المذهب. ولا تجب العدة في النكاح الباطل إلا بالوطء إجماعاً، ولا تجب به عدة الوفاة؛ قال في الإنصاف: وإن كان النكاح مجمعاً على بطلانه، لم تعتد للوفاة من أجله، وجهاً واحداً؛ وذكر قبل ذلك وجوب العدة بالنكاح الفاسد، قال: وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب، ونص عليه الإمام أحمد.
وقال ابن حامد: لا عدة بالخلوة في النكاح الفاسد، بل بالوطء كالنكاح الباطل إجماعاً; وفي الإنصاف أيضاً: وإذا مات عن امرأة نكاحها فاسد، كالنكاح المختلف فيه، فقال القاضي: عليها عدة الوفاة، نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد، وهو المذهب، اختاره أبو بكر وغيره، وقدمه في الفروع والرعايتين والحاوي، والمحرر والنظم وغيرهم. وقال ابن حامد: لا عدة عليها للوفاة. انتهى.
وقال في الشرح الكبير، لما تكلم في حكم النكاح الباطل، كمن نكح ذات محرمه، أو معتدة من غير الخلوة بها، كالخلوة بالأجنبية: لا يوجب عدة، وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة; وإن وطئها اعتدت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها، سواء فارقها أو مات عنها، كالمزني بها من غير عقد. فأما إن نكحها نكاحاً مختلفاً فيه فهو فاسد، فإن مات عنها، فنقل جعفر بن محمد أن عليها عدة الوفاة؛ وهو اختيار أبي بكر. وقال أبو عبد الله بن حامد:
стр. 2977
ليس عليها عدة الوفاة، وهو مذهب الشافعي، لأنه نكاح لا يثبت فأشبه الباطل. فعلى هذا، إن كان قبل الدخول فلا عدة عليها، وإن كان بعده اعتدت بثلاثة قروء. ووجه الأول: أنه نكاح يلحق به النسب، فوجبت به العدة كالنكاح الصحيح، بخلاف الباطل، فإنه لا يلحق به النسب. انتهى.
وأما عبارة المنتهى، وهي قوله: لا فرق في عدة وجبت بدون وطء، فلا إشكال فيها، لأن العدة تجب بمجرد الخلوة بدون وطء، على المذهب، ولا معارضة في ذلك للآية.
وأما قولك: قد أجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها، فليس ذلك بصواب; وأظن أن سبب الإيهام: أن هذه العبارة عندكم في مختصر الشرح هكذا، كما هي عندنا كذلك، وسقط من العبارة لفظ: الخلوة؛ فالصواب في العبارة: أجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس والخلوة لا عدة عليها.
وعبارة الشرح: كل امرأة فارقها زوجها قبل المسيس والخلوة فلا عدة عليها، أجمع العلماء على ذلك، ثم قال بعد ذلك: ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس. فأما إن خلا بها ولم يصبها ثم طلقها، فإن العدة تجب عليها، روي ذلك عن الخلفاء
стр. 2978
الراشدين، وزيد وابن عمر، وبه قال عروة وعلي بن الحسين وعطاء والزهري والثوري، والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في قديم قوليه. وقال في الجديد: لا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٩] ، هذا نص، ولأنها مطلقة لم تمس أشبهت من لم يخل بها.
وأما إجماع الصحابة، فروى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زائدة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون: أن من أرخى ستراً أو أغلق باباً فقد وجب المهر، ووجبت العدة. ورواه أيضاً عن الأحنف عن عمر وعلي، وعن سعيد بن المسيب عن ابن عمر وزيد بن ثابت؛ وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعاً. وضعف أحمد ما روي في خلاف ذلك، ولأنه عقد على المنافع، فالتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام كعقد الإجارة، والآية مخصوصة بما ذكره، ولا يصح القياس على من لم يخل بها، لأنه لم يوجد التمكين. انتهى.
وقال في الإنصاف: وإن خلا بها وهي مطاوعة فعليها العدة، سواء كان بها أو بأحدهما مانع من الوطء، كالإحرام والصيام والحيض والنفاس والمرض والجبّ والعنَّة، أو لم يكن؛ هذا المذهب مطلقاً بشرطه الآتي، سواء كان المانع
стр. 2979
شرعياً أو حسياً، كما مثل المصنف وعليه جماهير الأصحاب - إلى أن قال - إلا أن لا يعلم بها كالأعمى والطفل فلا عدة عليها، وكذا لو كانت طفلة، وهذا هو المشار إليه بقوله في شرطه الآتي.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن المعتدة من الوفاة ما تفعل؟
فأجاب: تعتد أربعة أشهر وعشراً، تلزم فيها البيت الذي توفي عنها فيه.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عمن توفي زوجها وفي بطنها جنين ميت.
فأجاب: المرأة التي توفى عنها زوجها وفي بطنها جنين ميت، ويأتيها الدم تارة وتارة ينقطع عنها، فالذي أفهم أنها تصير في عدة حتى تضع الحمل، مع أني لم أقف على كلام لأهل العلم في هذه المسألة.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أكثر مدة الحمل إذا كانت أربع سنين على المشهور في مذهبنا، فهل لها إذا انقضت أن تتزوج ولو ارتابت؟
فأجاب: قد ذكر العلامة ابن القيم، ﵀، في تحفة المودود، أنه قد وجد لخمس سنين وأكثر منها إلى سبع؛ فعليه، لا تمكن من التزويج إلا بعد تيقن براءة رحمها.
стр. 2980
وسئل: عن المرأة يأتيها الدم ولا تحققت خروج الولد، هل تبقى في عدة ولو أكثر من أربع سنين ... إلخ؟
فأجاب: الذي أرى أنها باقية في العدة ما لم تحقق سقوطه؛ والتحديد بأربع سنين الظاهر أنه اعتبار بالغالب، وإلا فقد يبقى أكثر من ذلك كما حققه ابن القيم، وهو مشاهد اليوم. وأما تكرار الدم عليها في كل شهر، فيحتمل أنه دم فساد; وأيضاً عند الشافعي، ورواية عن أحمد، ﵀: أن الحامل تحيض.
وسئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن امرأة حبلى، لها أربع سنين، وتدعي أنه مضى من الخامسة سبعة أشهر، وتجد في بطنها مثل الرمانة الكبيرة يتحرك، وزوجها متوفى، والقوابل يقلن: في بطنها جنين، ومعلومك أكثر مدة الحمل؟
فأجاب: المرأة المذكورة في عدة إلى الآن، والله أعلم.
وسئل أيضاً: عن زوجة تحرك حملها في الشهر السادس، ثم في التاسع مرة، ثم سكن بعد ذلك، وطلقها زوجها، والآن قد قاربت أربع سنين بعد دعواها الحمل، فهل لها أن تتزوج؟ وما حكم نفقتها؟
فأجاب: قال في المنتهى وشرحه لمنصور:
стр. 2981
والمعتدات ست: إحداهن الحامل، وعدتها من موت وغيره، كطلاق وفسخ، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كافرة، إلى وضع كل الولد إن كان الولد واحداً، أو وضع الأخير من عدد إن كانت حاملاً بعدد، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كافرة، طلاقاً كانت الفرقة أو فسخاً، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٤] . وبقاء بعض الحمل يوجب بقاء بعض العدة، لأنها لم تضع حملها بل بعضه، وظاهره ولو مات ببطنها، لعموم الآية. قلت: ولا نفقة لها حيث تجب للحامل، ويأتي أن النفقة للحمل والميت ليس محلًا لوجوبها. انتهى.
ومراده بقوله: حيث تجب للحامل، هي البائن، لأن الرجعية تجب نفقتها مطلقاً؛ فظهر أن المرأة المسؤول عنها: إن كانت قد تحققت الحمل، لا تزال في عدة إلى أن تضع، وأن النفقة لا تجب لها إن كانت بائناً وتحقق موت الحمل؛ هذا ما ظهر لي.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن قولهم في المطلقة: عليها أطول الأجلين، من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشر.
فأجاب: صورة المسألة على ما صورته في السؤال، وأما الخلاف: فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه: أن المطلقة البائن في مرض الموت، تعتد أطول
стр. 2982
الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وهذا مذهب أبي حنيفة; وقال مالك والشافعي: تبني على عدة الطلاق.
وأجاب أيضاً: وأما المطلقة إذا مات زوجها وهي في العدة، فإذا كانت رجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بلا خلاف بين العلماء، وإن كانت بائناً بنت على عدة الطلاق، إلا أن يطلقها في مرض موته، فتعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة، أو ثلاثة قروء. وعند مالك والشافعي: أنها تبني على عدة الطلاق، لأنها بائن وليست بزوجة، كما لو طلقها في الصحة. فأما إذا كان الطلاق البائن في الصحة، فإنها تبني على عدة الطلاق عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة: تعتد أطول الأجلين.
وأجاب أيضاً: المطلقة البائن إذا مات زوجها الذي أبانها وهي في العدة، فإن كان طلقها في الصحة، فإنها تبني على عدة الطلاق ولا تعتد للوفاة.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما البائن في الصحة، فلا يلزمها إحداد إذا مات زوجها وهي في عدته، ولا تنتقل عن عدة الطلاق بل تتم عدة الطلاق فقط، ولا يستحب لها الإحداد.
وأجاب بعضهم: إذا طلق رجل زوجته ثم مات وهي في العدة، فإن كان الطلاق رجعياً فهي تستأنف العدة أربعة أشهر وعشراً، وإن كان بائناً وهو مطلق في الصحة، فتبنى
стр. 2983
على عدتها الأولى، وليس عليها إحداد. فإن كان بائناً وطلق في المرض فعليها أطول الأجلين، من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشر.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن عدة التي تحيض؟
فأجاب: تعتد بثلاث حيض.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: أما عدة التي تحيض: فثلاث حيض سواء كان ذلك طلاقاً أو فسخاً؛ هذا الذي عليه جمهور العلماء.
وسئل: عن قولهم: أقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون يوماً ولحظة؟
فأجاب: التي ذكروها في العدد، أن أقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون يوماً ولحظة، مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر، فإذا طلقها في آخر الطهر، وقد بقي من الطهر لحظة، ثم حاضت يوماً وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً، ثم حاضت يوماً وليلة، ثم طهرت، فقد انقضت عدتها؛ ومجموع ذلك: تسعة وعشرون يوماً ولحظة، وهذا هو أقل ما تنقضي به العدة. فإذا ادعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، وأقامت البينة على ذلك صُدّقت، ولا تقبل دعواها إلا ببينة، لأن هذا لا يقع إلا نادراً.
سئل بعضهم: إذا ادعت المرأة أنها حاضت ثلاث
стр. 2984
حيض؟
فأجاب: المرأة مقبولة فيما ادعت من الحيض، إلا أن تدعي أنها حاضت ثلاثاً في شهر، فلا تقبل إلا ببينة مأمونة.
وأجاب بعضهم: إذا ادعت المرأة أنها حاضت ثلاث حيض في عدة أيام يمكن فيها قبلت دعواها، وإذا قيل: القرء الأطهار، وطلقت المرأة في طهر أصابها فيه فهو طلاق بدعة، وتعتد بالطهر الذي طلقها فيه، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة، فقد برئت منه. وإن قلنا: القرء الحيض، فإذا طهرت من الثالثة فقد برئت منه، فإن طلقها في حيض لم تعتد بتلك الحيضة.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا ادعت أنها اعتدت بعد الطلاق، في وقت تمكن العدة فيه تُصَدَّق، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٢٨] . وإذا شهدت امرأة عدل أنها حاضت ثلاث حيض وهو يمكن، قُبِلَت؛ والأحوط شهادة امرأتين.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن امرأة تزوجت وهي صغيرة، ثم طلقها زوجها قبل البلوغ، ثم حاضت أول حيضها بعد طلاقها بشهر ونصف، ثم حاضت الحيضة الثانية بعد سنة، هل يصح تزويجها قبل الحيضة الثالثة؟
стр. 2985
فأجاب: لا يصح تزويجها حتى تحيض الحيضة الثالثة، لأنها صارت من ذوات الأقراء، وطول المدة على هذه الحال ما يحصل به فراغ العدة؛ واعتداد الصغيرة بالأشهر يبطل، إذا وجد الحيض قبل تمام ثلاثة الأشهر، ويكون اعتدادها بثلاث حيض.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن الراجح عنده في عدة المرضع ... إلخ؟
فأجاب: المعمول عليه عندهم: إلى أن يزول الرضاع; وعند الشيخ تقي الدين: إذا قامت سنة ولو كانت ترضع، ولا أعلم دليلاً يعارض كلامه.
وسئل: عن قولهم: ولا تدري ما رفعه، أي الحيض، تعتد بسنة، أو علمت؟
قال: لا أعلم للفرق وجهاً ولا دليلاً.
وسئل ابنه: الشيخ عبد الله، رحمهما الله تعالى: عمن ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه فاعتدت بسنة، ثم عاودها الدم قبل مضي السنة؟
فأجاب: ترجع وتعتد بالحيض ولا تحتسب بما تقدم، كالبكر إذا اعتدت بالأشهر، ثم جاءها الحيض فإنها تعتد بالأقراء.
وأجاب أيضاً: وأما التي ذكرت، فعدتها بالحيض أو
стр. 2986
تمام السنة، وإن كانت اعتدت فلا تجوز إلا بعقد، ولا يمكن منها وإن كان له عليها حجة، ولا يقبل الواحد، ويحلف الزوج.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: صرح الفقهاء من الحنابلة والشافعية: بأن المعتدة إذا علمت ما رَفَعَ حيضها من رضاع أو نفاس أو مرض، أو خوف أو قحط أو ضيق عيش وجوع ونحو ذلك، فإنها لا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدة الآيسة؛ نص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور، وهو المجزوم به عند المتأخرين من الأصحاب، والمحققين من الشافعية، لقصة حبان بن منقذ وزوجته وهي مشهورة. وهذه المرأة المسؤول عنها، تذكر أنها عالمة بما رفع حيضها وهو الرضاع، فلا تزال في عدة حتى يعودها، أو تبلغ سن الإياس، على هذا القول المعتمد من الأقوال.
وسئل: إذا ارتفع حيض المرأة مدة طويلة لا تدري ما رفعه، وهي تلك المدة مع زوج، ثم طلقها هل تعتد بسنة أو ثلاثة أشهر؟
فأجاب: إنما تعتد بسنة من الطلاق، قال في شرح الإقناع: من ارتفع حيضها ولو بعد حيضة أو حيضتين لا تدري ما رفعه، اعتدت بسنة منذ انقطع بعد الطلاق؛ فإن
стр. 2987
كان انقطاعه قبل الطلاق، فتعتد تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة. انتهى. والقاعدة: عود الضمير إلى أقرب مذكور، فقد عرفت: أن العدة المسؤول عنها: سنة من الطلاق.
وأجاب أيضاً: الشيخ حسن بن حسين بن محمد، ﵏: إذا طلقها بعد وضعها، ومن عادتها أنها لا تحيض إلا بعد الفطام، فإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع ونحوه كنفاس، فإنها لا تزال في عدة حتى يعود الحيض، فتعتد به وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الدم، فيجب عليها العدة بالأقراء وإن تباعدت، كما لو كانت ممن بين حيضتها مدة طويلة أو تصير إليه، يعني أو تصير إلى سن الإياس فتعتد عدتها، أي: عدة الآيسة؛ نص على ذلك في رواية صالح وابن منصور. وعنه: تنتظر زوال ما رفع الحيض، ثم إن حاضت اعتدت بالأقراء، وإلا اعتدت بسنة. انتهى من شرح المنتهى.
ووجه الأول: ما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر، أخبره: "أن حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي مرضع، فمكثت سبعة شهور لا تحيض، منعها الرضاع، ثم مرض حبان، فقيل له: إن مت ورثتك فجاء إلى عثمان، وأخبره بشأن امرأته وعنده علي وزيد، فقال لهما عثمان: ما تريان؟ قالا: نرى أنها
стр. 2988
ترثه إن مات ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، وليست من اللائي لم يحضن، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير. فرجع حبان إلى أهله فانتزع البنت، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم أخرى، ثم مات قبل أن تمضي الثالثة، فاعتدت عدة الوفاة فورثته"، رواه مالك، والبيهقي عن محمد بن حبان بنحوه.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما المرأة التي لم تحض، فإن عرفت السبب الرافع للحيض، من رضاع أو مرض أو غير ذلك، انتظرت زوال السبب المانع، والحيض بعده، وإن كانت لا تعلم السبب الرافع للحيض، فعدتها سنة بعد وقوف الحيض عنها، ثم تزوج.
وأجاب أيضاً: إذا طلقت في الحيض، وارتفع حيضها بعد تلك الحيضة التي في الطلاق، فإن كانت تعلم ما رفع حيضها من جوع، أو مرض أو كبر أو روع طلاق أو غيره يزيل المانع، فتجلس حتى تحيض ثلاث حيض، وإن كانت لا تعلم ما رفعه، فتجلس اثني عشر شهراً، تسعة عن الحمل استبراء، وثلاثة عدة.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا طلقت المرأة وحاضت حيضة أو حيضتين، ثم أمسكت عنها ولا تدري ما رفعه حتى مضت سنة، فتزوج بعد تسعة أشهر للحمل،
стр. 2989
لأنها مدته غالباً، وثلاثة أشهر عدة آيسة؛ قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منكر، علمناه فصار إجماعاً، وأما إذا طلقت وهي ترضع، فهي في عدة حتى يأتيها الحيض، فتعتد به ثلاث حيض، أو تصير آيسة فتعتد بثلاثة أشهر.
стр. 2990
[فصل في صفة الإحداد]
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن صفة الإحداد؟
فأجاب: الإحداد واجب في عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، أو شهران وخمسة أيام إن كانت أمة، فإن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل، وذلك على الحرة والأمة، والكبيرة والصغيرة؛ فيحرم على المحادة الزينة، كالكحل والخضاب، والطيب والحلي، واستعمال الأدهان المطيبة، وما صبغ من الثياب للزينة، كالأحمر والأصفر ونحوهما، ويباح لبس الأبيض، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط وحلق العانة، وغسل رأسها بالسدر، والمشط، واستعمال الدهن غير المطيب. ويجب عليها عدة الوفاة، في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، إلا لعذر من خوف أو هدم ونحوهما، ولا تخرج من منزلها ليلاً، ولها الخروج نهاراً لحوائجها. وتجب العدة من حين الموت.
وأجاب أيضاً: ذكر أهل العلم أنها تجتنب ثلاثة
стр. 2991
أشياء: أحدها: الطيب. والثاني: الزينة، فلا تختضب ولا تحمر وجهها، ولا تكتحل بالإثمد إلا لضرورة، فإن اضطرت إليه، اكتحلت بالليل ومسحته بالنهار، ولا تلبس ثياب الزينة، ولا تلبس الحلي كله حتى الخاتم. والثالث: المبيت في غير منزلها، فيجب عليها أن تبيت فيه دون غيره. وهذه الأمور التي نص عليها الفقهاء، هي التي يجب عليها اجتنابها.
وأجاب أيضاً: وأما المتوفى عنها زوجها، فذكر أهل العلم: أن لها الخروج لحوائجها نهاراً، ولو وجدت من يقضيها، وأما في الليل فلا تخرج ولو لحاجة، وكذلك لا تخرج نهاراً لغير حاجة.
وسئل أيضاً: إذا كان للمتوفى عنها نخل، والمنزل خارج النخل، هل لها الجلوس فيه؟ وقضاء شيء من الحاجات، إذا كان غيرها يكفيها؟
فأجاب: تقدم جوابها، وهو: أن لها الخروج نهاراً لحوائجها، ولو وجدت من يقضيها; وحديث المرأة التي أذن لها رسول الله ﷺ في جذاذ نخلها، يدل على ذلك؛ قال في المغني: وللمعتدة الخروج في حوائجها نهاراً، سواء كانت مطلقة، أو متوفى عنها; ثم ساق حديث جابر في المرأة التي قال لها رسول الله ﷺ : " اخرجي فجذي نخلك " ١. ثم قال: وروى مجاهد: "استشهد رجال يوم أحد،
стр. 2992
فجاء نساؤهم إلى رسول الله ﷺ وقلن: يا رسول الله، نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : تحدثن عند إحداكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل واحدة إلى بيتها ". وليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلاً إلا لضرورة، لأن الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما تحتاج إليه. انتهى.
وأما الخروج إلى المسجد للتراويح، أو قيام رمضان في العشر، فتقدم أن المتوفى عنها لا تخرج من بيتها في الليل، ولو لحاجة; وأما خروجها في النهار للصلاة والدرس، فلم أقف على نص في المسألة، إلا ما تقدم من الرخصة في الخروج نهاراً لحوائجها.
وسئل أيضاً: ماذا تجتنبه المتوفى عنها من جنس الكلام، والتحدث مع قريب أو صديق، إذا كان ذلك من عادتها قبل وفاة زوجها؟
فأجاب: هذه المسألة لم أقف عليها في كلام أهل العلم، والذي يظهر لي من كلامهم: أن المتوفى عنها وغيرها في هذا النوع سواء، فما كانت ممنوعة منه قبل الإحداد، فهو في الإحداد أشد منعاً، وما كان مباحاً لها من هذا النوع، خاصة قبله، فهو مباح فيه، ولم أقف على نص في المسألة بالتفرقة. انتهى. وتقدم جوابه في سلام
стр. 2993
الأجنبي على المحادة، في باب الوليمة.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: لا تخرج إلا لحاجة لا بد منها، وتجتنب الزينة من الثياب والكحل، والحناء والحلي والأدهان.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن المتوفى عنها وهي حامل، هل هي في إحداد ولو جاوزت أربعة أشهر وعشراً؟
فأجاب: الأمر كذلك، هي في إحداد حتى تضع حملها.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن بنت عشر تزوجت، فمات ولم يدخل بها، هل تجتنب الزينة ... إلخ؟
فأجاب: عليها عدة الوفاة والإحداد، وهو اجتناب الزينة، ويتقرر لها المهر المسمى.
وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: هل تحد في ثياب زوجها؟
فأجاب: وأما المرأة فلا يجوز لها أن تحد في ثياب زوجها، لأن النبي ﷺ لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.
стр. 2994
كتاب الرضاع
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن حكم الرضاع؟
فأجاب: أما حكم الرضاع، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وأجاب أيضاً: القاعدة الكلية: كل ما حرم من النسب حرم من الرضاعة، وأما الرضاع الذي يحرم، فهو: خمس رضعات، ولو في مجلس واحد; وأما الرضاع بعد الحولين، فلا يحرم بإجماع أهل المذهب، والخلاف فيه قديم بين السلف، وأما أهل المذهب فليس فيه عندهم خلاف أنه لا يحرم، وهو المفتى به عندنا.
وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: وأما الرضعة وهي المصة، والرضعتان وهي المصتان، فإذا كان قد تزوجها فلا تحرم عليه، وإن لم يكن تزوجها، فالورع تركها، لأجل الخلاف بين العلماء.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن الرضاع بعد الحولين؟
فأجاب: الرضاع بعد الحولين، لا يجوزه الشيخ، وابن القيم.
стр. 2995
وأجاب ابنه: الشيخ حسين: والبنت إذا ارتضعت وهي ابنة أربع سنين، أو خمس، فرضاعها ذلك لا يحرم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن رضع من امرأة خمس رضعات معلومات؟
فأجاب: يحرم عليه بناتها وأخواتها وعماتها من النسب والرضاع، وكذلك بنات الفحل الذي حملت المرأة منه، يحرم على الرضيع بناته وأخواته وعماته وخالاته.
وسئل أيضاً: إذا أرضعت امرأة طفلاً، وله إخوة وأخوات لم يرتضعوا منها، ولها بنون وبنات، هل يجوز لإخوته وأخواته أن يتزوجوا من أولاد التي أرضعته؟ والعكس؟
فأجاب: إذا أرضعت المرأة طفلاً رضاعاً يحرم شرعاً في الحولين، صار الطفل ابنا للمرضعة، وابنا لزوجها الذي نسب الحمل إليه، فصار في التحريم والخلوة ابناً لهما، وأولاده أولادهما وإن نزلت درجتهم، وجميع أولاد المرضعة من زوجها ومن غيره، وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها، إخوة للمرتضع وأخواته، وإن نزلت درجتهم.
وأما المرتضع، وهو المسؤول عن إخوته، فالحرمة تنتشر إليه وإلى أولاده وإن نزلوا، ولا تنتشر إلى من في
стр. 2996
درجته من إخوانه وأخواته، ولا إلى أعلى منه، كأبيه وأمه؛ فلا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع من النسب، ولا نكاح أخته وعمته، ولا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع.
وأجاب بعضهم: تباح أم المرتضع وأخته من النسب، لأبيه وأخيه من الرضاع، لأنهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة، لا في مقابلة من يحرم من النسب؛ والشارع ﷺ إنما حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة. وتباح المرضعة وابنتها لأبي المرتضع وأخيه من النسب، وتباح أخت ابنه وأم أخته من الرضاع، ويحرمان من النسب، لأن أخت ابنه من النسب ربيبة، وأم أخته من النسب زوجة أبيه، فأخت ابنه وأم أخته يحرمان من النسب، ويباحان من الرضاع.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا بطل العقد في النكاح قبل الدخول برضاع، هل يرجع الزوج بما أعطى الزوجة؟
فأجاب: إن ثبت الرضاع ببينة فلا مهر لها، ويرجع به لبطلان العقد من أصله، فوجوده كعدمه; وإن أقر به الزوج، وصدقته المرأة على إقراره، فكذلك، لأنهما اتفقا على أن النكاح باطل، أشبه ما لو ثبت ببينة; وإن كذبته ولا بينة له، فلها نصف المهر وإن قالت هي ذلك وأكذبها
стр. 2997
الزوج، ولا بينة لها، فهي زوجته حكماً، لأنه لا يقبل قولها في فسخ النكاح؛ هذا حاصل كلام الفقهاء في دعوى الرضاع قبل الدخول.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن تحته امرأة، وأراد أن يتزوج أخرى، وادعت زوجته: أنها أرضعت التي أراد أن يتزوجها؟
فأجاب: هذه لا تقبل شهادتها في مثل هذه الصورة، لأجل التهمة، والله أعلم ١.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا ثبت الرضاع بشهادة امرأة ... إلخ؟
فأجاب: إذا ثبت الرضاع بشهادة امرأة، فالمشهور في المذهب أنه ينفسخ النكاح به؛ وعن أحمد رواية: لا يقبل إلا امرأتان، وهو مذهب مالك. وعند أبي حنيفة: لا بد مع النساء من رجل. فعلى المذهب: يكون النكاح فاسداً، يحتاج إلى طلاق من الزوج، أو فسخ من الحاكم، ولا يكفي قول الحاكم: انفسخ نكاحها، بل لا بد من قول الحاكم: فسخت نكاح فلانة، ثم تعتد بعد ذلك؛ فإن كانت قد تزوجت فَرّق بينهما، حتى تعتد من الأول، وإن كانت حاملاً من الثاني، فلا بد من العدة بعد وضع الحمل بثلاث حيض، ونكاح الثاني باطل لا يحتاج إلى فسخ، وله العقد عليها إن شاء بعد العدة.
стр. 2998
سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا شهدت امرأة: أن فلانة أرضعته خمس رضعات ... إلخ؟
فأجاب: تقبل هذه الشهادة ولو أنكرت المرضعة، لأن الشهادة يقدم من أثبتها على من نفاها، فإن كانت شاهدة على إقرار المرضعة بذلك، وأنكرت المرضعة لم تقبل.
стр. 2999
باب النفقات
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن كسوة العرس، هل للمرأة أن تطلب كسوة بدن؟ وعن تقييد الكسوة بالحول؟ وإذا كان صواباً فهل هي لكل أحد؟ للعالي والمتوسط والداني؟ وإن بليت قبل مضي الحول ... إلخ؟
فأجاب: أما كسوة العرس، وتقييد الكسوة بالحول مطلقاً ومقيداً، فالذي يفتى به: أن هذه الأمور ترجع إلى عرف الناس، وهو مذهب الشيخ، وابن القيم، وأظنه المنقول عن السلف. وأما عدة الرجعية، فعلى الزوج فيها الكسوة والنفقة.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا عقد على امرأة، هل يلزمه نفقة لها قبل الدخول؟
فأجاب: قال الموفق: باب نفقة الزوجات، يجب على الرجل نفقة زوجته وكسوتها بالمعروف، إذا سلمت
стр. 3000
نفسها إليه ومكنته من الاستمتاع بها، لما روى جابر أنه ﷺ قال: " اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ١، رواه مسلم. فإن امتنعت من تسليم نفسها التسليم التام، فلا نفقة لها، وإن عرضت عليه التمكين التام وهو حاضر، لزمته النفقة، وإن كان غائباً لم تجب حتى يقدم هو، أو وكيله; وإن لم تسلم إليه، ولم تعرض عليه، فلا نفقة عليه، ولو عرضت صغيرة لا يوطأ مثلها، فلا نفقة لها. انتهى ملخصاً.
فقد علمت: أن المرأة بعد العقد وقبل الدخول لا نفقة لها، إلا أن تمكنه من نفسها التمكين التام، أو تعرض عليه، وأنه إذا دخل بها ومكنته من نفسها التمكين التام، فلها النفقة والكسوة.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن نفقة الحامل، والمرضع ... إلخ؟
فأجاب: الحامل ينفق عليها بحسب يسر الزوج وعسره، وبحسب حالها، فلا تجعل بنت الأغنياء المتنعمين مثل الفقيرة. وأما المرضع إذا لم تكن في عدة، فتعطى أجرة المثل.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن نفقة الحامل المتوفى عنها، أو المطلقة؟
فأجاب: يجب على زوجها النفقة حتى تضع حملها،
стр. 3001
كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٦] ، فإن أرضعت ولده، أعطاها قيمة أجرة الرضاع ما دامت ترضع، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٦] .
وسئل بعضهم: عن نفقة وكسوة المطلقة ثلاثاً ... إلخ؟
فأجاب: وأما الزوج الذي طلق زوجته بالثلاث، ليس لها عليه نفقة ولا سكنى، إلا أن تكون حاملاً، وأما إذا طلقت على براءة ليس لها نفقة ولا سكنى، إلا أن تكون من ذوات الحمل.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن نفقة الحامل المتوفى عنها؟
فأجاب: المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، فنفقتها فيما يستحقه الحمل من الإرث، فإن لم يكن تركة، فنفقتها على نفسها، إلا أن يكون له قريب غني، تجب عليه نفقتها بالشروط التي اشترطها الفقهاء في نفقة القريب.
وسئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: عن امرأة فسخ الحاكم نكاحها بغيبة الزوج، وهو لم يترك عندها نفقة ولا سكنى، وهي محتاجة؟
فأجاب: إذا كان في مكان يمكنهم أن ينبئوه، وأنبؤوه ولا حصل شيء، فالفسخ تام على ما ذكرنا، وتعتد
стр. 3002
بحيضة واحدة.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: المرأة التي غاب زوجها، ولم يترك لها نفقة ولا يمكنها الاستدانة، وتعذرت مراسلته وطلبت الفسخ، فلا بأس أن تفسخ بإذنها.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا أرضعت امرأة مطلقة ولدها، ولم يجر بينها وبين الأب مشارطة على الرضاع، ولكنها نوت الرجوع عليه، وأشهدت على أنها محتسبة عليه، فهل لها ذلك؟ أم لا يثبت لها أجرة إلا بالمشارطة بينها وبين الأب؟
فأجاب: قد ذكر الفقهاء أن الأم أحق برضاع ولدها، إذا طلبت ذلك بأجرة مثلها، ولكن اختلفوا: هل لها ذلك إن كانت في حبال الزوج، أم لا؟ وأما إذا كانت مطلقة، فهي أحق برضاعه وإن طلبت أجرة مثلها، ولو مع وجود متبرعة غيرها؛ واستدل صاحب الشرح، بقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٣] فقدمهن على غيرهن، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٦] . وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجرة مثلها: فما ذكرنا من الآيتين، ولأن الأم أحنى وأشفق، ولبنها أمرى من لبن غيرها، فكانت أحق به من غيرها، كما لو طلبت الأجنبية إرضاعه بأجرة مثلها، ولأن في رضاع
стр. 3003
غيرها تفويتاً لحقها من الحضانة، وإضراراً بالولد؛ ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب، والإضرار بالولد، لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب. انتهى.
فإذا عرفت أنها أحق بإرضاعه بأجرة المثل، ولو وجد الأب متبرعة، تبين لك أن لها الرجوع بالأجرة على الأب، إذا نوت ذلك وأشهدت عليه، وإن لم تشارط الأب، لأن غاية ما يقال: لعل الأب يجد متبرعة، أو يجد من يرضعه بدون أجرة المثل، فيقال في جواب ذلك: الأم أحق به ولو حصل من يتبرع برضاعه، فحينئذ لا تأثير لكونها تشارط أو لا تشارط، لأنها متى أرضعته وطلبت أجرة مثلها لزم الأب ذلك، إلا أن تكون أرضعته متبرعة برضاع ابنها، ولم تنو الرجوع على الأب فلا شيء لها.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن زوجة مفقود تعذر الإنفاق عليها من ماله؟
فأجاب: لها فسخ نكاحه بإذن حاكم، كما يجوز بحكم الشرع في الموجود، فإذا جاز ذلك في حق الموجود، جاز ذلك في حق المفقود أيضاً، ولا فرق، وكونه مفقوداً لا يمنع ثبوت الحكم بتعذر ما يجب لها عليه.
стр. 3004
باب الحضانة
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن قوله ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكحي " ١، هل تكون نفقته على الأم إذا كانت غنية؟
فأجاب: ليس الأمر كذلك، بل نفقته على الأب إذا كان موسراً، فتكون الحضانة للأم، والنفقة على الأب.
سئل الشيخ حسين بن الشيخ: هل تسقط الحضانة بالتزوج، لقصة بنت حمزة؟
فأجاب: الذي علية الجمهور: أن الأم إذا تزوجت سقط حقها من الحضانة، لقوله ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكحي " ٢، وأما قصة بنت حمزة، فإنما قضى بها لخالتها، لأن زوجها من أهل الحضانة، ولا يساوي جعفراً في الاستحقاق إلا علي، وقد ترجح جعفر بأن امرأته من أهل الحضانة، فكان أولى؛ فالحديث يدل على أنه لو تنازع العمان في الحضانة، وأحدهما متزوج بالأم أو الخالة، فهو أحق بالحضانة، فليس بين قصة حمزة، وبين قوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي" اختلاف، بل الحديثان متفقان ولله الحمد.
стр. 3005
وأما قولك: هل قرابة الأم أحق، أم قرابة الأب؟ فالمشهور عن أحمد: أن الأم قراباتها يقدمن على الأب وقراباته. وعن أحمد رواية أخرى: أن الأب وقراباته أحق، قال في الاختيارات: العمة أحق من الخالة، وكذا نساء الأب يقدمن على نساء الأم، لأن الولاية للأب، فكذا أقاربه. وإنما قدمت الأم، لأنه لا يقوم هنا مقامها في مصلحة الطفل، وإنما قدم الشارع ﷺ خالة بنت حمزة على عمتها صفية، لأن صفية لم تطلب، وجعفر طلب نائباً عن خالتها، فقضى له بها في غيبتها.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الأم أولى بحضانة أولادها، إلا إذا تزوجت، فتنتقل الحضانة إلى غيرها، كالجدة والأخت والخالة.
стр. 3006
كتاب الجنايات
سئل الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الملك بن حسين بن محمد، ﵏: عن صفة قتل العمد؟
فأجاب: ذكروا أن قتل العمد: أن يقصد مكلف الجناية على من يعلم أنه آدمي معصوم، بما يغلب على الظن أنه يقتل بحده أو ثقله، أو إلقاء حائط عليه، أو هدم سقف أو غير ذلك; فقولهم: أن يقصد الجناية: خرج به الخطأ، وبما يغلب على الظن قتله به: خرج به شبه العمد. فإذا مات المجني عليه بهذه الجناية وجب القصاص، إلا أن يعفو أولياء الدم إلى مال أو مجاناً، سواء نوى الجاني إزهاق روحه، أو قصد قطع طرف أو عضو، أو شجة لا يريد ولا يحب موته بها.
وإن كان الذي أوجب لك الإشكال: عبارة الشيخ منصور، والحجاوي، فهي محمولة على الصورة التي لم يقصد الجاني بها الجناية، كأن ينقلب على إنسان فيقتله، أو يسقط عليه من علو، أو القتل بسبب كحفر بئر، ونصب سكين، أو ممن ليس من أهل القصد الصحيح، كالصبي والمجنون، فهذه الصور عندهم من قسم الخطأ.
стр. 3007
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن جنايات الصبيان ونحوهم؟
فأجاب: قال الشيخ تقي الدين - في كلامه على الجنايات -: لا قصاص بين الصبيان والمجانين، وكل من زال عقله بسبب يعذر فيه، إلا السكران ففيه روايتان، وليس في ذلك إلا الدية.
سئل الشيخ عبد الله العنقري: عن امرأة ماتت ابنتها، وفيما يظهر لها: أنها سبب اغتمامها بتغطيتها لها؟
فأجاب: إن غلب على ظنها أنها هي السبب، فعليها الكفارة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، كما نص الله في الآية الكريمة، ولا يدخل الإطعام في كفارة القتل.
[قتل الواحد بالجماعة]
سئل بعضهم، ﵀: عن جماعة قتلوا واحداً؟
فأجاب: وأما إذا قتل الجماعة واحداً، فإنهم يقتلون كلهم، كما ثبت ذلك عن عمر ﵁، وأما قتل الواحد بالجماعة، فليس فيه إشكال ولا توقف.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: قتل الجماعة بالواحد بشرطه الآتي، هو المذهب وقول جمهور العلماء؛ قال في الشرح: ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم لو انفرد
стр. 3008
أوجب القصاص عليه، روي ذلك عن عمر، وعلي والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن، وأبو سلمة وعطاء وقتادة، وهو مذهب مالك والثوري، والأوزاعي والشافعي، وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى: لا يقتلون به، وتجب عليهم الدية، والمذهب الأول - إلى أن قال - ولنا: إجماع الصحابة، فروى سعيد بن المسيب: "أن عمر ﵁ قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"، وعن علي ﵁: "أنه قتل ثلاثة، قتلوا رجلاً"، وعن ابن عباس: "أنه قتل جماعة بواحد"، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعاً. ولأنها عقوبة تجب لواحد على الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية فإنها تبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، لأدى إلى تسارع القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر - إلى أن قال - ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه؛ فلو جرحه أحدهما جرحاً، والآخر مائة، أو أوضحه أحدهما، وشجه الآخر آمة، أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة، فمات، كانا سواء في القصاص والدية، لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن
стр. 3009
المشتركين، إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه، ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة، كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة، ومن غير الجائفة دون الجائفة - إلى أن قال - وإذا اشترك ثلاثة في قتل رجل، فقطع أحدهم يده، والآخر رجله، وأوضحه ثالث فمات، فللولي قتل جميعهم، والعفو عنهم إلى الدية، فيأخذ من كل واحد ثلثها؛ وله العفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية، ويقتل الآخرَين، وأن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية، ويقتل الثالث. وإن برئت جراحة أحدهم، ومات من الجرحين الآخرين، فله أن يقتص من الذي برئ جرحه بمثل جرحه، ويقتل الآخرين، أو يأخذ منهما دية كاملة، أو يقتل أحدهما، ويأخذ من الآخر نصف الدية. وله أن يعفو عن الذي برئ جرحه، ويأخذ منه دية جرحه - إلى أن قال - وإن فعل أحدهما ما لا تبقى معه حياة، كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه، ثم ضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الأول، ويعزر الثاني. وإن شق الأول بطنه أو قطع يده، ثم ضرب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية. انتهى.
وقال في الإنصاف: وتقتل الجماعة بالواحد، هذا
стр. 3010
المذهب بلا ريب، وعليه ظاهر الأصحاب، قال في الهداية: عليه عامة شيوخنا; وعنه: لا يقتلون به، نقلها حنبل - إلى أن قال - فعلى المذهب: مِن شَرْط قتل الجماعة بالواحد: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، قاله الأصحاب - إلى أن قال - ولو قتلوه بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله، نحو أن يضربه كل واحد سوطاً في حالة، أو متوالياً، فلا قود; وفيه: عن تواط وجهان في الترغيب، واقتصر عليه في الفروع، قلت: الصواب القود - إلى أن قال - قال المصنف والشارح: إن فعل ما يموت به يقيناً، وبقيت معه حياة مستقرة، كما لو خرق حشوته ولم يبنها، ثم ضرب آخر عنقه، كان القاتل هو الثاني، لأنه في حكم الحياة، لصحة وصية عمر ﵁. قال في الفروع: ويتوجه تخريج من مسألة الذكاة: أنهما قاتلان، قلت: وهو الصواب; قال في الفروع: ولهذا اعتبروا إحداهما بالأخرى، قال: ولو كان فعل الثاني كلا فعل، لم يؤثر غرق حيوان في ماء بقتل مثله بعد ذبحه، على إحدى الروايتين. انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: وتقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، لو انفرد، وإلا، أي: وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة
стр. 3011
للقتل، كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير، فمات، فلا قصاص عليهم، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما يوجب القود، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل ليقتلوه به، فعليهم القصاص، لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص - إلى أن قال - وإن قتله جماعة، اثنان فأكثر، بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله، نحو أن يضربه كل واحد سوطاً في حالة، أو متواليين، فلا قود; وفيه: عن تواط وجهان، قال في الترغيب الصواب وجوب القود. انتهى ملخصاً.
ومعنى قولهم: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، أي: أن يكون فعل كل واحد صالحاً لأن يكون سبباً لموت المجني عليه، لا أنه يغلب حصول الموت من تلك الجناية، لأنهم مثلوا بالموضحة، مع أن حصول الموت بها نادر؛ وصرحوا بأن القصاص إنما يجب على المباشر بالشرط المذكور، فخرج المشير والآمر فلا يجب عليهم القصاص، لا سيما وقد صرحوا بعدم وجوب القصاص على الآمر في الجملة.
وإن كان بعض الأصحاب حكى رواية بوجوب القصاص على الآمر، فالمذهب خلافها.
قال في الشرح: وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل فقتل، فالقصاص على القاتل لا نعلم فيه خلافاً، لأنه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص، كما لو لم يؤمر. ثم ذكر حكم ما إذا أمر السيد
стр. 3012
عبده بقتل رجل، وما فيه من التفصيل المذكور في كتب الفقه - إلى أن قال - وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك، فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر. فإن كان المأمور يعلم أن المأمور بقتله لا يستحق القتل، فالقصاص عليه، لأنه غير معذور في قتله، فإن النبي ﷺ قال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ١، وعنه ﵇: " من أمركم من الولاة بمعصية الله، فلا تطيعوه " ٢، فلزمه القصاص، كما لو أمره غير السلطان؛ وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، لأن المأمور معذور بوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، فالظاهر أنه لا يأمر إلا بحق. إن كان الآمر غير السلطان، فالقصاص على القاتل بكل حال، علم أو لم يعلم، لأنه لا تلزمه طاعته، وليس له القتل، بخلاف السلطان، فإن له القتل في الردة، والزنى، وقطع الطريق إذا قتل القاطع، ويستوفي القصاص للناس، وهذا ليس إليه شيء من ذلك. انتهى.
وقوله: وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، هكذا قال جماعة من الأصحاب; وقال الشيخ تقي الدين، ﵀: هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر؛ بل لا يطاع حتى يعلم جواز
стр. 3013
قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم، فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة. انتهى.
وما في شرح رسالة ابن أبي زيد: أنه إذا باشر القتل بعضهم، وحبسه البعض، قتلوا جميعاً، فهذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد; واحتج بعض من قال بقتل الممسك، بقول عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء" أي: تعاونوا; والممسك ليقتل معين للقاتل. وأجاب الآخرون عن قول عمر: لو تمالؤوا عليه، أي: تشاوروا في قتله.
قال في الشرح: وإن أمسكه له ليقتله، مثل إن أمسكه له حتى ذبحه، فاختلفت الرواية فيه عن أحمد، فروي عنه: أن الممسك يحبس حتى يموت، وهذا قول عطاء وربيعة، وروي عن علي ﵁. وروي عن أحمد: أنه يقتل أيضاً، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: يعاقب ويأثم ولا يقتل؛ وأما القاتل فيقتل بغير خلاف. فقوله: إن أمسكه له ليقتله، يدل على أن هذا الحكم مخصوص بما إذا أمسكه له ليقتله، لا إذا ما أمسكه له ولم يعلم أنه يريد قتله؛ وهكذا قيد كثير من الأصحاب، قال في الإنصاف: شرط في المغني في الممسك، أن يعلم أنه يقتله، وتابعه الشارح; قال القاضي: إذا أمسكه للعب أو
стр. 3014
الضرب، وقتله القاتل، فلا قود على الممسك، وذكره محل وفاق، قال في منتخب الشيرازي: إلا مازحاً متلاعباً. انتهى. وظاهر كلام جماعة الإطلاق.
وقال في الإقناع وشرحه: وإن كان الممسك لا يعلم أن القاتل يقتله، فلا شيء عليه، لأن موته ليس بفعله ولا بأثر فعله، بخلاف الجارح، فإنه لا يعتبر فيه قصد القتل، لأن السراية أثر جرحه المقصود له. انتهى.
وأما الردء: فلم يذكروه هنا، ولم يعطوه حكم المباشر في هذا الباب، وإنما جعلوا حكم ردء قطاع الطريق حكم مباشرهم، للعلة التي عللوا بها؛ قال في الشرح، في باب قطاع الطريق: وحكم ردء حكم المباشر، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: ليس على الردء إلا التعزير، ولأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالعين كسائر الحقوق.
ولنا: أنه حكم يتعلق بالمحاربة، فاستوى فيه الردء والمباشر، كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأن المحاربة مبنية على حصول المنفعة، والمعاضدة والمناصرة، فلا تمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء، بخلاف سائر الحدود. فعلى هذا، إذا قتل واحد منهم، ثبت حكم القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال، جاز قتلهم وصلبهم، كما لو فعل الأمرين واحد
стр. 3015
منهم. انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: وردء المحارب، وهو المساعد والمغيث له عند احتياجه إليه، كمباشر، وطليع وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها، فهو كمباشر، كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دار الحرب، وباشر بعضهم القتال وأخذ المال، ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، أو أرسل الإمام عيناً ليتعرف أحوال العدو، فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وذكر أبو الفرج السرقة كذلك، فإذا قتل واحد منهم ثبت القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، لأن حكم الردء حكم المباشر؛ وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم، قتلوا كلهم وجوباً. انتهى.
قال في الإنصاف: وحكم الردء حكم المباشر، هذا المذهب وعليه الأصحاب؛ قال في الفروع: وكذا الطليع. واختار الشيخ تقي الدين: يقتل الآمر كردء، وأن في السرقة كذلك. انتهى. وقول عمر ﵁: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء"، أي: لو تعاون، وفي رواية: "لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين". قال بعض العلماء في الكلام على أثر عمر المذكور: قوله: تمالأ: مهموز، أي: تعاون; وقال علي ﵁: "والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله" أي: عاونت.