وقال القاضي في المجرد: هو تعليقه على شرط يقصد به الحث على الفعل أو المنع، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن لم تدخلي فأنت طالق، أو على تصديق خبره، مثل قوله: أنت طالق، قدم زيد أو لم يقدم. فأما التعليق على غير ذلك، نحو قوله: أنت طالق إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج، أو إن لم يقدم السلطان، فهو شرط محض ليس بحلف، لأن حقيقة الحلف القسم، وإنما يسمى تعليق الطلاق على شرط حلفاً تجوزاً، لمشاركته الحلف في المعنى المشهور، وهو الحث أو المنع، أو تأكيد الخبر، نحو قوله: والله لأفعلن، أو لا أفعل، أو لقد فعلت; وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا يصح تسميته حلفاً، وهذا مذهب الشافعي.
فإذا قال لزوجته: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، لم تطلق في الحال على القول الثاني، لأنه ليس بحلف، وتطلق على الأول لأنه حلف. وإن قال: كلما كلمت أباك فأنت طالق، طلقت على القولين جميعاً، لأنه علق طلاقها على شرط يمكن فعله وتركه، فكان حلفاً، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. انتهى كلام صاحب المغني.
قال في الاختيارات: ومن علق الطلاق على شرط، أو التزامه، لا يقصد بذلك إلا الحض والمنع، فإنه يجزئه
стр. 2942
فيه كفارة يمين إن حنث. وإن أراد الجزاء بتعليقه طلقت، كره الشرط أو لا؛ وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم، وعليه يدل كلام أحمد في نذر اللجاج والغضب. انتهى. والله أعلم.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن حرم زوجته ... إلخ؟
فأجاب: تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاقاً أو يميناً، نص عليه إمامنا، ﵀، في رواية الجماعة؛ وهو المذهب، ونقل عنه ما يدل على أنه يمين، وفاقاً للثلاثة; وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات، والفتاوى المصرية، في باب الظهار بالأول، لكن قال ابن القيم - في الإعلام -: إنه إن أوقع التحريم كان ظهاراً لو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يميناً مكفرة؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدل النص والقياس، فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكراً من القول وزوراً، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم، وإذا حلف به كان يميناً من الأيمان، كما لو التزم الإعتاق والحج، وهذا محض القياس والفقه. انتهى.
قلت: قوله وإذا حلف كان يميناً ... إلخ، بناء على ما ذهب إليه، من أن المعلق للطلاق على شرط، يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام، فإنه يجزئه كفارة يمين إن
стр. 2943
حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجود المعلق عليه طلقت، وصرح به الشيخ في باب تعليق الطلاق بالشروط. قال: وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما تحريم الرجل زوجته، ففيه خلاف مشهور، وأقوال العلماء فيه كثيرة: قيل: هو طلاق ثلاث، وقيل: طلقة بائنة، وقيل: يمين فيه كفارة، وقيل: ظهار فيه كفارة الظهار؛ وهذا القول هو المشهور عند الحنابلة. وأما تحريم الإنسان أمته، أو الطعام، أو الشراب، أو اللباس ونحو ذلك، ففيه كفارة يمين.
وأجاب أيضاً: وأما تحريم الرجل امرأته، فمعلوم لديكم ما في المسألة من الخلاف الكثير، وأن المشهور في مذهب أحمد أنه ظهار مطلقاً، وعند مالك طلاق ثلاث، وهو رواية عن أحمد; وعن أحمد: أنه يمين، وهو قول أبي حنيفة. والفتيا في هذه الأمور صعب، لاختلاف الصحابة في ذلك ومن بعدهم، والله أعلم.
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀: عمن ظاهر من امرأته بالثلاث؟
فأجاب: الذي قال: امرأتي علي كأمي بالثلاث، فالذي أرى: أن قوله: بالثلاث، لا يفيد شيئاً، أعني: ما يلزمه طلاق بذلك، وإنما هو مظاهر، فإن لم يجد ما يعتق
стр. 2944
لفقره، لزمه صيام شهرين متتابعين. وكونه جامع قبل التكفير، فإنه يأثم بذلك، ولا يلزمه إلا الكفارة الواجبة، فإذا أخبر بما يجب عليه، فهو أمانة عنده، والله أعلم.
وسئل أيضاً: عمن قال: مثل أمي ما أذوق لك طعاماً، أو ذبيحة؟
فأجاب: أما من قال: مثل أمي ما أذوق لك طعاماً، أو ذبيحة، ومراده: تشبيه زوجته بأمه، فإن هذا حلف بالظهار، فإن لم يأكل فلا حنث، وإن أكل حنث، ويلزمه حكم الظهار عند الأصحاب. وعند الشيخ تقي الدين، وابن القيم: أن الحالف بالظهار، لا يلزمه إلا كفارة يمين، وهذا هو الذي نفتي به.
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن قال: علي الطلاق لأفعلن كذا، ثم حنث؟
فأجاب: هذه المسألة، الخلاف فيها مشهور بين السلف والخلف، وفيها روايتان عن أحمد: إحداهما: تطلق ثلاثاً، صححه في التصحيح; قال في الروضة: هو قول جمهور أصحابنا، لأن الألف واللام للاستغراق، فتقتضي استغراق الكل وهو ثلاث. والرواية الثانية: لا تطلق إلا واحدة، وهي المذهب، لأنه يحتمل أن تعود الألف واللام إلى معهود، يريد الطلاق الذي أوقعته؛ قال الموفق: والأشبه في هذا جميعاً، أن يكون واحدة في حال
стр. 2945
الإطلاق، لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثاً، ولهذا ينكر أحدهم أن يكون طلق ثلاثاً، ولا يعتقد أنه طلق ثلاثاً. انتهى.
وأما الروايتان عن أحمد، إذا قال ذلك وأطلق ولم ينو شيئاً، فأما إن نوى ثلاثاً، فإنه يقع به ثلاث طلقات. وأما الشيخ تقي الدين، فإنه فرق بين أن يقصد الحالف إيقاع الطلاق أو لا يقصده، وإن كان يكره وقوع الجزاء، ولكن علقه على شرط ليحث نفسه على فعل شيء أو تركه، فهذا يكون عنده من باب الأيمان، وتكون كفارة يمين. وإن كان يقصد إيقاع الطلاق، ولا يكره وقوع الجزاء، فهذا إذا وقع عنده الجزاء، وقع عنده الطلاق.
وأجاب أيضاً: وأما من قال: علي الطلاق أو الحرام لا أفعلن كذا، وفعله، فالذي نعمل عليه: أنه ليس عليه إلا كفارة يمين، إذا فعل المحلوف عليه.
