وسئل: عن الأمير يؤدب الرعية بأخذ شيء من مالهم، هل يحل؟ أو يصرف في بيت المال؟
فأجاب: أما ما أدب به الرعية بأخذ شيء من المال، فهذا جائز في قول كثير من العلماء، وأما حل أكله أو صرفه في بيت المال فلا أدري.
سئل بعضهم: إذا قدم رجل معه امرأة غير محرم له، كبنت عمه وليس معهما غيرهما، كم نجلدهما؟
فأجاب: لا يجوز للرجل أن يخلو بأجنبية، وهي كل امرأة يجوز له أن يتزوجها، لحديث ابن عباس: " لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم " ١، متفق عليه. وأما حد الجلد فليس عليهما حد، بل يعزران بما يردعهما. والتعزير على الإمام أو نائبه، فإن رأى العفو عنه عفا، لكن العفو للمصلحة؛ ويكون التعزير بالنيل من عرضه، كقوله: يا ظالم، يا معتد، وبإقامته من المجلس، وبأخذ المال أو إتلافه، وبالجلد وليس فيه عدد معلوم إلا ما نص عليه الشارع؛ والتعزير أصل عظيم فيه صلاح الدين والدنيا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن شتم العيال وخصامهم؟
فأجاب: أما شتم العيال وخصامهم، إذا كان من باب التأديب والتمرين والتعليم، فهو مندوب إليه، بشرط أن لا
стр. 3082
يخرج بالشتم والخصام إلى كلام منهي عنه، وأن لا يتجاوز بالضرب عشر جلدات، في حق من يجوز له ضربه، ممن له الولاية عليه. قال الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: وأما الفتوى التي أفتى بها الشيخ عبد العزيز بن حسن، ﵀، فيمن ظهرت عليه الريبة في عرضه، فهذا نصها، قال: وأما من ظهرت منه الريبة وقويت، ولم تؤثر فيه النصيحة، فيؤدب بحسب قوة الريبة وضعفها؛ وإن لم يندفع فساده إلا بالنفي نفي، إلا أن يترتب على نفيه مفسدة أكبر فلا ينفى، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المضار وتقليلها. انتهى كلامه. فتأمله تجده وافياً بالمقصود مع اختصاره.
سئل بعضهم: ما قولكم، علماء المسلمين، إذا نبّه إمام المسلمين وولي أمرهم، على رعيته أن لا يسابلوا بلدة حربية، وأناس من أهل الذمة عند العهد، أن لا يسابلوا تلك البلدان الكفار، وأيضاً، اشترط على أناس من أهل الذمة، وسابلوهم بعد أن نبّه الإمام عليهم بعدم المسابلة، وأن من سابل هذه البلد الكافرة، تراني أُؤَدِّبه وأنكّله، أيجوز لولي الأمر، ومن ظفر بهم يأخذهم، والحالة كما ذكرنا؟ فبينوا لنا مأجورين، إن شاء الله تعالى.
الجواب: فنقول: الكلام على هذه المسألة في
стр. 3083
مقامين: الأول: أن المسلم العاصي بمسابلة هذه البلدة المذكورة، مستحق الأدب والنكال بالحبس والضرب، وأخذ ماله وإتلافه، وإن حسّس على المسلمين علماً يضرهم أبيح دمه وماله، بإجماع العلماء من الأمة المحمدية، ويصير أدباً لأمثاله.
وأنسب ما يعاقب به العاصي بنقيض قصده: فإن كان الذي حمله على هذا حب المال، والاستكثار منه، فيؤدب بأخذه منه وإتلافه، كما هو مستفاد من شريعته ﷺ : لما غل الغال حرق متاعه، وأخذ مصحفه وبيع وأخذ ثمنه، وضرب؛ وفعله الخلفاء الراشدون. ولما حمل القاتل لمورثه الاستعجال على المال، عوقب بنقيض قصده، وحرم الإرث. ولما استعجل الناكح في العدة، عوقب بتحريمها عليه. ولما استشغل المتخلفون عن الصلاة في بيوتهم أراد أن يحرقها عليهم لولا الذرية.
ولما أساء الشافع في السلب على أمير السرية، عاقب المشفوع له بمنعه منه. ولما أخذ السارق من التمر، عاقبه بضعف الثمن مرتين. ولما كتم صاحب المال الزكاة، أخذ شطر ماله.
وهذا كله يدل على جواز العقوبات المالية، وأخذها، عزمة من عزمات ربنا. وعلى أن الأنسب معاقبة العاصي بنقيض قصده، لأن العقوبات الشرعية مقدرة، وغير
стр. 3084
مقدرة: أما المقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، وأما التي غير مقدرة فهي ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر بما يرونه؛ وهذا مما لا خلاف فيه. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: هذا من باب التعزير، والعقوبات الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة. انتهى كلامه.
المقام الثاني: في الذمي إذا نقض بعض ما شرط عليه، أجمع العلماء من كل مذهب على إباحة دمه وماله؛ والدليل على ذلك: أنه ﷺ لما صالح أهل خيبر، اشترط عليهم الصفراء والبيضاء، والحلقة - أي السلاح - وأن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن كتموا أو غيبوا شيئاً فلا ذمة لهم.
فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب فيه مال وحلي، فسألهم عنه، فقالوا: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ : "العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفع من كان عنده ذلك إلى الزبير يستقره، فمسه بعذاب، فقال: لقد رأيت حيياً يطوف في خربة هناك، فذهبوا به فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ بني أبي الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث "، "وغزا أهل مكة لما أعانوا بني بكر على خزاعة خفية"؛ قال الإمام ابن القيم، ﵀: إن ذلك من السياسة الشرعية،
стр. 3085
فإن الله سبحانه قادر على أن يدل رسوله على الكنز بطريق الوحي، لكن أراد أن يسن للأئمة عقوبة المتهمين.
قال الإمام ابن القيم، ﵀، في الهدي النبوي: فواجب على الإمام إزالة المنكرات، وتحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله فيها ورسوله، وهدمها، كما "حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه"، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر الله فيه، لما كان بناؤه ضراراً، وتفريقاً بين المؤمنين، وكذلك محالّ المعاصي والفسوق، كالخانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد "حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي، وسماه فويسقاً، وأحرق قصر سعد عليه، لما احتجب فيه عن الرعية".
