تعني قصيرة. قال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " ١، أي: غيرته ريحاً أو طعماً، لشدة نتنها.
وفي صحيح مسلم والسنن لأبي داود، والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم; قال: ذكرك أخاك بما يكره. قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " ٢؛ وهذا هو حد الغيبة، وهو عام.
قال النووي: ولا يستثنى من ذلك، إلا ما دعا إليه غرض صحيح شرعي، لا يتوصل إليه إلا بذلك، وذلك ستة أسباب:
الأول: التظلم عند الحاكم أو السلطان، بأن يقول: فلان ظلمني، أو أخذ مالي ونحوه.
الثاني: الاستعانة بقادر على تغيير منكر، كقوله: فلان يفعل كذا فانهه، ونحوه. قلت: الأولى إبدال لفظ الاستعانة، بالإخبار أو نحوه تأدباً.
الثالث: الاستفتاء، كقول: فعل بي أبي، أو ابني، أو أخي، فهل ذلك له؟
الرابع: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، أو أخذ الأموال ظلماً; قلت: أو بالركون إلى الكفار، أو لبس الحرير، ونحو ذلك، فيجوز ذكر ما فيه، كأن تقول: يشرب الخمر، يلبس الحرير، يوالي الكفار; وإنما يجوز مثل ذلك حميّة لله.
стр. 3187
قال ابن القيم، ﵀، في فوائد غزوة تبوك: ومنها: جواز الطعن على الرجل، بما يغلب على اجتهاد الطاعن، حميّة أو ذباً عن الله ورسوله؛ ومن هذا: طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة، في أهل الأهواء والبدع، لله لا لحظوظهم وأغراضهم. انتهى. فظهر الجواب عن الإيراد، فإن ظهور أنواع الفسق على الرجل أمر دون ما تقدم ذكره، فإذا جاز الطعن على هؤلاء فذاك أولى.
السبب الخامس: التعريف، إذا كان لإنسان لقب لا يعرف إلا به، كالأعمى والأعرج، فيجوز ذكره تعريفاً، وأما تنقصه فحرام اتفاقاً.
السادس: تحذير المسلمين ونصيحتهم، كالذي في كتب الجرح والتعديل، فذلك واجب، وكما إذا استشارك مسلم في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، فإنه يجب أن تذكر ما يحصل به المقصود؛ فإن كفى التعريض لم يجز التصريح، وإلا جاز منه ما يحصل به الغرض؛ وكذا إذا رأيت متعلماً يتردد إلى مبتدع، وخفت عليه الضرر، فعليك نصيحته؛ وكذلك إذا كان لإنسان ولاية، لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً، أو يكون فاسقاً، أو مغفلاً، فيجب ذكر ذلك لمن له ولاية عامة، ليزيله. انتهى كلام النووي، بتلخيص وتصرف.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن حديث رواه
стр. 3188
البيهقي: "ليس في أهل البدع غيبة"، هل يؤخذ منه جواز غيبة أهل البدع على الإطلاق؟ وما جنس البدع التي تبيح العرض؟ وحديث: "من ألقى جلباب الحياء" ... إلخ؟
فأجاب: وأما الأثر المروي عن الحسن، ﵀، قوله: "ليس لأهل البدع غيبة"، فمعناه صحيح؛ نص العلماء على جواز غيبة أهل البدع، وأطلقوا، فيتناول كل مبتدع; وبعضهم: خص ذلك بالداعي إلى البدعة.
قال الشيخ تقي الدين، بعدما انجر كلامه في الغيبة، قال: لكن يباح من ذلك ما أباحه الله ورسوله، وهو ما يكون على وجه القصاص والعدل، وما يحتاج إليه لمصلحة الدين ونصيحة المسلمين؛ فالأول: كقول المشتكي المظلوم: فلان ضربني، وأخذ مالي، ومنعني حقي - إلى أن قال - وكذلك بيان أهل العلم من غلط في أمر رآه في أمر الدين، من المسائل العلمية والعملية؛ فهذا إذا تكلم فيه الإنسان بعلم وعدل، وقصد النصيحة فالله يثيبه على ذلك، لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعياً إلى بدعته، فهذا يجب بيان أمره للناس، فإن دفع شره عنهم أعظم من دفع شر قاطع الطريق. انتهى. فدل كلامه على جواز ذلك في جميع أهل البدع، بل استحبابه بالشرط الذي ذكره، وأن ذلك واجب في حق الداعية إلى بدعته.
وذكر النووي في رياض الصالحين، ستة أبواب تباح
стр. 3189
فيها الغيبة، ذكرها عن العلماء، قال: ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة - إلى أن قال - الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه وبدعته ... إلى آخر كلامه.
واستدل لذلك بأحاديث، منها: حديث عائشة، ﵂: " أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة " ١، قال: واحتج به البخاري في جواز غيبة أهل الريب والفساد، وقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث، بعد كلام سبق: كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره، فيقع في محذور ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك، قاصداً نصيحته. والإمام أحمد، ﵀ مع ورعه - قد تكلم في أناس بأعيانهم، وحذر منهم، ومنهم من ليس معروفاً بالبدعة، مثل كلامه في الحارث المحاسبي، وقال: لا يغرنك لينه وخشوعه، فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من خبره; وكلامه، ﵀، في أهل البدع والتحذير منهم كثير. وأما ما روي: "من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له"، فالمراد به: المجاهر بالمعصية، فإنه يجوز ذكره بما يجاهر به، كما تقدم من كلام النووي، ونقله ذلك عن العلماء.
стр. 3190
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: وأما اليمين مع بينة كاملة ... إلخ؟
فنقول: عن ابن عباس، ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: " لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم؛ ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " ١، قال النووي: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين. وأصله في الصحيحين: عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء قوم وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه " ٢، وفيهما: عن ابن عمر، ﵄: " أن رسول الله ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه " ٣.
وقد استدل العلماء بقوله: " اليمين على المدعى عليه " ٤ على أن المدعي لا يمين عليه، وإنما عليه البينة، وهو قول الأكثرين; قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: روي عن علي ﵁ "أنه حلّف المدعي مع بينته: إن شهوده شهدوا بحق"، وفعله أيضاً شريح، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وابن أبي ليلى، وسوار العنبري، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وروي عن النخعي أيضاً.