وأجاب أيضاً: إذا قال: علي الطلاق بالثلاث إن لم أفعل كذا، أو لا أفعل كذا، فإذا لم ينو به الطلاق بل مراده الحث أو المنع، فهو يمين مكفرة، يخير بين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد بر أو مدي شعير أو مدي تمر، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما إذا قال الرجل لامرأته: علي الطلاق بالثلاث ما أضاجعك سنة،
стр. 2946
فوطئها وضاجعها قبل ذلك، فهذه المسألة اختلف العلماء فيها، فذهب الجمهور: إلى أنه يقع به الطلاق، وتبين منه امرأته.
وذهب الشيخ تقي الدين، وطائفة من التابعين، إلى أنه إن كان قصده بالحلف بالطلاق منع نفسه عن مضاجعتها، ولم يقصد إيقاع الطلاق، بل قصد منع نفسه فقط، لم يقع به الطلاق، ويكون ذلك بمنزلة اليمين، فيكفر كفارة يمين. وإن كان قصده وقوع الطلاق، عند فعل ما حلف عليه، وقع؛ قال الشيخ: بلا خلاف، لأنه قصد الإيقاع فوقع.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى: وقول السائل: استعمال الناس اليوم الحلف بالطلاق، عند إلجاء أحدهم إلى الغضب، كقولهم: علي الطلاق لأفعلن ... إلى آخر ما نقل السائل، نقل شيخنا: الشيخ الهمام العلامة، ﵀، عن الإمام أحمد، ﵀، روايتين، في قول القائل: علي الطلاق: إحداهما: تطلق ثلاثاً ... إلخ. أقول: هذه الرواية هي المذهب، إذا نوى الثلاث. وإن لم ينو ثلاثاً فواحدة، عملاً بالعرف، وكذا قوله: الطلاق لازم لي، أو علي صريحاً، أو معلقاً، أو منجزاً، أو محلوفاً به؛ هذا شرح ما نقله عن شيخنا، وهو المعتمد.
стр. 2947
وأما ما فرق به شيخ الإسلام، فقد ذكرته للسائل في جوابنا الذي صدر قبل هذا في مسألة التحريم، وأشرت إلى قوة ما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وحاصله: أنهما اختارا أنه يقع بوجود شرطه، إذا أراد الجزاء بتعليقه، إلا إن أراد الحض أو المنع. وقولهم: إن أراد الجزاء، أي: الطلاق، احترازاً من أن يريد حضاً، أو منعاً، وهو يكره وقوعه عند شرطه، فإنه- والحالة هذه- عندها يمين مكفرة. انتهى. والذي عليه مشايخنا من أهل الفتوى: إنما يعتمدون كلام الجمهور في هذه المسألة، فيفتون بإيقاع الطلاق، إذا وجد المعلق عليه، وهو الشرط، كما عليه الأئمة وجمهور العلماء.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا قال الرجل: علي الطلاق بالثلاث إن لم أفعل كذا، أو لا أفعل كذا، ففعل، فإذا لم ينو به الطلاق، بل مراده الحث أو المنع، فهو يمين مكفرة؛ يخير بين عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، أو إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مدي شعير، أو مدي تمر أو مد بر، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام.
[ألفاظ الطلاق]
سئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: إذا طلق امرأته عدد خوص النخل؟
فأجاب: إذا طلق امرأته عدد خوص النخل، فلا
стр. 2948
سبيل له عليها.
وسئل الشيخ سعيد بن حجي: عن رجل تشاجر هو وزوجته عند الأمير، فقالت للأمير: أنصفني وإلا طلقني من إمارتك، فحرص زوجها، وقال: أنت طالق عدد زقان الجراد، فقالت: هبت ريحك، فقال لها: من إمارة فلان، ويحلف أن كلامه مجاوبة عن الأمير، حيث قالت: طلقني من إمارتك، فقال: أنت طالق عدد زقان الجراد من إمارته، ومعه على ذلك شهود؟
فأجاب: قال ابن رجب في شرح الأربعين: وقد روي "عن عمر أنه رفع إليه رجل، قالت امرأته: شبهني، قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول أنت خلية، أنت طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك"، خرجه أبو عبيد، وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها فيخلى عنها، فهي خلية من عقالها، وهي طالق لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق بنيته. قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء، يشبه لفظ الطلاق والعتاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله، فيما بينه وبين الله (وفي الحكم على تأويل عمر ﵁.
ويروى عن الأشيمط السدوسي، قال: "خطبت امرأة، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني طلقتها
стр. 2949
ثلاثاً، فزوجوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقتها ثلاثاً؟ قال: كان عندي فلانة فطلقتها، وفلانة فطلقتها، وأما هذه فلم أطلقها، فأتيت شقيقاً أبا ثور، وهو يريد الخروج إلى عثمان وافداً، فقلت: سل أمير المؤمنين عن هذه، فسأله، فقال: نيته"، خرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق، وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث الأشميط تعرفه؟ قال: نعم، السدوسي إنما جعل نيته بذلك. انتهى كلام ابن رجب.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ : " أن المرأة إذا أقامت شاهداً واحداً على الطلاق، فإن حلف الزوج أنه لم يطلق لم يقض عليه. وإن لم يحلف، حلفت المرأة ويقضى عليه ". انتهى من إعلام الموقعين لابن القيم. فهذا كلام الخليفتين الراشدين، عمر وعثمان، ﵄، أنهما ردا ما احتمل معنيين إلى نية المطلق، ولأن الأصل مع الزوج وهو الزوجية، وفي حديث عمرو بن شعيب: أن الزوج يستحلف أنه لم يطلق.
إذا تقرر هذا، فإن كان الزوج الذي قال لامرأته حين قالت للأمير: طلقني من إمارتك، قال: أنت طالق عدد زقان الجراد من إمارة فلان، لم يقع عليها طلاق لأنه وصله بما يصرفه عن ظاهره، فإن لم يكن وصل الطلاق
стр. 2950
بقوله من إمارة فلان، حلف الزوج بالله الذي لا إله إلا هو، ما أردت طلاق زوجتي، وإنما أردت طلاقها من إمارة فلان، فإن حلف فهي زوجته؛ وهذا الذي ذكرنا، قد صرح به بعض العلماء في كتبهم، لكن إن كانت الزوجة قالت له: طلقني، وهو في شدة غضب، فقال: أنت طالق عدد زقان الجراد، ولم يصله بقوله من إمارة فلان، فلا يقربها إلا بمراجعة العلماء، والله أعلم.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا قال: أمرك بيدك؟
فأجاب: المشهور أن القضاء ما قضت، فإن طلقت نفسها ثلاثاً وقع، وإن نوى أقل منها؛ روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء الزهري; وروي عن عمر وابن مسعود: أنها طلقة واحدة، وبه قال عطاء ومجاهد، والقاسم وربيعة، ومالك والشافعي; قال الشافعي: القول قوله في نيته; وعن أحمد ما يدل على ذلك، وأنه إذا نوى واحدة فهي واحدة.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: ما الفرق بين: طلقي نفسك، وأمرك بيدك؟
فأجاب: أما قوله: طلقي نفسك، ونحو هذا اللفظ، فهذا وكالة صريحة، كما لو قاله لغير زوجته; وقوله: أمرك بيدك، كناية في التوكيل في الطلاق، يحتاج إلى نية
стр. 2951
الزوج، أن مراده تفويض أمرها إليها.