قال الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي، في كتاب العمدة: مسألة: ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية والملة، أو قاتل المسلمين، أو هرب إلى دار الحرب، حل دمه وماله، لأن في كتاب عبد الرحمن بن غنم، الذي فيه شرائط أهل الذمة على أنفسهم: وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، فزاد عليهم عمر: "ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده"، فظاهره: أنه متى نقض شيئاً من ذلك حل دمه وماله، ولأنه عقد بشرط،
стр. 3086
فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد.
انظر أيها المسترشد: ما حكم به ﷺ من القتل، وأخذ الأموال على من لم يف بالشرط، وما صرح به علماء المذهب، ﵏.
وقال في كتاب الرحمة للشافعي: فصل: وإذا فعل أحد من أهل الذمة ما يجب تركه والكف عنه، أو ما فيه ضرر على المسلمين، أو خافهم في نفس أو مال، وكذلك في ثمانية أشياء: بأن أجمع على قتال المسلمين، أو يزني بمسلمة، أو يسبها باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، أو يأوي جاسوساً للمشركين، أو يعين على المسلمين بدلالة، أو يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، أو يقتل مسلماً أو مسلمة عمداً، فهذه الثمانية توجب نقض الذمة، وإحلال المال والدم بوجود واحد منها، شرط أو لم يشرط، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.
ولو ذهبنا نذكر عبارات الكتب لطال الجواب، ولكن هذا على سبيل الإرشاد والتنبيه لمريد الاسترشاد، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
والمقصود: أن الذمي إذا أخل بما شرط عليه، فلا ذمة له، وحل دمه وماله إجماعاً; والمسلم إذا عصى ولي الأمر، وسار إلى بلد الكفار، وقد نهي عن ذلك، فلولي
стр. 3087
الأمر تعزيره، وردع أمثاله بما يراه أبلغ له في العقوبة، وفي الحديث: " إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". وأبلغ من هذا، قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥١] ، وفي الآية الأخرى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠-٤١] .
стр. 3088
باب القطع في السرقة
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن المختلس، والمنتهب ... إلخ؟
فأجاب: السرقة أخذ مال محترم على وجه الاختفاء، فلا قطع على منتهب، وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة، لما روى جابر مرفوعاً: " ليس على منتهب قطع " ١، رواه أبو داود، ولا على مختلس، والاختلاس: نوع من الخطف والنهب؛ وإنما استخفى في ابتداء اختلاسه. انتهى من الإقناع وشرحه.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: عن الحكم في قطع يد السارق؟
فأجاب: وأما السارق، فلا تقطع يده إلا بإذن الإمام أو نائبه في الحكم.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد، ﵀: هل يجتمع القطع والضمان ... إلخ؟
فأجاب: وأما الرجل الذي فعل ما وصفت من حاله، فعليه القطع إذا رفع أمره للأمير، ولا يجتمع القطع والضمان، ولا أكره الغفلة عن القطع، لأجل أن
стр. 3089
وقت المجاعة فيها شبهة.
وسئل: عن حد السارق؟
فأجاب: وأما السارق فتقطع يده اليمنى، بشرط أن يأخذ المال من حرزه، وأن يكون قيمة المأخوذ قدر ثلاثة دراهم، وأن يكون مالاً محترماً، وأن يكون الآخذ للمال على وجه الاختفاء، وأن لا يكون له فيه شبهة، كالأخذ من مال ولده، والمرأة من مال زوجها. والذي يسرق دون النصاب فلا قطع عليه، بل يؤدب؛ وكذلك الذي يأخذ الثمر من البساتين والزرع، يؤدب، ويغرم قيمته مرتين.
وأجاب أيضاً: وأما السارق، فإذا سرق وثبتت سرقته من حرز المال، المعروف عند أهل البلد أنه حرز له، قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع، بشرط أن تكون سرقته نصاباً، وهو: ربع دينار، قيمته عندكم: ثلاثة أخماس ريال.
وأما الذي يأخذ العنب من البستان، والقضب من الحديقة، والخشب من الحائط، فهذا يؤدبه الأمير، ويغرم مثل ما أخذ من ذلك.
وأجاب الشيخ حسين بن محمد، رحمهما الله: نصاب السرقة: ربع دينار، والدينار: اثنا عشر درهماً؛ فإذا سرق من الحرز ما يبلغ ثلاثة دراهم قطع، كما جاءت به السنة. فإذا حصل الشك: هل المسروق مما يساوي ثلاثة دراهم من
стр. 3090
الفضة الخالصة أم لا، لم يقطع بمجرد الشك؛ وفي الحديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ١.
وأما الحرز، فهو ما جرت العادة به في حفظ الأموال، والأموال تختلف: فالدراهم لها حرز، والقماش له حرز، والدواب لها حرز، والثمار لها حرز، والمسافر بماله له حرز، والنائم على متاعه في المسجد والسوق كذلك؛ والمسألة لها ضابط، وهو: أن الحرز ما جرت به العادة، ويختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، وعدل السلطان وجوره.
وأما إذا سرق الإنسان شيئاً محرماً، مثل التنباك، هل يجب فيه القطع؟ فاعلم: أن للقطع شروطاً، منها: أن يكون المال محترماً، فلا يقطع بسرقة الخمر والتتن، وآلة اللهو، وكتب البدع، ونحو ذلك.
وأما قولك: وهل حد السرقة حق لله، يقام على السارق وإن لم يطلبه المسروق؟ فالأمر كذلك، يقام على السارق وإن لم يطلبه المسروق منه، بل لو وهب السارق المال بعد رفعه إلى الإمام، لم يسقط الحد عنه، لقصة صفوان؛ والخلاف بين الفقهاء إنما هو في المطالبة بالمال، هل هي شرط في القطع أم لا؟ وفي ذلك عن أحمد روايتان: إحداهما: يشترط مطالبة المسروق منه بماله، وهي المشهورة في المذهب. والرواية الأخرى: ليس ذلك
стр. 3091
بشرط، اختارها الشيخ تقي الدين، وابن القيم، رحمهما الله، عملاً بإطلاق الآية والأحاديث.