وقال إسحاق: إذا استراب وجب هذا، وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة، فقال أحمد: قد فعله علي،
стр. 3191
فقال: أيستقيم هذا؟! فقال: بل فعله علي; فأثبت القاضي هذا رواية عن أحمد، لكنه حملها على الدعوى على الغائب والصبي، وهذا لا يصح، لأن علياً إنما حلف المدعي مع بينته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون: اليمين لتقوية الدعوى، إذا ضعفت باسترابة الشهود، وكاليمين مع الشاهد الواحد.
وكان بعض المتقدمين: يحلف الشهود إذا استرابهم أيضاً، ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة، وجوز ذلك القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاء. وقد قال ابن عباس في المرأة الشاهدة على الرضاع: "إنها تستحلف"، وأخذ به الإمام. وقد دل القرآن على استحلاف الشهود، عند الارتياب بشهادتهم بالوصية في السفر، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ١٠٦] . انتهى.
إذا عرفت ذلك، فالذي يتوجه: أن البينة الكاملة العادلة، التي لا يستريب الحاكم في شهادتها، لا يحلف المدعي معها، لقوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه " ١، فدل على الاكتفاء بالشاهدين. وأما إذا استراب الحاكم الشهود وخصوصاً في هذه الأزمان، فهنا يتوجه القول بتحليف المدعي، كما فعله علي ﵁ وغيره، ويتوجه أيضاً: تحليف الشهود مع الريبة.
стр. 3192
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن امرأة ادعت أن زوجها طلقها ثلاثاً، وشهد معها أبوها، والزوج مُنكِر؟
فأجاب: قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وفي حديث عمرو بن شعيب، إذا شهد الشاهد الواحد، وحلف الزوج أنه لم يطلقن لم يحكم عليه، وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه؛ وقد احتج الأئمة الأربعة، والفقهاء قاطبة، بصحيفة عمرو بن شعيب، ففي هذا الحديث: أنه يقضى بشاهد وما يقوم مقام الشاهد من النكول، ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهداً واحداً، وحلف الزوج أنه لم يطلق، فيمين الزوج عارضت شهادة الشاهد، وترجح جانبه بكون الأصل معه.
وأما إذا نكل الزوج، فإنه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر، ولكن هنا لم يقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداء، لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلق أم لا؟ فإذا نكل كان ذلك دليلاً ظاهراً جداً على صدق المرأة، فلم يقض بالنكول وحده ولا يمين المرأة، وإنما قضى بالشاهد المقوى بالنكول ويمين المرأة. انتهى ملخصاً. فأنت احكم بينهم بهذا الحكم. ويذكر لي محمد بن سلطان: أن والدي الشيخ، ﵀، يقول: هذا الذي نفتي به إذا وقعت المسألة.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين، ﵀: إذا أقامت
стр. 3193
المرأة أن زوجها الغائب طلقها ثلاثاً، أو أن فلاناً الغائب زوج لها ... إلخ؟
فأجاب: فهمنا من كلامهم فيما إذا شهدت بينة شرعية، بأن فلاناً طلق زوجته فلانة ثلاثاً، أو شهدت به، بسبب يفسخ به النكاح لتحريمها عليه، أن الحاكم يسمع تلك الشهادة، ويحكم بها مطلقاً، ولا يشترط لسماع البينة والحكم بها تقدم دعوى من الزوجة أو وليها، لأن شهادة الشهود به دعوى؛ وكذا حكم حقوق الله تعالى، تسمع الشهادة بها من غير تقدم دعوى، وكذا العتق؛ قال القاضي في التعليق: في حقوق الله شهادة الشهود بها دعوى، قيل لأحمد في بينة الزنى تحتاج إلى مدع؟ فذكر خبر أبي بكرة، وقال: لم يكن مدع.
ونص أحمد أيضاً: على قبول بينة العتق ولو أنكر العبد، وذكره في الوجيز والتبصرة، واقتصر عليه في الفروع; وقال في الإقناع: وتقبل بينة عتق، ولو أنكره - أي: العتق - عبد، قال في شرحه: لأنه حق لله، وكذا بينة بطلاق، قال: وتصح الشهادة به وبحق الله، كالعبادات والحدود والصدقة والكفارة، من غير تقدم دعوى بذلك، فشهادة الشهود به دعوى؛ وقال: وتقبل شهادة المدعي فيه، أي: في حق الله تعالى، لأنه لا يجر إلى نفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرراً، وهكذا عبارة من اطلعنا على كلامه
стр. 3194
من الأصحاب.
وصرحوا: بأنه إذا شهدت البينة شهادة صحيحة بحق الله تعالى، أو حق لآدمي غير معين، واتضح الحكم، حكم بها، وإن لم يسأله أحد الحكم؛ والطلاق متضمن الحقين، فَلِتَضَمُّنه حق الله، جاز سماع البينة به من غير تقدم دعوى، بل ومع إنكار الزوجة وقوع الطلاق، كما صرح به شارح الإقناع، ولتضمنه حق الآدمي، جاز الحكم به على الغائب، بعد ثبوت البينة الشرعية. وذكر الأصحاب في القضاء سماع الحاكم البينة، والحكم بها في حقوق الآدميين، ولم يستثنوا منها شيئاً، كما استثنوا في اليمين في الدعاوى; وقال في باب طريق الحكم وصفته: تصح الشهادة، ويحكم بها في حق الله تعالى من غير تقدم دعوى، وذكروا من ذلك الطلاق.
وأما إذا ادعت المرأة على رجل نكاحاً، لطلب نفقة أو مهر، وأقامت بينة بذلك، سُمِعت بينتها، وحُكم بها، وثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها، كالمهر والنفقة وغيرها؛ قاله الأصحاب وأطلقوا، فيكون ذلك من حقوق الآدميين التي يحكم بها على الغائب، فدل كلامهم على جواز الحكم بذلك، وإن كان المحكوم عليه غائباً، لأن هذا من حقوق الآدميين. وأما رجوع الشاهد بعد الحكم، فالأمر فيه ظاهر، وهو: أن الحكم لا ينقض برجوعه عند جميع
стр. 3195
العلماء. وفيه من التفصيل: وإن بان فسق الشهود نقض الحكم على المشهور في المذهب، وعن أحمد رواية أخرى: لا ينقض.
