← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وجدته غرقاً فلا تأكله، فإنك لا تدري، الماء قتله أو سهمك " ١. وقال في الكلاب: " فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره " ٢، لما كان الأصل في الذبائح التحريم، ونشك هل وجد الشرط المبيح أم لا، بقي الصيد على أصله. انتهى; إذا تبين هذا، فالأحوط: اجتناب ما يتطرق إليه الاحتمال الذي صورنا، حتى يتحقق أن الصائد مسلم، على ما قرره ابن القيم. وأما مسألة ما ذبح في بلاد المشركين، فهي تبنى على استصحاب الأصل الذي قررناه في المسألة الأولى، فمتى كانت البلاد بلاد كفر، وأحكام الكفر جارية عليها، أو المسلم فيها قليل، فإن الأصل المنع من ذبائحها، إلا في دار كان الأغلب فيها أهل الإسلام، والولاية لهم. أما إذا عرف أن الذابح بعينه مسلم فلا كلام، أو أن الذابح يهودي كما في مصر وأشباهها، فكذلك حلال. ومن تأمل ما قررناه من القاعدة الكلية في المسألة الأولى، زال عنه الإشكال. [شرط الذبيحة] وأجاب الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود: شرط الذبيحة: أن يكون الذابح عاقلاً مسلماً، أو كتابياً، وأن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح، وعند إرسال الجارح والسهم في الصيد؛ وكل من حكم بكفره غير الكتابي، فلا تحل ذبيحته ولو ذكر اسم الله عليها، لأن التسمية عبادة،

стр. 3117

وعبادة الكافر حابطة، فوجود التسمية كعدمها، سواء كان كفره بقول، أو فعل أو اعتقاد؛ وأكثر الأعراب في هذه الأزمنة، معهم من المكفرات ما يوجب كفرهم، ومن أوضح ذلك: إنكار البعث، أو الشك فيه. وأما حديث: " إن الأعراب كانوا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ "، فأولئك الأعراب قد دخلوا في الإسلام، والتزموا أحكامه على عهده ﷺ ، ولم ينقل ما يوجب ردتهم كما نقل عن هؤلاء، فلا حجة فيه. وأما أعراب هذا الزمان، فقد خرج كثير منهم من الإسلام، ونبذوا أحكامه كما يعرف ذلك من عرفه من أحوالهم. انتهى. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما أكل ذبائح البدو اليوم، فالذي ينبغي نصيحة من يفعل ذلك، وأما التعزير فلا أدري. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: وأما ذبائح الأعراب، فالأعراب في هذه الأزمان، بعضهم شامله اسم الإسلام، ومن عرف منهم بتحكيم الطاغوت، وإنكار البعث، أو الاستهزاء بالدين، أو عمل الكهانة أو السحر، فلا تحل ذبائحهم، ولا يجوز الأكل منها، لأنها في حكم ذبيحة المرتد. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عما إذا انتهب بعض

стр. 3118

الأعراب من بعض، مثل غنم مذكاة، هل يصرح بتحريمها، وإذا خلص شاة غيره من عدوه، وهي مذكاة، هل يجوز أكلها؟ فأجاب: أما من خلص شاة مذكاة فهي لقطة، يجوز أكلها وتعريفها، فإذا كان الذابح هو الغاصب، جاز أكلها بإذن صاحبها؛ لكن الواقع اليوم، كالذين ينهبون غنم غيرهم ويذبحونها، ويدركها غيرهم مذبوحة، فالأولى اجتنابها وتركها. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن قوله في شرح الإقناع: إذا ذبح السارق المسلم، أو الكتابي المسروق مسمياً، حل لربه ونحوه أكله، ولم يكن ميتة كالمغصوب، وعن قوله ﷺ في شأن ذبيحة المرأة " أطعميه الأسارى " ١؟ فأجاب: الحديث لا يعارض النقل عن الإقناع كغيره، لكونه مقيداً بقوله: حل لربه ونحوه أكله; فمفاده: أنه لا يحل لغير ربه، وغير من أذن له ربه في الأكل منه، وإن كان حلالاً بالتذكية; وقوله: كالمغصوب; راجع لقوله: حل لربه ونحوه، وليس راجعاً لقوله: ولم يكن ميتة; فتنبه لتشبيهه بالمغصوب في الحل لا في الحرمة، ويقال أيضاً: " أطعميه الأسارى " ٢ دليل على حله، إذ لو كان حراماً، لما جاز أن يأمرها أن تطعمه الأسرى.

стр. 3119

وأجاب أيضاً: لا معارضة، إذ ترك رسول الله ﷺ وأصحابه الأكل منها لا يدل على أنها ميتة من وجوه; منها: أنها ليست ملكاً لهم، ولا لمن ذبحها، فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها، ولا من أذن له مالكها في الأكل منها. ويحتمل أنه ترك الأكل منها تنزهاً. ويدل على حلها بهذه الذكاة، قوله: " أطعميه الأسارى " ١، وهو لا يطعمهم ميتة. وقوله: كالمغصوب، راجع لقوله: حل، لا لقوله ميتة، شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل، لا في الحرمة. وسئل ابنه: الشيخ إسحاق، رحمهما الله: عمن غصب شاة فذبحها، ثم تراضى هو ومالكها؟ فأجاب: قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: الجواب: إذا تراضى هو وصاحبها، جاز أكلها على هذه الفتوى من هذا الإمام، ومن له في الحديث أعظم إلمام، ولا دليل لمن منع من ذبيحة مغير على غنم بلد، ذبح منها شيئاً وعلقه ثم سقط، فجاء ربه فأذن فيه لأحد، على كلام الشيخ تقي الدين؛ وبرهانه: ما في حديث المرأة التي دعت النبي ﷺ وقوله: " أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها " ٢، فمفهوم النص: أن الإذن ابتداء مبيح، دون تحقق وجوده، فهو واضح في أن عدم الإذن، هو الذي حرمها، ومفاهيم النصوص نصوص، إذا لم تعارض.