والفرق من جهة العربية، أن قوله: أمرك بيدك، يقتضي توكيلها في جميع أمرها، لأن قوله: أمرك، اسم جنس مضاف، فيتناول الطلقات الثلاث، أشبه ما لو قال: طلقي نفسك ما شئت. وكذا لو قال لأجنبي: أمر زوجتي بيدك، ملك تطليقها ثلاثاً.
تفويض الطلاق للزوجة
قال في الشرح: وإن قال لامرأته: طلقي نفسك، فلها ذلك كالوكيل، فإن نوى عدداً فهو على ما نوى، وإن أطلق من غير نية لم تملك إلا واحدة، لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم؛ وكذلك الحكم لو وكل أجنبياً، فقال: طلق زوجتي، فالحكم على ما ذكرنا.
قال أحمد فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى ثلاثاً، فطلقت نفسها ثلاثاً: فهي ثلاث; وإن كان نوى واحدة لم تطلق إلا واحدة، لأن الطلاق يكون واحدة، ويكون ثلاثاً، فأيهما نواه، فقد نوى بلفظه ما يحتمل، وإن لم ينو تناول اليقين، وهو واحدة.
ثم قال الشارح: ولا يطلق الوكيل أكثر من واحدة، إلا أن يجعل ذلك إليه، لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم، إلا أن يجعل إليه أكثر من واحدة، بلفظه، أو نيته، نص عليه، والقول قوله في نيته، لأنه أعلم بها..
ثم قال الشارح: إذا قال لامرأته: أمرك بيدك، كان
стр. 2952
لها أن تطلق ثلاثاً، وإن نوى أقل منها؛ هذا ظاهر المذهب، لأنها من الكنايات الظاهرة، روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والزهري، قالوا: إذا طلقت ثلاثاً، فقال: لم أجعل لها إلا واحدة، لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت. وعن عمر وابن مسعود: أنها طلقة واحدة، وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم، ومالك والأوزاعي. وقال الشافعي: إن نوى ثلاثاً، فلها أن تطلق ثلاثاً، وإن نوى غير ذلك لم تطلق ثلاثاً، والقول قوله في نيته.
ثم احتج الشارح للقول الأول، بما ذكرناه أولاً، من أن قوله: أمرك، اسم جنس مضاف، فيتناول الطلقات الثلاث، أشبه ما لو قال: طلقي نفسك ما شئت. انتهى. فإن ادعى الزوج، أنه لم يرد بقوله لزوجته: أمرك بيدك، تفويض الطلاق إليها، فالقول قوله، ما لم يقع ذلك جواباً لسؤالها الطلاق ونحوه. وأما قول العامة: طلقتك على نفسك، فالذي يظهر: أن هذا كناية في الوكالة، تملك به واحدة، وتعتبر نيته أيضاً، أو يكون ذلك جواباً لسؤالها.
وأجاب أيضاً: إذا قال الزوج لامرأته: أمرك بيدك، فإنها تملك ثلاثاً، ولو قال: طلقي نفسك، لم تملك إلا واحدة.
стр. 2953
الطلاق لحرمان الزوجة من الميراث
سئل الشيخ حسين وعبد الله: ابنا الشيح محمد، ﵏: إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر، أو بثلاثة أيام، أو قال: قبل موتي بثلاثة أيام أنت طالق، وطلب هذا الزوج أن يحرم زوجته من الميراث الشرعي، فهل يقع في الحال؟ أم يجوز له أن يطأها إلى أن يموت؟
فأجابا: الذي نص عليه علماؤنا، رحمة الله عليهم، أنه يجب على الزوج اعتزالها من حين ذلك، لأن كل شهر، أو يوم، يحتمل أن يموت فيه، فتكون قد طلقت قبله في الوقت الذي وقَّته، فإذا وطئها والحالة هذه، احتمل أن يموت، فيكون قد وطئها في حال بينونتها.
وأما إذا عرف أن قصده بكلامه ذلك، حرمانها من الميراث، فإنها ترثه ولو خرجت من العدة، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء؛ وهو الذي تدل عليه قصة عمر، مع غيلان بن سلمة الثقفي، لما طلق زوجاته، وقسم الميراث بين أولاده. وهذه المرأة في حال حياة زوجها، لها حكم الزوجات من النفقة والكسوة والسكنى، لا في الوطء والنظر، فإن ذلك لا يجوز. هذا الذي دل عليه كلام الحنابلة، والله أعلم ١.
стр. 2954
[تعليق الطلاق على الماضي والمستقبل]
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن تعليق الطلاق على الماضي والمستقبل ... إلخ؟
فأجاب: التعليق على الماضي، معلوم من الكتاب والسنة، ونحو هذا التعليق يسمى حلفاً، لأن التعليق الذي يقصد به الحث على شيء، أو المنع منه، أو يراد به تصديق خبر، أو تكذيبه، يسمى حلفاً; وأما التعليق الذي لا يقصد به شيء من ذلك، فلا يسمى حلفاً على الصحيح من المذهب. فلو قال: إن كنت فعلت كذا، فزوجتي طالق، وكان قد فعله، حنث. وكذا لو قال: إن لم أكن فعلت كذا، فزوجتي طالق، أو فعبدي حر، وكان لم يفعله، حنث إن لم يتأول، حيث جاز التأويل، كما ذكروه في باب التأويل في الحلف.
وما ذكرتموه من كلام منصور: بأن المعلق عليه لا يكون ماضياً، فلعل مراده إذا تجرد الشرط عن لفظ كان، كما قال القاضي فيما روي عن أحمد، في رجل قال لامرأته: إن وهبت كذا فأنت طالق، وإذا هي قد وهبته، قال الإمام: أخاف أن يكون قد حنث؛ قال القاضي: هذا محمول على أنه قال: إن كنت قد وهبتيه، وإلا فلا يحنث حتى تبتدي هبته. انتهى. فإذا اتصلت كان بأدوات الشرط، جاز كون المعلق عليه ماضياً أو حالاً.