وأما الحاكم، فإنه يرفع الخلاف حكمه، ولا ينقض من حكمه إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع، وكذلك لو بانت البينة من فروع المشهود له وأصوله، والحاكم لا يرى الحكم بشهادتهم، فإنه ينقض حكمه بنفسه; وذكر بعض متأخري الأصحاب: أنه ينقض حكم المقلد بما يخالف مذهب إمامه. وقال بعضهم: ينقض إذا حكم بمرجوح في مذهبه. وقال بعضهم: لا ينقض ما لم يخالف نصاً أو إجماعاً، أو قياساً جلياً.
ومن أثناء جواب لأبي العباس، قال بعد كلام سبق: لأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأنه لا إثم عليه فيما فعل، فإنه مجتهد أو مقلد ومجتهد، فهو يعتقد صحة صلاته، بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه، بل كان ينفذه. انتهى.
وسئل عن قولهم: فعل الحاكم حكم، كتزويجه يتيمة؟
فأجاب: الحاكم إذا فعل ذلك صار حكماً منه يرفع الخلاف، ولأن حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف، فكذا فعله، نحو ما إذا زوج صغيرة بنت
стр. 3196
تسع بإذنها، صار حكماً منه بصحة هذا النكاح، فلا يجوز لمن لا يرى جواز تزويج الصغيرة فسخ هذا النكاح، ونحو ذلك من المسائل المختلف فيها؛ فلا ينقض من حكم الحاكم إلا ما خالف نص الكتاب أو نص سنة، أو إجماعاً قطعياً، أو إذا حكم خلاف ما يعتقده.
وسئل الشيخ أيضاً: إذا ادعى شخص عند الحاكم بأنه حكم له بكذا ولم يذكره الحاكم، فشهد به شاهدان؟
فأجاب: المذهب أنه يقبل شهادتهما، ما لم يتيقن صواب نفسه، وهذا مذهب مالك; ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل شهادتهما، ولا يرجع إلى قولهما، حتى يذكر أنه حكم به; وظاهر كلام الأصحاب: أنه لا بد من شاهدين، فلا يكفي الشاهد ويمين المدعي للحكم، وقد احتجوا لما ذكروه، بقصة ذي اليدين؛ واقتصارهم على الشاهدين دليل على أنه لا يكتفى بغيرهما، ولم يذكر في الفروع، ولا في الإنصاف خلافاً، فدل على اعتبار الشاهدين، لا سيما والخلاف في عدم قبول الشاهدين مشهور، والفقهاء يحكون الخلاف في قبول الشاهدين وعدمه، ولم يذكروا الشاهد واليمين، فدل على أنه لا خلاف في عدم قبول الشاهد مع اليمين.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل ادعى على رجل دعاوى ولم يعترف الغريم بشيء، وخرج المدعي
стр. 3197
على أن يقيم بينة، واعتقل المدعى عليه ولم يقم بينة بعد أربعة أيام أو خمسة، فهل يجوز تطاول المدة في البينة؟ أم تكون هذه البينة إلى مدة؟
فأجاب: لا يجوز مثل هذا الحبس كما ذكر، بل قد نص أئمة المذاهب الأربعة: أنه لا يجوز مثل هذا الحبس; وإنما تنازعوا: هل يطلب من المدعى عليه كفيل إلى ثلاثة أيام ونحوها، إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة؟ وتنازعوا فيما إذا أقام حجة شرعية ولها شروط، مثل أن يقيم بينة ولم يزكها، فيطلب حبس الخصم حتى يأتي بشرطها، على قولين في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما; فأما هذا الحبس، فلا يجوز باتفاق العلماء فيما أعلم، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن العمل بالخط في إثبات الوقف؟ وهل ينزع العقار ونحوه ممن هو في يده بخط قاض معروف، ويحكم به بمجرد الخط؟
فأجاب: الذي يظهر أن هذا مبني على جواز العمل بمجرد الخط في الحكم والشهادة. ومن المعلوم: أن الذي عليه أكثر متقدمي الأصحاب، أنه لا يجوز العمل بمجرد الخط، وقد علمتم ما شرطوه في كتاب القاضي إلى القاضي، وغير ذلك. والذي عليه عمل المتأخرين: جواز العمل بالخط، والكلام الذي نقلتموه مضمونه عدم جواز العمل بالخط، لأنه أخرجه عن كونه بينة، ولا شك أن هذا
стр. 3198
هو مقتضى قول أكثر المتقدمين.
وأما ما اعتمده كثير من المتأخرين، من العمل بالخط، فمقتضى قولهم: جواز العمل بذلك والاعتماد عليه، بشرط تحقق الحاكم أنه خط القاضي المعروف خطه وثقته، فلا يجوز الاعتماد على خط لا يتيقنه، ولا يعرف ثقة كاتبه.
стр. 3199
باب القسمة
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن الضرر المانع من القسمة؟
فأجاب: وأما الضرر المانع من القسمة، فهو إذا نقص قيمته مفرداً فهو يمنع; والنخل الذي بين الشركاء، أحد يشتهي القسمة، وأحد ما يشتهي: فإذا كان على بعضهم مضرة لم يقسم، وأما قسم المال جزافاً، فأرجو أنه لا بأس به، كما في ثمرة النخل.
وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: قال العلماء: القسمة نوعان: قسمة تراض، وهي: ما فيها ضرر، أو رد عوض من أحدهما، كالدور الصغار والحمام، والبيوت المتلاصقة التي لا يمكن قسمة كل عين مفردة، والأرض التي في بعضها بئر وبناء ونحوه لا يمكن قسمته بالأجزاء، والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة، جاز لأن الحق لهم لا يخرج عنهم، وقد رضوا بقسمته؛ وهذه جارية مجرى البيع
стр. 3200
لا يجبر عليها الممتنع، ولا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع، لما روى مالك في الموطإ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " لا ضرر ولا ضرار " ١.
قال المجد: الذي تحرر عندي فيما فيه رد، أنه بيع فيما يقابل الرد، أي: العوض الذي رد من أحدهما على الآخر، وإفراز في الباقي. انتهى. ويؤيده قول القاضي في التعليق، وصاحب المبهج، والموفق في الكافي: البيع ما فيه رد عوض; وإن لم يكن فيها رد عوض، فهي إفراز النصيبين، وتمييز الحقين، وليست بيعاً. فعلى القول أنها إفراز، يصح قسم وقف بلا رد، وقسمة ما بعضه وقف بلا رد، من رب الطلق، ولحم، ورطب بمثله، وقسمة ثمر يخرص خرصاً، وما يكال وزناً، وما يوزن كيلاً؛ قال في الترغيب: في الأصح، وتفرقهما قبل القرض فيها، ولا يحنث من حلف: لا يبيع. وعلى القول بأنها بيع، تنعكس الأحكام المتقدمة كلها. قالوا: ولا شفعة مطلقاً، أي على كلا القولين، لجهالة ثمن، ويفسخ بعيب.