стр. 3120

ووجه آخر، وهو: أن المحرمات على قسمين: قسم محرم لحق الله، كالدم والميتة، ومحرم لحق آدمي وهو الظلم؛ فإذا زالت العلة زال الحكم، فلا يصير ممنوعاً لنفسه، بل لما قام به من حق الغير، فمتى أذن له أبيح، فاستفدنا من نفس هذا الحديث رجحان ما أفتى به تقي الدين، فيكون معنى الحديث مطابقاً للحديث الثاني: وهو قوله ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " ١. ويدل على أنها لم تستأذنه: قولها في رواية الدارقطني: وأنا من أعز الناس عليه، وعلي أن أرضيه بأفضل منها، فصار عدم استئذانها له ظاهر من نفس الحديث، بحيث أنها لم ترضه وسترضيه، وأنها لم تعطه ثمناً، فكيف يسوغ أكل مثل هذه، لمن امتنع من أكل الضب، وترك أشياء عديدة مباحة، كان اقتضاها منصبه الأسنى، والصحابة يفعلونها; ويدل على ذلك أيضاً: إذنه في أكلها لغيره، فإنه لو كان المانع أمر يرجع إلى نفس الشاة، لم يأذن فيه لأحد، ففي هذا ما يدل على وضوح الفرق بين المأذون وغيره، والله أعلم. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عمن ذبح شاة أو سرقها، فذبحها بغير إذن أهلها، أو أغار قوم على غنم أهل بلد فذبحوا منها شيئاً وذهبوا به، ثم لحقهم الطلب،

стр. 3121

فاستنقذوه من أيديهم، هل يحل أكل ذلك المذبوح، أو لا؟ فأجاب: الحمد لله، ينبغي أولاً: أن يعلم أن العلة في المذبوح، تفويت المالية على المالك، لا إزهاق الروح; إذا ثبت هذا، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، عمن غصب شاة فذبحها، ثم تراضى هو ومالكها، هل يجوز أكلها؟ فأجاب، ﵀: إذا تراضى هو وصاحبها، جاز أكلها. انتهى. قلت: ويشهد لهذا: ما رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما: أنه ﷺ قال: " لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه " ١، وفي لفظ: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " ٢، رواه أحمد والبيهقي والدارقطني، لمفهوم هذا الحديث: أنه إذا طابت نفسه حل ذلك له، وجاز له أكل ما أباحه، وأذن له في أكله، وأخذه، وإذا لم تطب نفسه به فهو حرام، لا يحل له أخذه، ولا أكله. قال ابن القيم، رحمه الله تعالى - بعد كلام له -: ويمكن أن يقال في جواب هذا: أن قتل الآدمي حرام لحق الله وحق الآدمي، وهذا لا يستباح بالإباحة، بخلاف ذبح المغصوب، فإنه حرام لمحض حق الآدمي، وهذا لو أباحه حل؛ فالمحرم هناك: إنما هو تفويت المالية على المالك، لا إزهاق الروح; فتأمل ما ذكره ابن القيم، ﵀: أن ما كان لحق الله ولحق آدمي، أنه لا يستباح بالإباحة، بخلاف ذبح

стр. 3122

المغصوب، فإنه حرام لمحض حق الآدمي، فإذا أباحه له حل ولم يحرم عليه؛ وأن العلة في ذلك هي تفويت المالية على المالك. ثم قال: وقد اختلف العلماء في ذبح المغصوب، وقد نص أحمد على أنه ذكي، وفيه حديث رافع بن خديج، في ذبح الغنم المنهوبة، والحديث الآخر في المرأة التي أضافت النبي ﷺ فذبحت له شاة أختها بدون إذن أهلها، فقال: " أطعموها الأسارى " ١، وفي هذا دليل على أن المذبوح بدون إذن أهله يمنع من أكله المذبوح له، دون غيره، كالصيد إذا ذبحه الحلال لحرام، حرم على الحرام دون الحلال. وقد نقل صالح عن أبيه، فيمن سرق شاة فذبحها، لا يحل أكلها يعني له، قلت لأبي: فإن ردها على صاحبها فلا تؤكل، فهذه الرواية قد يؤخذ منها: أنها حرام على الذابح مطلقاً، لأن أحمد لو قصد التحريم من جهة أن المالك لم يأذن في الأكل، لم يخص الذابح بالتحريم. ثم قال ابن القيم، ﵀: هذا كلام شيخنا، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية. قلت: فتبين من هذه الرواية، أن استدلال أحمد بحديث المرأة ظاهر في حلها لغير من ذبحت له، وشبهها بالصيد إذا ذبحه الحلال لحرام، حرم على الحرام دون الحلال; وتبين من الرواية الثانية في ذبيحة السارق: أنها لا

стр. 3123

تحرم إلا على الذابح السارق لا غيره. وأما ما يستدل به المخالف، من أن البخاري، ﵀، استدل على أن من ذبح غنماً، أو إبلاً بغير أمر أصحابها لا تؤكل، بما رواه في صحيحه عن رافع بن خديج، قال: " كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصبنا إبلاً وغنماً، وكان النبي ﷺ في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي ﷺ إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت " ١ الحديث. ويستدلون بما رواه أبو داود، من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: "أصاب الناس مجاعة شديدة، فأصابوا غنماً فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي بها، إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة " ٢. انتهى. فيقال: إن العصمة والحجة فيما رواه البخاري، لا فيما رآه واستنبطه، فإن الرأي والاستنباط يخطئ ويصيب، وليس ما رآه واستنبطه حجة على من لم يره؛ بل كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ؛ والذي رواه البخاري، ﵀، إنما هو في الغنائم المشتركة بين الناس، وهي إذ ذاك لم تقسم، وهم لم يستأذنوا رسول الله ﷺ ولا بقية الغانمين في ذبحها وأكلها، فأمر بإكفاء القدور زجراً لهم عن معاودة مثله، والإمام له تأديب رعيته.

стр. 3124

وأيضاً، فإنه لم يجئ في الحديث إتلاف اللحم، قال النووي، ﵀: والمأمور به من إراقة القدور، إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يلقوه، بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه، مع أنه ﷺ نهى عن إضاعة المال، وهذا من مال الغانمين. وأيضاً، فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، فإن منهم من لم يطبخ، ومنهم المستحقون للخمس; فإن قيل: لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم، قلنا: ولم ينقل أنهم أحرقوه، أو أتلفوه; فيجب تأويله على وفق القواعد. انتهى. وللعلماء في هذا المقام كلام، لكن المقصود: أن مالك الشاة المذبوحة بغير إذنه إذا أذن في أكلها جاز، ولا يرد عليه حديث رافع بن خديج، ولا الحديث الذي رواه أبو داود عن عاصم بن كليب، لأن ذلك في الغنائم المشتركة غير المقسومة؛ والشاة لا مشارك لمالكها ولا مقاسم، بل هي ملكه، وقد أباحها بطيبة من نفسه. وقد روى البخاري في صحيحه: " أن جارية لكعب بن مالك، كانت ترعى غنماً بسلع، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي ﷺ . فقال: كلوها " ١، قال ابن حجر: وفيه جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه، ولو ضمن الذابح، وخالف في ذلك طاووس وعكرمة، وإليه جنح البخاري. انتهى.

