الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، المنع منها وأمثالها.
وسئل أيضا: رجل اشترى تمرا بنسيئة من آخر، ثم رده عليه عما في ذمته؟
فأجاب: إن كان قبضه قبضا صحيحا، جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه من غيره، بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته، واضطره إلى أن يستدين من نفسه ليوفيه، فهذا لا يجوز لوجهين،
أحدهما. أن المعسر يجب إنظاره وهذا ضرر به يزيد به عسرته؛
الثاني. أنه من قلب الدين الذي نص العلماء ﵏، كشيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز.
وسئل أيضا: عن مليء عليه دين لآخر، فأسلم عليه دراهم قضاه دينه منها؟
فأجاب: إن هذه الصورة من صور قلب الدين، وقد نص على أنه يضارع الربا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السلف منعوا منه، وأفتى هو بالمنع، وكذا شيخنا الإمام -رحمه الله تعالى-، وذلك لأنه تنمية للدين في ذمة المدين بمجرد القلب، وهو بمعنى ربا الجاهلية: إما أن تقضي وإما أن تربى.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: قلب الدين على المعسر لا يجوز، لأنه إنما قلبه عليه لعجزه عن الوفاء،
стр. 2277
فكأنه حيلة، فإن كان مليا ولم يكن المسلم شرط عليه الوفاء بها، فإذا قبضها البائع، وذهب بها إلى بيته قدر اليومين أو الثلاث، وتملكها تملكا تاما، بحيث يتصرف فيها بما شاء فلا بأس أن يوفيه بها عما في ذمته له من الدراهم، وكونها قرضا لا يضر، وأما إن كان أخذها من أمانته بغير إذن صاحبها، فإنه لا يصح، اللهم إلا أن يعلم منه الرضا بذلك، هذا ما ظهر لنا، والله أعلم.
وسئل: ما ضابط الإعسار الذي يحرم قلب الدين على من قام به؟
فأجاب: اختلف في ضابطه، ولعل أقرب الأقوال فيه: أنه عدم القدرة على الوفاء، بإعدام أو كساد متاع ونحوه، وكون موجوده أقل من دينه، قال الشيخ تقي الدين، بعد كلام سبق: وإن كان معسرا وله مغلات يوفى منها، أو في دينه بحسب الإمكان، فسماه معسرا وله مغلات.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: أما قلب الدين، فشيخ الإسلام ﵀ ذكر حكم القلب على المعسر في الصورة التي لا خلاف فيها، أي في عدم جوازها، وعلله بالإكراه، وأما غيرها من صور القلب التي لا إكراه فيها،، وربما يجوزها من لا يمنع بعض الحيل، من الحنفية والشافعية، فلم يصرح بها في هذا الموضع، وكلامه معروف في إبطال الحيل، وصنف في ذلك كتابه المعروف،
стр. 2278
وهو قول الإمام مالك، والإمام أحمد وأصحابهما، وقول أئمة الحديث، وبعض أهل زماننا: أخذ من قول الشيخ في المسألة، أنه إذا كان ذلك برضا الغريم فلا بأس به.
والذي نرى ونفتي به: المنع في الصورة التي يسميها العامة التصحيح، فيما إذا كان لإنسان على آخر عشرة مثلا، فقال: ما عندي ما أعطيك ولكن يقول في لفظ العامة: إما اكتبها ١ علي فيقول: كتب الذي في ذمته ما يجوز، ولكن نصحح: أكتب عليك عشرة توفيني بها إذا قبضتها، أو يقول ذلك في العادة المستمرة والعرف المطرد، كالتواطي: أنه يرد عليه دراهمه في المجلس غالبا، فيكون ذلك في العادة مواطأة، والقابض للدراهم لا يتصرف فيها، فلا يصير ملكه تاما عليها، بل يردها عليه بعينها في الحال، فدراهمه رجعت إليه ويصير رأس مال السلم الذي في الذمة، وربما يكون أصل الدين عشرة، فيصل بالقلب مرة بعد مرة، إلى مائة أو أكثر.
وذكر الإمام مالك ﵀ في الموطأ، مسألة تشبه هذه المسألة، فقال: من اشترى طعاما بثمن معلوم إلى أجل مسمى فلما حل الأجل، قال الذي عليه الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام فبعني الطعام الذي علي إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصح، لأنه قد نهى رسول الله ﷺ
стр. 2279
عن بيع الطعام حتى يستوفى، فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيك، فهذا لا يصح، لأنه إنما يعطيه طعاما ثم يرده إليه، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك إذا فعلاه بيع الطعام قبل أن يستوفى، انتهى.
وفي مسألتنا: تكون الدراهم التي يعطيه ثم يردها إليه وفاء محللا، ويكون رأس مال السلم ما في ذمة غريمه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم.
وأجاب أيضا: ونذكر لكم صورة من صور قلب الدين، ذكرها مالك في الموطأ يفعلها بعض الناس، إذا صار له على آخر مائة مثلا وطلبها منه قال: ما عندي نقد لكن بعني سلعة بثمن مؤجل كما يقول بعضهم: العشر اثنا عشر فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة تساوي مائة نقدا ثم يبيعها المشتري ويعطيه ثمنها مائة؛ قال مالك ﵀: في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا، بمائة وخمسين إلى أجل؛ قال مالك هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه.
قال: إنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مدة،
стр. 2280
ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصلح، وهو يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية، أنهم كانوا إذا حلت ديونهم، قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضني وإما أن تربى، فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم، وزادوهم في الأجل، انتهى، والسلف يعبرون كثيرا بالكراهة فيما هو محرم عندهم، وقوله: إنما يعطيه ثمن ما باعه، يعني: أن مشتري السلعة يبيعها على غيره، ويعطيه ثمنها مائة، وأخبر ﵀: أن أهل العلم لم يزالوا ينهون عن ذلك.
وأجاب أيضا: الذي له على إنسان دراهم وأراد أن يأخذ منه دراهم في تمر أو حب، والغالب من الناس أنه يقول لغريمه: عندنا لك كذا وكذا، نأخذهن بتمر أو حب، ونود بهن منك لا من غيرك، فإذا صار له عليه مثلا عشرة أريل١، أعطاه إياهن بمائتي صاع مثلا، ويرد إليه العشرة في المجلس وفاء، فدراهمه رجعت إليه وصارت العشرة التي في الذمة بمائتي صاع، هذا حجة من منع هذه الصورة، والأحوال تختلف، وفي المسألة إشكال، والله أعلم، وإذا كان جعل ما في الذمة رأس مال سلم غير جائز قال أعطيك كذا سلما وتردها علي، فيتخذه حيلة على ما منع منه.
وأجاب أيضا: وإذا استلم رجل من آخر دراهم ثم اشترى بها منه طعاما فهذا إذا كان بشرط أو مواطاة فلا يجوز، وأما إذا أخذ دراهمه وذهب ليشتري بها من غيره فلم يجد عند
стр. 2281
غيره شيئا ثم رجع فاشترى منه فلا بأس بذلك.