وأما المواريث التي تقاسموها في الجاهلية على خلاف الشرع، ثم بعد هذا أسلموا، فلا يطالبون برد القسمة بعد الإسلام إلا برضى.
стр. 3201
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر: قسمة الإجبار، هي التي لا ضرر على أحد من الشركاء، ويمكن تعديل السهام من غير رد عوض؛ فإذا كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع، لقوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار" ١. فإن كان فيها رد عوض، فهي بمعنى البيع، فلا يجبر الممتنع عليها، بل برضاه.
وأجاب الشيخ علي بن حسين بن الشيخ، ﵏: وتسأل عن قسمة الإجبار، ومحل الإشكال عليك: أن أهل المذهب أطلقوها على أشياء، من غير شرط ضرر، قال في المحرر: فأما ما لا ضرر فيه، ولا رد عوض في قسمته، كالقرية والبستان، والدار الكبيرة والأرض، والدكاكين الواسعة - إلى أن قال - فإذا طلب الشريك قسمته، أجبر الآخر عليها. انتهى. فأطلق على البستان، ولم يشترط ضرر البستان، والنخل قد يكثر ويقل، وتكثر سهامه وتقل، فأشكل عليك إطلاقهم نفي الضرر عن البستان قليله وكثيره، فالمسألة كما ذكروا؛ لكن الغالب أن الضرر ورد العوض يقل فيما ذكروا، لسعة المكان، فتمكن قسمته بلا ضرر ولا رد عوض، والصغير بالعكس؛ فمتى وجدنا الضرر أو رد العوض، كَبُر المكان أو صَغُر، كثر الشجر أو قل، كثرت السهام أو قلت، فهي قسمة تراض؛ وهذا هو المفتى به عند مشايخنا، وهو صريح عبارات الأصحاب في القسمة.
стр. 3202
[أنواع القسمة]
قال في الشرح الكبير: والقسمة نوعان: قسمة تراض، وقسمة إجبار; فأما قسمة التراضي، فهي: ما فيها ضرر على أحد الشركاء، أو رد عوض من أحدهم، كالدور الصغار التي لا يمكن قسمها، فلا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع؛ وهل تلزم بالقرعة إذا قسمها حاكم، أو رضوا فيه بقاسم؟ وجهان: أحدهما: يلزم القسم، والثاني: لا يلزم إلا بالتراضي.
واختلفوا في الضرر، فقال بعضهم: الضرر المانع: نقص القيمة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وعنه: الضرر ما لا يمكن أحدهما الانتفاع بنصيبه مفرداً، فيما كان ينتفع به مع الشركة. والأول: ظاهر كلام الشافعي، لأن النقص ضرر وهو منفي شرعاً.
الثاني: قسمة الإجبار، وهي: ما لا ضرر فيه ولا رد عوض، وهذه القسمة إفراز حق لا بيع. انتهى كلام الشارح.
والذي أوصى لإنسان في بيته بدار، وتضرر أهل البيت بسكنى الموصَى له، فالوصية صحيحة، وليس لأهل البيت منع الموصَى له من السكنى في الموصَى به. وإن تضرروا فلهم طلب القسمة، فإن كانت قسمة إجبار أفرز له حقه، وإن كانت قسمة تراض لم يقسم إلا برضاهم؛ لكن إن
стр. 3203
تضرروا فللحاكم بيعه، وقسم الثمن على قدر الملك، إن لم يرضوا بالقسمة ولا بسكناه معهم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن قسم مسيل مشترك، هل هو على قدر الحصص؟ أم على عدد النخل وسعة الأرض؟
فأجاب: إنه على حسب سهام الميراث.
وسئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: إذا طلب أحد الشركاء قسمة نصيبه من السيل؟
فأجاب: إن كان كل منهم قد علم نصيبه بالأجزاء، ويمكن قسمته من أعلى الوادي على أنصبائهم، فلهم القسمة إن لم يكن جعل العليا مقراة لجميع السيل، مشروطاً فيما تقدم.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هل تصح قسمة الثمار خرصاً؟
فأجاب: الذي عليه الجمهور: أن ذلك لا يصح، حكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء؛ والذي يقوي عندي صحة ذلك، لقصة خيبر، ولا محذور في ذلك، لأن القسمة ليست بيعاً، كما نبه على ذلك ابن القيم في فوائد قصة خيبر.
وأما قولك: فإن جعل أحدهما أكثر من الآخر،
стр. 3204
لجودة الثمر، هل يصح؟ فالذي يظهر لي: أنه لا يصح، وذلك لأنه لا بد في القسمة من تعديل السهام، فإذا جعل طيب الثمرة سهماً، ورديئها سهماً، صار ذلك متفاضلاً يقيناً؛ والذي في الحديث إنما هو جواز القسمة خرصاً، ولا علمت أحداً أجاز المفاضلة في قسمة الثمار.
وسئل أيضاً: إذا كان شريكان في نخل أو زرع، وبدا صلاح الثمرة، واشترى أحدهما نصيب الآخر، بكيل يشترطه من الثمرة بعينها، والبائع عليه مؤنة الكد حتى يتم العمل؟
فأجاب: هذه مسألة مشكلة، من حيث إن كلام الفقهاء فيها يخالف ظاهر السنة؛ قال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء، وعلله، وجعل أخذ الثمرة بكيل معلوم من المزابنة المنهي عنها؛ ولكن ظاهر السنة جوازها، فإنه قد ثبت: " أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة، يخرص على أهل خيبر، فإذا خرصها خيرهم، وقال: إن شئتم فخذوها بخرصها، وإن شئتم فهي لنا " ١. وقد روي: أنه خرص عليهم أربعين ألف وسق، فأخذوا الثمر وضمنوا للمسلمين عشرين. قال ابن القيم، في فوائد قصة خيبر: ومنها جواز قسمة الثمار خرصاً، وإن القسمة ليست بيعاً. انتهى بمعناه.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: أما خرص
стр. 3205
النخل وإعطاؤه للشريك، ليأخذ مثله وقت الجذاذ، فالظاهر: أن هذا لا يجوز، لأنه من صور بيع الجنس بجنسه، وشرط الجواز التماثل والتقابض؛ والذي يجوز في ذلك أن يقسما على رؤوس النخل خرصاً، فيأخذ كل واحد منها مثل ما أخذه شريكه، فيختص كل واحد بما أخذ بالقسمة، فلا يكون في ذمة أحدهما للآخر شيء.