стр. 3125

فهذه شاة ذبحت بغير إذن مالكها، وقد قال رسول الله ﷺ : "كلوها". ومن هنا قلنا: إن الحجة فيما رواه البخاري، لا فيما رآه. وقد تقدم خلاف العلماء، مع أن هذا الحديث الأخير، الذي رواه البخاري في صحيحه، فيه جواز أكلها بغير إذن مالكها، فكيف إذا أذن وأباح أكلها. إذا تحققت هذا، فما أخذه من أغار على غنم أهل بلد، ثم لحقوه فاستنقذوه من أيديهم، إنما هو قياس مع فارق، فإن الغنائم مشتركة بين من ذبح ومن لم يذبح، وصاحب الغنم المأخوذة لا مشارك له فيها، ورسول الله ﷺ أخذها بحق، وهؤلاء بعدوان وظلم، والغنائم فيها خمس، والغنم المأخوذة ليس فيها خمس. إذا علمت ذلك، فهي: حلال لمالكيها، لا لآخذها، فإن أذن المالكون لمن استنقذها في أكلها، جاز ذلك، وإلا فلا، وكذلك الشاة المذبوحة بغير إذن أهلها، إلا أن أحمد قال في ذبيحة السارق: أنها لا تحل له، يعني للسارق دون غيره. هذا ما ظهر لي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. تنبيه: اعلم وفقني الله وإياك، أن البخاري، ﵀، استدل على أن ما ذبح بغير إذن المالك، أو كان المال المشاع مشتركاً، لا يؤكل، بحديث رافع بن خديج المتقدم، واستدل أحمد بن حنبل على جواز أكله، بحديث رافع بن خديج، وبحديث المرأة؛ فكل من الإمامين استدل

стр. 3126

على الجواز والمنع، بحسب ما فهمه من الحديث، ومجرد مفهوم أحد الإمامين، لا يكون حجة يجب المصير إليه، ولا يقول بهذا إلا مقلد متعصب. والواجب على من له معرفة ونظر: أن يطلب دليلاً من خارج، وقد اجتهدنا حسب الإمكان والطاقة، فوجدنا ما رواه البخاري في صحيحه، الحديث المتقدم ذكره في قصة جارية كعب بن مالك، والحديث الذي رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما؛ فالأخذ بظاهر ما ورد عن الرسول ﷺ أولى من الأخذ بمفهوم عالم فاضل، يجوز عليه الخطأ. بقي أن يقال في هذه المسألة: ما حال الذابح مع الظلم والعدوان؟ فالجواب أن الحكم على الظاهر: فإذا وقع في بلاد الإسلام، كان الظاهر أنه مسلم، إلا أن يعلم كفر الذابح بعينه، فلا تحل ذبيحته. وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف: وقولك: رجل دخل بيت رجل ... إلخ، ومشكل عليك حل ذبيحته، فالذابح غاصب، وإذا أباحها صاحب المال فلا بأس بأكلها، لأن الذابح مسلم، وأدبه وتعزيره على الآمر. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: المسألة ورد فيها حديث المرأة التي أضافت النبي ﷺ لما ذبحت الشاة التي أخذتها بدون إذن أهلها، فقصت عليه القصة، فقال: " أطعموها الأسارى " ١، قال شيخ الإسلام، ﵀:

стр. 3127

فهذا دليل على أن المذبوح بدون إذن أهله، يمنع منه المذبوح له دون غيره، كما أن الصيد إذا ذبحه الحلال لمحرم، حرم على المحرم دون الحلال. وقد نقل صالح عن أبيه، قال: قيل له: إن رجلاً سرق شاة فذبحها، قال: لا يحل أكلها له، قلت: فإن ردها على صاحبها، قال: تؤكل إذًا. إذا فهمت هذا، فهي لا تحل للذابح، ولو أذن له المالك بعد الذبح، عقوبة له، ولا لمن ذبحت له، قياساً على صيد الحلال للمحرم، كما أشار إليه الشيخ تقي الدين. وأما من عدا ما ذكر، فهو باق في حقه على الإباحة للمالك، وغيره. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن الذي يرمي بالبندق أو الحربة ... إلخ؟ فأجاب: يسمي الله عند الرمي، وهو حلال، وكذلك الذي يتردى في بئر أو شبهه، فذكاته أن يلحق ما يقتله، مثل حربة أو خنجر ويسمي. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا رمى إنسان بعيراً، ولم يمكنه تذكيته، كما إذا شرد البعير أو سقط في بئر، ولم يمكنه نحره، فحكمه حكم الصيد إذا رماه إنسان: فإن أدركه حياً حياة مستقرة، فلا بد من ذبحه، فإن لم يكن فيه إلا مثل حياة المذبوح، فلا يحتاج إلى تذكية. وإن أصابه وغاب عنه، ثم وجده ميتاً، ولا أثر

стр. 3128

به غير رميه، فإنه يباح. ويشترط التسمية عند رميه، قاصداً قتل المرمي. وهكذا حكم البعير الشارد، والمتردي في بئر ونحوهما. وأجاب الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، رحمهم الله تعالى: بلغنا أن ناساً جزموا بتحريم فريسة السبع التي افترسها وبقيت حية، إلى أن أدركتها الذكاة؛ وهذا جهل بأحكام القرآن ونصوص السنة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . فذكر سبحانه وبحمده المحرمات في هذه الآية، وذكر منها ما أكل السبع، يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب، والذئب، والضبع ونحوها، فذكره في جملة المحرمات، ثم استثنى ، فقال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، نصب على الاستثناء المتصل، عند الجمهور من العلماء والفقهاء، وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة؛ فإن الذكاة عاملة فيه، لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفاً إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعاً إلا بدليل يجب التسليم له.

стр. 3129

روى ابن عيينة وشريك وجرير، عن الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال: سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها، حتى انتشر قصبها، فأدركت ذكاتها فذكيتها، فقال:? "كل، وما انتشر من قصبها فلا تأكل"، قال إسحاق بن راهويه: السنة في الشاة على وصف ابن عباس، لأنه وإن خرجت مصارينها فإنها حية بعد، وموضع الذكاة منها سالم؛ وإنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ميتة، ولا ينظر هل يعيش مثلها، وكذلك المريضة. قال إسحاق: ومن خالف في هذا فقد خالف السنة، وجمهور الصحابة وعامة العلماء. قال الإمام القرطبي، ﵀: وإليه ذهب ابن حبيب، وذكره عن أصحاب مالك، وهو قول ابن وهب، والأشهر من مذهب الشافعي. قال ابن العربي: اختلف قول مالك في هذه الأشياء، والذي في الموطإ: أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري، وهي تضطرب، فليأكل، وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره. انتهى كلام القرطبي. وأما كلام الفقهاء من الحنابلة، ﵏، فقال في المغني: فصل: والموقوذة والمتردية، والنطيحة وأكيلة السبع، وما أصابها مرض فماتت به، محرمة إلا أن تدرك ذكاتها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . وفي حديث جارية