стр. 2955
وقال المصنف: وقد يكون المعلق عليه موجوداً في الحال، وقد يكون مستقبلاً، ولا يكون ماضياً، ولذلك تقلب أدوات الشرط الماضي إلى الاستقبال، فدل قوله: وكذلك ... إلخ، على أن مراده بقوله: ولا يكون ماضياً إذا تجرد من كان، لأن الماضي إذا اقترنت به كان، لا يكون مستقبلاً، بل يبقى على مضيه، وهي إنما تقلب الماضي إلى الاستقبال إذا لم تقترن بكان، أو يكون أو مضارعاً، فدل قوله: ولذلك تقلب أدوات الشرط ١.
стр. 2956
باب تعليق الطلاق بالشروط
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن تعليق الطلاق ... إلخ؟
فأجاب: أما تعليق الطلاق، فالذي عليه أكثر أهل العلم، أنه إذا علقه على شرط ووجد الشرط وقع; وفرق الشيخ تقي الدين وغيره من أهل العلم في ذلك، فقالوا: إن كان قصده وقوع الطلاق، كما يقول: إن زنيت فأنت طالق طلقت، وإن كان قصده الحض، أو المنع للمرأة، أو لنفسه عن فعل الشرط، وليس قصده وقوع الطلاق، لم تطلق المرأة بذلك، ويكون يميناً مكفرة، نظراً إلى كونه إنما قصد بذلك الحلف الحض والمنع، لا وقوع الطلاق؛ وهذا هو الذي يختاره شيخنا، ويفتي به.
وأجاب أيضاً: وأما من طلق وعلق الطلاق، ولم يأت بشيء من حروف الشرط، كـ "إذا" و "متى" و "إن"، كقول القائل: إلى جاني حقي فأنت طالق، فمثل هذا ينوى به الشرط والجزاء، على لغة أهل بلده، ولا يشترط أن يأتي باللغة العربية؛ هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم، وأما الدليل فقد يخفى علينا، لكن هذا هو الذي نفتي به ونعمل.
стр. 2957
وسئل: إذا علق الرجل طلاق امرأته على شرط، وأراد إبطاله قبل وجود الشرط برجعتها، أو قال: أبطلت ما علقت؟
فأجاب: قال في الإنصاف: إذا علق الطلاق على شرط لزم، وليس له إبطاله، هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به؛ وذكر في الانتصار والواضح رواية: يجوز فسخ العتق المعلق على شرط، قال في الفروع: ويتوجه ذلك في طلاقه، ذكره في باب التدبير. وقال الشيخ تقي الدين أيضاً: لو قال: إن أعطيتني، أو إذا أعطيتيني، أو متى أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أن الشرط ليس بلازم من جهته، كالكتابة عنده؛ قال في الفروع: ووافق الشيخ تقي الدين على شرط محض، كإن قام زيد فأنت طالق، قال الشيخ تقي الدين: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء، إن كان معاوضة فهو معاوضة، فإن كانت لازمة فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القول ولا الكتابة، وقول من قال: التعليق لازم، دعوى مجردة. انتهى.
فتحرر: أن التعليق على شرط قسمان:
أحدهما: تعليق محض بلا شرط معاوضة، كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق، وإن خرجت فأنت
стр. 2958
طالق، فهذا ليس له إبطاله على قول الجماعة؛ ووافقهم الشيخ تقي الدين على ذلك، وهو الصواب.
القسم الثاني: تعليق بشرط معاوضة، كقوله: إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أو متى أعطيتيني، أو إذا ... فهذا تعليق بشرط معاوضة، وليس بلازم من جهة الزوج عند الشيخ تقي الدين.
وأما قولك: هل له إبطال الشرط برجعتها؟ فمعلوم: أن الطلاق لا يقع حتى يوجد الشرط، فكيف يراجعها؟ وأما قولك: وهل الطلقتان والثلاث في ذلك سواء؟ فهما سواء ولا فرق بينهما في ذلك بلا نزاع نعلمه.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما من قال لزوجته: إذا جاءني حقي فأنت طالق، وإن نزلت على أهلك فأنت طالق، فأقامت مدة لم تعطه، ولم تنزل على أهلها، فإذا علق طلاقها على ذلك، فالشرط لازم، والتعليق ثابت، ولو اتفقا على إبطاله، وفي الحديث: " ثلاث هزلهن جد وجدهن جد ... " ١ الحديث.
وأجاب أيضاً: وأما إذا قال رجل لامرأته: إن فعلت كذا فأنت طالق، ففعلته ناسية، هل يقع الطلاق مع النسيان، والحالة هذه، أم لا؟ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يحنث في الطلاق والعتاق إذا فعله ناسياً، ولا يحنث في سائر الأيمان
стр. 2959
مع النسيان، وهذا مذهب متأخري الحنابلة.
والقول الثاني: أنه يحنث في الكل إذا فعله ناسياً، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد.
والقول الثالث: أنه لا يحنث مع النسيان ولو في الطلاق والعتاق، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، واختاره صاحب الفروع، وقال هذا أظهر؛ وقال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥] .
وسئل: عمن قال لواحدة من زوجتيه: أترضين بكل ما أفعل بك، وإلا الحقي بأهلك، فقالت: ما أرضى إلا بالمواساة؟
فأجاب: قوله لها كناية في الطلاق، إن أراد بها الطلاق طلقت، لأنه في معنى التعليق على رضاها، ولم يوجد.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا علق الطلاق على شرط لزم، وليس له إبطاله؛ هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به، قاله في الإنصاف.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا قال شخص لزوجته: إن لم تقومي فأنت طالق؟
فأجاب: إذا قامت إبراراً للقسم لم تطلق، وإن لم ينو
стр. 2960
الفورية فلا تطلق، ولو تراخى القيام، ويدين في نيته.
وإذا قال لامرأته: إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فالعبرة بما قبلها: إن كانت تبغضه، فقد وجد ما علق الطلاق على وجوده، وتطلق حينئذ، وإن كانت لا تبغضه فلا تطلق، وتصدق لكون ذلك لا يعلم إلا من جهتها، تكلمت بذلك أم لا؛ وحيث وقع الاستفتاء يسألها المفتي عن ذلك، وعليها أن تجيب حينئذ بما تعلم في نفسها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال الرجل لامرأته: إن خرجت فأنت طالق، وكرره ثلاثاً، ثم خرجت؟
فأجاب: تطلق ثلاثاً ولو لم ينو شيئاً، وإن ادعى إرادة الإفهام بالتكرار قبل منه.
وسئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: إذا قال لزوجته: إن خرجت من داري بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها تخرج ما شاءت، هل تنحل يمينه؟
فأجاب: نعم تنحل يمينه، صرح بذلك في الإقناع، قال: فصل في تعليقه بالإذن، إذا قال: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، فأنت طالق، ثم أذن لها فخرجت مرة بإذنه، ومرة بغير إذنه، طلقت، إلا أن ينوي الإذن مرة، أو يقوله بلفظه; فإن أذن لها في الخروج كلما شاءت لم تطلق. فعلى هذا ينظر في حال الحالف
стр. 2961
بالطلاق، هل أراد الإطلاق أو التقييد؛ هذا على كلام الأصحاب، ولا يخفاك أن هذا من أنواع الحلف بالطلاق، ولا يقع للمراء، فكيف والحال ما ذكرت؟ قال ابن القيم في الإعلام: وقد أفتى علي بن أبي طالب في الحالف بالطلاق: لا شيء عليه، ولم يعرف له مخالف من الصحابة - إلى أن قال - والحالف بالطلاق لم يقصد وقوعه، وإنما منع نفسه أو غيره بالحلف بما لا يريد وقوعه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الذي حلف بالطلاق الثلاث، أن لا يفعل كذا وكذا، ثم بدا له فعله، لأن في ترك فعله قطيعة رحم؟
فأجاب: كلام الفقهاء في المسألة: أنه طلاق; والذي يفتي به شيخنا، ﵀، وهو مذهب الشيخ تقي الدين، ومن قال بقوله: أن ذلك يمين مكفرة، كأيمان المسلمين، وكفارته كفارة يمين.
وسئل: عمن حلف على امرأته لا تدخل بيت فلان، فدخلت ناسية؟
فأجاب: أما المرأة التي حلف عليها زوجها أن لا تدخل بيت فلان، وعلق طلاقها على دخوله، فدخلته ناسية، فهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها ثلاث روايات عن الإمام أحمد؛ والمذهب عند المتأخرين من
стр. 2962
الحنابلة: أن الطلاق يقع وإن كانت ناسية; وعند الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء: أنها لا تطلق، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥] ، وقوله ﷺ : " عفي لأمتي الخطأ والنسيان " ١.
وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: وأما مسألة الحلف بالطلاق الثلاث، فمسألة خلاف، وكلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فيها معروف، ولكن الشيخ محمد، ﵀، كثيراً ما يوافق اجتهاده في فتاوى مسائل الخلاف الشيخين، إلا في هذه المسألة، أخذ بقول الجمهور في وقوع الثلاث، سواء أوقعها إنشاء، أو حلفاً بها، أو تعليقاً.
ويلزم الأمير أن يكف الرجل عن فتواه بذلك، وأظنه يحسب أن المفتين في نجد ما علموا بما في المسألة من الخلاف، حتى جاء هو; وعمر ﵁ قد علم ذلك، فهو الذي قال: "استعجلوا أمراً كان لهم فيه أناة، فلو أوقعناه عليهم"، فأوقعه عليهم؛ وهو ﵁ خليفة راشد، قد أمرنا باتباعه، وهو أولى بالاتباع من الشوكاني، الذي هو عمدة هذا المفتي.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد ال) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: من الآية٥) لطيف: عمن طلق على وصول دراهم إلى غريمه، ثم تحاسبا، فصدق الغريم، وادعى النسيان، وهو حال الطلاق يظن صواب نفسه؟
стр. 2963
فأجاب: مسألة الجاهل والناسي، فيها أقوال للعلماء: فعن أحمد: أنه إذا حلف لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً، أو حلف: لا فعلت كذا، ظاناً أنه لم يفعله، حنث في الطلاق والعتاق، ولم يحنث في اليمين المكفرة; وهذه الرواية أخذ بها المتأخرون. والرواية الأخرى: أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق، وهذا قول عطاء وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح وإسحاق وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: من الآية٥)) وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطلاق: من الآية٢) [سورة الأحزاب آية: ٥] ، وقال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطإ والنسيان، وما استكرهوا عليه " ١.
стр. 2964
باب الرجعة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ما مقدار المدة التي تجوز فيها المراجعة؟
فأجاب: أما مقدار مدة المراجعة، فمتى طلق زوجته ثلاث تطليقات، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فإن كان لم يطلقها إلا طلقة أو طلقتين، فله رجعتها ما دامت في العدة; والعدة ثلاث حيضات إن كانت تحيض، وإلا بوضع الحمل إن كانت حاملا، أو ثلاثة أشهر إن كانت صغيرة ما تحيض، أو آيسة.
وأجاب أيضاً: والرجل إذا طلق زوجته طلقة، ولم تخرج من العدة، جاز له مراجعتها ووطؤها، وأما إذا خرجت من العدة، فلا يجوز له مراجعتها ووطؤها. وإذا طلقها ثلاثاً في مجلس واحد، لم يجز له مراجعتها إلا بعد زوج، وإذا كان دعوى الرجعة بعد العدة لم تقبل، وتتزوج المرأة ولا يلتفت إلى شيء بينه وبين نفسه، والإثم في عنقه وليس له عليها حجة؛ حتى إن بعض العلماء قال: إذا راجع الزوج في العدة بشهود، وكتم الشهود، أدبوا على ذلك.
стр. 2965
ومنهم من يمنع الرجعة عليه تأديباً له، لأن ذلك تحيل على تضييع النفقة أو غيرها، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الطلاق: من الآية٢)) مِنْ نِسَائِهِمْ) (المجادلة: من الآية٢) ﴾ [سورة الطلاق آية: ٢] .
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن طلق زوجته رجعية وغاب، ثم استرجعها في غيبته، وأشهد فلم يجد من يخبرها، فلما اعتدت تزوجت وحملت؟
فأجاب: إذا ثبت بشهادة رجلين عدلين أنه ارتجعها في العدة، فهذا النكاح الثاني باطل، لأنها زوجة غيره وترد على زوجها الأول؛ قال في الشرح: هذا هو الصحيح، وهو مذهب أكثر الفقهاء. انتهى. والولد يلحق الزوج، لأنه وطء شبهة، وتعتد منه بوضع الحمل، إلا إن أتت به لدون ستة أشهر من نكاح الثاني، فهو ولد الأول، لأنه لا يمكن أن يكون إلا منه فلحقه، وتعتد من الثاني بثلاثة قروء، كعدة النكاح الصحيح، ولا يقربها الزوج الأول ما دامت في عدة الثاني.
حكم الإيلاء
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا آلى من زوجته ... إلخ؟
فأجاب: وأما المولي من زوجته، فإذا فاء قبل مضي المدة فعليه الكفارة، وإن مضت المدة وقف؛ فإن وقتها بوقت معلوم، ومضى الوقت المعلوم لم يحنث. فإن حلف بلا توقيت، وقت له ما ذكر الله أربعة أشهر، فإن فاء فعليه الكفارة أيضاً، وإن طلق فلا كفارة عليه؛ هذا الذي أفهم الآن.