وسئل الشيخ سعد بن عتيق: ما يجري بين الفلاح والمالك عند حلول الثمرة، من خرص نخلة أو نخلات بوزان معلومة يأخذه الآخر بعد الجذاذ؟
فأجاب: الظاهر: عدم الصحة.
стр. 3206
باب الدعاوى والبينات
قال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد، رحمهما الله: جرى بين رجلين خصومة، في عقد بيع نخل متقدم، ودخل عليه عقد ثان، وقام بعض الناس على بعض، يتنازعون في عقود ماضية في أموال قد استولى عليها أهلها، وحضروا عند آل الشيخ، واتفق رأيهم: أن ما أفتى به الشيخ، ﵀، وغيره من قضاة المسلمين، واستغله الذي هو في يده مدة، والمدعي موجود ولا أنكر، وادعى، فلا له طريق إلا أن تبين مقالة فيها نص صحيح، أو إجماع أهل العلم، أو اتفق عليه قضاة المسلمين الموجودين، وإلا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثل هذه المقالة التي يقضي فيها قاض من قضاة المسلمين، فلا يتعرضها الآخر إلا بإجماع القضاة أن هذه الفتيا مخالفة الشرع، فإن نقضها واحد ما صح نقضه، فإن تَقَوّى أمير أو مأمور على مسلم، وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد، فيأتي وأقوم له إن شاء الله تعالى.
ويذكر لنا بعض الناس، الذين حضروا الشيخ، ﵀: أنه إذا عرض عليه حفيظة، بخط مطوع من مطاوعة الجاهلية ١
стр. 3207
أمضاها، ولا ينكثها، فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر، واستغله ثلاث سنين أو أربع سنين، وصاحب الدعوى حاضر، ولا ادعى في هذه المدة، سد عليه الباب.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن أخوين بينهما شركة في أرض، تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادعى أنه اشتراها من أخيه ولكن الشهود ماتوا.
فأجاب: الذي نفهم أن هذا على الأصل، يلزم مدعي الشراء بينة، فإن لم يجد بينة حلف المنكِرُ أنه لم يبعها عليه، وأنها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض; وأما كونها في يد أحدهما، ويتصرف فيها من قدر ثمان سنين، فمثل هذا ما يصير بينة، ولا يحكم باليد في مثل هذه الصورة، لكونه يدعى أنه اشتراها، والآخر منكر ولم يدع أنها ملكه، لا حق للآخر فيها، بل هو مقر بملك أخيه فيها، لكنه يدعي بالشراء؛ وهذا الذي تقرر عندنا وعند الأخ حمد بن ناصر.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرفون فيها تصرف الملاك؟
فأجاب: الذي استقر عليه فتوى شيخنا، شيخ
стр. 3208
الإسلام، إمام الدعوة الإسلامية: أن العقار ونحوه، إذا كان في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك، من نحو ثلاث سنين فأكثر، ليس فيه منازع في تلك المدة، أن القول قوله أنه ملكه، إلا أن تقوم بينة عادلة، تشهد بسبب وضع اليد، أنه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك، وأما الأصل: فلا يلتفت إليه مع هذا الظاهر؛ فقدَّم شيخنا، ﵀، الظاهر هنا على الأصل، لقوته وعدم المعارض.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، ﵏: عن بستان ادعاه اثنان، أصله لجدهما من قبل الأم، وليس مع أحدهما بينة بانتقال ملك مورثه عنهما؟
فأجاب: قد أفاد ابن القيم، رحمه الله تعالى، في الطرق، ما يؤخذ منه حكم هذه القضية، فقال: وأما المرتبة الثالثة: فمثالها أن يكون رجل حائزاً لدار يتصرف فيها السنين الطويلة، بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقاً، ولا مانع من مطالبته من خوف سلطان، أو ما أشبه ذلك، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، أو شركة في ميراث ونحوه، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك، فدعواه غير مسموعة أصلاً. انتهى.
стр. 3209
فمفاد هذا الكلام: أنه إذا كان بين المتنازعين قرابة، أو شركة في ميراث ونحو ذلك، أن الدعوى تسمع، ولا يثبت حكم اليد لمن هي في يده، لأجل القرابة وغيبة الشريك، فتقسم على الميراث الذي هو الأصل، والله أعلم.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا ادعى رجل أن أباه اشترى هذا الملك، وأحضر وثيقة، وكان بيد آخر ورثه عن أبيه، والوثيقة من مدة خمس سنين؟
فأجاب: اعلم أن العلماء قرروا أنه إذا تعارض الأصل والظاهر، قُدِّم الظاهر ولم يعمل بالأصل، وهذا فيما إذا كان العقار بيد إنسان، قدر خمس سنين يتصرف فيه تصرف المالك، ولم يدَّعه صاحب الأصل في هذه المدة، ولم يكن بينهما شركة ولا قرابة بينهما؛ فالذي أرى في هذه المسألة: إذا كان الملك بيد أب من هو في يده، أو ولده مع وجود أبي المدعي، يتصرف فيه، ولم يدعه الأب، فدعوى ابنه اليوم ساقطة; وإن كان أبو المدعي مات من حين الشراء المذكور في الوثيقة، وأحضر ابنه بينة أنه لم يعلم بالوثيقة، ولم يجدها إلا في هذا الزمان عمل بها، وإلا لم تقبل دعواه عدم وجودها إلا ببينة مرضية.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا ادعى إنسان عقاراً فقال المدعَى عليه: ورِثْته من أبي، ولم
стр. 3210
أعلم لك فيه حقاً، هل تقبل يمينه؟ وإذا ادعى إنسان شيئاً أنه يملكه الآن، وشهدت البينة أنه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات، هل تسمع أو لا؟
فأجاب: لا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة، فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه، فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك هذا، وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه، ونحو ذلك. فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئاً، أو أنك لا تستحق شيئاً فيما ادعيته، صار جواباً صحيحاً، ولا يكلف سواه.
والحال الثاني: أن يدعي على من هو في يده، بأن أباك غصبني هذا، أو أنه وديعة عنده، ونحو ذلك، فيمين المدعَى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب: بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة: ما علمت أنك أودعته إياه، ونحو ذلك. وفي سنن أبي داود: أن النبي ﷺ قال للحضرمي: " ألك بينة؟ قال: لا، ولكن أحلفه، والله يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيأ الكندي لليمين، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ " ١، ولأنه لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فعل نفسه، فوجب أن لا يكلف اليمين على البَتّ. وأما إذا ادعى أن هذه العين له الآن، وشهدت البينة بأنها كانت له أمس، أو
стр. 3211
أنها كانت في يده أمس، لم تسمع بينته لعدم تطابق البينة والدعوى؛ قال في الإنصاف: في أصح الوجهين، حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غصبه، بخلاف ما لو شهدت أنها ملكه اشتراه من رب اليد، فإنها تقبل. اهـ.
وأما إذا شهدت البينة: أن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة، كفى ذلك، وسلمت إلى المدعي، ولو لم تقل وهي في ملكه الآن. وأما إذا ادعى: أن هذه العين كانت ملكاً لأبيه أو أمه أو أخيه، ومات وهي في ملكه، فصارت لي بالميراث، فإن شهدت البينة بأن هذه العين كانت ملكاً لأبيه، ومات وهي في ملكه، سمعت البينة بذلك، وإن قالت البينة كانت ملكاً لأبيه ونحوه، ولم تشهد بأنه خلفها تركة، لم تسمع هذه البينة. وفي الفروع والإنصاف عن الشيخ تقي الدين أنه قال فيمن بيده عقار، فادعى آخر بثبوت عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم لورثته، ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه: لا ينتزع منه بذلك، لأن أصلين تعارضاً، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة؛ ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق.
وسئل: إذا دخل على رجل مدينان، ودفعا إليه دراهم، فأخرج أحدهما عشرة، وقال: هذه التي لك
стр. 3212
قبلي، خذها لتحسبها، فقال: ضعها، وقال الآخر كذلك، وأمره أن يضعها على دراهمه الأولى، أو إلى جانبها، فأخذهما صاحب الحق جميعاً، وحسبهما، فوجد نقصاناً لا يدري من أيهما؟
فأجاب: له على كل منهما اليمين: أنه دفع إليه حقه تاماً، وليس له إلا ذلك، لأنه فرط في خلطهما، فلم تكن الدعوى على إنسان بعينه، بل عليهما جميعاً، وهي لا تسمع إلا على معين.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إذا تداعيا عيناً، والكل معه بينة؟
فأجاب: إذا تداعيا عيناً، والكل معه بينة، قدمت بينة الداخل، لقول أهل المدينة.
سئل ابنه الشيخ عبد الله: إذا ادعى خصمان عيناً، أحدهما يدعي أنها سرقت من ثلاث سنين، والآخر أنه اشتراها منذ سبع سنين، وأقام كل منهما بينة؟
فأجاب: الذي ذكر كثير من العلماء: أنه يعمل ببينة الذي يدعي أنها له منذ سبع، لا سيما إذا كانت في يده؛ قال في الإنصاف: وإن كان لكل واحد منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخاً، مثل أن تشهد إحداهما أنها له منذ سنة، وتشهد الأخرى أنها للآخر منذ سنتين، فيقدم أسبقهما
стр. 3213
تاريخاً؛ وهذه رواية عن أحمد، نصرها القاضي وأصحابه، وقال: هذا قياس المذهب.
[معنى تعارض البينتين]
سئل الشيخ حمد بن ناصر: ما معنى تعارض البينتين؟
فأجاب: معنى تعارض البينتين: تساويهما من كل وجه، فإذا أقام المدعي بينة، وأقام المدعى عليه بينة، وتساوتا، فقد تعارضتا، فإذا تعارضتا سقطتا، وكانا كمن لا بينة لهما.
وسئل: ما معنى قولهم: بينة الداخل والخارج؟
فأجاب: بينة الخارج بينة المدعي، وبينة الداخل بينة المدعى عليه.
وسئل: هل يعتبر في البينات كثرة العدالة، أم لا؟
فأجاب: قال في المغني: ولا ترجح أحد البينتين بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة؛ وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ويتخرج أن ترجح، وهو قول مالك، لأن الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به. وإذا كثر العدد، أو قويت العدالة، كان الظن أقوى; ولنا: أن الشهادة مقدرة في الشرع، فلا تختلف بالزيادة كالدية، فصار الحكم معلقاً بها دون اعتبار الظن، ألا ترى أنه لو شذ النساء منفردات لا تقبل شهادتهن، وإن كثرن حتى صار
стр. 3214
الظن بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين؛ وعلى هذا، لا يرجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في المال، لأن كل واحدة من البينتين حجة في المال، فإذا اجتمعتا تعارضتا.
فأما إن كان لأحدهما شاهدان، وللآخر شاهد، فبذل يمينه معه، ففيه وجهان:
أحدهما: يتعارضان.
والثاني: يقدم الشاهدان، لأنهما حجة متفق عليها، والشاهد واليمين مختلف فيها؛ وهذا الوجه أصح إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه، ﵀.
стр. 3215
كتاب الشهادات
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل يجوز تحمل الشهادة على التخصيص، وأداؤها بعد التحمل إن لم يعلم الشاهد إلا بعد التحمل؟
فأجاب: لا يجوز، لقوله ﵇: " إني لا أشهد على جور " ١، والجور لا يجوز الشهادة عليه. وأما قوله ﵇: " أشهد على هذا غيري " ٢، فأجاب عنه بعض العلماء: بأن هذا على سبيل الزجر والردع، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤] ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سورة الكهف آية: ٢٩] .
[شهادة الأخ لأخيه]
سئل بعضهم: عن شهادة الأخ لأخيه؟
فأجاب: هي جائزة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، وروي ذلك عن ابن الزبير، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي، ومالك والشافعي، وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور، وأصحاب الرأي، لأنه عدل غير متهم، فصحت شهادته لأخيه كالأجنبي، ولعموم الآيات؛ ولا يصح قياس الأخ على الوالد والولد، لأنهما بينهما بعضية وقرابة،
стр. 3216
بخلاف الأخ.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن شهادة كل من الوالد والولد مقبولة"، وروي ذلك عن شريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو ثور والمزني، وداود وإسحاق وابن المنذر، لعموم الآيات، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل فيه.
[شهادة الوالد على ابنه]
وسئل: عن شهادة الوالد على ابنه وابن ابنه؟
فأجاب: هي مقبولة، نص على ذلك الإمام أحمد، وهو قول عامة أهل العلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣٥] ، فأمر بالشهادة ولو لم تقبل لما أمر بها، ولأنها إنما ردت شهادته له في التهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه، فوجب أن تقبل كشهادة الأجنب؛، بل أولى أن يتهم له ولا يتهم عليه، فشهادته عليه أبلغ في الصدق، كشهادته على نفسه.
[شهادة المجلود في حد القذف]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل تقبل شهادة المجلود في حد القذف إذا أكذب نفسه وأظهر التوبة؟
فأجاب: تقبل شهادته، على الصحيح من أقوال العلماء.
[شهادة المملوك في الحدود والقصاص]
وسئل: هل تقبل شهادة المملوك في الحدود
стр. 3217
والقصاص والأموال؟
فأجاب: الذي عليه جمهور العلماء: أنها تقبل في الأموال؛ قال في الإنصاف: شهادة العبد لا يخلو، إما أن تكون في الحدود والقصاص، أو في غيرها؛ فإن كانت في غيرها قبلت على الصحيح من المذهب، نص عليه. انتهى.
قلت: واختار هذا القول جمع من الحنابلة وغيرهم، منهم الشيخ تقي الدين، قال في الاختيارات: ولا تشترط الحرية في الشهادة، وهذا مذهب أحمد، وظاهر كلام أبي العباس، ولو في الحدود والقصاص، وهو رواية عن أحمد. انتهى. قال بعضهم: لا أعلم أحداً رد شهادة العبد، وهذا - إن شاء الله - هو الصواب، لا سيما إذا كانت شهادته في الأموال؛ والمراد بذلك إذا كان عدلاً، قد تمت فيه شروط قبول الشهادة.
وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف: وأما قبول شهادة المملوك، فلا مانع من قبولها، بل هو كسائر المسلمين، إذا كان مسلماً، عدلاً ظاهراً وباطناً.
[شهادة من يأخذ الرشوة]
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن شهادة من يأخذ الرشوة؟
فأجاب: وأما الذي يأكل الرشوة على الشهادة، فترد شهادته ويؤدب.
стр. 3218
[شهادة النساء]
سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: عن شهادة النساء منفردات عن الرجال ... إلخ؟
فأجاب: قال في المغني، في باب القضاء: ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة، إن لم يكن معهن رجل. انتهى. ومراده: فيما يطلع عليه غيرهن. وقال في كتاب الشهادة: وفي شهادة النساء شبهة، بدليل قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٢] ، وأنه لا تقبل شهادتهن ولو كثرن، ما لم يكن معهن رجل. وقال فيه: ولا نعلم خلافاً في قبول شهادة النساء في الجملة، يعني في بعض المسائل كما ذكره الشراح، وذلك فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً، كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة والثيوبة، والحيض والولادة، والرضاع والاستهلال، ونحو ذلك، لحديث عقبة بن الحارث، رواه أحمد وسعيد، قال أبو محمد: إلا أنه من رواية جابر الجعفي، قال: وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات، فإنه يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، واستدل بحديث عقبة، وبما روي عن حذيفة: "أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة القابلة"، رواه الفقهاء في كتبهم. وذكر أبو محمد في المقنع، في باب اليمين في الدعاوى، احتمال قبول امرأتين، ويمين في المال، وما يقصد به المال.
стр. 3219
وقال الشيخ تقي الدين: لو قيل: يقبل امرأتان ويمين توجه، لأنهما أقيما مقام رجل في التحمل؛ ونصره ابن القيم في الإعلام، والطرق وغيرهما، وذكره مذهب مالك. وذكر أبو محمد وغيره: أن أبا طالب نقل عن أحمد في مسألة الأسير: يقبل رجل ويمين. واختاره أبو بكر، وعنه في الوصية: إن لم يحضره إلا النساء، فامرأة واحدة; وسأله ابن صدقة: الرجل يوصي ويعتق، ولا يحضره إلا النساء، تجوز شهادتهن؟ قال: نعم، في الحقوق; وذكره في الإنصاف ولم يقيده. والمجزوم به عند المتأخرين هو الأول، وعليه المعوَّل.
وأما قول السائل: وهل القدور، والحلي من عورات النساء، الذي لا يطلع عليه الرجال غالباً؟ فهل هذه إلا المال نفسه، فتنبه لذلك.
تتمة: لا مدخل للنساء - ولو مع الرجال - في العقوبات والحدود، ذكروه اتفاقاً عن الأئمة الأربعة; ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء، قاله في المغني، وجزم به المتأخرون، وذكره في الإفصاح قول مالك والشافعي وأحمد. ومما تساوي فيه المرأة العدل الرجل: الرواية، والإخبار بهلال رمضان، والوقت، والقبلة، ونجاسة الماء، وتنبيه الإمام للسهو، إذ في مغني ذوي الأفهام: دعوا النشوز والنسب، لأنه مما لا يطلع عليه الرجال غالباً. انتهى. والله أعلم بالصواب.
стр. 3220
سئل الشيخ علي بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏، عن كتاب عمر لأبي موسى، ﵄: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلود في حد، أو مجرب عليه شهادة زور، أو ظنين في ولاء أو نسب"؟
فالجواب: أن الظنين هو: المتهم، قاله صاحب النهاية; ومنه: حديث عائشة، ﵂، قالت قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود في حد، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة، ولا القانع من أهل البيت " ١، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده يزيد بن دريك الدمشقي الراوي، منكر الحديث.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن شهادة واحد في حد؟
فأجاب: إذا شهد شاهد واحد أن فلاناً أصاب حداً، فلا يقام عليه بشهادة واحد، بل لا بد من شهادة رجلين عدلين إلا في الزنى، فلا بد من شهادة أربعة عدول، كما هو معلوم.
وسئل: إذا شهد عدل في الطلاق هل يقبل ... إلخ؟
فأجاب: لا يقبل وحده، لأن النكاح والطلاق لا يثبت
стр. 3221
إلا بشاهدين; والذي نفهم ونعمل به: أن شهود الطلاق من غير الولي. وأما تحمل الشهادة فيه، فالذي فهمناه من كلام أهل العلم: أن تحمل الشهادة يجوز في المال، وما يقصد به المال، وهو الذي نعمل الآن عليه، ولا تجوز شهادة الفرع على الأصل في هذا النوع.
