأمة: تحريمه; ودليلهم عليه أحاديث كثيرة مشهورة، في الصحيحين وغيرهما، وخالف في ذلك ابن عباس ﵄، ثم قيل إنه رجع عن ذلك، لما ناظره أبو سعيد الخدري، وغيره من الصحابة.
وأما من باع متاعا بأكثر من سعر يومه، لأجل النسيئة مع اضطرار المشتري إليه، هل يحل أم لا؟ فهذه المسألة تسمى "بيع المضطر" وهي جائزة عند أكثر العلماء، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] فإن كان المشتري متورقا، فمسألة "التورق" اختلف العلماء فيها، وجمهورهم على جوازها، ومنعها عمر بن عبد العزيز، وبعض التابعين، وأحمد في رواية عنه.
стр. 2260
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن بيع النوى بحب، أو تمر؟.
فأجاب: أما بيع النوى بتمر فيه نوى، ففيه روايتان: إحداهما- وهو المذهب- يجوز، قال في الإنصاف: صححه في التصحيح وغيره واختاره ابن حامد، وابن أبي موسى، والقاضي وغيرهم، قال في الشرح: وعلى القول بالجواز: يجوز متفاضلا ومتساويا، وعلى الرواية الأخرى لا يجوز; وأما بيع النوى بالمكيل من غير جنسه نسيئة فيجرى على الخلاف في علة الربا، فعلى القول: بأن العلة الكيل والوزن، على المشهور في مذهب الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة، فلا يجوز ذلك، وعلى القول الثاني: أن علة الربا الطعم، وفي الذهب والفضة الثمينة، يجوز بيع النوى بكل مكيل وموزون وغيره، لأن النوى ليس من طعام الآدمي.
والقول: بأن العلة الطعم مع الكيل والوزن، اختارها الموفق، والشيخ تقي الدين، ومالك خص الربا بالقوت وما يصلحه، ورجحه ابن القيم ﵀، فعلى هذين القولين أيضا: يجوز بيع النوى بغيره نسيئة، لعدم وجود العلة فيه، فيمتنع على القول الأول، ويجوز على ما بعده من الأقوال.
стр. 2261
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: عن معنى مد عجوة؟.
فأجاب: هو جنس يباع بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، كدرهم ومدين، أو بمد ودرهم، وظاهر المذهب أن ذلك لا يجوز، نص عليه أحمد في مواضع كثيرة، وقيل: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه.
وأجاب الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: ومن صورها مد ودرهم، بدرهمين، فالجمهور من الفقهاء قالوا بعدم الجواز، بناء على أن جملة المد والدرهم في مقابلة الدرهمين، فلم يتميز ما يقابل الدرهم من جميع الدرهمين، ولا ما يقابل المد، وإنما الجملة قابلت الجملة، فلا تحصل المماثلة بين الجنس الذي هو لغة للجمل بما يقابل كلا، وكذلك إذا وزعت الأفراد على الجمل، كما إذا اعتبر الدرهم الذي مع المد في مقابلة مجموع الجملة من الدرهمين، والمد كذلك، فلم يتميز ما يقابل الجنس من جنسه، هل هو درهم، أو أقل، أو أكثر; والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وذهب شيخ الإسلام: كأبي حنيفة، إلى الجواز، فوزعوا الأفراد على الأفراد، فصار الدرهم يقابل درهما من غير زيادة، والمد يقابل الدرهم الآخر، فحصلت المماثلة والتساوي في الجنس، وهو مشكل، والله أعلم.
стр. 2262
فصل
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: هل يجوز بيع الذهب والفضة بعرض، كالجدد وغيرها نسيئة؟.
فأجاب: لا يجوز ذلك إذا كان العرض جدد، لأنها بمنْزلة الأثمان، إذا اختلفت أجناسها، يجوز بيع بعضها ببعض ولا يجوز نسيئة، وأما العروض التي ليست بأثمان، فلا بأس بذلك، ولا أعلم في هذه المسألة نزاعا بين العلماء.
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى-: عن صرف الريال بالجدد؟.
فأجاب: ظهر لنا بعد التحري، أن في عشرين الجديدة من الفضة الخالصة، مثل ما في الريال من خالص الفضة، ورفعنا الأمر لتركي ﵀، ومنع الناس من المصارفة بأكثر أو أقل، فحصل منهم الامتثال في الظاهر دون الباطن، فدخل في الأمر ما أفسده وهو: تقطيع الريال، وسكه عشرين قطعة أو أكثر، فصار الناس يتصارفون الريال بفضة مقطعة مضروبة، فوقعوا في الربا الصريح، ببيع الفضة الخالصة بالفضة الخالصة متفاضلا. فلما صارت المفسدة أكبر نهيناهم عن ذلك، لأن المفسدة فيه أعظم، لكونه صريح الربا، وسكتنا عن الأمر الأول، وهو: المصارفة بالجدد الأولى المغشوشة، لوجهين:
الأول: أنه قد تقدم منا النهي، وصار معلوما عند الخاص
стр. 2263
والعام، وأني صنفت في ذلك مصنفا.
الوجه الثاني: أن فيه ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما، فصرنا لا نأمرهم ولا ننهاهم، وكنا سابقا قد بلغناهم، وفي تلك الحال لم يحصل امتثال.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن بيع الحديد بالنحاس، واللحم بالتمر نسيئة؟.
فأجاب: ومسألة الحديد بالنحاس، واللحم بالتمر نسيئة، ما ندري عنها، والورع تركه. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: وأما السمن بالتمر، واللحم بالتمر، والأقط بالتمر، فالذي يعمل عليه أكثر أهل العلم، أنه لا يجوز، وينهى عنه، وهو الذي نعمل عليه.
وأجاب أيضا: وأما إذا باع ذرة، ببر نسأ، فهذا لا يجوز، وهو ربا إلا إن كان يدا بيد، وأما بيع السمن بالحب مؤجلا، فلا ينبغي فعله.
وأجاب أيضا: وأما بيع الحيوان بالتمر نسأ، فلا أرى به بأسا، وأما بيع الدهن بالتمر، أو البر نسأ، فلا يجوز عند جمهور العلماء، وأجازه نفاة القياس، القائلون بقصر الربا على الأنواع الستة، المذكورة في حديث عبادة، لكن قول الجمهور أولى وأحوط، وأما إذا بيع ذلك يدا بيد فهو جائز، لقوله ﵇ فإذا اختلفت هذه الأجناس إلخ، وأما بيع الدراهم بالحب، وبيع الحب بالدراهم مؤجلا، فجائز إذا حضر أحد النوعين.
стр. 2264
وأجاب الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: أما بيع اللحم بالطعام نسيئة، فإن كان الطعام مكيلا، فهو من باب بيع الموزون بالمكيل، لأن اللحم من الموزونات، فيجوز حالاًّ مقبوضا بلا ريب، وأما إذا اشترى به مكيلا نسيئة، ففيه روايتان: إحداهما يجوز وهو المذهب، صححه في الخلاصة وغيرها، وهو الذي ذكرته عن شيخنا: الشيخ حمد بن ناصر ﵀، أنه أفتاك به، والرواية الثانية: أنه لا يجوز، قطع به الخرقي وصاحب الوجيز، وصححه في التصحيح، وهذه الرواية تجري على مذهب مالك، إذا كان كلاهما من القوت، وتجري أيضا على الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وقول الشافعي وابن المسيب أن العلة الطعم، فتأمله يظهر لك أقواهما.
وسئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: عن بيع اللحم بالحيوان ... إلخ؟
فأجاب: وأما بيع اللحم بالحيوان، فهو من مراسيل سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ وذكر الإمام أحمد حديثا مرفوعا: " لا يباع حي بميت "
واختلف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة: يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقا، ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وفي بيعه بغير جنسه خلاف، المشهور في المذهب الجواز، وأما بيعه بحيوان غير مأكول، ففيه قول بعدم الجواز، وقال الشارح ظاهر قول أصحابنا الجواز، وهو قول عامة الفقهاء.
стр. 2265
وسئل الشيخ: سعيد بن حجي: عن بيع النوى بالتمر، أو البر نسأ؟.
فأجاب: يجوز بيع النوى بالتمر، أو بالبر نسأ، لأن ما انعدم فيه الطعم فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، وذلك كالتبن والنوى والقت، والماء والطين ونحو ذلك، قاله في الشرح، فعلى هذا يجوز بيع النوى بالتمر، وبالبر ونحوهما نسأ، لأن النوى لا يدخله الربا.
وسئل: عن رجل نهى أن يبيع عشرة آصع من البر وغيره، بعشرين صاعا نسأ، فاحتال وقال: أعطيك قروشا على عشرين، واشتر بها مني على عشرة؟.
فأجاب: لا يجوز بيع الربوي بالربوي، إلا يدا بيد، فإن كان جنسا واحدا كالتمر بالتمر، والبر بالبر ونحوها، اشترط فيه المساواة والتقابض في مجلس العقد، وإن كان جنسا بجنس آخر، كالتمر بالبر ونحوهما، اشترط التقابض في المجلس، ولم تشترط المساواة، فيجوز صاع تمر بصاعي بر، ونحو ذلك بشرطه المتقدم.
وأما الحيلة المسؤول عنها: فلا تجوز، لا سيما إذا كان يعامل بالربا ثم نهى عنه، قال في الشرح: وأما الحيل فهي محرمة كلها، قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي، وقال أبو حنيفة: هي جائزة إذا لم يشترط عند العقد ولنا
стр. 2266
أن الله عذب أمة بحيلة احتالوها، وجعل ذلك ﴿نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٦٦] يتعظون بهم انتهى، وذكر في الإقناع نحوا من ذلك، وهل إذا أسلم عليه القروش. وتقابضا، واشترى منه بذلك الثمن ربويا يجوز؟ أما إذا لم يتقابضا شيئا فالبيع فاسد.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عن بيع البعير بالبعيرين نسأ؟
فأجاب: والبعير بالبعيرين إلى أجل فيه اختلاف، الأصح أنه يجوز للحاجة.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: وأما بيع الإبل بالحيوان نسيئة ففيه خلاف، ومن منعه احتج بالحديث المروي في ذلك: أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ومن أجازه احتج بالحديث الصحيح في قصة وفد هوازن: أن رسول الله ﷺ قال: " ومن لم تطب نفسه، فله بكل فريضة ست فرائض، من أول ما يفيء الله علينا " والتفريق بين ما كان معد للحم وغيره، عند مالك وغيره إنما هو في مسألة بيع اللحم بالحيوان، هل يصح ذلك أم لا؟ فمنعه مالك فيما كان معدا للحم، دون ما هو معدا للركوب وغيره.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر ﵀: بعض العلماء ذكر ذلك، وكثير منهم لا يرى بذلك بأسا، لما روي أن عليا ﵁ باع بعيرا، يقال له عصيفير، بأربعة أبعرة إلى أجل معلوم.
стр. 2267
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن بيع ثوب بثوبين نسأ؟ فأجاب: يجوز بيع ثوب بثوبين.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: إذا حل لرجل دراهم، وأراد أن يقلبها بزاد وأخرج دراهم وصحح بها وأوفاه بها؟
فأجاب: قد ذكرت لك أن هذه من الحيل الباطلة، التي أنكرها الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وأغلظوا القول فيها وأهلها، وذلك: أن عندهم لا بد من كون رأس مال السلم مقبوضا في مجلس العقد، وعندهم أن كونه دينا، أعني رأس مال السلم ربا، وهذه مسألتكم بعينها، لأنه لما اعترف بكونه ربا، أحضر من بيته عدة من الدين المقلوب وعقد به، والعاقدان والشهود ومن حضرهم، يعلمون أن المكتوب هذا الدين الحال، والتاجر يقول له، أوفنى أو اكتبها ١ والمشتري يقول: وردت له دراهم وكتبتها منه، ويفهمون أن الدراهم الحاضرة غير مقصودة، ويسمون هذا العقد التصحيح، هذا لا ينكره إلا مكابر معاند.
وحينئذ فعبارتهم: والحيل التي تحل حراما، أو تحرم حلالا، لا تجوز في شيء من الدين; وهو أن يظهرا عقدا
стр. 2268
صحيحا، ومرادهما التوصل به إلى غير صحيح، وهذه عبارة الإقناع وشرحه، فإن جادلكم أحد: أن هذه الصورة غير داخلة في ذلك، فقل له: ما صورة الحيلة المحرمة؟ فإنه لا يذكر شيئا من الصور، إلا ومسألتكم مثلها، أو أشد بطلانا; وأعجب من هذا: أن ابن القيم، ذكر في أعلام الموقعين، في صورة لو أراد أن يجعل رأس مال السلم دينارا، يوفيه إياه في وقت آخر، بأن يكون معه نصف دينار، ويريد أن يسلم إلى رجل دينارا في كر حنطة، فالحيلة: أن يسلم إليه دينارا غير معين، ثم يوفيه نصف دينار؛ وهذه الحيلة من أقبح الحيل، فإنهما توصلا إلى ذلك بالقرض، الذي جعلاه صورة مبيحة لصريح الربا، ولتأخير رأس مال السلم، وهذا غير القبض الذي جاءت به الشريعة، وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبا بحدود الله، انتهى كلامه.
فإذا كان هذا كلامهم، فيمن أراد أن يسلم إلى رجل مائة "محمدية" ١ من بيته باطنا وظاهرا، لكن لم يحضر في المجلس إلا خمسين، وكتبها عليه، ثم استقرضها وكتبها أخرى، إلى أن يخرج بالخمسين آخر النهار، أو بكرة، فكيف بكلامه في التحيل على قلب الدين، وجعله رأس مال السلم؟ ! وإذا كان هذا كلامه في أعلام الموقعين، وهم ينسبون عنه: أنه إذا أراد أن يشتري دابة بخمسين، وجاء رجل
стр. 2269
وأربحه في الخمسين خمسة، أو أكثر، قال: أنا موكلك تشتريها لي، ثم تبيعها على نفسك، وهذه الحيلة الملعونة، التي هي مغلظ الربا، أو الحيلة التي استباح بها أكثر المطاوعة إلى الآن الربا الصريح، ونسبوها إلى أعلام الموقعين، وحاشاه منها، بل هذا صفة كلامه في رأس مال السلم الحاضر، إذا تأخر قبض بعضه إلى آخر النهار، فضلا عن هذه المسألة وأمثالها، ومع هذا كله: فإن الله تعالى لا مرد لحكمه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [سورة يونس آية: ٩٦-٩٧] .
وأجاب أيضا: ورد الدين على المعسر ما يجوز، إن كان ثمن زاد أو غيره.
قلب الدين على المعسر
وقال أبناء الشيخ: حسين وإبراهيم وعبد الله وعلي ومنها: أي المعاملات الربوية، قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحا، وهو فاسد ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته، لما عجز عن استيفائه، والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه.
فعليكم بتقوى الله (واحذروا عقوبته، فإن هذه
стр. 2270
المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته، وعاقبته في الآخرة أعظم مما يعاقب به صاحبه في الدنيا، من عدم البركة فيه، فإذا حل الدين على المعسر، لم يجز لغريمه التحيل على قلبه عليه، كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١ وإن كان الغريم مليا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه دراهم، ويقبضها البائع، ويذهب بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال، فإذا تملكها وأخذت عنده يوما أو يومين، بحيث يتصرف فيها بما يشاء، ثم أوفاه منها، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.
وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي لكم، لأنه ذريعة إلى الحيل، والحيل كلها محرمة; وكذلك إذا حل التمر على الكَدَّاد، فلا بد من قبضه بالقبض الشرعي، وأما التحيل على قلبه على صاحبه، فلا ينبغي أيضا، بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه شيئا، لا كثيرا ولا قليلا، فإن أحب البيع فليبعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه، فتحصل المعاملة، ويحصل التنَزه والاحتياط عن الحيل، التي لا يجوز تعاطيها.
وأجاب أيضا: الشيخ عبد الله: إذا كان في ذمة الكداد دراهم للتاجر أو الأجير، وأراد أن يقلبها عليه في زاد فهذه المسألة خطرها كبير، فينبغي التفطن فيها، لئلا يقع الإنسان في الربا وهو لا يشعر، وصورة المسألة: أن العلماء اختلفوا هل للتاجر أن يسلم إلى غريمه دراهم يستافي بها عن دينه
стр. 2271
فمنعه مالك، وقال: ما خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو، وجوده كعدمه، ومذهبه ﵀: أن هذا التصحيح الذي يفعله الناس اليوم لا يجوز.
وأما الأئمة الثلاثة، فيفرقون بين المليء الباذل، وبين المعسر المماطل، فالمعسر لا يجوز قلب الدين عليه، والواجب إنظاره، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٠] وأما الملي الباذل فظاهر كلامهم جواز السلم إليه، ولو أوفاه من الدراهم التي أسلمها إليه، إذا كان على غير وجه الحيلة ومن أعظم ما يكون، وأشده خطرا: قلب الدين إذا عجز عن استيفائه، فتجد الرجل يطلب الفلاح دراهمه، فإذا عجز عن استيفائها، كتبها عليه وصحح فيها، وهو لو يطمع أن دراهمه تحصل له بتمامها، ولو بعد سنة، ما كتبها عليه بزاد ولكن إذا علم أنه لا يحصل له دراهم، وعرف أنها باقية في ذمة الكداد، قلبها عليه لئلا يفوته الربح، وهذه من الحيل الباطلة، المتضمنة للربا.
والواجب: على كل من يداين الناس، أو يفتيهم، التفطن لهذه الأمور، وكثير من الناس يعقد عقودا ظاهرها الصحة، وهي باطلة، لأجل الحيلة، فينبغي لمن أسلم إلى غريمه أن يدفعها إليه، ولا يستافى منها بشيء في مجلس العقد، بل يدفعها إليه، ويمضي بها إلى بيته، فإذا حازها وتملكها، وصارت الدراهم مالا له، يتصرف فيها كسائر ماله، فلا بأس إذا أوفاه بها بعد ذلك.
стр. 2272
فصل بيع الدين بالدين
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵀: وأما بيع الدين بالدين فله صور، منها ما هو منهي عنه بالاتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه، وهو ينقسم إلى بيع واجب بواجب، وساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط; فالذي لا شك في بطلانه: بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع ما في الذمة مؤخرا، بشيء في الذمة مؤخرا، فإن الكالئ هو المؤخر، فإذا أسلم شيئا في ذمته، في شيء في ذمة الآخر، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز باتفاق العلماء.
ومثال الساقط بالساقط: صورة المقاصة، فإن اتفق الدينان جنسا وأجلا فلا بأس بها، وإن اختلف الجنس، كما لو كان لكل واحد من الاثنين دين على صاحبه من غير جنسه، كالذهب والفضة، وتساقطا ولم يحضرا شيئا، فهذا فيه خلاف، المنصوص عن أحمد: أنه لا يجوز إذا كانا نقدين من جنسين، واختار الشيخ تقي الدين الجواز.
وأما الساقط بالواجب، فكما لو باعه دينا في ذمته، بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين الحال ممن هو في ذمته، بدين لم يقبض، وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو كان لرجل دراهم في ذمة رجل آخر، فجعل الدراهم سلما في طعام في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط عنه دين غيره ;
وقد حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم: أنه لا يجوز،
стр. 2273
وليس في ذلك إجماع، بل قد أجازه بعض العلماء، لكن القول بالمنع هو قول الجمهور.
وأجاب أيضا: من كان له دين على مليء أو مفلس وأراد صاحب الدين أن يسلم على المدين ويقضيه إياه، هل يجوز أم لا؟ فإذا كان المدين مفلسا فلا يجوز ذلك. لأن ذلك يكون حيلة على الربا، والحيل لا تجوز في الدين، وأما إذا كان المدين مليا، وكل من أراد أن يسلم عليه في ذمته فعل، سواء كان رب الدين أو غيره وكل يود أن يسلم إليه، لأجل ملاءته، فلا أعلم في ذلك بأسا عند أكثر العلماء، واشترط بعض المالكية: أن يدفع إليه رأس مال السلم، ويذهب به عن مجلس العقد إلى بيته، أو إلى السوق، ثم إن بدا له بعد ذلك أن يوفيه إياه فعل.
فصل (قلب الدين على المدين)
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: قلب الدين على المدين لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأول. أن يضيق المال عن الدين، فهذا مفلس في عرف العلماء ﵏، إذا سأل غرماؤه الحاكم، أو بعضهم لزمه الحجر عليه في ماله، وذهب جمع من المحققين إلى أنه يكون محجورا عليه بدون حكم حاكم، وهذا لا يجوز قلب الدين عليه بحال، لعجزه عن وفاء ما عليه من الدين.
الحال الثاني. أن يكون ماله أكثر من دينه، لكن لا يقدر على وفاء دينه إلا بالاستدانة في ذمته، وهذا يشبه
стр. 2274
الأول، لا يجوز قلب الدين عليه، لأنه غير مليء، ولا يخفى أن المليء عند العلماء، هو الذي إذا طلب ما عليه بذله من غير مشقة عليه، وهو الواجد للوفاء.
الحال الثالث. أن يكون عليه دين، وفي يده مال يقدر على الوفاء من غير استدانة، وهذا مليء ولكن منع بعض العلماء قلب الدين عليه حسما للمادة، وسدا للذريعة.
قال شيح الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد سئل عن المعاملات التي يتوصل بها إلى الربا فمن ذلك: أن يكون المدين معسرا فيقلب الدين إلى معاملة أخرى بزيادة مال وما يلزم ولاة الأمر في هذا؟ وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد؟
فأجاب: المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، ولعن المحلل والمحلل له، وكان أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، يقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين، وأما إذا كان هذا هو المقصود، ولكن توسلوا بمعاملة أخرى، فهذا تنازع فيه المتأخرون ; وأما الصحابة فلم يكن منهم نزاع أن هذا محرم، والآثار عنهم بذلك كثيرة.
стр. 2275
والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الربوية، فإذا حل الدين وكان الغريم معسرا، لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب عليه الدين، بل يجب إنظاره وإن كان موسرا كان عليه الوفاء، فلا حاجة إلى القلب، لا مع يساره ولا مع إعساره، والواجب على ولاة الأمر: تعزير المتعاملين بالمعاملات الربوية، أن يأمروا المدين بأن يؤدي رأس المال، ويسقطوا الزيادة الربوية، فإن كان معسرا وله مغلات يوفي دينه منها، وفي دينه منها بحسب الإمكان، والله أعلم، انتهى كلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى-، فتأملوا قوله: إن كان معسرا وله مغلات كيف سماه معسرا، مع وجود عقار يستغله.
ومن صور قلب الدين: أنه إذا حل أجل ما في ذمة المدين من الدراهم وعلم صاحب الدين أنه لا يجد دراهم يدفعها إليه قال له: بعني طعاما في ذمتك علي بكذا وكذا، فيسلم إليه الدراهم بطعام في ذمته، فإذا قبض منه رأس المال ردها إليه وفاء، وحقيقة الأمر: أن الذي في ذمته الأول، قلبه طعاما فينمو المال في الذمة، والأصل واحد.
وأجاب أيضا: وأما قلب الدين على المدين، فمن صوره: أنه إذا كان له على شخص دراهم ثمن زاد، أسلم إليه دراهم في زاد ليستوفى منه بتلك الدراهم، وكل منهما يعلم أن رأس المال راجع إلى صاحبه، فتكون حقيقته تربية الدين في ذمة المدين، وهذه الصورة وأمثالها:
ذكر شيئ
стр. 2276
الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، المنع منها وأمثالها.
وسئل أيضا: رجل اشترى تمرا بنسيئة من آخر، ثم رده عليه عما في ذمته؟
فأجاب: إن كان قبضه قبضا صحيحا، جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه من غيره، بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته، واضطره إلى أن يستدين من نفسه ليوفيه، فهذا لا يجوز لوجهين،
أحدهما. أن المعسر يجب إنظاره وهذا ضرر به يزيد به عسرته؛
الثاني. أنه من قلب الدين الذي نص العلماء ﵏، كشيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز.
وسئل أيضا: عن مليء عليه دين لآخر، فأسلم عليه دراهم قضاه دينه منها؟
فأجاب: إن هذه الصورة من صور قلب الدين، وقد نص على أنه يضارع الربا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السلف منعوا منه، وأفتى هو بالمنع، وكذا شيخنا الإمام -رحمه الله تعالى-، وذلك لأنه تنمية للدين في ذمة المدين بمجرد القلب، وهو بمعنى ربا الجاهلية: إما أن تقضي وإما أن تربى.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: قلب الدين على المعسر لا يجوز، لأنه إنما قلبه عليه لعجزه عن الوفاء،
стр. 2277
فكأنه حيلة، فإن كان مليا ولم يكن المسلم شرط عليه الوفاء بها، فإذا قبضها البائع، وذهب بها إلى بيته قدر اليومين أو الثلاث، وتملكها تملكا تاما، بحيث يتصرف فيها بما شاء فلا بأس أن يوفيه بها عما في ذمته له من الدراهم، وكونها قرضا لا يضر، وأما إن كان أخذها من أمانته بغير إذن صاحبها، فإنه لا يصح، اللهم إلا أن يعلم منه الرضا بذلك، هذا ما ظهر لنا، والله أعلم.
وسئل: ما ضابط الإعسار الذي يحرم قلب الدين على من قام به؟
فأجاب: اختلف في ضابطه، ولعل أقرب الأقوال فيه: أنه عدم القدرة على الوفاء، بإعدام أو كساد متاع ونحوه، وكون موجوده أقل من دينه، قال الشيخ تقي الدين، بعد كلام سبق: وإن كان معسرا وله مغلات يوفى منها، أو في دينه بحسب الإمكان، فسماه معسرا وله مغلات.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: أما قلب الدين، فشيخ الإسلام ﵀ ذكر حكم القلب على المعسر في الصورة التي لا خلاف فيها، أي في عدم جوازها، وعلله بالإكراه، وأما غيرها من صور القلب التي لا إكراه فيها،، وربما يجوزها من لا يمنع بعض الحيل، من الحنفية والشافعية، فلم يصرح بها في هذا الموضع، وكلامه معروف في إبطال الحيل، وصنف في ذلك كتابه المعروف،
стр. 2278
وهو قول الإمام مالك، والإمام أحمد وأصحابهما، وقول أئمة الحديث، وبعض أهل زماننا: أخذ من قول الشيخ في المسألة، أنه إذا كان ذلك برضا الغريم فلا بأس به.