стр. 2966
كتاب الظهار
سئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: عمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي؟
فأجاب: الذي يقول: أنت علي مثل ظهر أمي، فعليه كفارة ظهار ١.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا قال: أنت علي حرام إلا أن يشاء الله، إن فعلت كذا وكذا؟
فأجاب: هو ظهار، لا يمنع وجوب الكفارة ما ذكر من الاستثناء بغير خلاف؛ وقول بعضهم: إنما فيه كفارة كاليمين بالله، والظهار لا يحنث إن استثنى فيه وقال: إن شاء الله، محله: إذا رجع الاستثناء إلى الفعل أو الترك، لا على نفس اليمين؛ قال ابن مفلح في هذا البحث: وكلامهم يقتضي إن رده، أي يمينه إلى الاستثناء، لم ينفعه لوقوعها، ولتبين مشيئة الله، وبه احتج الموقع في: أنت طالق إن شاء الله; وقال أبو يعلى الصغير، في اليمين بالله، ومشيئة الله. وتحقيق مذهبنا: أنها تقف على إيجاد فعل أو ترك، فالمشيئة معلقة على الفعل، فإذا وجد تبينا أن الله شاءه وإلا فلا، وفي الطلاق المشيئة انطبقت على اللفظ
стр. 2967
بحكمه الموضوع، وهو الوقوع. انتهى.
وقال شيخ الإسلام: الاستثئاء إذا رجع إلى فعل أو ترك محلوف عليه، إنما يفيد أن الفعل المعلق أو الترك لا يتعين فعله لتعليقه، لأن الجزاء إذا وقع لا كفارة فيه; وقال ﵀: الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل، فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوها، لا تعلق على مشيئة الله بعد وجود أسبابها، فإنها واجبه بوجود أسبابها، فإذا انعقدت أسبابها فقد شاء الله تعالى، وإنما يعلق على المشيئة الحوادث التي قد يشاؤها، وقد لا يشاؤها. وقال في هذا المبحث أيضاً: المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه، والمعنى: إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله، فإذا لم يفعله لم يكن قد شاءه، فلا يكون ملتزماً له، وإلا فلو نوى عوده في الحلف، بأن يقصد: إني حالف إن شاء الله من أن أكون حالفاً، كان معنى هذا الاستثناء في الإنشاءات، كالطلاق والعتاق، وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه. وأيضاً، فإنها بفعل المحلوف عليه يتبين إن شاء الله، فوقع ما علق عليه. ومن فقه هذا، عرف معنى كلام الفقهاء، وما المراد بالاستثناء المانع من الحنث; والواجب على المفتي والقاضي: أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ والتراكيب، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وما أحسن ما
стр. 2968
قيل:
والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد نظرا وحسن تَبَصُّرِ
وأيضاً، فإن المظاهر في مثل هذه الصورة، لا يقبل منه دعوى الاستثثاء لو كان راجعاً إلى الفعل إلا ببينة عادلة، لأن الظهار ثبت بشهادة الغير، فلا بد من شهادة على الاستثناء؛ ثم لو سلمنا أنه ثبت بإقراره أو من جهته، فدعواه الاستثناء لا تقبل أيضاً، لأنها له وإقراره بالظهار عليه، وفي الحديث: " لو يعطى الناس بدعواهم " ١ الحديث. وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدع.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن المظاهر إذا لم يملك إلا ثمن الرقبة، هل تلزمه؟
فأجاب: قال في الكافي بعد ذكر الآية والحديث: فمن ملك رقبة أو مالاً يشتري به رقبة، فاضلاً عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه، وما لا بد له منه من مؤنة عياله ونحوه، لزمه العتق، لأنه واجد؛ وإن كانت له رقبة لا يستغني عن خدمتها لم يلزمه عتقها، لأن ما استغرقته حاجته كالمعدوم، انتهى. وقال غيره نحو ذلك، حتى قالوا: إن كان عليه دين ولو لم يكن مطالباً به، أو له دابة يحتاج إلى ركوبها، أو كان له رقيق يتقوت بخراجهم، أو له عقار يحتاج إلى غلته، أو عرض للتجارة ولا يستغنى عن ربحه في مؤنته ومؤنة عياله
стр. 2969
وحوائجه الأصلية، لم يلزمه العتق، يعني: وينتقل إلى الصوم. وقال في الإرشاد للشافعية نحو ذلك.
وسئل: إذا انتقل المظاهر إلى صيام شهرين، هل يشترط أن لا يكون فيهما يوم عيد؟ وهل من أفطر فيهما شيئاً من الأيام يكفيه قضاء ذلك اليوم.... إلخ؟
فأجاب: قال في الكافي: ومن لم يجد رقبة وقدر على الصيام، لزمه صيام شهرين متتابعين؛ فإن شرع في أول شهر، أجزأه صيام شهرين بالأهلة، تامين كانا أو ناقصين. وإن دخل في أثناء شهر، صام شهراً بالهلال، وأتم الشهر الذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يوماً؛ فإن أفطر يوما لغير عذر، لزمه استئناف الشهرين، لأنه أمكنه التتابع. وإن حاضت المرأة أو نفست، أو أفطرت لمرض مخوف، أو جنون أو إغماء، لم ينقطع التتابع، لأنها لا صنع لها في الفطر. وإن أفطر لسفر، فظاهر كلام أحمد أنه لا ينقطع التتابع، لأنه عذر مبيح للفطر أشبه المرض؛ ويتخرج في السفر والمرض غير المخوف، أنه ينقطع التتابع، لأنه أفطر باختياره.
وإن أفطر يوم عيد فطر أو أضحى، أو أيام التشريق، لم ينقطع به التتابع، لأنه فطر واجب، ويكمل الشهر الذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين يوماً، لأنه بدأ من أثنائه; وإن صام ذي الحجة قضى أربعة أيام، وحسب بعدد ما أفطر، لأنه بدأ من أوله. وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان، لم ينقطع
стр. 2970
التتابع، لأنه زمن منع الشرع صومه في الكفارة، أشبه زمن الحيض. اهـ.
وسئل: إذا ظاهر منها وتمت عدتها، هل تزوج وتصير مظاهرته محل طلاق؟
فأجاب: لا يكون الظهار طلاقاً وإن نوى به الطلاق أو صرح به؛ قال في الإقناع وشرحه: وإن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فهو ظهار، ولا يقع به الطلاق ولو نواه وصرح به فقال بعد قوله: أنت علي كظهر أمي، أعني به الطلاق، لم يصر طلاقاً، لأنه لا تصلح الكناية به عندهم؛ ذكره في الشرح والمبدع. انتهى. وقال في الكافي وغيره نحو ذلك.