وأما قولك: وهل يجتمع القطع ورد المال؟ فالأمر كذلك، فترد العين المسروقة إلى مالكها؛ فإن كانت تالفة غرم قيمتها، وقطعت يده.
وإذا سرق إنسان تمراً أو حبوباً، هل يغرم قيمته مرتين؟ فأكثر العلماء يقولون: عليه غرامة مثله، من غير زيادة؛ وأحمد يقول: علية غرامة مثليه; وحديث عمرو بن شعيب صريح الدلالة لمذهب أحمد، قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه، وهذا إذا أخذ الثمر من الحوائط، كما إذا أخذ ذلك من النخل. وأما إذا أخذه من الجرين، فهذا عليه القطع بشرطه، لقوله ﵇ في حديث عمرو بن شعيب: " ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع " ١، رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: الحرز: ما جرت العادة بحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال: فحرز الغنم الحظيرة، وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها، إذا كان يراها في الغالب، وأما إذا نام عنها فقد خرجت من الحرز؛ والضابط ما ذكرناه، وهو أن الحرز ما
стр. 3092
جرت العادة بحفظ المال فيه؛ والأموال تختلف. وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة، فراجعه.
وأما السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز، فهذا لا قطع فيه، ولو كان عليه حائط أو حافظن إذا كان في رؤوس النخل، لحديث رافع بن خديج: "لا قطع في ثمر ولا كثر " ١. وكذلك الماشية تسرق من المرعى، إذا لم تكن محرزة لا قطع فيها، وتضمن بمثلي قيمتها، والثمر يضمن بمثلي قيمته، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروى الأثرم: "أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة، حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينةن مثلي قيمتها"، وهذا مذهب أحمد.
وأما الجمهور فقالوا: لا يجب عليه إلا غرامة مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بغرامة مثليه. وحجة أهل القول الأول: حديث عمرو بن شعيب، قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه. وأما: المختلس، والمنتهب، والخائن، وغيرهم، فلا يغرم إلا مثله من غير زيادة على المثل والقيمة، لأن الأصل: وجوب غرامة المثل بمثله، والمتقوم بقيمته، وخولف في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل.
والدابة إذا سرقت من حرز مثلها، كالبعير المعقول الذي عنده حافظ، أو لم يكن معقولاً وكان الحافظ ناظراً إليه، أو مستيقظاً بحيث يراه، ونحو ذلك مما ذكر الفقهاء،
стр. 3093
في معرفة حرز المواشي، فهذه إذا سرقت من الحرز، فعلى السارق القطع بشروطه. فإن لم تكن في حرز، فلا قطع على السارق، وعليه غرامة مثلي قيمتها؛ وهو مذهب الإمام أحمد، واحتج بأن "عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة، حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة، مثلي قيمتها".
وأجاب أيضاً: وأما من سرق من الثمرة، فإن كان بعدما آواها الجرين، فعليه القطع، فإن كان قبل ذلك، بأن سرق من الثمر المعلق فلا قطع، وعليه غرامة مثليه في مذهب الإمام أحمد. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب فيه أكثر من مثله؛ وبالغ أبو عمر بن عبد البر، وقال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بغرامة مثليه; والصحيح: ما ذهب إليه الإمام أحمد، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ : " سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع " ١، حديث حسن، قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه.
وأما ما عدا الثمرة، والماشية، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنه لا يغرم أكثر من القيمة إن كان متقوماً، أو مثله إن كان مِثْلِيًّا؛ فالأصل: وجوب غرامة المثل فقط،
стр. 3094
المتلَف والمغصوب، والمنتهَب والمختلَس، وسائر ما تجب غرامته، وخولف الأصل في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل. واختار الشيخ تقي الدين: وجوب غرامة المثلين في كل سرقة لا قطع فيها.
وأما إذا اختلفا في القيمة ولا بينة لهما، فالظاهر من كلامهم: أن القول قول الغارم.
وأما قوله: إذا سرقها وباعها على من لا يعرف، فما الحكم؟ فنقول: الحكم فيها كما تقدم، وهو: غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطباً، وعلى ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، فإن فيه أن السائل قال: " الشاة الجرسية يا رسول الله؟ قال: ثمنها ومثله معه " ١، ولا فرق بين بيع الشاة وبين ذبحها، ونحر الناقة وبيعها.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن العبد إذا سرق؟
فأجاب: وأما العبد إذا سرق، فالظاهر من كلامهم أنه كالحر، وصرح به بعض العلماء من الشافعية.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر: العبد المملوك إذا سرق من حرز، من غير مال سيده، هل يجب عليه القطع؟ فالأمر كذلك، وأما سيده فلا يقطع بسرقة ماله.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: هل يحد السارق بإقراره مرة؟ أو لا بد من مرتين؟
стр. 3095
فأجاب: قال في المغني: ولا يقطع إلا بشهادة عدلين، أو اعتراف مرتين؛ قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع. انتهى. أو يعترف مرتين، روي ذلك عن علي، وبه قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف; وقال أبو حنيفة والشافعي: يقطع بإقراره مرة; ولنا: ما روى أبو داود: "أنه ﵇ أتي بلص قد اعترف، فقال: ما إخالك سرقت. قال: بلى. فأعاد عليه مرتين، فأمر به فقطع " ١. انتهى. ولحديث علي، وهذا مذهب الحنابلة.
стр. 3096
باب حد قطاع الطريق
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن تأمين قطاع الطريق؟
فأجاب: قطاع الطريق إذا أمنهم إنسان، فالذي نتحقق أن تأمينهم لا يصح، ولا يسقط عنهم الحد الذي أوجبه الله عليهم، كتأمين الزاني والسارق والشارب، فلا يقول أحد بسقوط الحد عنهم بذلك، ولا يستريب في هذا من له معرفة ١.
стр. 3097
كتاب الأطعمة
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن تعليل أحمد بمسخ القنفذ؟
فأجاب: وأما تعليل الإمام أحمد كراهة القنفذ، بأنه مسخ، فقال الشيخ تقي الدين: مراد أحمد أنه لما مسخ على صورته، دل على خبثه، يعني: ليس مراد أحمد أنه بقية ممن مسخ، فارتفع الإشكال.
سئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عن النيص؟
فأجاب: حرم ﷺ كل ذي ناب من السباع، وليس منها، وليس من الخبائث، بل هو مما سكت عنه؛ وما سكت عنه فهو عفو، كما في الحديث، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله، عن قولهم: من مرّ بثمرة لا حائط لها، ولا ناظر؟
فأجاب: قولهم من مرّ بثمرة لا حائط لها ولا ناظر، ففي هذه المسألة ثلاث روايات: إحداهن: له الأكل ولا يحمل، قال ابن رجب: هذا الصحيح المشهور في المذهب، قال في الهداية: اختاره عامة الأصحاب، قال في الشرح الكبير: وهو المشهور في المذهب، لما روي
стр. 3098
عن أبي زينب التميمي، قال: "سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي برزة، ﵃، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في أفواههم"، وهو قول عمر وابن عباس وأبي برزة، ﵃. ثم ذكر القولين الآخرين.
ثم قال: ولنا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: ما أصاب منه من ذي الحاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن حمل منه شيئاً، فعليه غرامة مِثْلَيْه والعقوبة " ١، قال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : " إذا أتيت إلى بستان، فناد صاحب البستان ثلاثاً، فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد " ٢. وروى سعيد عن الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ مثله، ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف، فكان إجماعاً.
فأما أحاديثهم فهي منسوخة بما روينا من الحديث والإجماع. وأما الزرع، ولبن الماشية، ففيها روايتان: قال أحمد: لا يأكل، إنما رخص في الثمار ليس الزرع. والثانية: قال: يأكل من الفرك، لأن العادة جارية به، يؤكل رطباً، أشبه التمر والزبيب - إلى أن قال - والأولى في الثمار وغيرها، أن لا يأكل منها إلا بإذن، لما فيها من
стр. 3099
الخلاف.
ولبن الماشية كذلك، روي عن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجوز أن يشرب ويحلب، ولا يحمل، لما روى الحسن عن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أتى أحدكم ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها أحد، فليحتلب، وليشرب ولا يحمل " ١، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ والعمل عليه عند بعض أهل العلم، وهو قول إسحاق. والثانية: لا، لما روى ابن عمر مرفوعاً: " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " ٢، متفق عليه.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن صيد البحر، هل هو حلال كله؟ أم هو كصيد البر؟
فأجاب: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٦] ، المراد بالصيد: ما صيد من البحر، والمراد بالبحر جميع المياه، العذبة والمالحة. فأما طعامه، فاختلفوا فيه، فقيل: هو ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل، يروى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأبي أيوب، وقتادة; وقيل: صيد البحر طريه، وطعامه مالحه، يروى ذلك عن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والسدي. ويروى عن ابن عباس ومجاهد كالقولين.
وجملة حيوان الماء على قسمين: سمك، وغير
стр. 3100
سمك. فأما السمك: فجميعه حلال على اختلاف أجناسه وأنواعه، قال رسول الله ﷺ في البحر: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " ١، أخرجه أبو داود، والترمذي والنسائي، ولا فرق بين أن يموت بسبب، أو بغير سبب، فيحل كله; وقال أبو حنيفة: لا يحل إلا أن يموت بسبب. وما عدا السمك، فقسمان: قسم: يعيش في البر والبحر، كالضفدع والسرطان، فلا يحل أكلهما، وقال سفيان: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس.
واختلفوا في الجراد، فقيل: هو من صيد البحر، فيحل أكله للمحرم; وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر، وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال الإحرام، فإن أصاب جرادة فعليه صدقة، قال عمر: "في الجرادة تمرة". وعنه، وعن ابن عباس: "قبضة من طعام". وكذلك طير الماء، فهو من صيد البر أيضاً. وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر، إلا الضفدع والتمساح، قال: لأن التمساح يفترس، ويأكل الناس; وقال ابن أبي ليلى ومالك: يباح كل ما في البحر.
وذهب جماعة: إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فيؤكل نظيره من حيوان البحر، مثل بقر الماء ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر، مثل كلب الماء، وخنزير الماء، فلا يحل أكله. انتهى من تفسير الخازن. فقد علم
стр. 3101
السائل - ألهمه الله فهم المسائل -: أن جميع السمك حلال على اختلاف أنواعه وأجناسه مطلقاً بالاتفاق، وأما غير السمك فهذا تفصيل الفقهاء، كما ترى، والله أعلم.
سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله: ابنا الشيخ: عن الضيافة؟ هل هي واجبة أم لا؟
فأجابا: الذي عليه العمل أنها واجبة على أهل القرى، وعلى البوادي دون الأمصار الكبار، التي توجد الأطعمة تباع فيها بلا كلفة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما الضيافة والقول بوجوبها، فالضيف على من نزل به; وأما الغائب ومن لم ينزل به الضيف، فلا يجب عليه معونة المنزول به، إلا أن يختار المعين.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن ضاف من أكثر مالهم حرام؟
فأجاب: أما إذا ضاف شخص ناساً أكثر مالهم حرام، فإنه يجوز له أن يأكل من طعامهم، ما لم يتحقق أنه من مالهم الحرام. وعلى كل حال، الأولى: التورع عن طعامهم، ومبايعتهم، ومشاراتهم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن قوله ﷺ : " أنهاكم عن الدباء، والحنتم " ١ ... إلخ؟
فأجاب: ذكر أهل العلم في شرحه: أنه نهاهم عن الانتباذ في هذه الأوعية، لأنها أوعية حارة، فيشربون منها
стр. 3102
المسكر ولا يشعرون بذلك. وورد في حديث صحيح أنه أرخص فيه بعد ذلك، وقال: " لا تشربوا مسكراً ".
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن الزعفران واستعماله في المأكول والمشروب؟
فأجاب: لا أعلم فيه حديثاً يصح في النهي عنه، ورأيته منصوصاً على كراهة استعماله، في كلام بعض متأخري الحنفية؛ فهم ألحقوه بالبنج، وذكروا أنه يخدر منه، وربما أضر أو قتل. ثم إنا راجعنا كلام الحنابلة فيه، وهذا نص عبارة شارح المنتهى: والزعفران يحرم استعماله على وجه يضر، ويجوز على وجه لا يضر، كقلته وإضافة ما يصلحه.
سئل الشيخ حسين بن الشيخ عن لبن الجلالة ... إلخ؟
فأجاب: وما ذكرت من جهة الدواب، فإن كان أربابها أضاعوها، وأكلها ما تذكر بسبب الجوع، فأربابها يجبرون على إطعامها، فإن كان فيها لبن، فألبانها لا تشرب إلى أن تحبس قدر ما تخلو من بطنها العذرة.
وأجاب بعضهم: تحرم الجلالة، وهي: التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها وبيضها، حتى تحبس ثلاثاً، وتعلف من الطاهرات، وتمنع من النجاسة. فإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها، وكره أبو حنيفة لحومها، والعمل عليها.
стр. 3103
باب الذكاة
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن ذبح الأعراب؟
فأجاب: لا تهجروا ذبح الأعراب في هذه الأزمنة، فمنهم أناس كقحطان، نرى أنهم أحسن من بعض الحضر، وباقي بادية نجد عليهم اسم الإسلام، ويؤذنون ويصلون جماعة في الغالب، ولا يبين لنا ما يوجب الحكم بتحريم ذبائحهم.
أحضر الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، جهابذة علماء نجد سنة ١٣٣٨، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وحسن بن حسين، وسعد بن عتيق، وعمر بن سليم، وعبد الله العنقري، وسليمان بن سحمان، ومحمد بن عبد اللطيف، وغيرهم، لما جرى التنازع والاختلاف من بعض الإخوان، بسبب من يدعي طلب العلم، في مسائل، منها: هل بين الحضر الأولين والمهاجرين الآخرين فرق؟ وهل في ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين ومعتقده معتقدهم وفي ذبيحة الحضر الأولين فرق؟ حلال أو حرام، أم لا؟
فأجابوا: كل هذه الأمور مخالفة للشرع، ولا أمرت
стр. 3104
بها الشريعة، والذي يفعلها ينهى عنها ويزجر، فإن تاب وأقر بخطئه عفي عنه، وإن استمر على أمره وعاند، وجب عليه أدب ظاهر بين المسلمين، وأن جميع ما يأمر به أو ينهى عنه، أو يعادي أو يصادق، على غير ما حكم به الحاكم الشرعي، فالذي يفعله مخالف للشريعة، وطريقه غير طريق المسلمي؛، وهذا الذي ندين الله به، ونشهد الله عليه.
وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: ذبائح الأعراب، من حكمنا بكفره منهم، فذبيحته حرام، ومن حكمنا بإسلامه، فذبيحته مباحة.
وسئل: عن الذي يرمي صيداً بسهم، ويذكر اسم الله عليه فيخطئه، ثم يرميه بآخر في الحال، وينسى الاسم، هل يحل إذا أصابه؟
فأجاب: لا بد من ذكر الله عليه عند الإرسال.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن حل ذبيحة المرأة؟
فأجاب: وأما ذبيحة المرأة، فلا بأس بها إذا كانت مسلمة، وذكرت اسم الله تعالى.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: هل الذبح للجن منهي عنه؟
стр. 3105
فأجاب: اعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي: أن لفظ التحريم والكراهة، وقوله: لا ينبغي، ألفاظ عامة، تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه دون الحرام، مثل استعمالها في المحرمات، وقوله: الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٢] . ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥١] . وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: يحرم كذا، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر.
وقوله: يكره، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣-٣٨] . وأما قول الإمام أحمد: أكره كذا، فهو عند أصحابه على التحريم. إذا فهمت هذا، فهم صرحوا: أن الذبح للجن ردة تخرج عن الإسلام، وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهلّ به لغير الله. والثانية: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها. وما أشكل عليك في هذا فراجعني، أذكر لك لفظهم بعينه.
وقال في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾
стр. 3106
[سورة المائدة آية: ٥] ، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٨] : الآيتان لا اختلاف في حكمهما بين أحد، آيتان من كتاب الله؛ ولكن الكلام في حكم الذابح، هل هو مسلم؟ فيدخل حكمه في حكم الآية، إذا ذبح وسمى الله عليها. فلو ترك التسمية نسياناً حلت ذبيحته، وكانت من الطيبات، بخلاف من ترك التسمية عمداً، فلا تحل ذبيحته.
وكذلك أهل الكتاب – أعني: اليهود والنصارى -، ذبيحتهم ومناكحتهم حلال، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥] . وأما المرتد فلا تحل ذبيحته، وإن قال فيها: بسم الله، لأن المانع من ذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية، لأن المرتد شر عند الله من اليهود والنصارى من وجوه:
أحدها: أن ذبيحته من الخبائث.
الثانية: أنها لا تحل مناكحته، بخلاف أهل الكتاب.
الثالثة: أنه لا يقر في بلد المسلمين، لا بجزية ولا بغيرها.
الرابعة: أن حكمه ضرب عنقه بالسيف، لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " ١، بخلاف أهل الكتاب.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن ذبيحة الكافر والمرتد، إذا ذبحت للحم وذكرا اسم الله عليه، فهل هناك نص بتحريمها غير الإجماع، ومفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية
стр. 3107
[سورة المائدة آية: ٥] ؟
فأجاب: الإجماع دليل شرعي بالاتفاق، ولا بد أن يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب والسنة؛ وقد يخفى ذلك الدليل على بعض العلماء. فإن كان قد وقع الإجماع على تحريم ذبيحة الكافر والمشرك غير الكتابي، فحسبك به، ودلت الآية الكريمة على التحريم بمفهومها، كما قد عرفتم.
والجواب عن قوله: وذكرا اسم الله عليها، أن يقال: التسمية من الكافر الأصلي ومن المرتد، غير معتبرة، لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها، كما أن التهليل إذا صدر منه حال استمراره على شركه غير معتبر، فيكون وجوده كعدمه؛ وإنما ينفع إذا قاله عالماً بمعناه، ملتزماً لمقتضاه، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] ؛ قال ابن جرير - كغيره -: وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: قد دل الكتاب والسنة والإجماع، على تحريم ذبائح من عدا أهل الكتابين من الكفار، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ، قال ابن عباس: "طعامهم: ذبائحهم"، وكذا قال جميع علماء التفسير. فتخصيص الإباحة بذبح أهل الكتاب، يدل على تحريم ذبائح غيرهم من الكفار؛ وما زال العلماء في جميع الأمصار يستدلون بمفهوم الآية، على تحريم ذبائح الكفار سوى أهل
стр. 3108
الكتاب.
وفي مسند الإمام أحمد، حديث مرفوع إلى النبي ﷺ قال: قال فيه: " فإذا اشتريتم لحماً، فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كان من ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا "، وروى سعيد بن منصور في سننه، بإسناد جيد عن ابن مسعود ﵁ قال: "لا تأكلوا من الذبائح إلا ما ذبح المسلمون وأهل الكتاب"، وقال الوزير ابن هبيرة: وأجمعوا على أن ذبائح الكفار غير أهل الكتاب، غير مباحة. انتهى.
ولما قال أبو ثور، ﵀، بإباحة ذبائح المجوس، مستدلاً بالحديث المروي عن النبي ﷺ أنه قال: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ١، أنكر عليه الأئمة، وبالغوا في الإنكار عليه; قال الإمام أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً، ما أعجب هذا؟ يُعَرِّض بأبي ثور، وقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وما رأينا أحداً من العلماء تكلم في هذه المسألة، إلا ويذكر تحريم ذبائح ما عدا أهل الكتاب، ولا يذكر في ذلك مخالفاً، إلا مخالفة أبي ثور في المجوس، ومخالفة إسحاق في المرتد إلى دين أهل الكتاب خاصة.
قال الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، في الشرح الكبير: فأما ذكاة المجوس، فلا تحل في قول أهل العلم،
стр. 3109
وشذ أبو ثور، فأباح صيده وذبيحته، لقول النبي ﷺ : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ١، ولأنهم يُقَرُّون بالجزية، فتباح ذبيحتهم وصيدهم، كاليهود والنصارى؛ وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبي ثور.
وممن منع أكل ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد؛ ولا أعلم خلافه إلا أن يكون صاحب بدعة، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥] ، فمفهومها: تحريم طعام غيرهم من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلا تحل ذبائحهم كأهل الأوثان، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الإمام، وقد تقدم. قال: ولأن كفرهم مع أنهم غير أهل كتاب، يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم، بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وإنما أخذت منهم الجزية، لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غلبت في التحريم لدمائهم، وجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء
стр. 3110
احتياطاً، للتحريم في الموضعين، ولأنه إجماع؛ فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولا في من بعدهم، إلا في رواية عن سعيد بن المسيب، روي عنه خلافها.
ثم قال: فصل: سائر الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم، حكمهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم، قياساً عليهم، بل هم شر من المجوس، لأن المجوس لهم شبهة كتاب، بخلاف هؤلاء - إلى أن قال - ولا تباح ذبيحة المرتد، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب؛ وهذا قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال إسحاق: إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته; ولنا: أنه كافر لا يُقَرّ على دينه، فلم تحل ذبيحته كالوثني، ولأنه لا يثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم، فإنه لا يقر بالجزية، ولا يُسترق، ولا يحل نكاح المرتدة. انتهى ملخصاً.
فدل كلامه على أنه لا خلاف في تحريم ذبائح من عبد الأوثان، والمرتد إلى دين أهل الكتاب; قال الزركشي في شرح الخرقي - لما ذكر قول الخرقي -: ولا يأكل من صيد المجوس إلا ما كان من حوت، فإنه لا ذكاة له. وحكم عبدة الأوثان ونحوهم، حكم المجوس بطريق الأولى، وإنما نص الخرقي على المجوس، لوقوع الخلاف
стр. 3111
فيه، وإن كان الخلاف شاذاً. انتهى.
فدل كلامه: أنه لا خلاف في تحريم ذبائح من عدا المجوس من الكفار، مع أن مخالفة أبي ثور في المجوس شذوذ، وخرق للإجماع، كما قال إبراهيم الحربي، فلا عبرة به. وكذلك مخالفة إسحاق في المرتد إلى دين أهل الكتاب، ولعله يحتج بأنه يدخل في عموم أهل الكتاب إذا تدين بدينهم، وقول الجمهور هو الصواب، لأنه لا يسترق، ولا يقر بالجزية، فدل ذلك على مخالفة حكمه لحكم أهل الكتاب؛ ومن حكمنا بكفره من أهل العصر فهو مرتد، حكمه حكم المرتدين، لقول العلماء، ﵏: من فعل كذا، أو قال كذا فهو مرتد، فلم يجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي، ولا حكم أهل الكتاب بكونه يقر بالجزية، ويسترق، وتنكح المرتدة، بل قالوا: حكمه القتل، وتحريم نكاح المرتدة، فلم يجعلوا حكم المرتد من هذه الأمة كحكم أهل الكتاب، بل حكمه عند الجميع مخالف لحكم أهل الكتاب.
وقد حكي لنا عن بعض من ينتسب إلى العلم من المعاصرين، أنه قال: إذا كان الله قد أباح ذبائح اليهود والنصارى لكونهم أهل كتاب، فكفار هذه الأمة أولى، لأنهم أهل كتاب، بل كتابهم أشرف من الكتابين، وهذا قياس فاسد، لمخالفته الكتاب والإجماع، قال الله تعالى:
стр. 3112
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥] ، فدل مفهوم ذلك، على تحريم ذبائح من عدا أهل الكتاب. وقد أجمع العلماء: على أن المرتد من هذه الأمة، حكمه مخالف لحكم أهل الكتاب، فلا يقر بالجزية، ولا يسترق، ولا تنكح المرتدة، ولا تباح ذبيحته، إلا ما ذكروا من مخالفة إسحاق، في إباحة ذبيحة المرتد إلى دين أهل الكتاب خاصة; وحكم الصحابة ومن بعدهم من جميع العلماء، مخالف لحكمهم في أهل الكتاب، فمن قاس المرتد من هذه الأمة على أهل الكتاب، فقد خالف ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وصرح غير واحد: بتحريم ذبائح الزنادقة، والدروز، والتيامنة، ونحوهم، لأن هؤلاء كفار بلا خلاف؛ والزنديق هو المنافق ونحوه. فقد وضح الحق لمن أراد الله هدايته، ومن لم يرد الله هدايته، لم تزده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالاً، فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
[ذبيحة الوثني والمرتد]
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ومن استدل على ذبيحة الوثني والمرتد، بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٨] ، فهو من أجهل الناس بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة، وهو
стр. 3113
كمن يستدل على لبس الحرير، بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٢] ؛ والجهل بالتأويل وأسباب النزول، ضرره وصل كبار العمائم، فكيف الحال بالجفاة والعوام؟
واعلم: أن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥] فسر بحل الذبائح، وأنها هي الطعام، ومفهوم الآية تحريم ذبائح غير أهل الكتاب، من الكفار والمشركين، واحتج بهذا أهل العلم؛ ومفاهيم كلام الله وكلام رسوله حجج شرعية. وفسروا المراد من قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٨] بأن المراد به: ذبيحة المسلم والكتابي، إذا ذكر اسم الله عليه، أخذاً من مفهوم آية المائدة؛ وهذا هو المشهور المقرر، وفي ذلك كلام وأبحاث لا يحتاج إليها في مثل هذا المقام، لكن من أهمها، أن بعض المحققين ذكروا أن الحكمة في تخصيص ذبائح أهل الكتاب، بأنهم يذكرون اسم الله، ولا يذكرون اسم من عبدوه عند الذبح للأكل واللحم. وأما ما ذبحوه تقرباً إلى غير الله فهو حرام، وإن ذكرت التسمية عليه، والمقصود ما ذبح للحم. وذكروا تحريم ذبيحة المشرك غير الكتابي، لأنه لا يأتي بالتسمية، ويستحل الميتة؛ وهذا نظر منهم لأصل من علق الحكم بالمظنَّة، كمن علق الحدث بوجود النوم، لأنه مظنة. فقول
стр. 3114
القائل: إن ذبيحة المشرك تباح إذا ذكر اسم الله، جهل بهذا، وخروج عن سبيل المؤمنين. وقول السائل: هل التسمية "كلا إله إلا الله"؟ فليس مثلها من كل الوجوه، ولا ينظر في ذلك إلى هذا البحث.
وأجاب الشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن: وأما الجلاء، وهو صيد الصَّلَب، فينبني على معرفة أحوالهم ودياناتهم؛ ومن عرف حكم المرتد تبين له حالهم، وأنهم في غاية من الضلال والكفر. وتحريم ذبيحة المرتد مسألة إجماع، حتى إن من الفقهاء من جعل التسمية من المسلم شرطاً؛ قال البغوي في شرح السنة: وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة، يروى ذلك عن ابن سيرين والشعبي، وبه قال أبو ثور، وداود. واحتج من لم يرها شرطاً، بما في الصحيح عن عائشة، ﵂: " أن أناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: سموا عليه أنتم وكلوا. قالت عائشة: وكانوا حديثي عهد بكفر " ١، وساقه البخاري في اجتناب المتشابهات، وترجم له، فقال: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم; قال الحافظ: وهو أصل في تحسين الظن بالمسلم. وعن أحمد: أن المسلم إذا نسي الاسم على السهم أبيح دون غيره، أي غير السهم، كالذبيحة، فكيف - والعياذ بالله - بهؤلاء الصلب
стр. 3115
المرتدين، الذين لا يصلون ولا يزكون، ولا يدينون بالشرع، ولا يؤمنون بالبعث، ولا يرون التسمية على الصيد، كما هو مشهور عندهم؟
وفي حديث عدي بن حاتم المتفق عليه، ما يبين أن الأصل المنع، إذا اشتبه صيد المرتد بصيد المسلم، ولفظه: " إذا خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن وقتلن، فلا تأكل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس فيه إلا أثر سهمك فكل " ١، قال البغوي في شرح السنة: وفيه دليل على أنه إذا اشترك في الذبح من يحل ذبحه ومن لا يحل، كمسلم ومجوسي، أو مسلم ومرتد، أو أرسل مسلم ومجوسي، أو مرتد كلباً أو سهماً على صيد فأصابه وقتله، فإنه يكون حراماً، وإن أرسل كل واحد سهماً أو كلباً، فأصاباه معاً فحرام أيضاً. انتهى.
وأما ما جلب في أسواق المسلمين من الجلاء، إذا كان فيه من يصيد من المسلمين وغيرهم، يحتمل أن يكون الصائد له مسلماً، فمن قال: إن الأصل فيما دخل إلى أسواق المسلمين الإباحة، أجازه، ومن جعل الأصل استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، أبقى الصيد على أصله في التحريم، حتى ينقله ناقل.
قال ابن القيم في الإعلام: وقد دلنا الشارع على تعليق الحكم به - يعني بالوصف - في قوله في الصيد: " وإن
стр. 3116
وجدته غرقاً فلا تأكله، فإنك لا تدري، الماء قتله أو سهمك " ١. وقال في الكلاب: " فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره " ٢، لما كان الأصل في الذبائح التحريم، ونشك هل وجد الشرط المبيح أم لا، بقي الصيد على أصله. انتهى; إذا تبين هذا، فالأحوط: اجتناب ما يتطرق إليه الاحتمال الذي صورنا، حتى يتحقق أن الصائد مسلم، على ما قرره ابن القيم.
وأما مسألة ما ذبح في بلاد المشركين، فهي تبنى على استصحاب الأصل الذي قررناه في المسألة الأولى، فمتى كانت البلاد بلاد كفر، وأحكام الكفر جارية عليها، أو المسلم فيها قليل، فإن الأصل المنع من ذبائحها، إلا في دار كان الأغلب فيها أهل الإسلام، والولاية لهم. أما إذا عرف أن الذابح بعينه مسلم فلا كلام، أو أن الذابح يهودي كما في مصر وأشباهها، فكذلك حلال. ومن تأمل ما قررناه من القاعدة الكلية في المسألة الأولى، زال عنه الإشكال.
[شرط الذبيحة]
وأجاب الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود: شرط الذبيحة: أن يكون الذابح عاقلاً مسلماً، أو كتابياً، وأن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح، وعند إرسال الجارح والسهم في الصيد؛ وكل من حكم بكفره غير الكتابي، فلا تحل ذبيحته ولو ذكر اسم الله عليها، لأن التسمية عبادة،
стр. 3117
وعبادة الكافر حابطة، فوجود التسمية كعدمها، سواء كان كفره بقول، أو فعل أو اعتقاد؛ وأكثر الأعراب في هذه الأزمنة، معهم من المكفرات ما يوجب كفرهم، ومن أوضح ذلك: إنكار البعث، أو الشك فيه.
وأما حديث: " إن الأعراب كانوا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ "، فأولئك الأعراب قد دخلوا في الإسلام، والتزموا أحكامه على عهده ﷺ ، ولم ينقل ما يوجب ردتهم كما نقل عن هؤلاء، فلا حجة فيه. وأما أعراب هذا الزمان، فقد خرج كثير منهم من الإسلام، ونبذوا أحكامه كما يعرف ذلك من عرفه من أحوالهم. انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما أكل ذبائح البدو اليوم، فالذي ينبغي نصيحة من يفعل ذلك، وأما التعزير فلا أدري.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: وأما ذبائح الأعراب، فالأعراب في هذه الأزمان، بعضهم شامله اسم الإسلام، ومن عرف منهم بتحكيم الطاغوت، وإنكار البعث، أو الاستهزاء بالدين، أو عمل الكهانة أو السحر، فلا تحل ذبائحهم، ولا يجوز الأكل منها، لأنها في حكم ذبيحة المرتد.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عما إذا انتهب بعض
стр. 3118
الأعراب من بعض، مثل غنم مذكاة، هل يصرح بتحريمها، وإذا خلص شاة غيره من عدوه، وهي مذكاة، هل يجوز أكلها؟
فأجاب: أما من خلص شاة مذكاة فهي لقطة، يجوز أكلها وتعريفها، فإذا كان الذابح هو الغاصب، جاز أكلها بإذن صاحبها؛ لكن الواقع اليوم، كالذين ينهبون غنم غيرهم ويذبحونها، ويدركها غيرهم مذبوحة، فالأولى اجتنابها وتركها.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن قوله في شرح الإقناع: إذا ذبح السارق المسلم، أو الكتابي المسروق مسمياً، حل لربه ونحوه أكله، ولم يكن ميتة كالمغصوب، وعن قوله ﷺ في شأن ذبيحة المرأة " أطعميه الأسارى " ١؟
فأجاب: الحديث لا يعارض النقل عن الإقناع كغيره، لكونه مقيداً بقوله: حل لربه ونحوه أكله; فمفاده: أنه لا يحل لغير ربه، وغير من أذن له ربه في الأكل منه، وإن كان حلالاً بالتذكية; وقوله: كالمغصوب; راجع لقوله: حل لربه ونحوه، وليس راجعاً لقوله: ولم يكن ميتة; فتنبه لتشبيهه بالمغصوب في الحل لا في الحرمة، ويقال أيضاً: " أطعميه الأسارى " ٢ دليل على حله، إذ لو كان حراماً، لما جاز أن يأمرها أن تطعمه الأسرى.
стр. 3119
وأجاب أيضاً: لا معارضة، إذ ترك رسول الله ﷺ وأصحابه الأكل منها لا يدل على أنها ميتة من وجوه; منها: أنها ليست ملكاً لهم، ولا لمن ذبحها، فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها، ولا من أذن له مالكها في الأكل منها. ويحتمل أنه ترك الأكل منها تنزهاً. ويدل على حلها بهذه الذكاة، قوله: " أطعميه الأسارى " ١، وهو لا يطعمهم ميتة. وقوله: كالمغصوب، راجع لقوله: حل، لا لقوله ميتة، شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل، لا في الحرمة.
وسئل ابنه: الشيخ إسحاق، رحمهما الله: عمن غصب شاة فذبحها، ثم تراضى هو ومالكها؟
فأجاب: قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: الجواب: إذا تراضى هو وصاحبها، جاز أكلها على هذه الفتوى من هذا الإمام، ومن له في الحديث أعظم إلمام، ولا دليل لمن منع من ذبيحة مغير على غنم بلد، ذبح منها شيئاً وعلقه ثم سقط، فجاء ربه فأذن فيه لأحد، على كلام الشيخ تقي الدين؛ وبرهانه: ما في حديث المرأة التي دعت النبي ﷺ وقوله: " أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها " ٢، فمفهوم النص: أن الإذن ابتداء مبيح، دون تحقق وجوده، فهو واضح في أن عدم الإذن، هو الذي حرمها، ومفاهيم النصوص نصوص، إذا لم تعارض.
стр. 3120
ووجه آخر، وهو: أن المحرمات على قسمين: قسم محرم لحق الله، كالدم والميتة، ومحرم لحق آدمي وهو الظلم؛ فإذا زالت العلة زال الحكم، فلا يصير ممنوعاً لنفسه، بل لما قام به من حق الغير، فمتى أذن له أبيح، فاستفدنا من نفس هذا الحديث رجحان ما أفتى به تقي الدين، فيكون معنى الحديث مطابقاً للحديث الثاني: وهو قوله ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " ١. ويدل على أنها لم تستأذنه: قولها في رواية الدارقطني: وأنا من أعز الناس عليه، وعلي أن أرضيه بأفضل منها، فصار عدم استئذانها له ظاهر من نفس الحديث، بحيث أنها لم ترضه وسترضيه، وأنها لم تعطه ثمناً، فكيف يسوغ أكل مثل هذه، لمن امتنع من أكل الضب، وترك أشياء عديدة مباحة، كان اقتضاها منصبه الأسنى، والصحابة يفعلونها; ويدل على ذلك أيضاً: إذنه في أكلها لغيره، فإنه لو كان المانع أمر يرجع إلى نفس الشاة، لم يأذن فيه لأحد، ففي هذا ما يدل على وضوح الفرق بين المأذون وغيره، والله أعلم.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عمن ذبح شاة أو سرقها، فذبحها بغير إذن أهلها، أو أغار قوم على غنم أهل بلد فذبحوا منها شيئاً وذهبوا به، ثم لحقهم الطلب،