стр. 3130

كعب، أنها أصيبت شاة من غنمها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي ﷺ فقال: "كلوها"، فإن كان لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح، لم يبح بالذكاة، وإن أدركها وفيها حياة مستقرة، بحيث يمكنه ذبحها حلت، لعموم الآية والخبر، سواء قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش، لعموم الآية والخبر، ولأن النبي ﷺ سئل ولم يستفصل؛ وقد قال ابن عباس، في ذئب عدا على شاة فعقرها، فوقع قصبها بالأرض، فأدركها فذبحها بحجر، قال: "يلقى ما أصاب الأرض، ويؤكل سائرها". وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة، حتى تبين فيها آثار الموت، إلا أن فيها الروح يعني فذبحت، قال: إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها، وسال الدم، فأرجو - إن شاء الله - أن لا يكون بأكلها بأس، وروى ذلك بإسناده عن عبيد بن عمير، وطاووس، قال: وقالا: إذا تحركت، ولم يقولا: إذا سال الدم; قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت، فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها، أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها، ويضعف فيها الدم، قال: فلا بأس. ثم ذكر رواية ابن أبي موسى في مذهب أحمد، ثم قال: الأول أصح، لأن عمر ﵁ انتهى به الجرح، إلى حد علم أنه لا يعيش معه، فوصى وقبلت

стр. 3131

وصاياه، ووجبت العبادات عليه. وفيما ذكرنا من عموم الآيات والخبر، وكون النبي ﷺ لم يستفصل في حديث جارية كعب، ما يدل لهذا، ويحمل ما نقل عن أحمد في شاة خرجت أمعاؤها، وبانت منها، ولم تتحرك إلا حركة المذبوح; فأما ما خرجت أمعاؤها ولم تبن منها، فهي في حكم الحياة تباح بالذبح؛ وقد تقدم: أن عموم الآية والخبر، وأن النبي ﷺ لم يستفصل، ما فيه كفاية. انتهى. وما ذكره في المنتهى وشرحه، من قوله: وما قطع حلقومه، أو أبينت حشوته ونحوها، مما لا يبقى معه حياة، فوجودها كعدمها، فلا يحل بذكاة؛ فهذا نص رواية ابن أبي موسى، وقد ردها في المغني كما تقدم، بعموم الآية والخبر; وأيضاً، معنى قوله: أبينت، ليس هو بمعنى ظهورها، بل معناه: أزيلت، كما تقرر عند أهل الأصول، كشارح المنهاج وغيره؛ ومن المعلوم: أنها إذا أزيلت حشوتها، أن حركتها كحركة المذبوح، مع أن عموم الآية والخبر، وعدم استفصال النبي ﷺ فيه مقنع وكفاية. وقال في المغني أيضاً: والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمناً، يكون الموت بالذبح أسرع منه، حلت بالذبح، وأنها إن كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة، أنها متى تحركت وسال دمها حلت; قال الشيخ تقي الدين، ﵀: وما أصابه الموت، كأكيلة السبع ونحوها، فيه نزاع بين

стр. 3132

العلماء: هل يشترط أن لا تبقى يومها بذلك السبب، أو أن تبقى معظم اليوم، أو أن تبقى فيها حياة بقدر حياة المذبوح، أو أزيد من حياته؟ فيه خلاف؛ والأظهر أنه لا يشترط شيء من ذلك، بل متى ذبح فخرج منه الدم الأحمر، الذي يخرج من المذكى المذبوح في العادة، ليس هو من دم الميت، فإنه يحل أكله، وإن لم يتحرك في أظهر قولي العلماء. انتهى كلامه. فتبين بما ذكرناه: أن الرواية التي يستروح لها من يجزم بالتحريم، أنها مردودة في مذهب أحمد، عند كثير من الأصحاب؛ وبهذا كفاية إن شاء الله تعالى. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم، عن الضب إذا كان في جحره، وبان منه بعضه، فجذبته فانقطع بعضه هل يحل الذي انقطع في يدي، إذا أخرجته في الحال وذبحته، أم لا؟ فأجاب: لا يحل ما انقطع منه، ولو أخرجه في الحال وذبحه، إلا أن يكون الذي انقطع متصل بالضب، وأما إذا انفصل عنه، فإنه لا يحل ولو كانت الحركة في حال ذبح الضب موجودة في الذي انقطع. سئل الشيخ عبد الله العنقري: عن شق بطن الشاة الميتة، وإخراج ولدها لإنتاجه؟

стр. 3133

فأجاب: الظاهر أنه إذا أمكن ذلك فلا بأس به. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن قطع حلقوم الذبيحة؟ فأجاب: الذبيحة إذا ذبحت، وذكر اسم الله عليها، وقطع الحلقوم والودجين، فهي حلال وإن لم يبق في الرأس من الحلقوم شيء. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عما ذبح إلى غير القبلة عمداً أو سهواً. فأجاب: استقبال القبلة عند الذبح ليس بشرط ولا واجب، وإنما استحبه بعضهم، ومن تركه فلا حرج عليه. وقال، رحمه الله تعالى: وأما قول السائل: ما معنى قوله ﷺ : " وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " ١، وأي شيء حقيقة البدعة؟ وهل يؤول الكلام أم لا؟ فإذا قلت: لا، فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة، ولبس المحارم وغيرها، بدعة لا تثبت من الرسول ولا ممن يعتبر بهم؟ فيقال: هذا السؤال دليل على جهل السائل بالرواية والدراية، وباللسان العربي؛ فكلام هذا الدرب من الناس يكفي من هداه الله، في بيان جهلهم وضلالهم. أما جهله بالدراية، فمن وجوه: أحدها: قوله هل يؤول الكلام أم لا؟ والتأويل في عرف هؤلاء: صرف

стр. 3134

الكلام عن ظاهره، وعن المعنى الراجح إلى معناه المرجوح; ومن سلك هذه الطريقة في أخبار الرسول، ونصوص القرآن، فقد فتح على نفسه باب الإلحاد والزندقة، وليس في كلام الله وكلام رسوله ما ظاهره ومعناه الراجح غير المراد، لأن الظاهر هو اللائق بحال الموصوف، وبلغة المتكلم وعرفه، لا ما ظنه الأغبياء الجهال، مما لا يصح نسبته إلى الله وإلى رسوله; وكذلك قوله: أكثر ما تستعملونه من شرب القهوة، ولبس المحارم، بدعة، وهذا من أدلة جهله، وعدم معرفته للأحكام الشرعية، والمقاصد النبوية، فإن الكلام في العبادات لا في العادات. والمباحث الدينية نوع، والعادات الطبيعية نوع آخر؛ فما اقتضته العادة من أكل وشرب، ولبس ومركب ونحو ذلك، ليس الكلام فيه. والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي، ولم تكن من هديه ﷺ وهدي أصحابه؛ وأما ما له أصل كإرث ذوي الأرحام، وجمع المصحف، والزيادة في حد الشارب، وقتل الزنديق، ونحو ذلك، فهذا وإن لم يفعل في وقته ﷺ فقد دل عليه الدليل الشرعي. وبهذا التعريف تنحل إشكالات طالما عرضت في المقام. [الكلام على حكم القهوة] وقال أيضاً، رحمه الله تعالى: والكلام على القهوة، قد

стр. 3135

سُبقنا إليه، وأفاضل أهل العلم، كل منهم أبدى ما عنده وما لديه، وحسبنا السير على منهاجهم، واقتفاء آثارهم، وذكر المنقور في مجموعه طرفاً من ذلك. وما ذكرت من أن مدار الشريعة على رفع المفاسد، وجلب المنافع، فنعم هو ذاك، ولكن ينبغي أن يعلم: أن المفاسد ما عارضت الأمر والنهي الشرعيين، بالفعل أو بالوسيلة، والمنافع المطلوبة ما يحصل بها مقصود الشارع، من الأمر والنهي، بالفعل أو بالوسيلة؛ وبهذا تعلم فساد التعبير بقولك: رفع المفاسد، فإن هذا لا يرتفع، فالصواب: دفع المفاسد، لا رفع المفاسد. وقولك: منها ما صرح به الكتاب والسنة، ومنها ما هو في ضمنه، تقسيم فاسد، بل الكتاب والسنة صرحا بذلك وأوضحاه، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] ولم يخرج فرد من ذلك; ولو قلت: فقد صرح بذلك الكتاب والسنة، أو تضمناه لصلح التعبير. وقولك: ومن البلاوي على أهل الوقت عامة، وعلى أهل نجد خاصة في دنياهم: "القهوة" مع ضعف معايشهم، فلا أدري: ما يراد بالبلوى هنا، أهي الابتلاء في الدين؟ أو هي الابتلاء بالنفقة فقط؟ فإن كان الأول، فلا يسلم بمجرد الدعوى; وإن كان الثاني، فالناس درجات

стр. 3136

وطبقات في اليسر والعسر والمعيشة؛ وتوسع الأغنياء إنما يذم لوجوه، لا تخص بالقهوة أيضاً، بل يجري في غير ذلك من سائر المباحات. وأما التعليل بأن فيها مضار للأبدان، فلا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه، فإن الأبدان الدموية والبلغمية تنتفع بها بلا نزاع، والسوداوي والصفراوي، يمكنه التعديل بالتمر، الذي هو غالب غذاء أهل نجد؛ وقد قال داود في تذكرته: يعدلها كل حلو. وأما قولك: وإذا كان الخمر يزيل العقل عند شربه، فهي شاهدناها تخامر العقل عند فقدها، فهذا الكلام لا ينبغي أن يقال، لأن الخمر يزيل العقل لمخامرته، أي: تغطيته، وهي لا تزيل العقل ولا تخامره، بل ربما كان شاربها قوي الذهن، حاد الإدراك، جيد الحفظ، والموجود عند فقدها لا يسمى مخامرة، وإنما هو كسل وفتور لها لا بها؛ فافهم أيها الأخ وأعط القوس باريها. وأما قولك: وإذا عرضت مضارها على العاقل منهم، شهد بها وعابها، فيقال: أي عاقل يراد بهذا؟ أما العامة، ومن لا عناية له بمعرفة الأحكام الشرعية والأصول الدينية، فأقوالهم لا تصلح أن تكون ميزاناً، وأن تستقل بحكم; وأما أهل العلم والدين، وأهل البصائر من ورثة سيد المرسلين، فعقولهم يرجع إليها مع اتفاقهم، وإن

стр. 3137

اختلفوا، فالميزان هو الكتاب والسنة. وقولك: وإذا وزنتها العقول السليمة، لا شك أنها لهو ولعب، فاللهو واللعب: ما لا يعود بمنفعة أصلاً، ويعود بمضرة راجحة على مصلحته; وإدخال القهوة في هذا التعريف، يحتاج إلى أصول ومقدمات، " لو يعطى الناس بدعواهم " ١ الحديث. وما ذكرت من التعاليل، قد يجري في كل مباح، كإضاعة المال، والاجتماع على القيل والقال، والحاجة إلى السؤال، وليس ذلك الوصف لازماً للقهوة; وكذلك كونها تلهي كثيراً من الناس عن الصلاة، وتضيع عليه الأوقات، فهذا قد يجري لأهل الشهوات، والمبايعات، والمزاورات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة المنافقون آية: ٩] . وأما كونها لا تغني من جوع، ولا تروي، فهذا الوصف يأتي على كثير مما تتعاطونه من المباحات، ولم تأت الشريعة بتحريم ما لا يغني من جوع، ولا يروي، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٦٤] . وأما كون مزرعها من بلاد الكفار، فمتى كان عندكم امتناع عما زرعه الكفار، ونسجه الكفار، وخرج من بلاد الكفار، وجمهور أموالكم، ومأكلكم من هذا الضرب؟ " ثكلتك أمك يا معاذ! " ٢، " وويح عمار! ". قد كانت المدينة في عهد النبوة يجلب إليها من

стр. 3138

بلاد الكفار، أنواع المآكل والأدهان، والملابس التي نسجت وصبغت ببلاد الكفار، كما لا يخفى على من له أدنى نظر في الأخبار. وأما ما زعمته من ضررها على أهل الجهاد، فمن الظرائف التي لا يستظرفها إلا فقيه النفس ذكي الطبع، وربما قيل بعكس القضية، لما فيها من تنشيف البلغم، وتجفيف المواد المكسلة الرديئة. وأما قولك: ويصرف فيها من بيت المال كيت وكيت، فمتى صار النظر - أصلحك الله - منصرفاً إلى توفير هذه الجهة، ووضعها في مواضعها الشرعية؟! والصرف في المباح أولى من الصرف في المحرم الصرف. وأما اختلاف أهل العلم عند خروجها - ولو قيل عند حدوثها لكان أليق باللغة الشرعية - فنعم هو ذاك، ولكن لا دليل فيه على المنع، وقد قيل. وأما صرف الأموال العظيمة من أهل نجد، فهذا القول من جنس ما قبله، فإن مجاوزة الحد في كل مباح داخل في حقيقة السرف، والمحرم نفس السرف، ولو في المآكل الضرورية. ولو صرف الأخ النجيب فكرته، ونظر إلى ما تعطل من أصول الدين ودعائم الملة، وما تلاعب به الجهال من

стр. 3139

الأحكام الشرعية الدينية، وما دهم أهل نجد في هذه السنين، من قبض العلم وارتفاع الجهال، وترك الالتفات إلى تربية أهل الملة، بتعليم ما يحتاجونه من أصول دينهم، وما جاء به نبيهم ﷺ ، والتفطن لذلك والاهتمام به، وصرف الهمة إلى تحصيله، وأن لا يطلب على الفضلة إن طلب، لكان هذا أولى وأجدر أن تقع المذاكرة فيه، والسؤال عنه; وأما أمر القهوة، فقد كفانا شأنها من سلف من أهل العلم والدين.

стр. 3140

كتاب الأيمان والنذور سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن قول الحالف وعهد الله؟ فأجاب: وأما قوله: إذا حلف وقال: وعهد الله، فهو كقوله: والله. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الحلف بحق الله والأمانة؟ فأجاب: ذكر العلماء أن الحلف بحق الله، وأمانة الله، ونحوهما، يمين منعقدة إذا أضيفت إلى الله، ونوى بها الحالف صفة الله؛ قال في الشرح الكبير: إذا قال: وحق الله، فهي يمين مكفرة، وبها قال مالك والشافعي; وقال أبو حنيفة: لا وحق الله، طاعته، ولنا: أنه له حقوق يستحقها لنفسه، من البقاء والعظمة والجلال، وقد اقترن العرف بالحلف بها، فينصرف إلى صفة الله - إلى أن قال - وإن قال: وأمانة الله، فيمين، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا ينعقد إلا أن ينوي به صفة الله، لأنها تطلق على الفرائض، والودائع، والحقوق. ولنا: أن أمانة الله، صفة من صفاته - إلى أن قال -

стр. 3141

الثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله، لكن ينصرف بإضافته إلى الله، من لفظ أو نية، كالعهد، والميثاق، والأمانة، فلا يكون يميناً إلا بإضافته، أو نيته. انتهى. وقد ذكر في الإقناع وشرحه، والكافي وغيرهما، نحو ذلك. وأما معنى الأمانة في الآية، فقال البغوي: أراد بالأمانة: الطاعة، والفرائض التي فرضها الله على عباده، قاله ابن عباس، وقال ابن مسعود: "الأمانة: الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والعدل والودائع"، وقال مجاهد: الأمانة: الفرائض وحدود الدين، ثم ذكر الغسل من الجنابة، ثم ذكر جوارح الإنسان، الفرج والأذنين، واليد والرجل، والوفاء بالعهد، وكل هذا من الأمانة. انتهى ملخصاً. وقال أيضاً في الإقناع وشرحه: ويكره الحلف بالأمانة، لما روى أبو داود مرفوعاً: " ليس منا من حلف بالأمانة " ١، قال الزركشي: ظاهر الحديث التحريم، فلذا قال: تحريم كراهة، لكن ظاهر المنتهى، كالمغني والشرح وغيرها، أنها كراهة تنزيه. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: الحلف بحق الله، كثير من العلماء يجوزونه، وبعضهم يمنع منه، والمشهور في المذهب جوازه; وقول بعض الناس: لك الله ما فعلت

стр. 3142

كذا، إذا لم يكن للقائل نية فهو لغو; وقول: بالرحمن نفعل كذا، إذا كان مراده الاستعانة بالرحمن، فلا بأس به. وسئل: عن إقسام بعض الناس، يقول: الله يعلم ما فعلت كذا؟ فأجاب: إن كان القائل صادقاً في قوله فلا بأس، وإن كان كاذباً في قوله: الله يعلم ما فعلت كذا، وهو قد فعله، والله يعلم ما صار كذا، وهو قد صار، فهذا حرام; ولو عرف القائل معنى قوله، لكان كفراً، لأن مقتضى كلامه: أن الله لا يعلم أن الأمر على ما هو عليه، فيكون وصفاً لله بالجهل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأجاب الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: قول من قال: يعلم الله أنه يكفر، فالذي قال هذا: تائه وغالط، ولعلكم ما فهمتم معنى كلامه، وإلا إذا قال: يعلم الله كذا وكذا، وهو صادق، فلا بأس بذلك، وإنما الإثم والحرج على من قال: يعلم الله كذا وكذا، وهو كاذب، فهو كذب وافتراء، ولا يبلغ إلى الكفر. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن كان عليه يمين، فإن استحلف بالله حلف ولم يبال، وإن استحلف بفلان أو فلان لم يحلف إلا صادقاً، هل يجوز استحلافه بغير الله، مع تحقق ما ذكرنا؟

стр. 3143

فأجاب: وأما الاستحلاف، فلا يجوز أن يستحلف بغير الله . وأما من طلب منه الحلف بغير الله، إذا كان له حق ولا يمكن حصوله إلا بذلك، فإن أمكنه التأول تأول، وإن لم يمكنه ذلك، فلا أعلم أنه يرخص له في ذلك؛ ولا يقال إن هذا من نوع الإكراه. سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا قال الإنسان في كلامه: وأبي إني صادق، أو: وأبي إنك كاذب، ونحو ذلك، هل هذا شرك؟ فأجاب: هو شرك، وينكر عليه؛ قال في الإقناع وشرحه: ويحرم الحلف بغير الله، ولو كان الحلف بنبي، لأنه إشراك في تعظيم الله تعالى، ولحديث ابن عمر مرفوعاً: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ١، رواه الترمذي وحسنه، وروى ابن عمر: " أن النبي ﷺ سمع عمر يحلف بأبيه، فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم؛ فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " ٢، متفق عليه. فإن حلف بغير الله أو صفاته، استغفر الله وتاب بالندم والإقلاع، والعزم أن لا يعود. انتهى. وقال في الشرح: والحلف بغير الله يشبه تعظيم الرب ﵎، ولهذا سمي شركاً. قال الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا حلف لا يفعل شيئاً، ففعله مرات كثيرة، فإنه يُكَفّر.

стр. 3144

سئل الشيخ حمد بن ناصر: إذا قال لامرأة: علي عهد الله أن أتزوجك، فلم يفعل، فهل عليه كفارة يمين؟ فأجاب: هذه المسألة فيها خلاف، والمشهور في مذهب أحمد أن عليه كفارة يمين، وهو مذهب مالك، وذهب الشافعي إلى أنه لا كفارة عليه. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا حلف لا يدخل بيت فلان ... إلخ؟ فأجاب: أما من حلف أنه لا يدخل بيت فلان، أو ما يأكل من بيته، أو من طعامه، ثم فعل ذلك، فعليه كفارة يمين. وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا قال: طعامك أو شرابك علي حرام؟ فأجاب: تحريم ما أحل الله لا يحرم بنص القرآن، كما في سورة التحريم؛ واختلفوا هل عليه كفارة يمين، أو لا، وكثير من أهل العلم يرى أن عليه كفارة يمين.

стр. 3145

[فصل في حكم النذر] قال الشيخ عبد الله بن الشيخ - في أثناء العقيدة -: ونرى النذر جائزاً، ويجب الوفاء به في غير المعصية. وسئل أيضاً: هو والشيخ حسين: هل يجوز أن

стр. 3146

يقول: مالي نذر لوجه الله على فلان حياً؟ أم يكون شركاً؟ فأجابا: النذر الذي يقصد به وجه الله، في عمل طاعة لله ورسوله، كالنذر على فقير معين، أو غيره، فإنه يجب الوفاء به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٠] ، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [سورة الإنسان آية: ٧] . وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ١. ولا يكون هذا النذر شركاً، لأن النذر الذي يكون شركاً، النذر لغير الله، كالنذر لولي يعبد من دون الله، أو لقبة، أو لخدمتها وسدنتها، فهذا هو الذي يكون شركاً، وهو نذر معصية، لا يجوز نذره، ولا الوفاء به، كما تقدم في الحديث. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن الطعام المنذور لغير الله، هل هو حرام، أم حلال؟ وإن كان حراماً، فبأي سبب حرم؟ فأجاب: ما قصد به الميت تقرباً إليه، وتعظيماً له، من طعام أو غيره، فهو حرام، لأن ذلك شرك بالله، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى

стр. 3147

شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٦] . فإذا خرج ذلك بالنذر فهو أعظم، فيكون نذر معصية، كما في الحديث الصحيح: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ١. ولأن النذر عبادة يجب الوفاء به، إذا نذر طاعة لله، كما قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [سورة الإنسان آية: ٧] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٠] . ومن نذر للميت، فقد جعله شريكاً لله في عبادته، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [سورة الحج آية: ٣١] . سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل يجب الوفاء بنذر الطاعة؟ فأجاب: ونذر الطاعة يلزم الوفاء به، ويجبر عليه الممتنع. ونذر الإنسان فيما لا يملك لا ينعقد مطلقاً، ولا كفارة فيه، لقوله ﷺ : " لا نذر لابن آدم فيما لا يملك " ٢؛ وهذا نحو: أن ينذر عتق عبد زيد، فلا ينعقد ولا يلزمه شيء، فلو قال: إن ملكت عبد زيد، فلله علي أن أعتقه، يقصد القربة، لزم عتقه إن ملكه؛ فإن كان نذره نذر لجاج أو غضب، فملكه، فهو يخير بين عتقه، وكفارة يمين. وسئل أيضاً: إذا نذر إنسان شيئاً معيناً لشخص معين، نذر تبرر، فرده أو مات قبل قبوله، أو قبله وقبضه ثم رده؟ فأجاب: إذا رده أو مات قبل القبول والرد، فالذي

стр. 3148

يظهر بطلان هذا النذر، كما تبطل الصدقة بذلك، لأن الصدقة نوع من الهبة؛ صرح به الأصحاب، كما في المغني وغيره، وهو ظاهر كلام أحمد، لقوله في رواية حنبل: إذا تصدق على رجل بصدقة داراً، وما أشبه ذلك، فإذا قبضها الموهوب له، صارت في ملكه. انتهى. وقد صرحوا باعتبار القبول للهبة، وأنها تبطل بالرد، وبموت الموهوب له قبل القبول؛ فإذا كان هذا حكم الهبة، فالصدقة نوع من الهبة. وقد جعل الأصحاب حكم الصدقة المعينة حكم النذر، كما نقله في القواعد عنهم، ولفظه - بعد كلام سبق -: فإذا قال: هذه صدقة، تعينت وصارت في حكم المنذورة، صرح به الأصحاب، لكن هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به؟ فيه خلاف بين الأصحاب. انتهى. فقوله: هل ذلك إنشاء للنذر، أو إقرار به؟ صريح في أنه إذا تصدق بشيء معين، فقال: هذا صدقة، أنه نذر حقيقة. فإذا علمت ما ذكره علماؤنا، رحمهم الله تعالى، من أحكام الهبة، وقد صرحوا: بأن الصدقة نوع من الهبة، لها حكم الهبة، بل صرحوا باعتبار القبول للصدقة، ولم يخصوا بذلك نوعاً منها، وجعلوا حكم الصدقة المعينة، حكم المنذورة، ظهر لك حكم مسألة السؤال، إن شاء الله تعالى. يوضحه: أن للأصحاب في اشتراط القبول للوقف

стр. 3149

على معين وجهين: أحدهما: لا يشترط، لأنه أحد نوعي الوقف. والثاني: يشترط كالهبة والوصية. والأول أولى، والفرق بينه وبين الهبة والوصية: أن الوقف لا يختص المعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون، فيكون الوقف على جميعهم، إلا أنه مرتب؛ قال الزركشي بعد حكاية الوجهين: قال ابن حمدان وابن المنجا: إنهما مبنيان على انتقال الملك إلى الموقوف عليه، إن قلنا: ينتقل، اشترط وإلا فلا، قال: والظاهر أنهما على القول بالانتقال. انتهى. فظهر بما ذكروه من التعليل: اعتبار القبول في مسألتنا، لا المنذور له، يملك النذر، ويتصرف فيه بالبيع وغيره، ولا يتعلق به حق لغيره، فإذا لم يقبل المنذور له، جاز للناذر التصرف فيه; يقوي ذلك أيضاً: ما ذكره جماعة من الأصحاب، وصرح به في الإقناع والمنتهى: أن الوقف يرجع إلى الواقف، إذا انقطعت الجهة الموقف عليها، والواقف حي، فمسألتنا أولى. وأما إذا قبض المنذور له ثم رده، فعلى ما قررناه، حكمه حكم الصدقة المردودة بعد القبض؛ قال في الفروع: ومن سأل فأعطي فقبضه، فسخطه، لم يعط لغيره في ظاهر كلام العلماء. انتهى. وذكر في الاختيارات ما معناه: أنهما إن تفاسخا عقد الهبة صح، والله أعلم.

стр. 3150

وسئل الشيخ سليمان بن حمدان: هل يجوز للإنسان إذا نذر إن شفي من مرضه، أو قضيت مصلحته أو حاجته أو غيرها، أن يعطي إنساناً أو جماعة مقداراً من النقود، أو الطعام أو اللباس أو غيره، فبعد إتمام مقصده لم يعط النذر مطلقاً، فهل يأثم، ويعذب أم لا؟ فأجاب: هذا نذر مطلق على شرط هو الشفاء من المرض، أو قضاء الحاجة أو غيرها، فإن كان الناذر قصد بإعطائه وجه الله، أو ثواب الآخرة، فهذا نذر تبرر؛ إذا وجد الشرط الذي علق عليه، لزمه الوفاء بما نذر من النقد أو الطعام أو اللباس، لمن عينه واحداً أو أكثر. وإن قصد الإكرام أو التودد، أو لم يقصد شيئاً، فهو من قبيل نذر المباح، فيخير بين الوفاء، وكفارة يمين. وحيث إن النذر لم يقيد بوقت معين، فالوفاء به واجب على الفور، بعد حصول شرطه، ولا يكون الناذر حانثاً إلا إذا تحقق اليأس من فعل المنذور، فتجب الكفارة حينئذ لدفع الإثم; وبالتكفير يكون غير آثم في نذره، فلا يعذب عليه. والكفارة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة وجوباً، إن لم يكن عذر يمنع من ذلك. وسئل أيضاً: هل تجوز وتقبل من الإنسان التوبة إذا

стр. 3151

تاب من جميع الذنوب، الصغيرة والكبيرة، كالقتل، والزنى، واللواط، وشرب الخمر، والكذب، والغش، والظلمن والخيانة، وغيرها، ولا يعذب ولا يقاصص، ولا يعاقب في الدنيا، ولا في القبر، ولا في الآخرة، أم لا؟ فأجاب: إن التوبة من أهم قواعد الإسلام، وواجباته المتأكدة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على وجوبها، لكن لا يقدر العبد أن يتوب، حتى يتوب الله عليه. والتوبة واجبة على الفور من كل ذنب، ولو من صغيرة، وإن كانت تكفر باجتناب الكبائر، لعموم الأدلة، ولا تجب بدون تحقق إثم، وظاهر كلام بعضهم صحة التوبة، من كل ما حصلت فيه المخالفة، أو أدنى غفلة وإن لم يأثم، وتصح من بعض الذنوب في الأصح، لا من ذنب أصر على مثله. فإن كانت المعصية بين العبد وبين ربه، لا تتعلق بحق آدمي، فللتوبة منها ثلاثة شروط: أن يقلع من المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم على أن لا يعود إلى مثلها أبداً؛ فإن فقد أحد الثلاثة، لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي، فلها شروط أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها. وحق الآدمي المحض لا يكاد يوجد في قول بعضهم، لأن كل حق

стр. 3152

لآدمي يتعلق به حق الله تعالى، لأن تعاطي ما لا يشرع معصية، والإقدام على المعصية من حقوق الله، لأن الله حد حدوداً، يجب الوقوف عندها. فإن كان حق الآدمي مما يجبر بالمثل، كالدماء، والأموال، فالبراءة تحصل منه ببذل ما وجب عليه لمستحقه، أو استحلاله بعد إعلامه به. وإن كان لا يجبر بالمثل، بل جزاؤه من غير جنسه، كالقدح فيه بقذف أو غيبة أو شتم، ضم إلى التوبة من القذف تكذيب نفسه، والإحسان إلى المقذوف، ومن اغتابه أو شتمه، بالدعاء له والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون بإزاء إيذائه له، ولا يشترط إعلامه ولا استحلاله من ذلك؛ وقيل: إن علم به المظلوم استحله، وإلا دعا له واستغفر له ولم يعلمه. وأما قبول التوبة، فقال الحافظ زين الدين بن رجب، ﵀: ظاهر النصوص يدل على أن من تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً، واجتمعت شروط التوبة في حقه، فإنه يقطع بقبول الله تعالى توبته كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلاماً صحيحاً؛ وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البر يدل على أنه إجماع. ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يرجى، وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب.

стр. 3153

ثم قال: والصحيح قول الأكثرين - يعني القطع بقبول التوبة -. انتهى. فتقبل التوبة من كل ذنب لتائب منه من غير استثناء شيء من الذنوب، كما دل على ذلك القرآن والحديث، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ما لم يعاين التائب الملَك، وقيل: ما دام مكلفاً; وقيل ما لم يغرغر - أي تبلغ روحه حلقومه -. وقبول التوبة فضل من الله تعالى غير واجب عليه عند أهل السنة؛ فلو عذب العبدَ على ذنبه لم يكن ظالماً له ولو قدر أنه تاب منه، ولكنه أوجب على نفسه بمقتضى فضله ورحمته أنه لا يعذب من تاب، وقد كتب على نفسه الرحمة، فلا يسع العباد إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار، أو يدخل به الجنة. وإذا قبلت توبة العبد، غفر ذنبه الذي تاب منه؛ والمغفرة وقاية شر الذنوب مع سترها، ومن غفرت ذنوبه بالتوبة أو غيرها من مقضيات المغفرة، فهو غير آثم، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وكل من كان غير آثم فهو غير معاقب، لا في القبر، ولا في الآخرة. وأما في الدنيا، فالتوبة لا تكون مسقطة للعقوبات الواجبة لحق الله تعالى، من حد سرقة أو زنى وشرب، أو تعزير، بعد ثبوتها، وما وجب لحق آدمي، من قصاص أو مال، أو حد قذف أو تعزير، كما لا تسقط بها الكفارات،

стр. 3154

وسائر الواجبات التي أثم بسببها، من صلاة أو صيام، أو زكاة أو غيرها، بل لا بد من الإتيان بها، لأنها حقوق لا ذنوب، وإنما الذنب تأخيرها فيسقط بالتوبة إثم المخالفة بالتأخير، لا نفس الحق المؤخر. وإذا عوقب العبد على الذنب في الدنيا لم يعاقب عليه في الآخرة، لما روى الإمام أحمد وغيره واللفظ له، عن علي ﵁ مرفوعاً: " من أذنب ذنباً في الدنيا فعوقب به، فإن الله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده. ومن أذنب ذنباً في الدنيا، فستره الله عليه وعفا عنه، فإن الله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه " ١. وأما إذا لم يعاقب عليه في الدنيا، ولم يتب منه، ولم يكفر بشيء من المكفرات للذنوب، بل مات مصراً عليه، ولقي الله بالذنب الذي استوجب به العقوبة، ولم يكن شركاً، فأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة. ولما كان العبد لا بد أن يفعل ما قُدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي ﷺ : " كتب الله على ابن آدم حظه من الزنى، فهو مدرك ذلك لا محالة " ٢، جعل الله له مخرجاً مما وقع فيه، يرفع أثر الذنب، ويزيل موجبه؛ وهذا من أعظم فوائد الشريعة ومقاصدها، فعقوبات الذنوب تزول بالتوبة النصوح، فهي أقوى الأسباب في إزالتها،

стр. 3155

وبالحسنات الماحية، كالكفارات والعقوبات، وبالمصائب المكفرة، وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن، أو أذى في مال أو عرض أو جسد، أو غير ذلك. وصرح العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، بأن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب جميعها، وقال: لا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة، أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب. انتهى. ومما يزيل عقوبات الذنوب أيضاً: ما يحصل للعبد في البرزخ من الشدة، وما يحصل له في عرصات القيامة، ودعاء المؤمنين له، كالصلاة عليه، وشفاعة الشفيع المطاع لمن شفع فيه، وغير ذلك. وقد حصر بعض العلماء ما يسقط العقوبة على الذنب بنار جهنم، في نحو عشرة أسباب، ذكر أنها عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة. فالذنوب أسباب مقتضية للعقوبة، والأمور المكفرة لها موانع، ولهذا تقع الموازنة بين الحسنات والسيئات في الآخرة، إعمالاً لمقتضى العقاب ومانعه، ويكون الحكم للغالب؛ فمن كفرت سيئاته بنفس العمل، كان ذلك من باب الموازنة، وهذا تنقص درجته عمن سلم من تلك الذنوب. ومن كفرت سيئاتهم بالمصائب والحدود، وعقوبات الدنيا، سلمت لهم حسناتهم فلا تنقص درجاتهم؛ بل ترتفع
следующие страницы →