وقال في الإرشاد للشافعية: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام كظهر أمي، فله أحوال - إلى أن قال – الخامس: أن يعكس فينوي بالحرام الظهار، وبالآخر الطلاق، فيصح الظهار فقط، لأن قوله: كظهر أمي، لا يصلح كناية عن الطلاق. انتهى. وقاله في شرح الرسالة.
وأما حكم الظهار، فقال أيضاً في الإقناع وشرحه: ويحرم على مظاهِر ومظاهَر منها الوطء قبل التكفير، للآية ولحديث ابن عباس؛ ومن مات منهما ورثه الآخر، ولو مات أحدهما أو طلقها المظاهر قبل الوطء فلا كفارة عليه. وإن عاد المظاهر قبل الوطء فتزوجها، لم يطأها حتى يكفِّر. انتهى ملخصاً. وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك.
стр. 2971
وأما إذا ظاهر من زوجته ولم يكفِّر، إضراراً بها بلا عذر، وطلبت زوجته منه ذلك، فقد ذكر بعض فقهاء الحنابلة: أن حكمة كحكم المولي من زوجته، فتضرب له مدة أربعة أشهر؛ فإذا مضت الأربعة الأشهر ولم يكفر ويطأ، أو يفيء بلسانه إن كان له عذر، ورافعته إلى الحاكم، أمره الحاكم بذلك، فإن أبى أمره الحاكم بالطلاق إذا طلبته الزوجة، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه بعد طلب الزوجة، فإن طلق عليه الحاكم طلقة أو طلقتين أو فسخ صح ذلك، لأن الحاكم قائم مقام الزوج لأنه نائبه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن ظهار العبد؟
فأجاب: الذي عليه جمهور العلماء، أن الظهار يصح من كل زوج يصح طلاقه؛ قال في الإنصاف: وهذا هو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. فيصح ظهار الصبي حيث صححنا طلاقه، قال في عيون المسائل: سوى أحمد بينه وبين الطلاق - إلى أن قال - تنبيهان:
أحدهما: شمل قوله: يصح من كل زوج يصح طلاقه: العبد، وهو الصحيح وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به في الفروع وغيره; وقيل: لا يصح; والذي يترجح عندي هو قول جمهور العلماء.
سئل الشيخ علي بن حسين بن الشيخ: إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو قاله لمن أبانها ثم تزوجها؟
стр. 2972
فأجاب: الأمر كما قال صاحب المحرر، وعليه تدل نصوص أحمد، قال في الإقناع: وإن قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمي، أو إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، فتزوجها، لم يطأها حتى يكفِّر كفارة ظهار، لأنه إذا تزوجها تحقق معنى الظهار بينهما. وعلم صحة الظهار من الأجنبية روى ذلك الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، أنه قال في رجل قال: "إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، فتزوجها، فقال عمر: كفارة الظهار" قال الشارح: لأنها يمين مكفرة، فصح عقدها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى، والآيات خرجت مخرج الغالب، وهي قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] .
والفرق بينه وبين الطلاق: أن الطلاق حل قيد النكاح، ولا يمكن حله قبل عقده، والظهار: تحريم للوطء، فيجوز تقديمه على العقد. وإنما اختص حكم الإيلاء بنسائه لكونه يقصد الإضرار بهن، والكفارة في الظهار لكونه من المنكر والزور، فلا يختص تلك بنسائه.
وسئل: إذا ظاهر منها وقتاً، وجامع قبل المدة، هل إذا مضى الوقت المحدود قبل التكفير، حكمه حكم المظاهر منها مطلقاً؟
فأجاب: قال في الإقناع وشرحه: وإن وطئ المظاهر منها قبل التكفير أثم، واستقرت علية الكفارة ولو مجنوناً،
стр. 2973
فلا تسقط بعد ذلك كالصلاة، وتحريم المظاهر باق عليه، لقوله ﷺ : " لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به " ١، وتجزئه كفارة واحدة، لحديث سلمة بن صخر، ولأنه وجد الظهار والعود في عموم الآية.
[كفارة الظهار]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن كفارة الظهار؟
فأجاب: أما كفارة الظهار فهو عتق رقبة، فإن كان ما يقدر فلا بد أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فإن لم يستطع الصيام أطعم ستين مسكيناً.
وأجاب الشيح عبد الرحمن بن حسن: وأما مسألة المظاهر، فاعلم أنه يجب على المفتي أن يعتبر شواهد أحواله، فإذا عرف شاهد الحال أنه يقدر على أن يصوم شهرين متتابعين، فلا يجوز للمفتي أن يفتح له باب الرخصة في الإطعام، بمجرد قوله لا أستطيع الصيام.
وسئل: عن كفارة ظهار المملوك، هل هو كالحر؟
فأجاب: العبد كالحر في كفارة الظهار، غير أن العبد لا يكفِّر إلا بالصوم، بناء على المشهور في مذهبنا وغيره، لأنه لا يملك؛ قال في المنتهى: فإن لم يجد صام حر أو قن شهرين.
стр. 2974
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل تكفِّر المرأة ... إلخ؟
فأجاب: والمرأة إذا حلفت بالظهار، فليس عليها إلا كفارة يمين.
سئل الشيخ علي بن الشيخ حسين: عن سفر المظاهر، هل يقطع التتابع؟
فأجاب: قال في الإقناع وشرحه: سفر المظاهر إذا أفطر فيه لا يقطع التتابع، وقال في موضع آخر: إذا تخلله فطر السفر أو المرض المبيحان للفطر في السفر، لم ينقطع التتابع، أو تخلله فطر حامل أو مرضع، لخوفهما على أنفسهما أو على ولديهما، لم ينقطع التتابع، لأنه فطر أبيح لعذر.
стр. 2975
كتاب العدد
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عمن تزوج امرأة بلا ولي، هل تعتد إذا طلقها؟
فأجاب: إن كان قد دخل بها، فتعتد عدة كاملة بلا خلاف.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن دخل بها ولم يطأها؟
فأجاب: الذي نعمل عليه أن العدة تجب عليها.
وأجاب أيضاً: والمرأة التي يملك عليها الرجل، ثم يموت ولم يطأها تلزمها العدة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: الذي دخل بامرأة وأغلق باباً، وأرخى حجاباً، وأقرا أنه لم يجر بينهما جماع، فالذي عليه أهل العلم: أن العدة تجب في هذه الصورة.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: وأما العدة فتجب في النكاح الفاسد بمجرد الخلوة، وكذا تجب عليها عدة الوفاة، على الصحيح من
стр. 2976
المذهب. ولا تجب العدة في النكاح الباطل إلا بالوطء إجماعاً، ولا تجب به عدة الوفاة؛ قال في الإنصاف: وإن كان النكاح مجمعاً على بطلانه، لم تعتد للوفاة من أجله، وجهاً واحداً؛ وذكر قبل ذلك وجوب العدة بالنكاح الفاسد، قال: وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب، ونص عليه الإمام أحمد.
وقال ابن حامد: لا عدة بالخلوة في النكاح الفاسد، بل بالوطء كالنكاح الباطل إجماعاً; وفي الإنصاف أيضاً: وإذا مات عن امرأة نكاحها فاسد، كالنكاح المختلف فيه، فقال القاضي: عليها عدة الوفاة، نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد، وهو المذهب، اختاره أبو بكر وغيره، وقدمه في الفروع والرعايتين والحاوي، والمحرر والنظم وغيرهم. وقال ابن حامد: لا عدة عليها للوفاة. انتهى.
وقال في الشرح الكبير، لما تكلم في حكم النكاح الباطل، كمن نكح ذات محرمه، أو معتدة من غير الخلوة بها، كالخلوة بالأجنبية: لا يوجب عدة، وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة; وإن وطئها اعتدت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها، سواء فارقها أو مات عنها، كالمزني بها من غير عقد. فأما إن نكحها نكاحاً مختلفاً فيه فهو فاسد، فإن مات عنها، فنقل جعفر بن محمد أن عليها عدة الوفاة؛ وهو اختيار أبي بكر. وقال أبو عبد الله بن حامد:
стр. 2977
ليس عليها عدة الوفاة، وهو مذهب الشافعي، لأنه نكاح لا يثبت فأشبه الباطل. فعلى هذا، إن كان قبل الدخول فلا عدة عليها، وإن كان بعده اعتدت بثلاثة قروء. ووجه الأول: أنه نكاح يلحق به النسب، فوجبت به العدة كالنكاح الصحيح، بخلاف الباطل، فإنه لا يلحق به النسب. انتهى.
وأما عبارة المنتهى، وهي قوله: لا فرق في عدة وجبت بدون وطء، فلا إشكال فيها، لأن العدة تجب بمجرد الخلوة بدون وطء، على المذهب، ولا معارضة في ذلك للآية.
وأما قولك: قد أجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها، فليس ذلك بصواب; وأظن أن سبب الإيهام: أن هذه العبارة عندكم في مختصر الشرح هكذا، كما هي عندنا كذلك، وسقط من العبارة لفظ: الخلوة؛ فالصواب في العبارة: أجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس والخلوة لا عدة عليها.
وعبارة الشرح: كل امرأة فارقها زوجها قبل المسيس والخلوة فلا عدة عليها، أجمع العلماء على ذلك، ثم قال بعد ذلك: ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس. فأما إن خلا بها ولم يصبها ثم طلقها، فإن العدة تجب عليها، روي ذلك عن الخلفاء
стр. 2978
الراشدين، وزيد وابن عمر، وبه قال عروة وعلي بن الحسين وعطاء والزهري والثوري، والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في قديم قوليه. وقال في الجديد: لا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٩] ، هذا نص، ولأنها مطلقة لم تمس أشبهت من لم يخل بها.
وأما إجماع الصحابة، فروى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زائدة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون: أن من أرخى ستراً أو أغلق باباً فقد وجب المهر، ووجبت العدة. ورواه أيضاً عن الأحنف عن عمر وعلي، وعن سعيد بن المسيب عن ابن عمر وزيد بن ثابت؛ وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعاً. وضعف أحمد ما روي في خلاف ذلك، ولأنه عقد على المنافع، فالتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام كعقد الإجارة، والآية مخصوصة بما ذكره، ولا يصح القياس على من لم يخل بها، لأنه لم يوجد التمكين. انتهى.
وقال في الإنصاف: وإن خلا بها وهي مطاوعة فعليها العدة، سواء كان بها أو بأحدهما مانع من الوطء، كالإحرام والصيام والحيض والنفاس والمرض والجبّ والعنَّة، أو لم يكن؛ هذا المذهب مطلقاً بشرطه الآتي، سواء كان المانع
стр. 2979
شرعياً أو حسياً، كما مثل المصنف وعليه جماهير الأصحاب - إلى أن قال - إلا أن لا يعلم بها كالأعمى والطفل فلا عدة عليها، وكذا لو كانت طفلة، وهذا هو المشار إليه بقوله في شرطه الآتي.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن المعتدة من الوفاة ما تفعل؟
فأجاب: تعتد أربعة أشهر وعشراً، تلزم فيها البيت الذي توفي عنها فيه.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عمن توفي زوجها وفي بطنها جنين ميت.
فأجاب: المرأة التي توفى عنها زوجها وفي بطنها جنين ميت، ويأتيها الدم تارة وتارة ينقطع عنها، فالذي أفهم أنها تصير في عدة حتى تضع الحمل، مع أني لم أقف على كلام لأهل العلم في هذه المسألة.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أكثر مدة الحمل إذا كانت أربع سنين على المشهور في مذهبنا، فهل لها إذا انقضت أن تتزوج ولو ارتابت؟
فأجاب: قد ذكر العلامة ابن القيم، ﵀، في تحفة المودود، أنه قد وجد لخمس سنين وأكثر منها إلى سبع؛ فعليه، لا تمكن من التزويج إلا بعد تيقن براءة رحمها.
стр. 2980
وسئل: عن المرأة يأتيها الدم ولا تحققت خروج الولد، هل تبقى في عدة ولو أكثر من أربع سنين ... إلخ؟
فأجاب: الذي أرى أنها باقية في العدة ما لم تحقق سقوطه؛ والتحديد بأربع سنين الظاهر أنه اعتبار بالغالب، وإلا فقد يبقى أكثر من ذلك كما حققه ابن القيم، وهو مشاهد اليوم. وأما تكرار الدم عليها في كل شهر، فيحتمل أنه دم فساد; وأيضاً عند الشافعي، ورواية عن أحمد، ﵀: أن الحامل تحيض.
وسئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن امرأة حبلى، لها أربع سنين، وتدعي أنه مضى من الخامسة سبعة أشهر، وتجد في بطنها مثل الرمانة الكبيرة يتحرك، وزوجها متوفى، والقوابل يقلن: في بطنها جنين، ومعلومك أكثر مدة الحمل؟
فأجاب: المرأة المذكورة في عدة إلى الآن، والله أعلم.
وسئل أيضاً: عن زوجة تحرك حملها في الشهر السادس، ثم في التاسع مرة، ثم سكن بعد ذلك، وطلقها زوجها، والآن قد قاربت أربع سنين بعد دعواها الحمل، فهل لها أن تتزوج؟ وما حكم نفقتها؟
فأجاب: قال في المنتهى وشرحه لمنصور: