← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

إلا بشاهدين; والذي نفهم ونعمل به: أن شهود الطلاق من غير الولي. وأما تحمل الشهادة فيه، فالذي فهمناه من كلام أهل العلم: أن تحمل الشهادة يجوز في المال، وما يقصد به المال، وهو الذي نعمل الآن عليه، ولا تجوز شهادة الفرع على الأصل في هذا النوع. وأجاب الشيخ حمد بن معمر: من طلق امرأته بحضرة شاهد واحد عدل، وأنكر الزوج، فالذي عليه أكثر العلماء، وعليه الفتوى: أنه لا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان. وأما من طلق امرأته، وأحضر شاهداً عدلاً، وقال العاقد: لا بد من شاهدين عدلين، هل يزوج العاقدين أو يمنعهما؟ فإن كان مراد السائل: أن المرأة المطلقة من زوجها أو وكيلها، أحضرت شاهداً عدلاً على طلاقها من زوجها، وطلبت من العاقد أن يعقد على نكاحها من زوجها الثاني، بشهادة شاهد واحد على طلاقها من زوجها الأول، فجواب هذه المسألة يؤخذ من جواب التي قبلها، لأن الذي عليه عامة العلماء المالكية، والشافعية والحنابلة، أن الطلاق لا يثبت إلا بشاهدين عدلين. وإن كان له مراد غير ذلك، فلم نفهمه. وأما شهادة النساء في الطلاق، فالذي عليه أكثر العلماء وعليه الفتوى: أن شهادة النساء لا تقبل منفردات، إلا فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً، كالرضاع، وكعيوب

стр. 3222

المرأة التي تحت الثياب، والثيوبة والبكارة، والاستهلال، وما جرى هذا المجرى. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن الشهادة بالوقف؟ فأجاب: والنخلة لا تصير وقفاً إلا بشهادة رجلين عدلين. وسئل أيضاً: العدل والمرأة، هل يقبل في الوصية والوقف؟ فأجاب: لا يقبل في الوصية والوقف إلا شاهد وامرأتان، ولو كان بعضهم من الورثة. وأجاب الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم: الذي أرى أن الشاهد الواحد على الوصية لا يكفي، بل لا بد من شاهدين عدلين. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن شهادة النساء فيما يتعاملن فيه؟ فأجاب: أما معاملة النساء بينهن بشهادة النساء، فيما يمكن حضور الرجال فيه، فلا تصح شهادتهن، إلا فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً، ومعاملتهن مما يطلع عليه الرجال، فافهم ذلك. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الأموال لا

стр. 3223

يقبل فيها إلا رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، سواء كان في أيدي النساء، أو أيدي الرجال؛ هذا قول جمهور العلماء. وليس هذا من عورات النساء، التي لا يطلع عليها الرجال، كما ظنه من لا علم عنده. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل أراد أن يتزوج امرأة، فادعت زوجته أنها أرضعت التي يريد أن يتزوجها؟ فأجاب: هذه لا تقبل شهادتها في مثل هذه الصورة، لأجل التهمة؛ ومذهب الحنابلة: أن شهادة المرأة الواحدة، تقبل في الرضاع، بشرط عدم التهمة. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، عند من يقول به، هل تصدق، ولو ادعت أم الطفل كذبها؟ فأجاب: الأمر كذلك، تصدق. وأما قولك: وهل تعتبر العدالة في المرضعة، إذا ادعت الرضاع؟ فالأمر كذلك، بل لا بد من العدالة في الشهادة في الرضاع وغيره، والمراد: العدالة ظاهراً; وأما الرضاع فنصوا على العدالة في المرأة إذا ادعت ذلك. قال ابن عباس: "يقبل قولها إذا كانت مرضعة وتستحلف، فإذا حلفت فارق الزوج المرأة". وقال الشيخ تقي الدين: يقبل قول المرأة في الرضاع، إذا كانت معروفة بالصدق، لحديث عقبة المخرج

стр. 3224

في الصحيحين. وأما قولك: إذا ماتت المرأة، وشهد على إقرارها بالرضاع امرأة، أو امرأتان، فالظاهر أن ذلك لا يعمل به، لأن الشهادة على الشهادة لها تسعة شروط: أن تكون في غير حق الله، ومنها أن يسترعي شاهد الأصل شاهد الفرع، فيقول: اشهد على شهادتي; وأيضاً فإن الشهادة على الرضاع لا تقبل إلا مفسرة، لاحتمال أن يكون الشاهد يرى في الرضاع خلاف الصواب، فلا بد من تقصير الرضاع بخمس رضعات في الحولين. انتهى. [الشهادة على الشهادة] وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن شروط تحمل الشهادة عند أهل العلم؟ فأجاب: الذي ذكر في الإنصاف: أنها تقبل الشهادة على الشهادة، فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وتُرَدّ فيما يُردّ فيه، ولا تقبل إلا أن يتعذر شهود الأصل، بموت أو مرض، أو غيبة إلى مسافة القصر. وذكر أيضاً: أنه لا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد، إلا أن يسترعيه شاهد الأصل، فيقول: اشهد على شهادتي، أني أشهد على فلان بن فلان، وقد عرفته باسمه وعينه ونسبه، أقر عندي، وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدت عليه، أو أقر عندي بكذا. وذكر ابن عقيل رواية: يجوز أن يشهد، سواء استرعاه أو لا، وقدمه في التبصرة، وهذه الرواية هي

стр. 3225

الصواب، إن شاء الله تعالى. [الشهادة بالاستفاضة والشهرة] سئل بعضهم: عن الشهادة بالاستفاضة والشهرة؟ فأجاب: هي صحيحة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك، كالنسب والموت والملك، والنكاح والخلع، والوقف ومصرفه، والعتق والولاية والعزل، وما أشبه ذلك; قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة; وقد أجمع أهل العلم على صحة الشهادة بالنسب بالاستفاضة، وكذلك الشهادة بالاستفاضة في الجرح والتعديل، فما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحاً شرعياً، قاله الشيخ تقي الدين. قال: وقد صرح بذلك طوائف الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم في كتبهم الكبار، وصرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحاً مفيداً أنه يجرح الجارح بما سمعه منه، أو رآه أو استفاض؛ وما أعلم في هذا نزاعاً بين المسلمين، فإن المسلمين كلهم يشهدون في مثل وقتنا، في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وأمثالهما، من العدل والدين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار، وعمرو بن عبيد ونحوهم من الظلم والبدعة، بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة;

стр. 3226

قال: وهذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كاد المقصود التحذير منه واتقاء شره، فيكتفى بما دون ذلك. انتهى. وقد اختلف أهل العلم فيما تجور الشهادة عليه بالاستفاضة، غير النسب والولادة: فقال بعضهم: هو تسعة أشياء: النكاح، والوقف، ومصرفه، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل; وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح والموت، ولا تقبل في الملك المطلق. ونص الإمام أحمد على ثبوت الشهادة بالاستفاضة في الخلع والطلاق. والصحيح من مذهب الشافعي: جواز الشهادة بالاستفاضة في النكاح والنسب، وولاية القضاء والملك والعتق، والوقف والولاء. واقتصر جماعة من أصحاب أحمد، منهم القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي، وابن البناء على النسب والموت، والملك المطلق، والنكاح، والوقف والعتق والولاء، قال في الفروع: ولعله الأشهر; قال في العمدة: لا يجوز ذلك في حد ولا قصاص، قال في الفروع: فظاهره الاقتصار عليهما، وهو أظهر. انتهى. قال في عمدة الأدلة: تعليل أصحابنا بأن جهات الملك تختلف، تعليل يوجد في الدين؛ فقياس قولهم يقتضي أن يثبت الدين بالاستفاضة، قال في الإنصاف: قلت وليس ببعيد.

стр. 3227

[ضمان شهود التزكية إذا رجعوا] قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: مسألة: قال في حاشية المحرر: ويضمن شهود التزكية إذا رجعوا ما يضمنه من زكوهم لو رجعوا؛ وكذلك ذكره الشيخ موفق الدين بن قدامة محل وفاق، قال الشيخ تقي الدين: وإذا تبين خطأ الشهود أو كذبهم، أو خطأ المزكين أو كذبهم، فهنا الحكم باطل، لكن ينبغي أن تكون الشهادة أو التزكية سبباً للضمان، والقرار على المتلف بخلاف الرجوع، فإنه لا ضمان إلا على الراجع. انتهى. وقال القاضي: لو شهدا عليه بالقرض، فحكم عليه بالمال، وسلمه إلى المقرض، ثم أقام المشهود عليه بعد ذلك البينة أنه كان قضاه، لم يضمن شهود القرض، لأنه لم يكن في شهادتهم إثبات المال في الحال; ولو كانوا شهدوا بأن لفلان عليه ألف درهم، فحكم الحاكم بشهادتهم، ثم أقام المقضي عليه البينة: إنه كان قضاه قبل ذلك، ضمن الشهود الذين شهدوا بالمال.

стр. 3228

باب الإقرار سئل الشيخ علي بن حسين بن الشيخ: عمن قال: صدقوا فلاناً فيما ادعى به؟ فأجاب: إذا كان المقَرُّ له غير وارث، فظاهر كلام أهل المذهب: أنه يُصَدَّق فيما ادعى به، إذا كان يمكن يتصور منه التزامه، بخلاف ما لو ادعى بما لا يتصور، كدعواه عليه من عشرين سنة، وعمره عشرون سنة أو أقل، فهذا لا يصح إقراره بذلك; قلت: ومثل ذلك لو كان هذا المصدق فقيراً، كالذي يعرفه أهل بلده بالفقر، فيدعي أن له عند هذا المقِِرّ ما لا يعرف أنه قد ملكه، كمن رأس ماله الذي يعامل فيه عشرون درهماً، أو قريباً، فيدعي على هذا المقر - لما سمع قوله: صدقوه -: لي عنده مائة دينار أو مئتان، فالظاهر أنه لا يُصَدَّق، وما أمكن صِدْقُه فيه صُدِّق. انتهى. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا مات الرجل وقالك صدقوا فلاناً بما ادعى علي، يعني صاحب الدين، ثم مات، هل يصدق المدعي؟ فالأمر كذلك يصدق بدعواه، عملاً بقول الميت.

стр. 3229

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أقر في صحته بدين لوارث؟ فأجاب: إذا أقر في صحته لوارث بدين في حال الصحة، وهو يتهم بالمحاباة، فالظاهر أنه يقبل إقراره، ولا يعمل بالتهمة. وسئل: عن امرأة في صحتها قالت: إن عندها لبعض ورثتها شيئاً؟ فأجاب: إن ماتت، فهو المصدق فيما ادعى به، فإن ادعى عليها بدعوى كثيرة، فالظاهر أن هذا يدخل في الإقرار للوارث، ولا يصح خصوصاً في مثل هذا الزمان مع التهمة. سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا أقر المريض في المرض المخوف لوارث أو غيره. فأجاب: قال في الشرح: ويصح إقرار المريض في المرض المخوف بغير المال، وإن أقر بمال لمن لا يرثه صح؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً. وإن أقر للوارث لا يقبل إلا ببينة. وقال عطاء والحسن وإسحاق: يقبل. وقال مالك: يصح إلا أن يتهم، إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فأقل، فيصح في قول الجميع، إلا الشعبي. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا قال إنسان لآخر: عندك لي عشرة دراهم، قال: نعم، لكن

стр. 3230

قضيتك؟ فأجاب: يكون غير مقر فيقبل قوله بيمينه طبق جوابه، ويخلى سبيله إن لم يقم بينة على الأصح، لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلاً، فكان القول قوله. وعنه: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب. انتهى من شرح المنتهى ملخصاً. وقد عرفت المقدم وهو المعتمد. سئل الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵏: عن رجل أقر لآخر بدين مات المقر له، ولم يعلم عدده؟ فأجاب: القول في ذلك قول المقر بيمينه، لأن اليمين إنما شرعت في جانب أقوى المتداعيين، والمقر له قد قوي جانبه، فقبل قوله في العدد مع يمينه. آخر ما أردنا جمعه مما وجدناه من الفتاوى الفقهية، فتاوى أهل هذه الدعوة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء السابع، ويليه الجزء الثامن، وأوله: كتاب الجهاد

стр. 3231

المجلد الثامن: (القسم الأول من: كتاب الجهاد) كتاب الجهاد (حكمه، وفضله، والحث عليه) * ... كتاب الجهاد: الجهاد حكمه، وفضله، والحث عليه قال شيخ الإسلام: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ عبد الله بن عبد الرحمن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، ذكر لي ابن زيدان، أنك يا عبد الله غضبت على أحمد لما تكلم في بعض المنافقين، ولا يخفاك أن بعض الأمور كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية:١٥] ، وذلك أني: لا أعرف شيئاً يتقرب به إلى الله أعظم من لزوم طريقة رسول الله ﷺ في حال الغربة، فإن انضاف إلى ذلك الجهاد عليها للكفار والمنافقين، كان ذلك تمام الإيمان. فإذا أراد أحد من المؤمنين أن يجاهد، فأتاه بعض إخوانه، فذكر له أن أمرك للدنيا، أخاف أن يكون هذا من جنس الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات؛

стр. 3232

فأنتم تأملوا تفسير الآية، ثم نزلوه على هذه الواقعة. وأيضا، في صحيح مسلم أن أبا سفيان مر على بلال وسلمان وأجناسهما، فقالوا: "ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها"، فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: " يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك " ١. ومن أفضل الجهاد: جهاد المنافقين في زمن الغربة، فإذا خاف أحد منكم من بعض إخوانه قصداً سيئاً، فلينصحه برفق وإخلاص الدين لله، وترك الرياء والقصد الفاسد، ولا يفل عزمه عن الجهاد، ولا يتكلم فيه بالظن السيئ وينسبه إلى ما لا يليق، ولا يدخل خاطرك شيء من النصيحة، فلو أدري أنه يدخل خاطرك ما ذكرته، وأنا أجد في نفسي أني أود أن أنصح كلما غلطت، والسلام. وقال الشيخ إبراهيم وعبد الله وعلي: أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى: والجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، فمن كان له مال وهو يقدر على الجهاد بنفسه، وجب عليه الجميع، فإن كان ما يقدر بنفسه وجب عليه بالمال، فإن كان لا يقدر بالمال ولا بالنفس، فالحرج مرفوع عنه، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ

стр. 3233

رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٩١] . والإمام ينهى الأمراء عن تحميل الناس ما لا يستطيعون ويعصونه في ذلك، وتحميل الفقير ما لم يحمله الله ذنب، ومعصية الإمام إذا نهى عن ذلك ذنب آخر. وقالوا أيضاً: وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد، ورضي بالإخلاد إلى الأرض، بالوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣٨-٣٩] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤] لما يصلحكم؛ وقد فرضه الله على الناس فرض الصلاة والزكاة، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] . فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأن الله ﵎ أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ

стр. 3234

كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١٦٠] ، وقال تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ٩-١٠] . فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توكله، نصرهم الله وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين في كل زمان ومكان، قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصفات آية: ١٧١-١٧٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [سورة الفتح آية: ٢٢-٢٣] . وأجاب بعضهم، ﵏: وأما الجهاد، فهو واجب على القادر عليه بنفسه وماله، كما أمر الله به في كتابه بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة التوبة آية:٤١] ، وأما من لا يقدر على الجهاد بنفسه ولا بماله، فلا يجوز إلزامه بذلك، كما عذره الله تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى

стр. 3235

الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [سورة النور آية: ٦١] . وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى كافة الإخوان، سلمهم الله من شرور الدنيا والآخرة، ووفقنا وإياهم للتجارة الفاخرة؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فاعلموا، وفقنا الله وإياكم لشكر ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام، والاجتماع على ذلك، وجهاد من خرج عنه من أهل الجهل والفساد، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد أوجب الله تعالى جهادهم دفعاً لعنادهم وخروجهم عن جماعة المسلمين، والسمع والطاعة لمن ولاه الله أمرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥١] . ومن فضله عليكم: اجتماعكم، وجهادكم لأهل الفساد، ولولا الجهاد لأفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وأنتم - ولله الحمد - على ملة الإسلام، تعبدون ربكم وتوحدونه، وتعملون بفرائضه، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر؛ ومن أعظم الشكر: الجهاد الذي أوجبه الله في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ

стр. 3236

لَكُمْ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٦] . وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٨٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٤٠] . والإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله بالمال والنفس، هو التجارة المنجية من شرور الدنيا والآخرة، الموجبة لخير الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الصف آية: ١٠] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الصف آية: ١٣] ، فبشركم ربكم، فاقبلوا هذه البشارة، وامتثلوا أمره، وجاهدوا أهل الفساد، وارغبوا في ثواب الجهاد في سبيل الله؛ وفي الحديث: " غدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها " ١، ولا تفرطوا في الغدوات والروحات، فتضيع عليكم، وفي الحديث: "الجهاد باب من أبواب الخير، ينجي الله به من الهم والغم " ٢، وخير المال ما أنفق فيه، وخير الأيام أيام المجاهدين. إن المجاهد في حسنات، تكتب له في يقظته ونومه، وفي سيره ومقامه؛ فارغبوا في هذا الخير الذي رغبكم فيه ربكم، وابذلوا فيه المال والنفس. وأفضل المجاهدين من جاهد بنفسه وماله، وما عذر ربنا عن الجهاد إلا الأعمى والأعرج والمريض، كذلك الذين لا يجدون ما ينفقون،

стр. 3237

إذا نصحوا لله ورسوله; والنصيحة لله ولدينه واجبة على المعذور وغيره، وصلى الله على محمد. وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، رحمهما الله تعالى: الحمد لله الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وختمهم بمحمد ﷺ سيد الأولين والآخرين، وعمم برسالته جميع الثقلين من الإنس والجن، وأمرهم باتباعه وطاعته، وقد كانوا قبله في ضلال مبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخليله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم واستقام على طريقتهم إلى يوم الدين. من عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: إلى من بلغه هذا الكتاب من أهل الجزيرة وعمان، والمنتسبين إلى الإسلام في جميع الأقطار، وفقهم الله لقبول النصائح، وجنبهم أسباب الندم والفضائح، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فإن الله سبحانه وبحمده، خلقنا لمعرفته وعبادته، وأمرنا بتوحيده وطاعته، ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسول الله ﷺ وضمن لنا النجاة والفلاح باتباعه وطاعته، وحرم علينا معصيته ومخالفته، ولم يكن لنا وصول

стр. 3238

إليه إلا من جهته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [سورة النساء آية: ١٧٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٨] . وأكمل الله له الدين، وبلغ البلاغ المبين، وأشهد أمته على البلاغ، وأشهد ربه على أمته له بالبلاغ، وقال ﷺ : " تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " ١، وقال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً". وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: " قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ذكر فيه بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، علم ذلك من علمه وجهله من جهله " ٢. والمقصود بهذا: ما قد شاع وذاع من إعراض المنتسبين إلى الإسلام - وأنهم من أمة الإجابة - عن دينهم وما خلقوا له - وقامت عليه الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية - من لزوم الإسلام ومعرفته، والبراءة من ضده،?

стр. 3239

والقيام بحقوقه، حتى آل الأمر بأكثر الخلق، إلى عدم النفرة من أهل ملل الكفر، وعدم جهادهم، وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم، واطمأنوا إليهم، وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم، وتركوا أوامر القرآن ونواهيه، وهم يدرسونه آناء الليل والنهار. وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع الردة، والانحياز إلى ملة غير ملة الإسلام ودخول في ملة النصرانية، عياذاً بالله من ذلك، كأنكم في أزمان الفترات، أو أناس نشؤوا في محلة لم يبلغ شيء من نور الرسالة، أنسيتم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة آية:٥١] ، وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠-٨١] . وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٠] ؛ والدخول في طاعتهم، اتباع لملتهم، وانحياز عن ملة الإسلام، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 3240

الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧-٥٨] . وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [سورة النساء آية: ١٣٨-١٤٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] . والآيات القرآنية في تحريم موالاة الكفار، والدخول في طاعتهم، أكثر من أن تحصر؛ ومن تدبر القرآن، واعتقد أنه كلام الله منزل غير مخلوق، واقتبس الهدى والنور منه، وتمسك به في أمر دينه، عرف ذلك إجمالاً وتفصيلاً، قال جندب بن عبد الله ﵁: "عليكم بالقرآن! فإنه نور بالليل وهدى بالنهار؛ فاعملوا به على ما كان من فقر وفاقة. فإن عرض بلاء، فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء،

стр. 3241

فقدم نفسك دون دينك؛ فإن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، وإنه لا فاقة بعد الجنة ولا غناء بعد النار؛ إن النار لا يستغني فقيرها، ولا يفك أسيرها". وهذه الطائفة الملعونة: الطائفة النصرانية، التي حلت بفنائكم، وزحمتكم عند دينكم، وطلبت منكم الدخول إلى طاعتها، هم الذين نوه الله بذكرهم في القرآن، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٣] ، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٧] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاًأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداًأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [سورة مريم آية: ٨٨- ٩٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ١٧١] . فهل بعد هذا غلظة وبيان وزجر

стр. 3242

وإنذار وهل يشك بعد هذا ممن له فطرة وسمع وبصر؟ اللهم إلا من ركن إلى الدنيا وطلب إصلاحها ونسي الآخرة، فهذا لا عبرة به، لأنه أعمى القلب مطموس البصر. وقد أمرنا الله تعالى: أن نقول لهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ؛ ففي قوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إظهار للبراءة من دينهم، وزجر عن الدخول في طاعتهم. لقد والله لعب الشيطان بأكثر الخلق، وغير فطرهم، وشككهم في ربهم وخالقهم، حتى ركنوا إلى أهل الكفر، ورضوا بطرائقهم عن طرائق أهل الإسلام؛ وكنا نظن قبل وقوع هذه الفتن، وترادف هذه المحن: أن في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا، يغارون على دينهم، ويبذلون نفوسهم وأموالهم في الحمية لدينهم؛ فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وراجعوا دينكم بمجاهدة أعدائكم من الكفار والمشركين، وقد امتحنكم الله بهم، وابتلاكم بقربهم من أوطانكم، قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ?وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١-٣] . وقد تعبدكم وأمركم بجهادهم،

стр. 3243

وفرضه عليكم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة الصف آية: ١٠-١١] إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [سورة الصف آية: ١٤] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١١] ، فأرشد من اشترى منهم نفوسهم إلى الوفاء بالتسليم، وحضهم على بيان ما لهم فيه من الربح الجزيل، والفضل العظيم. وخاطب المقرين بالبيع، المماطلين بالتسليم خطاباً، بل عتاباً وتوبيخاً، يقرأ أبداً في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ

стр. 3244

أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٨] . ثم حذرهم عن الإصرار على المماطلة، وتوعدهم على التسويف بعد وجوب النفير، فقال سبحانه: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٩] . فالواجب عليكم: معشر الرؤساء والقادة من أهل السواحل والبلدان، اتفاق الكلمة بلزوم دينكم، ومجاهدة عدوكم، والتشمير للجهاد عن ساق الاجتهاد، والنفير إلى ذوي العناد، وتجهيز الجيوش والسرايا، وبذل الصلات والعطايا، وإقراض الأموال لمن يضاعفها وينميها، ودفع سلع النفوس من غير مماطلة لمشتريها، وأن تنفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً، وتقوموا بالدعوة لجهاد أعداء الله ركباناً ورجالاً، وأن تتطهروا بدماء المشركين والكفار، من أدناس الذنوب، وأنجاس الأوزار، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] ، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٦] . واحذروا من قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 3245

وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٨١-٨٢] . ثم شدد عليهم العقوبة وقطع عنهم قبول المعذرة بقوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٨٣] ، وقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٤٦] . فاحذروا غاية الحذر من سطوة الله، فحقيقة الدين هي المعاملة، وسبيل اليقين هي الطريقة الفاضلة، ومن حرم التوفيق فقد عظمت مصيبته، واشتدت هلكته. وأنتم تعلمون، معاشر المسلمين: أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنية لكل أحد مصيب، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الري الأعظم في شرب كؤوس الحتوف، وأن من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، ومن أنفق ديناراً كتب بسبعمائة، وفي رواية: بسبع مائة ألف دينار، وأن الشهداء حقاً عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه آمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لا

стр. 3246

يجد كرب الموت، ولا هول المحشر، وأنه لايحس ألم القتل إلا كمس القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرة وغصة، وأن الطاعم النائم في الجهاد، أفضل من الصائم القائم في سواه، ومن حرس في سبيل الله لا تبصر النار عيناه، وأن المرابط يجرى له أجر عمله الصالح إلى يوم القيامة، وأن ألف يوم لا تساوي يوماً من أيامه، وأن رزقه يجري عليه كالشهيد أبداً لا يقطع، وأن رباط يوم خير من الدنيا وما فيها، إلى غير ذلك من فضائل الجهاد، التي ثبتت في نصوص السنة والكتاب. فيتعين على كل عاقل التعرض لهذه الرتب، ومساعدة القائم بها، والانضمام إليه، والانتظام في سلكه، فتربحوا بذلك تجارة الآخرة، وتسلموا على دينكم. وعن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه، حتى ترجعوا إلى دينكم " ١، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: " من غزا غزوة في سبيل الله، فقد أدى إلى الله جميع طاعته، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. قلنا: يا رسول الله، وبعد هذا الحديث الذي سمعنا منك، من يدع الجهاد ويقعد، قال: من لعنه الله وغضب عليه وأعد له

стр. 3247

عذاباً عظيماً: قوم يكونون في آخر الزمان، لا يرون الجهاد، وقد اتخذ ربي عنده عهداً لا يخلفه، أيما عبد لقيه وهو يرى ذلك، أن يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين ". وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال في خطبته، بعد وفاة رسول الله ﷺ بعام: أيها الناس: إني سمعت رسول الله ﷺ عام أول، في هذا الشهر على هذا المنبر، وهو يقول: "ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله، إلا أذلهم الله، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا عمهم الله بعقابه"، وفي الحديث: " من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق " ١. فهذه نصيحة بذلناها لكم تذكرة، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] ، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠] . ومعذرة بين يدي الله عن السكوت، لأن السكوت ليس بعذر لأهل العلم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] . فلا تغتروا بأهل الكفر وما أعطوه من القوة والعدة، فإنكم لا تقاتلون إلا بأعمالكم، فإن أصلحتموها وصلحت، وعلم الله منكم الصدق في معاملته، وإخلاص النية له، أعانكم عليهم، وأذلهم، فإنهم عبيده ونواصيهم بيده، وهو الفعال لما يريد. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ

стр. 3248

مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٦-١٩٧] . فعليكم بما أوجبه الله وافترضه من جهادهم ومباينتهم، وكونوا عباد الله على ذلك إخواناً وأعواناً؛ وكل من استطاع لهم، ودخل في طاعتهم، وأظهر موالاتهم، فقد حارب الله ورسوله، وارتد عن دين الإسلام، ووجب جهاده ومعاداته، ولا تنتصروا إلا بربكم، واتركوا الانتصار بأهل الكفر جملة وتفصيلاً، فقد قال ﷺ : "إنالا نستعين بمشرك " ١. وهذه الدولة التي تنتسب إلى الإسلام، هم الذين أفسدوا على الناس دينهم ودنياهم، استسلموا للنصرانية، واتحدت كلمتهم معهم، وصار ضررهم وشرهم على أهل الإسلام والأمة المستجيبة لنبيها والمخلصة لربها، فحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي فرض الجهاد بالقلب واليد واللسان، وجعله أحد أركان الإسلام والإيمان، ووهب لمن قام به الغرف العالية في الجنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا

стр. 3249

شريك له، ذو الفضل والإحسان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من جاهد أهل الكفر والطغيان؛ اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل الله في السر والإعلان، وسلم تسليماً كثيراً. من محمد بن عبد اللطيف: إلى كافة من يراه من إخواننا المسلمين، وفقهم الله لنصر الملة والدين، وأعانهم على جهاد من خالف ما جاء به سيد المرسلين. أما بعد، فموجب الكتاب: هو النصيحة لكم، والوصية بتقوى الله وطاعته، وامتثال ما أوجبه عليكم في كتابه، وأوجبه رسوله ﷺ ؛ وأعظم الواجبات التي أوجبها الله ورسوله، وفرضها: عبادته بالإخلاص، وترك عبادة ما سواه، والتزام شرائعه، والجهاد في سبيل الله، ومراغمة أعدائه مع من ولاه الله أمركم وجعله إماماً لكم. والجهاد ركن من أركان الإسلام، الذي لا استقامة للإسلام ولا قوام لشرائعه إلا به؛ وقد أمر الله في كتابه بالجهاد في سبيله، ومدح من قام به، وأثنى عليهم، وجعلهم أهل العروة الوثقى، لأن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام. قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] ،

стр. 3250

وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٤١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة آية: ١١١] ، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٩٥-٩٦] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الصف آية: ١٠-١٣] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ

стр. 3251

رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٨] . والآيات في فضل الجهاد والترغيب فيه، أكثر من أن تحصر. وأما الأحاديث الدالة على فضله، وما رتب عليه من الثواب العظيم والأجر الجسيم، فكثيرة جداً، فمنها: ما روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁: " سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور " ١، فجعل النبي ﷺ الجهاد أفضل من الحج. ولهما عن أبي ذر ﵁ قال: " قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيله " ٢. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لغدوة أو روحة في سبيل الله، خير من الدنيا وما فيها " ٣، رواه البخاري ومسلم، ولهما أيضاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله " ٤. وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة، خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها".

стр. 3252

وعن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رباط يوم وليلة في سبيل الله، خير من صيامها وقيامها، وإن مات فيه - يعني في الجهاد - أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتانين " ١، رواه مسلم. وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: " كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينسأ له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر " ٢، رواه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وجهاد في سبيلي وتصديق برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين، ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل "، رواه مسلم. وعن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة. ومن جرح

стр. 3253

جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران وريحها المسك " ١، رواه أبو داود والترمذي. والفواق: ما بين الحلبتين. وعن أبي هريرة ﵁ قال: " مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس، وأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ . فقال: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله، أفضل من مقامه في بيته سبعين عاماً. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله. من قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة " ٢، رواه الترمذي. وعن معاذ ﵁ قال: " قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه. قأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك وهو يقول: لا تستطيعونه. ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله "، وعنه ﷺ : " إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " ٣، رواه البخاري. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " ٤، وعن

стр. 3254

عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار أبداً " ١، وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم " ٢، وقال ﷺ : " من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق " ٣. والأحاديث في فضل الجهاد، والترغيب فيه، كثيرة شهيرة؛ فسارعوا عباد الله إلى ما ندبكم الله إليه، ورغبكم فيه رسول الله ﷺ ، واغتنموا حضور المشاهد، التي يترتب عليها إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه؛ وإياكم والتخلف، والتكاسل والالتفات إلى من يثبط عن طرق الخير، ويعوق عن موجبات السعادة الدنيوية والأخروية! وقد ذم الله المتخلفين عن الجهاد في سبيله، وعابهم، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [سورة الفتح آية: ١١] ، فاعتذروا بالاشتغال بالأهل والأموال عن حضور الجهاد، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١] . وقال تعالى حاكياً عن المنافقين، بتخذيلهم وتثبيطهم للمؤمنين عن الجهاد في سبيل الله: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٨١] . فلا يتخلف عن الجهاد إذا دعي إليه إلا منافق معلوم النفاق، فالحذر كل الحذر، من الإصغاء والالتفات إلى

стр. 3255

المخذلين والمثبطين، وما يلقونه من الشكوك والريب، وإساءة الظن بأهل هذه الدعوة الإسلامية، الذين أقامهم الله في آخر هذا الزمان، أنصاراً لدين الله، وأعواناً لمن قام به؛ فالقيام معهم ونصرتهم من الواجبات الدينية، لأنهم أنصار الإسلام أولاً وآخراً، أطال الله للمسلمين بقاءهم، وخذل جميع من ناوأهم، لا سيما بترك الإسلام وركنه، وكهفه المنيع وحصنه، أعني به البطل الهمام، والشجاع المقدام، قائد جموع أهل الإسلام، الإمام عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل فيصل، حفظه الله وأطال بقاءه. فإذا دعاكم أيها المسلمون إلى الجهاد والنفير، فاسمعوا وأطيعوا، واحذروا أن تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وعصينا؛ فإن القيام معه ونصرته من الواجبات الدينية، لأنا لا نعلم أحداً على وجه الأرض اليوم، شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً تجب طاعته، ويجب الجهاد معه، أولى منه. وقد قال تعالى معاتباً لعباده المؤمنين، ومحذراً لهم عن التثاقل والتثبيط: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٨-٣٩] ، وقال تعالى آمراً لهم بالنفير: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي

стр. 3256

سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٤١] . وترك الجهاد من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومن الأسباب التي توجب تسليط العدو، قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٥] ، قال طائفة من السلف: الإلقاء باليد إلى المهلكة، هو ترك الجهاد، وقال ﷺ : " إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم ". فالله الله، في المبادرة والمسارعة! فإن الله يحب من عباده أن يسارعوا إلى ما أمرهم به؛ وإذا استنفر الإمام الرعية، كان الجهاد فرض عين على كل من أقدره الله عليه، إلا من عذره الله في كتابه. فالإخلاد إلى الأرض، وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، والشح بالنفس والمال، وترك الجهاد، هو الخسران المبين. فاسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم، وأجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الجهاد، وأخلصوا لله القصد والنية، وأصلحوا السريرة والطوية، تفلحوا وتفوزوا. وعليكم بالجد والاجتهاد، ومساعدة إمام المسلمين على قتال أعداء الملة والدين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3257

وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، أعتقه الله من النار: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعد بن حمد بن عتيق: إلى الأمير المكرم سلطان بن بجاد، وجميع إخواننا المجاهدين والمرابطين، وفقهم الله تعالى للعمل بما يرضيه، وجعلهم ممن قرأ القرآن وعمل بما فيه؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فالموجب للكتاب، هو: إبلاغكم السلام، وتذكيركم ما منّ الله به عليكم من النعم العظيمة، والمواهب الجسيمة، التي أجلها وأعظمها: أن هداكم لمعرفة أصل دين الإسلام، والعمل بما يقتضيه، من الوظائف الدينية، والأعمال الشرعية، والأحكام، وبصركم بما هداكم به من نور الإيمان، والقرآن العظيم، والسنة الثابتة عن نبيكم الكريم، فعرفكم جهل الجاهلين، وضلال الضالين، وشك الشاكين. وقد تعلمون ما كنتم عليه في السنين الخالية، من مشابهة أهل الجاهلية الأولين، في كثير من الأخلاق

стр. 3258

والأعمال، والأخذ بكثير مما كانوا عليه من شعب الغي والضلال، فهداكم الله لسلوك الصراط المستقيم، وجنبكم طريق أصحاب الجحيم. فحقيق بكم أن تشكروا هذه النعمة، وتوفوها حقها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] . قال ابن عباس، ﵄: "فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن"، وقال أبو سعيد الخدري: "فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله"، وقال ابن عمر: "فضل الله الإسلام، ورحمته تزيينه في القلوب". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ

стр. 3259

شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣١] . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة المائدة آية: ٧] . ومن أعظم ما من الله به عليكم وأسداه من فضله وإحسانه إليكم: الجهاد في سبيل الله، والحراسة والرباط فيه، وإغاظة أعداء الله، وإنزال الضرر والضيق بهم؛ فيا لها من مرتبة ما أعلاها! ومواهب ما أشرفها وأسناها! وقد تضمن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من الترغيب في ذلك والحث عليه، وبيان ما يترتب عليه من الأجر والثواب، ما يحرك القلوب الواعية، وينهض من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الصف آية: ١٠-١٣] ، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ

стр. 3260

أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١٩-٢٢] . وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٩٥-٩٦] . وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٠-١٢١] . وقال النبي ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله"، وقال: "تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة،?أو يرجعه سالماً مع ما نال من أجر وغنيمة " ١، وقال: " غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " ٢، وقال: " جاهدوا في سبيل الله؛ فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة،
следующие страницы →