والذي نرى ونفتي به: المنع في الصورة التي يسميها العامة التصحيح، فيما إذا كان لإنسان على آخر عشرة مثلا، فقال: ما عندي ما أعطيك ولكن يقول في لفظ العامة: إما اكتبها ١ علي فيقول: كتب الذي في ذمته ما يجوز، ولكن نصحح: أكتب عليك عشرة توفيني بها إذا قبضتها، أو يقول ذلك في العادة المستمرة والعرف المطرد، كالتواطي: أنه يرد عليه دراهمه في المجلس غالبا، فيكون ذلك في العادة مواطأة، والقابض للدراهم لا يتصرف فيها، فلا يصير ملكه تاما عليها، بل يردها عليه بعينها في الحال، فدراهمه رجعت إليه ويصير رأس مال السلم الذي في الذمة، وربما يكون أصل الدين عشرة، فيصل بالقلب مرة بعد مرة، إلى مائة أو أكثر.
وذكر الإمام مالك ﵀ في الموطأ، مسألة تشبه هذه المسألة، فقال: من اشترى طعاما بثمن معلوم إلى أجل مسمى فلما حل الأجل، قال الذي عليه الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام فبعني الطعام الذي علي إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصح، لأنه قد نهى رسول الله ﷺ
стр. 2279
عن بيع الطعام حتى يستوفى، فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيك، فهذا لا يصح، لأنه إنما يعطيه طعاما ثم يرده إليه، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك إذا فعلاه بيع الطعام قبل أن يستوفى، انتهى.
وفي مسألتنا: تكون الدراهم التي يعطيه ثم يردها إليه وفاء محللا، ويكون رأس مال السلم ما في ذمة غريمه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم.
وأجاب أيضا: ونذكر لكم صورة من صور قلب الدين، ذكرها مالك في الموطأ يفعلها بعض الناس، إذا صار له على آخر مائة مثلا وطلبها منه قال: ما عندي نقد لكن بعني سلعة بثمن مؤجل كما يقول بعضهم: العشر اثنا عشر فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة تساوي مائة نقدا ثم يبيعها المشتري ويعطيه ثمنها مائة؛ قال مالك ﵀: في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا، بمائة وخمسين إلى أجل؛ قال مالك هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه.
قال: إنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مدة،
стр. 2280
ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصلح، وهو يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية، أنهم كانوا إذا حلت ديونهم، قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضني وإما أن تربى، فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم، وزادوهم في الأجل، انتهى، والسلف يعبرون كثيرا بالكراهة فيما هو محرم عندهم، وقوله: إنما يعطيه ثمن ما باعه، يعني: أن مشتري السلعة يبيعها على غيره، ويعطيه ثمنها مائة، وأخبر ﵀: أن أهل العلم لم يزالوا ينهون عن ذلك.
وأجاب أيضا: الذي له على إنسان دراهم وأراد أن يأخذ منه دراهم في تمر أو حب، والغالب من الناس أنه يقول لغريمه: عندنا لك كذا وكذا، نأخذهن بتمر أو حب، ونود بهن منك لا من غيرك، فإذا صار له عليه مثلا عشرة أريل١، أعطاه إياهن بمائتي صاع مثلا، ويرد إليه العشرة في المجلس وفاء، فدراهمه رجعت إليه وصارت العشرة التي في الذمة بمائتي صاع، هذا حجة من منع هذه الصورة، والأحوال تختلف، وفي المسألة إشكال، والله أعلم، وإذا كان جعل ما في الذمة رأس مال سلم غير جائز قال أعطيك كذا سلما وتردها علي، فيتخذه حيلة على ما منع منه.
وأجاب أيضا: وإذا استلم رجل من آخر دراهم ثم اشترى بها منه طعاما فهذا إذا كان بشرط أو مواطاة فلا يجوز، وأما إذا أخذ دراهمه وذهب ليشتري بها من غيره فلم يجد عند