وأجاب أيضا: وبيع الكالئ بالكالئ، له صور كثيرة مذكورة. في كتب الفقه، منها: ما هو متفق عليه، ومنها ما فيه خلاف وهو بيع مؤخر بمؤخر، ومنها أن يسلم إليه في طعام أو نحوه، ولم يقبض رأس مال السلم في المجلس، ومنه عند كثير من العلماء: أن يكون له في ذمته دراهم، ويكتبها عليه في طعام في ذمته؛ والمسألة التي يسمونها "التصحيح" إنما يفعلونها حيلة إلى التوصل إلى ذلك، لأنه يعطيه ريالا بكذا طعاما ثم يرده إليه، فيرجع برياله وهو لم يعطه إياه، ويملكه إياه تمليكا تاما، بل إنما أعطاه إياه بشرط أن يرده إليه في الحال، فيكون العقد وقع على ما في الذمة من الدراهم.
وأجاب أيضا: وأما قلب الدين إذا كان له على آخر دراهم، وطلب منه الوفاء، وادعى العسرة، فقال أسلم إليك دراهم في طعام توفيني بها، فإن كان المسلم إليه معسرا، وأكرهه غريمه على ذلك، فهو حرام باتفاق الأئمة، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، قال: لأنه مكره بغير حق، وإن كان المسلم إليه غير معسر، فالذي يظهر لنا عدم الجواز، لأن ذلك يتخذ حيلة على جعل الدين رأس مال سلم.
стр. 2282
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: لا يجوز قلب الدين، ولا يفرق بين الغني وغيره، بل قلبه هو صريح الربا.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: لا يجوز قلب الدين لمن هو عليه مطلقا.
وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: وأما مسألة الدراهم ثمن التمر، إذا حل الأجل أسلمها عليه، ثم ردها عليه قضاء للدين في زعمه فهذا عين الربا، لأن الحقيقة رأس ماله التمر الأول، فكأنه باع خمس عشرة وزنة بثلاثين، ولا يفعل هذا من يخاف الله ويتقيه.
وأجاب الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: لا يجوز قلب الدين. لا على معسر ولا موسر، بل ذلك كله من الربا الذي ورد الوعيد عليه، ومن فعل ذلك فليس له إلا رأس ماله.
وأجاب الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: ويذكر أمور ما تصلح، ولا يجوز السكوت عليها، منها: بعض المعاملة الفاسدة مثل الإنسان الذي يحل له على غريمه دراهم، ثمن تمر أو حب، ثم يجعلها في ذمة غريمه بزاد، وهذا أمر ما يجوز، والذي يفعل هذا ما يمكن من أخذ الزاد من المدين، ولا يحصل له إلا رأس ماله يرده عليه المدين.
وأجاب الشيخ عبد الله بن فيصل: والضامن إذا لم يحصل له من المضمون عنه إلا أن يقلب عليه، فالظاهر عدم جوازه.
стр. 2283
فصل (الوفاء في العقد الفاسد)
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: عن الوفاء في العقد الفاسد ... إلخ؟
فأجاب: وإذا أوفاه بالعقد الفاسد مثل الرد على المعسر، فليس له إلا رأس ماله.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: إذا كان المتعاقدان جاهلين بالتحريم أو كان ذلك في الجاهلية قبل الإسلام ثم أسلما، فإنه يجب على من أخذ الدراهم ردها على صاحبها، وربا الجاهلية موضوع، وأما قبض الدراهم في مقابلة نفع دراهمه، في جاهلية أو بعد إسلام المدين قبل أن يبلغه النهي، فهو له، فإن كان العوض لم يقبض، بل كان باقيا في ذمة المقترض، فليس للمقرض إلا رأس ماله، ولا يأخذ معه زيادة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] .
وعقود الشرك ما مضى منها في حال الشرك، وقبضه المتعاقدان قبل الإسلام، يُقَرَّان على ما مضى منه، لأن الإسلام يهدم ما قبله ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] وأما الذي له دراهم أخذ بها في الأعشار، فالشيء الذي أخذ في الجاهلية منها، لا يحسب عليه من رأس ماله، وأما الذي دخل عليه بعدما أسلم من
стр. 2284
الثمار، فهو يحسب عليه من رأس ماله، وبقية رأس ماله الذي يقدر من المسلمين يوفيه، والذي ما يقدر يلزمه الصبر حتى يوسر، فإن كان دفع لهم من رأس المال عروضا، مثل بقر أو عيش أو سلاح أو إبل، فهم يردون عليه مثله، وأما الذي ما عنده إلا عقارات مرهونة، رهنها تاجر آخر داخل فيها بدراهم، فهي فاسدة، ربا، ويصير له رأس ماله، وما أكل من ثمارها بعدما أسلم، يحسب عليه من رأس ماله.
وأجاب أيضا: وأما رهون الجاهلية من الربا والرهون، التي لا تجوز في الإسلام، فليس لصاحبها إلا رأس المال، فإن كان الذي عليه الحق معسرا، لزم صاحب الدين إنظاره إلى ميسرة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وكذلك عقود الربا، إذا أسلما ولم يتقابضا، بل أدركهما الإسلام قبل التقابض، فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] وأما المال المقبوض، فلا يطالب به القابض إذا أسلم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] .
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا وقع عقد فاسد في معاملة في الإسلام، قد انقضت بالتقابض في أكثرها ... إلخ، فيظهر: مما قاله شيخ الإسلام ﵀ في آية الربا، في قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] .
стр. 2285
فاقتضى أن السالف للقابض، وأن أمره إلى الله ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما جاءه موعظة من ربه فانتهى، كان مغفرة ذلك الذنب والعقوبة عليه، وأمره إلى الله إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له وإلا عاقبه، ثم قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] فأمر بترك الباقي ولم يأمر برد المقبوض، وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] إلا أنه يستثنى منها ما قبض، وهذا الحكم ثابت في حق الكافر، إذا عامل كافرا بالربا، وأسلما بعد القبض، وتحاكما إلينا، فإن ما قبضه يحكم له به، كسائر ما قبضه الكافر بالعقود التي يعتقدون حلها.
وأما المسلم: فله ثلاثة أحوال، تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل ولا يعلم أن ذلك ربا محرم وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم، أما الأول والثاني ففيه قولان: إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل يرد ما قبض كالغاصب، وقيل لا يرده وهو أصح، لأنه إذا كان معتقدا أن ذلك حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه، مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه فالمسلم إذا تاب أولى أن يغفر له، إذا كان أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.
وأما المسلم الجاهل، فهو أبعد لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شر من الكافر، وقد ذكرنا فيما يتركه من
стр. 2286
الواجبات، التي لم يعرف وجوبها، هل عليه قضاء؟ قولين: أظهرهما لا قضاء عليه، وأصل ذلك، أن أصل الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلى وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين له النص، هل يعيد؟ على روايتين.
وقد نصرت في موضع: أنه لا يعيد وذكرت على ذلك أدلة متعددة، منها: قصة عمر، وعمار، لما كانا جنبين، فصلى عمار ولم يصل عمر، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة; ومنها المستحاضة التي قالت: منعني الصوم والصلاة، ومنها الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: والله ما أحسن غير هذا، أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة، لأن وقتها باق، وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك، ومنها الذين أكلوا حتى تبين الخيط الأبيض من الأسود، ولم يأمرهم بالإعادة.
والشريعة: أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب، فكذلك النهي، فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم، ثم علم، لم يعاقب؟ وإذا عامل بمعاملات ربوية يعتقدها جائزة، وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرا من الكافر، والكافر إذا غفر له ما قبضه لكونه قد تاب، فالمسلم بطريق الأولى، والقرآن يدل على هذا بقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ
стр. 2287
فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] .
وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فانتهى، فقد جعل الله له ما سلف، انتهى ملخصا من كلامه ﵀، وبه يظهر للسائل تفصيل ما أجمله في السؤال، فليتأمل.
وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف ﵀: لا يخفى أن الله ﵎ حرم الربا، وأوضح تحريمه في مواضع كثيرة من كتابه، وأذن بحرب من لم يلتزم حكمه فيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] وهذا صريح في تحريم أخذ الزيادة على رأس المال، لأن قوله: ﴿ (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] يعني ما فضل على رؤوس الأموال، فيلزم من قبض شيئا في معاملة ربوية رد ما زاد على رأس ماله، لأنه قبض غير صحيح، ولا يقال في مثل هذا العقد فاسد، بل باطل، وما قبضه بسببه فهو قبض بغير حق، والعفو إنما كان فيما قبض في الجاهلية قبل التحريم.
وما ذكرته من الإشكال فيما قبض بمعاملة ربوية، وقيل برده هل يصار إلى القيمة إذا تعذر المثل؟ أعني القيمة وقت القبض، فكلام الشيخ كما ذكرت صريح في ذلك في الغصب، لا سيما إذا تغير السعر، ولا تغير أعظم مما حصل في هذا الزمان، ولا تعذر في المثل أشد، وذلك المقبوض
стр. 2288
أكثر ما يقال فيه إنه كالغصب، ولو قيل بالقيمة اليوم لما تعذر المثل، لكان فيه اجتياح على القابض.
стр. 2289
فصل (حكم التعامل بالجدد حين رخصت وصارت الفضة فيها أكثر من المقابل)
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: عما يتعامل به أهل نجد، من الجدد حين رخصت وصارت الفضة فيها أكثر من المقابل؟
فأجاب: هي صورة مسألة مد عجوة لا بد فيها من أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره على الرواية القائلة بالجواز، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فعلى هذا: إذا كان الذي في الجدد من الفضة أكثر من فضة الريال، فلا يجوز بيعها به على كلا الروايتين، والوفاء بالزررة عن المشاخصة جائز، بشرط كونه وفاء باطنا وظاهرا.
وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله، أما رد البدل إذا اقترض ريالية، ودفع إليه البدل زرورا، أو بالعكس فهذا جائز، لأنه أخذ به نقدا عن نقد آخر، لحديث ابن عمر: "ولكن بسعر يومه" وكذلك لو أخذ بدل القرض برا، أو شعيرا، أو تمرا، أو كان القرض طعاما فأخذ عنه دراهم، فكل ذلك جائز إن شاء الله تعالى، لكن لا يلزم إلا بالقبض، لئلا يكون بيع دين بدين.
وأجاب أيضا: هو والشيخ عبد الرحمن بن حسن: "الجدد" لما رخصت، وصار فيها من الفضة أكثر مما في
стр. 2290
الريالات المقابل لها في المصارفة، محرم إذا قلنا بأن هذه الصورة من صور مد عجوة، فلا بد أن يكون المفرد أكثر من الذي معه، وهذا الشرط يجري على الرواية القائلة بالجواز، اختارها شيخ الإسلام، وأما إذا كان ما يقابل الريال من الجدد، أكثر فضة من الريال، فلا يجوز صرفه بها قولا واحدا، لما في ذلك من التفاضل في الفضة من غير مقابلة بشيء، وهذا صريح الربا، اهـ.
وقال أيضا الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: إن مما كثر البحث عنه والسؤال، فيما عمت به البلوى بين العوام من الجهال: الاعتياض بالنقود المسماة بالجدد عن الريال، وقد ورد علينا ونحن بالديار المصرية، من بعض أعيان بلادنا النجدية، كتاب يتضمن السؤال عن ذلك، ويستدعي الجواب عما وقع هنالك؟
فأجاب شيخنا شيخ الإسلام، خاتمة الأئمة الأعلام: عبد الله بن الشيخ الإمام، شيخنا محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، بما حاصله: إذا كان يعرف بين أهل الخبرة والاستعمال، أن ما يبذل منه هذا النقد في الريال، يشتمل من الفضة على أكثر مما فيه، فهذا ربا بلا إشكال، وكذا إذا كانت الزيادة من الفضة، أو المساواة يتطرق إليهما الاحتمال، فهو من الربا باتفاق أهل النظر والاستدلال، لأن من أصول هذا الباب، عند ذوي العقول والألباب: أن الجهل بالتماثل، كالعلم بالتفاضل، بغير شك ولا ارتياب.
стр. 2291
ولما يسر الله رجوعي من تلك الديار، وحصل لي بالوطن مكث واستقرار; رأيت أن مما يتعين علي: تنبيه إمام المسلمين وفقه الله لطاعته، بأن يصرف الهمة إلى منهج الصواب والسداد، لما في ذلك من صلاح البلاد والعباد، فبادر إلى ما أشرت إليه، فدفع إلى من يرضى أمانته، عشرين من تلك النقود، وأمره أن يختبر ما فيها من الفضة، بالسبك على الوجه المعهود، فحضرت تصفيتها مع ذلك الثقة المأمور، فحصل من العشرين خمسة بزنة المثقال، وهذا القدر لا يزيد عما في الريال منها ولا ينقص بحال، فأفتيت بعد ذلك التحرير والاختبار، بأن هذه المصارفة لا تحل إذا زادت الجدد عن ذلك المقدار.
ثم ذكر أدلة تحريم الربا، وتقدم- إلى أن قال- قلت فتأمل كيف أفاد: أن ما يخل من الخلط بالتماثل، يمنع من بيع الجنس بجنسه، وهو صريح كلام الجميع، ولا يخفى أن النحاس المخالط للفضة في الجدد، يخل بالتماثل، وما يخل بالتماثل لا يجوز.
فصل
ومن نظائرهما: ما نص عليه في الشرح والمغنى والكافي وغيرهم، من أنه لا يجوز بيع الزبد بالسمن، قالوا: لأن في الزبد لبنا يسيرا يخل بالتماثل قلت: فإذا كان الخلط اليسير من اللبن في الزبد، يخل بالتماثل، فالنحاس مع الفضة من باب أولى، لكونها أصلا وذلك فرع ; فإن قال قائل: إن الفضة فيها تبع قلت: هذا باطل من وجوه: الأول أنه لا
стр. 2292
قيمة للنحاس الذي فيها، إذ لو صفت الفضة عنه لعاد خبثا،
الثاني: أن الفضة أصل في الربا وفي الثمنية، وهو فرع فيهما، فلا يجعل ما هو أصل تبعا لفرعه وأيضا فالفضة جوهر ثمين، فلا تكون تابعة لما ليس كذلك، قال ابن حزم: وحبة ذهب أو فضة لها بال عند المساكين، نعم وعند التجار، وعند أكثر الناس، ولا يحل أن يزيدهما في الموازنة، انتهى، وما أسلفته من الأحاديث، يبطل هذا الاعتراض.
فإن قيل: قد جوز الفقهاء درهما فيه نحاس، بنحاس واختلاف، قلت: هذا عليكم لا لكم، لأن الفضة ليست من جنس النحاس، واختلاف الجنس لا يمنع التفاضل بالاتفاق، وأما ما كان من النحاس في الدرهم، فقد أخرجته الصنعة عن أصله، وما أخرجته الصنعة مما أصله الوزن، فلا يجري فيه الربا غير الذهب والفضة، نص عليه في المنتهى ; فإن قيل: قد أجازوا بيع درهم بمساويه في غش؟ قلت: وهذا أيضا من الحجة عليكم، لأنه لا سبيل إلى العلم بتساوي الدرهمين المتساويين وزنا في الغش، إلا من جهة العلم بتساويهما في الفضة، وبالعلم بالتساوي يزول المانع، بخلاف مسألتكم فإن التساوي فيها غير معلوم.
فإن قيل: قد رأيناهم جوزوا بيع التمر فيه النوى بمثله، قلت: هو كذلك، ولكنه قد اشتمل على شيئين بأصل الخلقة، وما اشتمل على شيئين كذلك جاز، نص عليه في الكافي وغيره، ففارقت هذه المسألة، وقد نص الفقهاء
стр. 2293
رحمهم الله تعالى: على أنه لو نزع النوى من التمر، لم يجز بيع التمر المنْزوع منه النوى، بتمر فيه نوى، سواء ترك معه أولا، ومسألتكم أولى بالمنع ولا بد،
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قد صرح في الفتاوى المصرية أنها إذا كانت الفضة المغشوشة أكثر من المفردة، فإنه لا يجوز بيع إحداهما بالأخرى، وهي مسألتكم بعينها، وعلى المنع منها اتفق العلماء ﵏.
وأما مسألة: مد عجوة ودرهم التي منع الجمهور منها فللبطلان فيها مأخذان، أحدهما: سد ذريعة الربا، وفي كلام الإمام إيماء إلى ذلك; الثاني: وهو مأخذ القاضي وأصحابه: أن الفضة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة، يقسط الثمن على قيمتيهما، وهذا يؤدي هنا إلى يقين التفاضل وإما إلى الجهل بالتساوي، وكلاهما مبطل للعقد، فإنه إذا باع درهما ومدا يساوي درهمين، بمدين يساويان ثلاثة، فالدرهم في مقابلة ثلثي مد، ويبقى مد في مقابلة مد وثلث وذلك ربا فلو فرض التساوي، كمد يساوي درهما ودرهم بمد يساوي درهما، ودرهم لم يصح أيضا لأن التقويم ظن وتخمين، فلا تحقق معه المساواة والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، انتهى عثمان م ص. ١.
وأجازها: أبو حنيفة وأحمد فى رواية عنه، وعليه فلا
стр. 2294
تشبه هذه المسألة بحال، فإن المجوزين لها اشترطوا شروطا، لم يوجد واحد منها في هذه المسألة، فمنها: أنهم يشترطون: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، وبعضهم اشترط أن يكون الزائد يسيرا بقدر قيمة ما مع الجنس، وهذا الثاني نص عليه الشيخ تقي الدين ﵀ في الفتاوى المصرية، فقال: إذا كانت الفضة المفردة أكثر من الفضة المغشوشة بشيء يسير بقدر النحاس، فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء، انتهى.
فافهم كلامه: أنه إذا لم توجد القيود الثلاثة امتنع الجواز، وذلك في أربع صور أحدها: أن لا تكون المفردة أكثر، وذلك بأن علم أنها أقل أو جهل، وأن تكون أكثر بشيء غير يسير، أو بيسير أكثر من قيمة النحاس.
ومسألتكم لا تخرج عن هذه الأربع، فلا تجوز ومنعه المتأخرون كصاحب المستوعب، ومن يشترط في مسألة مد عجوة، إذا كان مع كل واحد من غير جنسه من الجانبين التساوي، جعله لكل جنس في مقابلة جنسه، قال في الإنصاف: وهو من جعل الجنس في مقابلة غيره لا سيما مع اختلافهما في القيمة، انتهى.
واشترطوا أيضا: أن لا يكون حيلة على الربا، وبعضهم اشترط أن لا يكون الجنس الذي مع غيره مقصودا كالسيف المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وعلى كل: فالمجوزون لمسألة مد عجوة محجوجون عند الجمهور بما تقدم من الأحاديث، وبما في السنن وغيرها
стр. 2295
من حديث فضالة بن عبيد، قال أبو داود في حلية السيف: تباع بالدراهم؛ والقلادة فيها الذهب والفضة،
حدثنا محمد بن عيسى وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع، قالوا حدثنا ابن المبارك، وحدثنا ابن العلاء، أنبأنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد، حدثني خالد بن أبي عمران، عن فضالة بن عبيد، قال: " أتى النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع، فيها خرز معلقة بذهب، ابتاعها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير، قال ﷺ لا، حتى تميزوا بينها فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ لا، حتى تميزوا بينها " ١ قال ابن حزم: فهذا رسول الله ﷺ لم يكتف بنيته، في أنه إنما غرضه الخرز، ويكون الذهب تبعا، ولا راعى كثرة من قلة، وأوجب التمييز في الموازنة ولا بد، انتهى.
قال الشيخ: فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسألة، وقد أتينا في هذه الرسالة بما لعلك لا تجده مجموعا في غيرها، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
فصل (حكم التعامل بالجدد حين رخصت وصارت الفضة فيها أكثر وأجاب أيضا: وأما إذا كانت الفلوس فيها فضة مثل قروش محمد علي، ٢ وتصرف بدراهم من الفضة، فإن هذه الصورة من أفراد مسألة مد عجوة، فمن جوزها قال: تجوز هذه، ومن لا فلا، وشرط جوازها عند من يقول به: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، واختار شيخ الإسلام الجواز
стр. 2296
بشرطه، وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة.
والرواية الأخرى: لا يجوز، وهو المذهب، قال في الإنصاف: وللأصحاب في توجيه المذهب مأخذان أحدهما- وهو مأخذ القاضي وأصحابه- أن الصفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة، يقسط الثمن على قيمتيهما، وهذا يؤدي هنا إما إلى يقين التفاضل، وإما إلى الجهل بالتساوي وكلاهما مبطل للعقد في باب الربا، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح واقع، كبيع مائة درهم في كيس، بمائتين، جعلا للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهما فمنع من ذلك وإن كانا مقصودين حسما لهذه المادة وفي كلام أحمد إيماء إلى هذا المأخذ، والله أعلم.
وأما معنى المكسرة في كلام الفقهاء؟ فالجواب: أني وقفت على عبارة في غاية مرعي، تبين ذلك، فإنه قال: ومن اشترى شيئا بنصف دينار لزمه، ثم إن اشترى آخر بنصف آخر لزمه، ويجوز إعطاؤه عنها صحيحا، انتهى.
فيقال على الريال هذا صحيح، وعلى النصفين ريال مكسر، وكذا الأرباع، والله أعلم.
وسئل: عمن أراد أن يسعر ببعض الريال فقال لمن أراد أن يأخذ منه شيئا بنصفه: خذ هذا وأعطني بنصفه، ورد علي النصف الآخر نصفا.
فأجاب: هذا جائز إذا قبض النصف قبل التفرق، لأنه
стр. 2297
صارفه بالنصف مثلا بمثل يدا بيد، وليس هذا من أفراد مسألة مد عجوة، لأن صاحب الطعام يستحق نصف الريال ثمنا، والنصف الآخر أخذه مصارفة، ودفع عنه ما يماثله، فافهم هذا، قال في الأنصاف: فلو دفع إليه درهما، وقال: أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم، وبنصفه فلوسا، أو حاجة أخرى جاز، انتهى.
وأجاب الشيخ: سليمان بن عبد الله بن الشيخ ﵏، هذه الجدد قد قيل إنها ملحقة بالعروض كالفلوس، لكن هذا عندي لا يتوجه على المذهب، لوجهين،
أحدهما: ما فيها من الفضة من غير اعتبار له،
الثاني: أن قاعدة المذهب تحريم مسألة مد عجوة، ومعنى مسألة مد عجوة- كما هو مقرر- أن يبيع جنسا فيه الربا بجنسه، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، ويلزم من ألحقها بالعروض أن يبيح مد عجوة، فيخالف فيها المذهب، كما هو الواقع في صرفها بالفضة الآن، فعرفت أن إلحاقها بالعروض خلاف المذهب، لكنه يتمشى على القول بإباحة مسألة مد عجوة، إما مطلقا، أو بشرط أن يكون الذي مع الجنس الآخر غير مقصود، إن فسر القصد بأن يكون مقصود الصياغة ونحوها، إذ الفضة في الجدد غير مقصودة لصياغة ونحوها، أو بشرط أن يكون مع كل واحد من غير جنسه، وقد اختار هذين القولين، في مسألة مد عجوة، الشيخ تقي الدين في موضعين من كلامه.
ووجه ثالث: وهو أن الفلوس التي ذكر الأصحاب، أنها
стр. 2298
كالعروض ليس فيها ذهب ولا فضة، فكيف يصح إلحاق ما فيه شيء منهما بالفلوس، التي فيها شيء منهما، مع وجود الفارق؛ وأما إلحاقها بالنقدين فلا يصح أيضا، لأنها ليست بنقد أصلا، فكيف يلحق ما ليس بنقد بالنقد؛ ولا أظن أحدا يقول ذلك.
والأولى عندي أن يقال: هي وما أشبهها ملحقة بالمغشوش، فينظر فيها، فإن بلغ ما فيها من الفضة نصابا بنفسه، أو بالضم إلى فضة أخرى، أو نقول بضم الفضة إلى الذهب، كما هو رواية عن أحمد، وقول مالك وأبي حنيفة، فإنه يزكيها زكاة النقدين، وإن لم يبلغ ما فيها من الفضة نصابا، ولو بالضم إلى فضة أخرى، أو كان عنده ذهب ولم نقل بضم الفضة إلى الذهب، فإنه يزكيها زكاة التجارة، على أني لم أر أحدا من الأصحاب ذكر ذلك غيره، بل ذكروا أن المغشوش ليس فيه زكاة، إلا أن يكون نصابا، هكذا ذكروه ولم يقيدوا، فظاهر كلامهم: أنه لا زكاة فيه حتى يبلغ نصابا مطلقا، هذا ما ظهر لي على أني لم أجد فيها كلاما لأحد، وأما جعلها رأس مال السلم، فيصح ذلك لانتفاء المانع، لأنها معلومة.
وأما اشتراط القبض في مجلس الصرف، فيشترط ذلك على كل تقدير، لاتحاد علة الصرف فيه قبل القبض، لكن ينبغي أن يعرف أن صرفها بفضة لا يجوز، إلا على القول بجواز مسألة مد عجوة وقد عرف ما فيها من الخلاف.
стр. 2299
فصل
وسئل الشيخ: علي بن حسين بن الشيخ محمد ﵏: إذا كان لرجل على آخر فضة، كريالات الناس وللآخر عليه مثلها فتصارفا بالقول؟
فأجاب: ليس هذا بصرف، وإنما هو تساقط، وليست هذه الصورة التي ذكر صاحب الشرح، بقوله: إذا كان رجل في ذمته لآخر ذهب، وللآخر عليه دراهم فاصطرفا لم يصح، لأنه بيع دين بدين، لأنه تصارف في الذمم، وهذا تساقط فيصح، قال في المنتهى وشرحه: ومن استحق على غريمه مثل ماله عليه من دين، جنسا وقدرا وصفة حالين، بأن اقترض زيد من عمرو دينارا مصريا ثم اشترى عمرو من زيد شيئا بدينار مصري حالين أو مؤجلين أجلا واحدا، كثمنين اتحد أجلهما، تساقطا إن استويا، أو سقط من الأكثر بقدر الأقل، إن تفاوتا قدرا بدون تراض، لأنه لا فائدة في أخذ الدين من أحدهما ثم رده إليه، والله أعلم.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا كان لرجل على آخر ريالات وأراد أن يعطيه عنها نوعا من الفضة، مثل هذه التي يسمونها المجيديات، أو غيرها.
فأجاب: هذا حرام بلا شك، لأن النبي ﷺ اشترط المماثلة في بيع الفضة بالفضة، في أحاديث كثيرة، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعا " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا
стр. 2300
بمثل، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض " ١.
والأحاديث في مثل هذا كثيرة، ولم يستثن من ذلك صورة، كما استثنى العرايا من المزابنة بشروطها، فمن ذا الذي يجترئ على تخصيص هذه العمومات بالرأي؟ والنبي ﷺ سمى مبادلة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة بيعا.
ولا فرق بين كون العوضين عينا، أو أحدهما في الذمة لوجود المبادلة فيها، التي عرف بها الفقهاء البيع، فقالوا في حده: هو مبادلة مال بمال، وقالوا بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته، فسموا المبادلة بما في الذمة بيعا، والفقهاء يسمون الاعتياض عما في الذمة من أحد النقدين بجنسه صرفا، كما قالوا: فيما إذا انفسخ عقد السلم، أنه يرد رأس ماله إن كان موجودا، أو يرد عوضه إن لم يوجد، فإن كان رأس مال السلم نقدا وأخذ عنه نقدا من جنسه، فصرف له حكمه، وقالوا فيما إذا اقترض دراهم مكسرة، وحرمها السلطان، ورد المقترض فضة، فصرف تعتبر له شروطه، وقال في الشرح الكبير في مسألة اقتضاء أحد النقدين عن الآخر: أنه يشترط لجواز ذلك، أن يكون بالسعر، وأنه قول الجمهور خلافا لأصحاب الرأي، واستدل لقول الجمهور بحديث ابن عمر، وعلله بأن هذا جرى مجرى القضاء، فتقيد بالمثل كالقضاء من الجنس، قال والتماثل هنا بالقيمة لتعذر التماثل بالصورة، انتهى.
فكلامه صريح في أنه إذا كان من الجنس، فلا بد من التماثل بالصورة، وجعل ذلك أصلا لمسألة الخلاف، فدل
стр. 2301
على أنه لا بد من التماثل في الصورة، إذا كان القضاء من الجنس بلا خلاف، وهذا أمر ظاهر، وقد علمتم كلام الفقهاء: أن من اشترى طعاما بكيل لا يصح قبضه جزافا، لحديث " إذا سميت الكيل فكل " ١ وغير ذلك.
وليس في حديث جابر، وهو "أن جابرا طلب من غرماء أبيه أن يقبلوا ثمر حائطه، ويحللوا أباه" ما يستدل به للجواز، وقد استدل به ابن عبد البر وجماعة، على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في الذمة، إذا علم أنه دون حقه، إرفاقا بالمدين، وإحسانا إليه، وهذا شبه مسألة ذكرها الفقهاء في الصلح، فيما إذا أقر إنسان لآخر بدين في ذمته، فصالحه بجنسه بأقل أو أكثر على سبيل المعاوضة لم يجز، وإن صالحه بأقل على سبيل الإبراء أو الهبة، لا بلفظ الصلح، فهو جائز، وقولهم إن الناس لا مندوحة لهم عن ذلك، حجة فاسدة، وللناس عن ذلك مندوحة: بأن يشتري بالمجيديات أو القطع، ولا يسمى الريالات، لكن الشيطان يضيق طرق الحلال، ويفتح طرق الحرام، نسأل الله لنا ولكم الهداية والسداد.
وأجاب في موضع آخر: أما صرف الريالات بالقرانات ٢ فحرام صرح، لأن النبي ﷺ قال: " الفضة بالفضة مثلا بمثل " ٣ وقال: " من زاد أو ازداد فقد أربى " ٤ والتفاضل بين الريالات والقرانات معلوم، ولو فرض الجهل
стр. 2302
بالتماثل، فالجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل مثلا بمثلا فاشترط لجواز ذلك العلم بالتماثل، وأما صرف الريالات بالجدد، فالذي رأينا من كلام العلماء، في بيع الدراهم المغشوشة بعضها ببعض، أنه لا يجوز إلا إن علم تساويها في الفضة، ونقل غير واحد عن مذهب الحنفية أنهم يجعلون الحكم للغالب، فإن كان غالب الدراهم نحاسا، فهي نحاس تباع بالفضة الخالصة، فعلى هذا يجوز صرف الجدد والمحاليق ١ بالريالات، واقتضاء أرباع القرش عن الريال صرف لا يجوز وإن كان ذلك بهذه الأنصاف الحمر، فأرجو أنه جائز.
وأجاب أيضا: وأما صرف الريال بالجدد، فالذي يظهر لي أنه ليس من مسائل مد عجوة، لأن النحاس الذي في الجدد غير مقصود، وإن قيل إن له قيمة، فيجعل في مقابلة وزن نحو سدس جديدة من فضة الريال تبقى، ففضة الريال الكثيرة في مقابلة يسير فضة الجدد، وفي أثناء كلام لشيخ الإسلام تقي الدين ﵀ على نحو هذه المسألة، قال بعد كلام سبق: لو باع حنطة فيها شعير، بحنطة فيها شعير يسير، فإن ذلك يجوز عند الجمهور، وكذلك إذا باع الدراهم التي فيها غش بجنسها، كان الغش غير مقصود، والمقصود بيع الفضة بالفضة، وهما متماثلان، فجعل العلة في الجواز تماثل الدرهمين، فيؤخذ من كلامه: أنه لو فقد التماثل لم يجز.
стр. 2303
وقال أيضا: إذا باع دراهم خالصة بمغشوشة، فإن كانت فضة الدرهم الخالص تزيد على فضة المغشوش زيادة يسيرة، بقدر النحاس الذي في الآخر، جاز ذلك في أحد قولي العلماء، فدل كلامه: أن المسألة ذات قولين، الجواز وعدمه، واقتصاره على حكاية القول بالجواز، دليل على أنه يقول به بشرطه المذكور، وهو: أن فضة الدرهم الخالص، تزيد على فضة المغشوش زيادة يسيرة، بقدر النحاس الذي في الآخر، وهذا مختلف بين الريال والجدد، هذا مع اختياره ﵀ في مسائل مد عجوة: أنه إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره كمدي بر بمد ودرهم، أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه، كمد ودرهم، بمد ودرهم، وكلامه المتقدم: يدل على أن الدراهم المغشوشة بالفضة المتفاوتة، ليست كهذه المسألة التي اختار جوازها ويستدل لعدم الجواز، بعموم قوله ﷺ " الفضة بالفضة مثلا بمثل " ١ هذا ما ظهر لي، والله أعلم، والذي يظهر لي، أن صرف الريال بالجدد، يتمشى على مذهب الحنفية، الذين يعتبرون النقود المغشوشة بالغالب، إن كان غالبها فضة فهي فضة، وإن كان غالبها نحاسا فهي نحاس.
وأجاب الشيخ: عبد الله العنقري: الذي عنده لآخر ربابي، فدفع إليه ذهبا أو عرضا، أو طعاما أو غير ذلك، من غير الفضة، فهذا لا بأس به بشرط القبض في مجلس العقد.
стр. 2304
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: هل تتعين الدراهم والدنانير بالتعيين أم لا؟ وما فائدة الخلاف؟
فأجاب: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد، والمذهب أنها تتعين، وأما فائدة الخلاف، فذكروا له فوائد كثيرة: منها أنه لا يجوز إبدالها إذا عينت، وإن خرجت مغصوبة بطل العقد، ويحكم بملكها للمشتري بمجرد التعيين فيملك التصرف فيها، وإن تلفت فمن ضمانه، وإن وجدت معيبة من غير جنسها بطل العقد، إلى غير ذلك من الفوائد، كما نبه على ذلك في الإنصاف وغيره.
وسئل: إذا دفع رجل إلى آخر دراهم صرفا، أو ثمن مبيع ثم مضى بها الذي دفعت إليه، فلما أخذ مدة أتاه بدراهم قد ظهرت زيوفا، فأنكرها فمن القول قوله؟
فأجاب: القول قول الصارف، أو المشتري مع يمينه، فيحلف بالله: لقد أوفيتك الدراهم صحاحا ويبرأ.
стр. 2305
باب بيع الأصول والثمار
سئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن نخل اشتري بحقوقه، وفيه منازل ... إلخ؟
فأجاب: أما النخل الذي اشتري بجميع حقوقه وتوابعه، فالمتعارف بين أهل الوقت، أن المنازل من آكد التوابع.
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن دفع أرضه لإنسان ليغرسها، بما اتفقا عليه من نصيب كل منهما فهل يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس؟
فأجاب: يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس، لأن بيع المشاع صحيح، والمشتري يقوم مقام البائع، في إلزام العامل بإتمام العمل الذي شرط عليه في العقد، وإذا تلف نصيب الغارس من النخل رفع يده عن الأرض، لأنه ليس له فيها حق، بل لو اشترط في ابتداء العقد، أن له شيئا من الأرض فسد العقد بلا خلاف بين العلماء، والمشتري من مالك الأرض، إن كان
стр. 2306
إنما اشترى نصيبه من الغرس، فهو صحيح كما ذكرنا، وإن كان الشراء لنصيبه من الغرس، وجميع الأرض، فالذي أرى أنه لا يصح، لأنه ما يمكنه تسليم الأرض والحالة هذه.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: إذا باع رجل على آخر أرضا أو نخلا أو غير ذلك ثم أراد المشتري بيعها على غير من اشتراها منه ... إلخ؟
فأجاب: له بيعها على من شاء من الناس، ولا يلزمه بيعها على من اشتراها منه.
وسئل: إذا باع رجل نخلا مؤبرا فأراد مالك الأصل أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها؟
فأجاب المسألة فيها روايتان الأولى: لا تباع الثمرة قبل بدو صلاحها لنهيه ﷺ وهي رواية عن مالك وأحد الوجهين للشافعي والثانية: عدم المنع.
وأجاب بعضهم: إذا باع نخلا قد تشقق طلعه، ولم يشترط المشتري الثمرة ثم تنازعا بعد ذلك في الثمرة فأكثر أهل العلم على أن الثمر إذا تشقق، ثم بيع النخل بعد ذلك ولم يشترط المشتري الثمرة، فإنها تكون للبائع، سواء أُبِّرت أو لم تؤبر، وبالغ الموفق ﵀ في ذلك، وقال: لا خلاف فيه بين العلماء، وعن أحمد رواية ثالثة: وهو أن الحكم منوط بالتأبير، وهو التلقيح، لا بالتشقق، فعليها لو
стр. 2307
تشقق ولم يؤبر تكون الثمرة للمشتري، ونصر هذه الرواية الشيخ تقي الدين، واختارها في الفائق.
وأما قبل التشقق، فهي للمشتري، وبه قال مالك والليث والشافعي، وقال ابن أبي ليلى هي للمشتري في الحالين، وقال أبو حنيفة والأوزاعي هي للبائع في الحالين، ووجه الأول: ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع " ١ وهذا صريح في قول ابن أبي ليلى، وحجة على أبي حنيفة والأوزاعي بمفهومه، لأنه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله للمشتري، وإلا لم يكن حدا ولا كان التأبير مفيدا.
وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عن استثناء حمل النخل قبل اطلاعه.
فأجاب: وأما استثناء حمل النخل قبل اطلاعه، فالذي ظهر لنا أن ذلك غير صحيح لشبهه بالمعدوم، وأما ما استدل به القائل من عبارة شرح الإقناع، فلعدم فهمه لعبارته، وليست عبارته مخالفة لعبارة الأصحاب، ومراده- والله أعلم- أن قوله قبل ظهوره من غلافه، أي: كافوره، أي قبل تشققه وتلقيحه.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن بيع الثمر قبل الجذاذ هل يلزم ولو لم ينقد الثمن؟
стр. 2308
فأجاب: أما الذين يبيعون الثمر وقت الجذاذ يصح البيع ولو لم ينقد الثمن، ولم يقبض المشتري الثمر فهو لازم ولو ما نقد، لأنه إذا خلى بينه وبينه فهذا قبض.
وسئل ابنه الشيخ عبد الله: عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؟
فأجاب: أما بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فهو منهي عنه، فإن فعل فهو فاسد ويرد الثمن إلى المشتري، ويلزم الإنكار على من فعله والثمرة إذا بيعت في رؤوس النخل ثم حدث بها عيب لم تجر به العادة مثل ";السعيف" ١ الكثير، و "الخنان" ٢ فهذا من ضمان البائع، وتثبت الجائحة عليه، يطالبه المشتري بذلك، وأما بيع العنب رطبا فلا بأس به إذا بدا منه الصلاح.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما إذا باع الثمره بعد بدو صلاحها بشرط القطع، فقدم في الشرح وغيره: يجوز هذا الشرط، وهو ظاهر، إذا تلفت والحالة هذه، فإن كان تلفها قبل تمكين المشتري من أخذها، فهي من ضمان بائع، وإن كان تلفها بعد التمكن من أخذها، فهي من ضمان مشتر لتفريطه، وقد صرح الأصحاب: فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فتلفت بجائحة سماوية بعد تمكنه
стр. 2309
من قطعها، فهي من ضمانه، وإن تلفت قبل تمكنه من قطعها، فهي من ضمان بائع، لعموم الحديث؛ وصرحوا أيضا فيما إذا اشتراها بعد بدو الصلاح، ولم يشترط القطع في الحال، بأنها من ضمان بائع، ما لم يؤخرها المشترى عن وقت أخذها المعتاد، فإن أخر أخذها عن الوقت المعتاد، فالثمرة التالفة من ضمان مشتر لتفريطه.
وسئل: عن رجل اشترى ثمر نخلة ثم خرفها نحو ثلاث خرفات ثم أهضبت ١ فأراد الفسخ، فأبى البائع وقال: اخرفها، وأبدله تمرا صحيحا وهل يقبل قوله في قدر ما خرف؟
فأجاب: الظاهر أن للمشتري الفسخ، وأن القول في قدر الذي أخذ من النخلة قوله بيمينه لأنه غارم، والقول قول الغارم بيمينه، وذلك حيث لا بينة لأحدهما.
وأجاب بعضهم: إذا باع رجل ثمرة بعد بدو صلاحها، بشرط القطع لنفي الضمان لا حقيقة الشرط، فإن مثل هذا الشرط الذي لا يقصد المتعاقدان حقيقته، وإنما قصدوا إبطال ما أثبته الله ورسوله، من وضع الجائحة، لأن المقصود إلى العقود معتبر، والأعمال بالنيات، ومن اشترط شرطا يخالف حكم الله ورسوله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، وكذلك إذا
стр. 2310
اشترط شرطا لا حقيقة له، وإنما قصده ونيته غير الشرط، وقد ذكر الشيخ تقي الدين، وتلميذه ابن القيم من ذلك صورا كثيرة.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد عمن اشترى ثمر نخلة بآصع بر معلومة، وأسلمها في مجلس العقد وهو يريد نخلة مقيظا ولا يقدر ... إلخ؟
فأجاب: الذي يظهر أن ذلك لا يجوز، إلا بشروط، على ما ذكر أهل العلم في شروط العرية; وأما إذا كان عنده ثمن غير البر من الأثمان أو العروض، فالذي يظهر: أن ذلك لا تجوز له العرية، وأما إذا لم يكن عنده غير العيش، وتمت الشروط التي ذكر أهل العلم فإنه جائز.
وسئل: عن بيع الزرع الأخضر، لمالك الأرض؟
فأجاب: هو كبيع الثمر، على روايتين، منهم من قال بالصحة، ومنهم من لم يقل، وممن قال بالصحة أبو الخطاب; وبيع الزرع قبل حصاده بالدراهم إذا اصفر جائز.
وسئل أيضا: إذا باع رجل على آخر زرعا أخضر أو أثلا ونحوه، بشرط جزه في الحال إلخ؟
فأجاب: إذا باعه بشرط القطع، ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح، أو طالت الجزة، أو زادت قيمة الأثل، أو حدثت ثمرة أخرى فلم تتميز أو اشترى عرية ليأكلها رطبا
стр. 2311
فأتمرت، فالظاهر أنه يبطل البيع في الرواية الأولى، والثانية لا يبطل البيع، ويشتركان في الزيادة، والرواية الثالثة يتصدقان بالزيادة، وأما بيع غلة الأرض سنين معلومة فهذا لا يجوز ولا يصح.
وأجاب الشيخ: سعيد بن حجي: إذا كان لرجل أرض، وفيها قطن وخضراوات، فلا أعلم شيئا يدفع صحة البيع، إذا بيع من أصوله، لكن الزرع الأخضر لا يجوز بيعه منفردا، إلا بشرط قطعه في الحال.
وأجاب بعضهم: وأما بيع الزرع فلا يجوز قبل اشتداد حبه، إلا بشرط القطع في الحال، لما روى مسلم: " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة " ١ نهى البائع والمشتري، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا يعدل عن القول به، نعم لو باعه مع الأرض جاز.
وأما بيعه منفردا لمالك الأرض، فوجهان، أحدهما: يصح وهو المشهور عن مالك، والثاني: لا يصح لأنها تدخل في عموم النهي، بخلاف بيعهما معا، وبيع القت قبل تمامة، فمتأخروا الفقهاء منعوا من ذلك، قال في الإقناع وشرحه: وكذا حكم رطبة وبقول، فلا يباع شيء منها منفردا بعد بدو صلاحه، إلا جزة جزة، بشرط جزه أي قطعه في الحال، لأن الظاهر منه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، بخلاف ما في الأرض، فإنه مستور مغيب، وما يحدث منه مجهول فلم يجز
стр. 2312
بيعه، كالذي يحدث من الثمرة، انتهى، قال ابن أبي عمر: ولا يجوز بيع الرطبة والبقول، إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة، إلا أن يبيع أصله، ورخص مالك في شراء جزتين وثلاث، انتهى.
وقال الشيخ ﵀: يجوز بيع اللقطة الموجودة والمعدومة إلى أن تيبس المقثاة
قال ابن القيم ﵀: ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله جمعه ولا في كلام أحد من الصحابة، أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام ولا بمعنى خاص، إنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، وفيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودا أو معدوما- إلى أن قال- وقد صح عن النبي ﷺ هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر، حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له فقال: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " ١ انتهى.
فكلام ابن القيم يؤيد قول مالك، وقول شيخه ﵀: أن بيع الرطبة ونحوها جائز، لأنه وإن كان معدوما فليس فيه غرر، لأنه يقدر على تسليمه فلا غرر.
وأجاب بعضهم: اعلم أن في هذه المسألة قولان للعلماء، أحدهما: أنه لا يجوز حتى يقلع، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، قالوا: لأن هذه أعيان غائبة لم
стр. 2313
ترَ، الثاني: جواز بيعه وإن لم يقلع، وهذا هو الصواب، لأن هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبرة يستدلون بما ظهر من الورق على المغيب في الأرض، كما يستدلون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، وكما يستدلون أيضا بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم..
وأيضا: العلم بالمبيع شرط في كل شيء بحسبه، فما يظهر بعضه وكان في إظهار باطنه مشقة إذا خرج، اكتفى بظاهره، كالعقار، فإنه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان وأمثال ذلك، وأيضا: إن ما احتيج إلى بيعه، فإنه يسوغ فيه ما لا يسوغ في غيره، فيبيحه الشارع للحاجة مع قيام السبب، كما رخص في العرايا بخرصها، وأقام الخرص مقام الكيل بجنسه إذا، ولم يكن ذلك من المزابنة المنهي عنها.
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: عن بيع المخاضرة والمعاومة؟
فأجاب: بيع المخاضرة، هو بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد حبه، وبيع المعاومة نحو: أن يشتري منه ثمرة هذا النخل سنتين أو أكثر، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ظاهر.
وسئل: عمن ساقى على نخل وعمل فيه مدة، ثم جاء
стр. 2314
آخر فاشترى منه عمله في سقيه للنخل تلك المدة، ونزل منْزلته في المساقاة؟
فأجاب: إن كانت الثمرة قد ظهرت، فإنه لا يجوز بيعها، لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، إلا إن باعها لمالك الأصل، فيصح على الصحيح من المذهب، وإن كانت الثمرة لم تظهر فباع عمله وتعبه.
فقد نص الإمام أحمد على أنه لا يجوز للمزارع بيع عمله قبل ظهور الزرع، قال لأنه لم يجب له شيء.
وسئل الشيخ: عبد الله بن ذهلان: عن بيع العامل تعبه إذا أراد الظهور؟
فأجاب: بأن ذلك لا يصح، لكن إذا كانت المساقاة صحيحة، فعليه تمام العمل، قال: فلو دفع إليه شيئا وقال أنا أقوم مقامك، ثم يتحاسبان صح ذلك، انتهى.
فليتأمل قوله ثم يتحاسبان، ولعل مراده: أنه إذا دفع إليه شيئا ثم حاسبه بعد ذلك بما غر في سقيه، ويحسبه مما دفع إليه، فيصح على هذا الوجه لا على وجه البيع.
وسأل الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن رجل أخذ آصعا يبذرها وله نصف، ولصاحب البذر النصف وقال كل منهما من يعطيني قدر تعبي وذهابي وأجرة الأجير، وله نصيبي من الزرع؟
فأجاب: وما ذكرت من المسألة وفتواك فيها، فالظاهر
стр. 2315
صحة ما أفتيت به من عدم صحة البيع، وأنه داخل في بيع الزرع الذي لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع، والإشكال الواقع في نفسك، إن كان بسبب كلام لأحد من أهل العلم فاذكره لي، لأن هذه المسألة كثيرة الوقع.
وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن علي عن النماء المنفصل في ثمرة النخل؟
فأجاب: الظاهر أنه وجود الطلع، وقبله نماء متصل، وفي ذلك خلاف مشهور قرره الشيخ منصور في حاشيته.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: هل صلاح بعض الشجر صلاح لكل نوع؟
فأجاب: هذه المسألة على روايتين، والصحيح أن صلاح البعض صلاح للكل.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما قوله في النخل: أن تحمار وتصفار فهو الذي تراه بعينك، انقلابه بعد الخضرة إلى الحمرة والصفرة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن بيع القطن وهو في رؤوسه قبل أن يخرج؟
فأجاب لا يجوز حتى يتبين صلاحه ويزول عنه الغرر.