وأجاب الشيخ حمد بن معمر: من طلق امرأته بحضرة شاهد واحد عدل، وأنكر الزوج، فالذي عليه أكثر العلماء، وعليه الفتوى: أنه لا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان. وأما من طلق امرأته، وأحضر شاهداً عدلاً، وقال العاقد: لا بد من شاهدين عدلين، هل يزوج العاقدين أو يمنعهما؟ فإن كان مراد السائل: أن المرأة المطلقة من زوجها أو وكيلها، أحضرت شاهداً عدلاً على طلاقها من زوجها، وطلبت من العاقد أن يعقد على نكاحها من زوجها الثاني، بشهادة شاهد واحد على طلاقها من زوجها الأول، فجواب هذه المسألة يؤخذ من جواب التي قبلها، لأن الذي عليه عامة العلماء المالكية، والشافعية والحنابلة، أن الطلاق لا يثبت إلا بشاهدين عدلين. وإن كان له مراد غير ذلك، فلم نفهمه.
وأما شهادة النساء في الطلاق، فالذي عليه أكثر العلماء وعليه الفتوى: أن شهادة النساء لا تقبل منفردات، إلا فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً، كالرضاع، وكعيوب
стр. 3222
المرأة التي تحت الثياب، والثيوبة والبكارة، والاستهلال، وما جرى هذا المجرى.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن الشهادة بالوقف؟
فأجاب: والنخلة لا تصير وقفاً إلا بشهادة رجلين عدلين.
وسئل أيضاً: العدل والمرأة، هل يقبل في الوصية والوقف؟
فأجاب: لا يقبل في الوصية والوقف إلا شاهد وامرأتان، ولو كان بعضهم من الورثة.
وأجاب الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم: الذي أرى أن الشاهد الواحد على الوصية لا يكفي، بل لا بد من شاهدين عدلين.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن شهادة النساء فيما يتعاملن فيه؟
فأجاب: أما معاملة النساء بينهن بشهادة النساء، فيما يمكن حضور الرجال فيه، فلا تصح شهادتهن، إلا فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً، ومعاملتهن مما يطلع عليه الرجال، فافهم ذلك.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الأموال لا
стр. 3223
يقبل فيها إلا رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، سواء كان في أيدي النساء، أو أيدي الرجال؛ هذا قول جمهور العلماء. وليس هذا من عورات النساء، التي لا يطلع عليها الرجال، كما ظنه من لا علم عنده.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل أراد أن يتزوج امرأة، فادعت زوجته أنها أرضعت التي يريد أن يتزوجها؟
فأجاب: هذه لا تقبل شهادتها في مثل هذه الصورة، لأجل التهمة؛ ومذهب الحنابلة: أن شهادة المرأة الواحدة، تقبل في الرضاع، بشرط عدم التهمة.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، عند من يقول به، هل تصدق، ولو ادعت أم الطفل كذبها؟
فأجاب: الأمر كذلك، تصدق. وأما قولك: وهل تعتبر العدالة في المرضعة، إذا ادعت الرضاع؟ فالأمر كذلك، بل لا بد من العدالة في الشهادة في الرضاع وغيره، والمراد: العدالة ظاهراً; وأما الرضاع فنصوا على العدالة في المرأة إذا ادعت ذلك. قال ابن عباس: "يقبل قولها إذا كانت مرضعة وتستحلف، فإذا حلفت فارق الزوج المرأة". وقال الشيخ تقي الدين: يقبل قول المرأة في الرضاع، إذا كانت معروفة بالصدق، لحديث عقبة المخرج
стр. 3224
في الصحيحين.
وأما قولك: إذا ماتت المرأة، وشهد على إقرارها بالرضاع امرأة، أو امرأتان، فالظاهر أن ذلك لا يعمل به، لأن الشهادة على الشهادة لها تسعة شروط: أن تكون في غير حق الله، ومنها أن يسترعي شاهد الأصل شاهد الفرع، فيقول: اشهد على شهادتي; وأيضاً فإن الشهادة على الرضاع لا تقبل إلا مفسرة، لاحتمال أن يكون الشاهد يرى في الرضاع خلاف الصواب، فلا بد من تقصير الرضاع بخمس رضعات في الحولين. انتهى.
[الشهادة على الشهادة]
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن شروط تحمل الشهادة عند أهل العلم؟
فأجاب: الذي ذكر في الإنصاف: أنها تقبل الشهادة على الشهادة، فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وتُرَدّ فيما يُردّ فيه، ولا تقبل إلا أن يتعذر شهود الأصل، بموت أو مرض، أو غيبة إلى مسافة القصر. وذكر أيضاً: أنه لا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد، إلا أن يسترعيه شاهد الأصل، فيقول: اشهد على شهادتي، أني أشهد على فلان بن فلان، وقد عرفته باسمه وعينه ونسبه، أقر عندي، وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدت عليه، أو أقر عندي بكذا. وذكر ابن عقيل رواية: يجوز أن يشهد، سواء استرعاه أو لا، وقدمه في التبصرة، وهذه الرواية هي
стр. 3225
الصواب، إن شاء الله تعالى.
[الشهادة بالاستفاضة والشهرة]
سئل بعضهم: عن الشهادة بالاستفاضة والشهرة؟
فأجاب: هي صحيحة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك، كالنسب والموت والملك، والنكاح والخلع، والوقف ومصرفه، والعتق والولاية والعزل، وما أشبه ذلك; قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة; وقد أجمع أهل العلم على صحة الشهادة بالنسب بالاستفاضة، وكذلك الشهادة بالاستفاضة في الجرح والتعديل، فما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحاً شرعياً، قاله الشيخ تقي الدين.
قال: وقد صرح بذلك طوائف الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم في كتبهم الكبار، وصرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحاً مفيداً أنه يجرح الجارح بما سمعه منه، أو رآه أو استفاض؛ وما أعلم في هذا نزاعاً بين المسلمين، فإن المسلمين كلهم يشهدون في مثل وقتنا، في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وأمثالهما، من العدل والدين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار، وعمرو بن عبيد ونحوهم من الظلم والبدعة، بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة;