والسداد، وعلم أن المسلمين قد ميزوه بحاله، وقبيح فعاله، بادر إلى التشكي والتهويل، والتباكي والعويل، وحاول قلب الحقائق، فاستهجن الصدق والمعروف، واستحسن الباطل لكونه عنده هو المألوف؛ فأعظم بها عقوبة أطفأت نور العقل، وأعمت البصيرة! فصاحبها في ظلمات الجهل والريب.
ولما قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: هلكت إن لم آمر بالمعروف، وأنه عن المنكر، فقال ابن مسعود: "هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف، وينكر المنكر". قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر. يا ربنا نسألك الثبات على الإيمان.
ومما يجب أن يعلم: أن الله تعالى فرض على عباده الهجرة عند ظهور الظلم والمعاصي، حفظاً للدين، وصيانة لنفوس المؤمنين عن شهود المنكرات، ومخالطة أهل المعاصي والسيئات، وليتميز أهل الطاعات والإيمان، عن طائفة الفساد والعدوان، وليقوم علم الجهاد، الذي به صلاح البلاد والعباد؛ ولولا الهجرة لما قام الدين، ولا عبد رب العالمين، ومن المحال أن تحصل البراءة من الشرك، والظلم والفساد، بدونها.
ومن لوازم ترك الهجرة غالباً: مشاهدة المنكرات، ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات، وموادتهم، وانشراح
стр. 3467
الصدر لهم؛ فإن الشر يتداعى ويجر بعضه بعضاً، فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور، ولا بد من رضاهم، والمبادرة في هواهم.
ثم إنه قال قولا ينبئ من له أدنى معرفة، أن هذا لا يصدر إلا ممن هو غريق في الجهالة، قد عري من المعقول والمنقول، وذلك قوله: إن الله قدم حرمة ابن آدم على حرمته، وأباحه ما حرم عليه من أكل الميتة، إذا خاف على نفسه الضرر. ووجه خطئه وجهله: أنه جعل ذلك أصلاً، قاس عليه ترك الهجرة، وفي زعمه أنه اضطر إلى تركها، كما اضطر إلى الأكل من الميتة من خاف على نفسه التلف، فأقول: لا يخفى ما في هذا القياس من الفساد، وذلك من وجوه:
منها: أنه في مصادمة نصوص الكتاب والسنة، التي دلت على وجوب الهجرة على من له قدرة عليها، وإن كان يتوقع بها القتل والموت، كما أنه لا يترك الجهاد خوفاً من القتل، كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة الحج آية: ٥٨] .
стр. 3468
فلم يجعل الله تعالى هذه الأمور التي قد تقع للمهاجر، عذراً عن الهجرة، لأن الهلاك في الهجرة والجهاد هو السلامة، فإنه شهادة، والشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩-١٧٠] . وقد يحصل للمهاجر ما يحبه، من حسن العاقبة في الدنيا، مع ما يرجوه في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٠٠] .
ونظير ترك الهجرة خوفا من الفقر أو القتل: مداهنة أهل المعاصي خوفاً من أذاهم، وقد قال تعالى في حقهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠] . وهذا الذي جعل فتنة الناس كعذاب الله، قد يدعي أن الضرورة دعته إلى ذلك لو كانت عذراً، وقد علمت: أن ترك الهجرة عرضة لذهاب الدين، وذهاب الدين، هو هلاك النفس السرمدي: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٥] ، هذا في تركهم الهجرة.
وأما الهجرة، فإن الغالب على أهلها السلامة والعز والتمكين، كما جرى ذلك لرسول الله ﷺ وأتباعه سلفاً
стр. 3469
وخلفاً، وبها يحصل الجهاد، وتعلو كلمة الله، ويعمل في الأرض بطاعة الله؛ ومصالح الهجرة في الدنيا أكثر من أن تحصر، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤١] . فبطل هذا القياس من وجهين:
الأول: أنه مصادمة النصوص الثابتة، والقياس في مصادمة النص فاسد الاعتبار عند العلماء قديماً وحديثاً؛ فإن القياس إنما يصار إليه عند الضرورة إليه إذا عدم النص، ولم يوجد للحكم دليل في الكتاب والسنة، لا نصاً ولا ظاهراً، فحينئذ يجوز عند بعض العلماء، لدعاء الضرورة إليه. وله شروط ومفسدات، وله أنواع أربعة لا يعرفها هذا المعترض؛ وأنى له بمعرفة الصحيح منها والسقيم، والجائز والممتنع، مع قصر الباع، وعدم المحصول والاطلاع.
الوجه الثاني: عدم الجامع، ووجود الفارق، فإن الحكمة في إباحة تناول لقمة من الميتة إذا اضطر إليها، قد أبيحت له في تلك الحال، لأن الأكل واجب، صيانة للنفس عن الهلاك، طاعة لله، مطلوب لما يفضي إليه ذلك، من التقوي على أداء الفرائض والطاعات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ومن المحرمات ما يباح عند الضرورة، كالدم والميتة، فهذه في حال الإباحة ليست محرمة أصلاً، وليس له أن يعتقد تحريمها
стр. 3470
حينئذ؛ وإنما تنازع العلماء، هل السبب الحاظر لها موجود وقت الضرورة، وأبيحت للعارض الراجح، أو السبب الحاظر زائل، وهذا مبني على مسألة تخصيص العلة; فمن قال: إن العلة تخصص، يقول: إن علة الحظر قائمة، ولكن تخلف حكمها لمانع، ومن قال: لا تخصص، قال: إن علة التحريم لا توجد مع عدم التحريم؛ والنزاع لفظي.
قال، ﵀: فإن الأكل والشرب واجب، حتى لو اضطر إلى الميتة، وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، لأن العبادة لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. انتهى.
قلت: وهذا موجود في الهجرة وأولى، لأن العبادة لا تؤدى إلا بها، ولا يقوم الدين والعمل به إلا بالهجرة؛ فبالهجرة يحفظ المرء دينه، ويتمكن من العمل به، ويعادي ويوالي فيه، وغير ذلك من المصالح الدينية، التي تفوت الحصر. فلو احتجنا إلى القياس، لكان هذا من قياس الأولى، عكس ما عند صاحب الورقة، فإن ضرورة العبد إلى الهجرة فوق كل ضرورة، ولو كان فيها تلف النفس والمال، فالعبد مضطر إليها عند الحاجة إليها، أعظم من ضرورته إلى الطعام والشراب.
ثم اعلم: أنه من كبير جهله، أخذ يقيس ترك ما وجب فعله، على فعل ما يجب فعله، فقاس الترك على الفعل،
стр. 3471
وقاس المحرم على الواجب؛ وهذا أفسد شيء وأبعده عن القياس، فالعكس والحالة هذه، أشبه بالقياس صورة ومعنى؛ فتأمله، فإنه يطلعك على جهل هذا الرجل. فالعارف يلتمس له العذر من حيث إنه جاهل، ولولا جهله لكانت هذه فرية منه عظيمة على دين الله.
ومن المعلوم عند من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة: أن الهجرة من أعظم فرائض الدين، وهي أصل وقاعدة من قواعد الإسلام، التي ينبني عليها الكثير من الأحكام؛ ومن جهله أنه لم يميز بين الضرورة والضرر، كما قد عرفت من كلامه الذي أسلفته. ومن المعلوم عند من له بصيرة ودين: أن الهجرة لا ضرورة فيها ولا ضرر، فدعواه الضرورة ممنوعة من أصلها.
فغاية ما في الهجرة: بأن فيها مشقة في المبادئ على النفس، من جهة مفارقة المألوفات، من الوطن أو المال، أو غيرها من الأصناف الثمانية المذكورة في أول سورة براءة؛ وهذا شأن الشرائع، كالجهاد فإن فيه مشقة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٨١] ، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٦] . ولم يعذر الله تعالى ناساً تخلفوا عن الجهاد في غزوة
стр. 3472
تبوك، بما فيها من المشقة، حتى قال الله فيهم شر ما قال لأحد، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٥] .
ومن المعلوم: أنه ليس في ترك الجهاد من المفاسد في الدين ما في ترك الهجرة، بل المفاسد التي في ترك الجهاد موجودة في ترك الهجرة، وأكثر منها، كما لا يخفى على ذوي البصائر والفهم، وكان الجهاد من ثمرتها ومصالحها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تأمر بما يترجح مصلحته، وإن كان فيه مفسدة مرجوحة، كالجهاد، وتنهى عما ترجحت مفسدته، وإن كان فيه مصلحة، كتناول المحرمات من الخمر وغيره؛ ولهذا أمرنا الله أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والأحسن: إما واجب أو مستحب، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الزمر آية: ٥٥] ، فأمر باتباع الأحسن والأخذ به، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٧-١٨] ؛ فاقتضى أن غيرهم لم يهده. انتهى.
وتأمل ما وقع فيه التاركون للهجرة، من سوء الحال في الدين والدنيا، فيالها من عبرة ما أبينها لمن اعتبر!
стр. 3473
والحمد لله الذي أنقذ من شاء من عباده من المهالك برحمته، وأهلك من شاء بعدله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٢] .
فإذا عرفت ذلك، فأقول: عجباً لهذا المفتري المغرور، كيف تجسر على الخوض في أحكام الله ودينه، بضرب الأمثال والأقيسة الفاسدة، وهو لا يعرف القياس وشروطه، والمقبول منه والمردود، بل ولا يعرف أنواعه، كقياس الأولى، والعلة، والدلالة، والشبه، والمخالفة، ولا يعرف مفسدات القياس عند العلماء، ولا من يجوز منه ذلك ممن لا يجوز منه، ومن يجوزه من العلماء عند الضرورة، ومن لا يجوزه منهم مطلقاً.
ومن أنكره من علماء السلف، كجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ﵄، فإنه أنكره على أبي حنيفة، ﵀، كما هو معروف عنه عند العلماء، يروونه عن ابن شبرمة، أنه قال لأبي حنيفة: اتق الله ولا تقس، فإنا نقف غداً نحن ومن خالفنا بين يدي الله تعالى، فنقول: قال الله، قال رسوله، وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل الله بنا وبك ما شاء.
وعن ابن عباس: "لا تقيسوا الدين، فإن الدين لا يقاس؛ وأول من قاس: إبليس"، أخرجه الديلمي، وقال ابن سيرين: "القياس شر، وأول من قاس: إبليس، وإنما عبدت
стр. 3474
الشمس والقمر بالمقاييس". وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه: إنما المتبع في إثبات أحكام الله: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسبيل السابقين الأولين؛ لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصاً أو استنباطاً بحال.
وأما الأقيسة الفاسدة، فإنها أكثر ما عند أهل الضلال، وأول من قاس: إبليس. وقال: إن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير. انتهى كلامه، ﵀.
والمقصود: أن يعلم المسلم أن بذل النفوس في طاعة الله ومرضاته، أمر مطلوب للرب تعالى من عبده، ليكون الدين كله لله؛ فمن رغب بنفسه عن ذلك، وآثر مرادها وراحتها وشهوتها، على مراد ربه، وإقامة دينه، وطلب مرضاته، فقد عرض نفسه لمقت الله وعقابه، وحرم نفسه ما حصل للمؤمنين المتقين من جزيل ثوابه. فلا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ومن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم إن هذا المغرور المسكين قال: ما وقع فيه التاركون للهجرة، وأباحه الكفر إذا أكره عليه، قال عز من قائل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] ، نزلت في عمار بن ياسر، أخذه
стр. 3475
المشركون، فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ . فشكا ذلك إلى النبي ﷺ قال: " كيف تجد قلبك؟ "، قال: "مطمئن بالإيمان ".
فالجواب- وبالله التوفيق - أن نقول: لا يخفى أن هذا الرجل ادعى لنفسه أمراً لا وجود له ولا حقيقة، واستدل بدليل هو في الحقيقة عليه لا له، وذكر أمراً مجملاً مبهماً، تشبيهاً على العامة، ليلبس عليهم أمر دينهم، وفي ضمنه أنه أقر على نفسه بما صدر منه، مما لا يحبه الله ويرضاه، غير أنه اعتذر عن نفسه بالإكراه.
ومن له أدنى مسكة من عقل وتمييز، يعلم أنه لا عذر لهذا الرجل فيما قد صدر منه؛ فإن دعواه الإكراه ممنوعة، لأنه إن كان على الإقامة عندهم، فهذا باطل قطعاً، لأنهم لم يحبسوه ولم يجعلوه في وثاق، ولم يجعلوا على كل نقب من نقوب القرية حرساً يمنعه الخروج منها، ولا جعلوا على طرقاتها رصداً، والمناهل قريب، وفيها القبائل، والفرار بالدين واجب، فأين الإكراه؟
هذان وقد حصل منه من الإقبال والإدبار، والتصدر والافتخار، ما هو معلوم عند من يعرف هذا الشخص بالاضطرار. فأين حال هذا وأمثاله من حال عمار؟ رضي الله عن عمار، فإنه تبرأ من المشركين وسبهم، وسب دينهم ومعبوداتهم، فلذلك تصدروا له ولأهله بالعداوة الشديدة، وما ثم قرية ولا قبيلة على الإسلام، فجعلوا يضربونه أشد
стр. 3476
الضرب، ويعذبونه أشد العذاب، وحبسوه في بئر ميمون، وقتلوا أباه وأمه.
وكان النبي ﷺ إذا مر بهم يقول: " اصبروا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة "، ومع هذا وغيره، لم يقع منه إلا القول دون الفعل. وأنتم سارعتم بلا إكراه، وقلتم وفعلتم، تقرباً إليهم واختياراً، من غير أن يكون منهم طلب لما فعلتموه، فما طلبوا منكم ذلك، ولا امتنعتم، ولا أُكرهتم عليه، فأين أنتم وعمار؟! فهو وأنتم في طرفي نقيض; شعرا:
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرِّقٍ ومغرِّبِ
وفي الصحيحين عن خباب بن الأرت، قال: " شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ قال: فجلس محمراً وجهه، ثم قال: والله إن من كان قبلكم، ليؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصرفه ذلك عن دينه. ويقعد الرجل فتحفر له الحفرة، فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه عن دينه " الحديث.
وبعد ما وقع بعمار وأهله من المشركين ما وقع، أذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، لما اشتد بهم أذى المشركين، فهاجروا وفيهم عمار ﵁. ثم إنه رجع
стр. 3477
هو وبعض المهاجرين، فهاجروا إلى المدينة، وفي تلك الأحوال لم يطمئن أحد منهم إلى المشركين، ولا داهنهم بدينه، واستمروا على عداوتهم والبراءة منهم، حتى هاجروا إلى المدينة؛ وقصتهم في السير، وكتب الحديث، والمغازي، مشهورة.
فأين القلب المطمئن بالإيمان، وهو يرغب إلى أولئك الأشرار، ويتعرض لما في أيديهم من حطام الدنيا، ويتودد إليهم بأساجيع المدح، كسجع الكهان، ويقول: اكتبوا لي كذا، اجعلوا لي كذا، ونحو ذلك من صيغ الطلب، كما في المكاتبات الموشحة بالمديح، والدعوات والتعظيمات، والمجازفات الموشحة بنظم الأبيات؟! فسبحان من لا يخفى عليه خافية، من أقوال خلقه وأعمالهم. وفي الحديث: " إن الله لا ينظر إلى صوَركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " ١.
ونذكر أيضاً طرفاً مما يتعلق بمعنى الآية: قال العماد ابن كثير، في تفسيره: أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر، واطمأن به، أنه قد غضب عليهم لعلمهم بالإيمان، ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذاباً عظيماً في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة، لأجل الدنيا، وطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئاً ينفعهم،
стр. 3478
وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئاً، فهم غافلون عما يراد بهم.
وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] ، فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرهاً على ما قاله، بضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. وروى العوفي عن ابن عباس: "نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون، فوافقهم على ذلك مستكرهاً"، وروى ابن جرير بسنده، قال: " أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، فقال النبي ﷺ : إن عادوا فعد ".
وقال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه- وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغني: " صبراً يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة ". فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام. قال: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس:? "أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه
стр. 3479
ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدة الضرر الذي به، حتى يعطي مما سألوه من الفتنة، افتداءً منهم مما يبلغون من جهدهم". قال العماد ابن كثير: والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي، أحد الصحابة: "أنه أسرته الروم فجاؤوا به إلى عند ملكهم، فقال له: تنصّر وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك بنتي، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين، ما فعلت، فقال: إذاً أقتلك، قال: أنت وذاك. قال: فأمر به فصُلب، وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فأبى. ثم أمر به فأُنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس، فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين، فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى. ثم أمر به أن يُلقى فيها، فرُفع في البكرة ليُلقى فيها، فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال: إنما بكيتُ لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تُلقى في هذا القدر الساعة في الله، فأحببتُ أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذَّب هذا العذاب في الله".
وفي بعض الروايات: "أنه سجنه ومنع منه الطعام
стр. 3480
والشراب أياماً، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه. ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال الملك: فقبِّل رأسي، وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، قال: فقبَّل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع، قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ؛ فقام فقبَّل رأسه، ﵄".
قال العماد، رحمه الله تعالى: وكما كان بلال ﵁ يأبى على المشركين ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: "أحد أحد"، ويقول: "والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها"، ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري، لما قال له مسيلمة الكذاب: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إرباً، وهو ثابت على ذلك".
قلت: فهذه حال أصحاب رسول الله ﷺ وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل، وأوضعوا فيه،
стр. 3481
وأقبلوا وأدبروا، وتوددوا وداهنوا، وركنوا وعظموا، ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٤] . نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
ومن المعلوم: أن الذين أسلموا، وآمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به، لولا أنهم تبرؤوا من الشرك وأهله، وبادروا المشركين بسب دينهم، وعيب آلهتهم، لما تصدوا لهم بأنواع الأذى، وذلك لأنهم أعلم الأمة بالحنيفية، وأعلم بالتوحيد، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ٤] .
ثم إنه قال في رسالته: فمن شرح بالكفر صدراً، وارتد، وطابت نفسه بالكفر، فهو الكافر.
فالجواب أن يقال: تعداده هذه الثلاث، تدل على جهله بنواقض الإسلام، لأن كل واحدة من هذه الثلاث يكفر صاحبها، وبين هذه الثلاث تلازم: فمن شرح بالكفر صدراً، فقد ارتد وطابت نفسه بالكفر، ومن طابت نفسه بالكفر، فقد ارتد وشرح بالكفر صدراً؛ فحظ هذا الرجل التنطع بالكلام، من غير تصور للمعنى.
ثم إن آخر هذه الآية، يرشد إلى أن الذي أوقعهم في
стр. 3482
انشراح الصدر بالكفر هو إيثار الدنيا على الآخرة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٧] . فإذا استحب الوطن أو المال، أو الأزواج، أو العشيرة، أو المساكن، أو التجارة، أو غير ذلك من أمور الدنيا، وترك لأجل ذلك ما وجب عليه، من الهجرة والجهاد، فقد تناوله هذا الوعيد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ إلى آخر الآية [سورة التوبة آية: ٢٤] .
قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٦] أي: مال إلى الدنيا وزهرتها، وآثرها على طاعة الله ورضاه. فإذا كان هذا هو الواقع من هؤلاء، فما هذا القلب الذي اطمأن بالإيمان، مع وجود ما ينافي ذلك، من إيثار الدنيا والطمأنينة إليها والرغبة فيها، وترك ما أوجب الله تعالى عليه لأجلها؟ ومن ادعى ما ليس فيه، كذبته شواهد الامتحان، قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٥] .
ثم إنه قال: وما أجلسه في بلده إلا حماية لنفسه وماله
стр. 3483
وولده.
فالجواب أن نقول: هذا هو المحذور الأكبر، والذنب الأعظم، الذي ثبت الوعيد عليه في آية براءة. فلو كان لهذا فقه أو معرفة، لما اعتذر عن نفسه بأشياء لم يعذر الله بها أحداً من خلقه؛ فلو أحب الله على ما سواه، لما آثر محبة النفس والمال والولد عليه، وقد ثبت في رواية أبي صالح، عن ابن عباس، ﵄ قال: "لما أمر الله نبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من يتعلق به أهله وولده، يقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا، فيرق عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ " [سورة التوبة آية: ٢٤] .
إذا عرفت ذلك، فلا يخفى أن أهل نجد في هذه الحادثة، صاروا أصنافاً:
فالصنف الأول: دخلوا تحت حكم هذه الآية، لما ابتلوا بالعدو، أخلدوا إلى الأرض، ورضوا بالمقام معهم وتحت أمرهم؛ فتركوا ما وجب عليهم من الفرار بدينهم، ومفارقة عدوهم، إيثاراً لدنياهم. وأحبوا المقام، وداهنوا أولئك الأقوام، وخدموهم، وأعانوهم، وتقربوا إليهم بما لم يحبه الله ولا يرضاه، بلا قسر ولا إكراه.
الصنف الثاني - وهم أشد-: نقضوا عهد الإسلام، واستجلبوا العدو إلى الأوطان، وآووهم وظاهروهم،
стр. 3484
ونصروهم، ونابذوا المسلمين المهاجرين، بالشتم والسب، وألبوا العدو عليهم؛ وصارت مسبة من هاجر هي دينهم، وسفهوا المسلمين، واستصلحوا بزعمهم حالهم، ظناً منهم أنه لا طاقة لأحد بهذا العدو، وأن أمرهم سيستقر في جميع البلاد النجدية؛ فضل سعيهم وخابت آمالهم. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الصنف الثالث: حصل منهم إقامة بين أظهرهم، ولم يتبين منهم ما يتبين من الصنفين. وهؤلاء قسمان: مستطيع للهجرة، وغير مستطيع. والله أعلم بحالهم، وهؤلاء لم يظهروا في العلانية ما يستدل به على السريرة، بل ربما ظهر منهم كراهة الباطل، والفساد والمعاصي، وهم على خطر. والله أسأل أن يمن على الجميع بالتوبة النصوح.
الصنف الرابع: أناس نفروا في الابتداء، وجاهدوا وصبروا، لكنهم بعد ذلك لم يستقيموا على ذلك، وحصل لهم فتنة صاروا فيها فرقاً؛ فعسى الله أن يتداركهم برحمته، وأن يتوب عليهم، إنه هو التواب الرحيم.
وأما الصنف الخامس: فمنهم الذين ثبتوا ولم يمكنوا منهم عدواً، وصبروا على ركوب الأهوال في جميع الأحوال؛ نسأل الله لنا ولهم الثبات على الإسلام، والاستقامة على الإيمان، والفضل لله تعالى على من ثبت واستقام، وصبر على أذى الخلق في طاعة الحق، وبالله التوفيق.
стр. 3485
ووجدت لعالم الحجاز، ومفتيهم الإمام: محمد بن أحمد الحفظي، فصلاً نافعاً فيما وقع من الفتنة بالحجاز، بعد وقعة "سبل" المعروفة، وما جرى في تلك المدة من الافتتان عن الدين. وذكر أن الله أطفأ نار المفسدين، وأطلع نور الموحدين، ولكنه قد حصل في تلك المدة الماضية، أمور عظام، هي أكبر الذنوب، وأعظم الآثام، قد بلغ الشيطان فيها مراده، ممن كان يدعي الإسلام.
منها: أن منهم من كره ما أنزل الله في كتابه من شرائع الدين. ومنهم: من طعن في ذلك، وأبغض الإسلام والمسلمين. ومنهم: من ظاهر ووالى على طمس أعلام الموحدين، وأرادوا إحياء أضدادها، من أعمال الجاهلية، وأفعال المشركين.
ومنهم: من استهزأ بالله وآياته ورسوله والمؤمنين. ومنهم: من رضي بذلك وعزم عليه، وأعان بنفسه أو ماله أو لسانه؛ وقد ورد الوعيد الشديد فيمن أعان، ولو بشطر كلمة في قتل مسلم، فكيف الإعانة على حرب الإسلام والمسلمين؟ ومنهم: من اتصف أو تخلق بأخلاق المنافقين، وأبرز ما كان يكنه من الداء الدفين.
ومنهم: من أشاع الكذب والأراجيف بقوة العدو، وضعف أهل الإيمان فارحاً بذلك، شامتاً بالمسلمين. ومنهم: من ظن بالله ظن السوء، بأنه أدال العدو، واضمحل
стр. 3486
ما كان من النصر والتمكين. ومنهم: من نقض بيعته ونكث صفقته، واستبدل الرخيص بالثمين.
وهذه الأمور كلها جرت بغير إكراه ولا تعيين، وكل واحدة منها تخدش في وجه إيمان فاعلها، وتفت في عضد إسلام عاملها، وهي من المعاند ردة عن الإسلام، وإما نفاق في الدين.
وذكر الأدلة من القرآن، قال: فالإنسان أعرف بنجاسته وطهارته، وأخبر بمعصيته وطاعته؛ وكفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبربك عليك رقيباً. ولعلك أن تقول: هولت الأمر، فأقول: بل الأمر أكبر مما حسبت، وأكثر مما سمعت، تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. وذكر الأدلة على ذلك.
ثم قال: وفي السنن: "أن عبد الله بن مسعود ﵁ حكم بكفر أهل مسجد في الكوفة، قال واحد: إنما مسيلمة على حق فيما قال، وسكت الباقون. فأفتى بكفرهم جميعاً". فلا يأمن الإنسان أن يكون قد صدر منه كلمة كفر، أو سمعها وسكت عليها، ونحو ذلك.
فالحذر الحذر، أيها العاقلون! والتوبة التوبة أيها الغافلون! فإن الفتنة حصلت في أصل الدين، لا في فروعه، ولا في الدنيا؛ فيجب أن تكون العشيرة، والأزواج، والأموال، والتجارة، والمساكن، وقاية للدين، وفداء عنه، ولا يجعل الدين فداء عنها، ووقاية لها، قال تعالى:
стр. 3487
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] .
فتفطن لها وتأملها! فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد، أحب من تلك الثمانية كلها، فضلاً عن واحدة منها، أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحق. فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها، والتوبة أهم الأمور وأولاها. انتهى المقصود من كلامه.
رحم الله هذا الإمام ما أبصره! والحمد لله الذي جعل في كل زمان من يقول الحق، ويرشد إلى الهدى والصدق، وتندفع بعلمه حجج المبطلين، وتلبيس الجاهلين المفتونين. فيا لها من نعمة لا يستطيع من وفق لها أن يقوم بشكرها! فما ذاك إلا بتوفيق الله وفضله وإحسانه.
وأما هذا المغرور المسكين وأمثاله، فإنهم خاضوا في غمرات الافتتان، واطمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان، وأكثروا التردد عليهم والمسير إليهم طوعاً واختياراً، وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سراً وجهاراً. فأين القلب المطمئن بالإيمان، إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان؟ فما أشبه حال هذا وأمثاله، بالضرب الثاني، من
стр. 3488
الضروب الأربعة، الذين ذكرهم العلامة ابن القيم، ﵀؛ وهم الذين لهم أوفر نصيب، من قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٨] ، يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص.
وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات، والرياء والسمعة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الاتباع والإخلاص والعلم؛ فهم أهل الغضب والضلال.
وأما قول المعترض المفتري في وصف نفسه في تلك الحالة: أنه هاجر للمناهي، عامل بالأوامر، فهذا في غاية التناقض والمكابرة؛ فقد أقر قبل ذلك بأنه كان في إقامته معهم، صابراً على ما ينوبه منهم، من المهاون والخسائر. فإذا كان في عدادهم، وفي سوادهم، وطاعتهم، ومعونتهم بالمال، فلا ريب أن هذا كله من المناهي، فهو في أوامر أولئك الخلق، لا في رضى الإله الحق. وكلامه يناقض بعضه بعضاً.
فإن العامل بأوامر الله، الهاجر لمناهيه، لا تكون حاله كذلك، من موالاة الباطل والركون إليه، ومظاهرة أهله وتعظيمهم، والتذلل لهم والخضوع بين أيديهم؛ وكل هذه
стр. 3489
الأمور قد أسجل الله في كتابه على فاعلها بالوعيد الشديد، وسلب الإيمان، وحبوط الأعمال، والله المستعان. فلو ترك هؤلاء المراء والجدال، وأحجموا عن هذه الترهات، وتابوا وأنابوا إلى عالم السر والخفيات، لكان خيراً لهم.
وأما قوله: فذاك- والله- عندنا المسلم المهاجر، فأقول: ألا تعجبون يا إخواني من هذا المسكين؟! وأيم الله، لا يقول هذا من له مسكة من عقل. يدعي الهجرة، ويقصرها على من تركها رأساً، أين ذهب عقله عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ الآية [سورة الحج آية: ٥٨] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٠] ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦-٥٧] ، إلى غير ذلك من الآيات، المعرفة بالهجرة وثوابها، وأنها الانتقال من الأوطان والمساكن، ومفارقة الأهلين والإخوان، في طاعة الله ومرضاته.
فالمهاجر هجر أهل الكفر والمعاصي، بمفارقتهم والانتقال عنهم، إلى محل لا يرى فيه منكراً، ولا يسمع فيه باطلاً، تحيزاً بدينه، كما دل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، وعليه المسلمون قاطبة. فما أشبه هذا الرجل، في صرف الهجرة عن حقيقتها الشرعية، بالباطنية
стр. 3490
الملاحدة، في تأويلهم الشريعة على غير حقائقها التي أرادها الله من العباد.
قال العماد ابن كثير، في الآية الأولى: يخبر عمن خرج مهاجراً في سبيل الله، ابتغاء مرضاته، وترك الأوطان، والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة دين الله، ثم قُتلوا، أي: في الجهاد، أو ماتوا حتف أنوفهم من غير قتال، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٠] .
ومن المعلوم بالضرورة: أن رسول الله ﷺ وأصحابه هاجروا عن مكة، وهي أفضل البلاد، وأحبها إلى الله، ولحقوا بالمدينة، امتثالاً لأمر الله، وطلباً لمرضاته، وعداوة لأعدائه. وقد قال تعالى فيمن لم يهاجر منهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، ولم يستثن من هذا الوعيد، إلا من ترك الهجرة لعدم الاستطاعة، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٨-٩٩] ، وما سموا مهاجرين، وإن كانوا معذورين: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ
стр. 3491
الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ الآية [سورة النساء آية: ٧٥] .
فسبحان الله، ما أسرع هذا الرجل إلى الخطإ والخطل! وإن كان لا يعذر بالإقامة إلا من جمع هذين الوصفين، فما عذر امرئ صبر على المهاون والخسائر، ومشاهدة المعاصي والكبائر، وهو على مفارقة ذلك كله قادر؟! وما عذره في الصبر على ترك ما وجب عليه، وفعل ما حرمه الله تعالى؟ لكن هؤلاء فرحوا بما عندهم من المحال، وقنعوا بما ألفوه من الخيال؛ وتركب من هذا إيثار ما عندهم على ما سواه.
وقد يحمل ذلك على أن يأمر بالباطل ويرتضيه، ومن لم يأمر به منهم لم ينه عنه، بل يقره ولا ينفيه. وقد يرجح أهل الشرك والمعاصي على الموحدين؛ وهذا مما يبتلى به أهل الأهواء. والمعافى من عافاه الله، من إيثار أمر دنياه على أخراه، وهذا هو الواقع من بعض هؤلاء.
وقد ذكر أئمتنا من أهل السنة، رحمهم الله تعالى: أنه وقع من أناس في زمانهم وقبله، لا يبلغ هؤلاء معشار ما عندهم من الفهم والعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولقد أحسن من قال:
يقضى على المرء في أيام محنتهِ ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ
стр. 3492
والبصير لا يغتر باستحسان هؤلاء وأمثالهم، ما ركبوه وزينوه من باطلهم، ولا بتركهم الحق واستهجانهم له ولأهله، فإن الله تعالى ميز الخلق، بإرادتهم وأعمالهم وأقوالهم، وبين الصادق من الكاذب، وتدبر كتاب الله، وتفكر في آياته وحججه وبيناته، ولقد أحسن من قال شعراً:
فالحق شمس والعيون نواظر ... لكنها تخفى على العميانِ
وأما قوله: ومن كفر مسلماً فهو الكافر.
فالجواب: أنه ما من أحد إلا وهو يدعي الإسلام لنفسه، ولكل قول حقيقة. وقد ذكر شيخنا، رحمه الله تعالى، تعريفاً جامعاً لأصل الإسلام، قال: أصل دين الإسلام، وقاعدته أمران:
الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.
والمخالف في ذلك أنواع: فأشدهم مخالفة، من خالف في الجميع. ومنهم: من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك. ومنهم: من أشرك ولم ينكر التوحيد. ومنهم: من أنكر الشرك ولم يعاد أهله. ومنهم: من عاداهم ولم يكفّرهم.
стр. 3493
ومنهم: من لم يحب التوحيد، ولم يبغضه. ومنهم: من أنكره ولم يعاد أهله. ومنهم: من عاداهم ولم يكفّرهم. ومنهم: من كفّرهم، وزعم أنه مسبة للصالحين. ومنهم: من لم يبغض الشرك، ولم يحبه. ومنهم: من لم يعرف الشرك ولم ينكره. ومنهم: وهو أشد الأنواع خطراً: من عمل بالتوحيد ولم يعرف قدره، فلم يبغض من تركه، ولم يكفّرهم. ومنهم: من ترك الشرك وكرهه، وأنكره، ولم يعرف قدره؛ فلم يعاد أهله، ولم يكفّرهم.
وكل هؤلاء قد خالفوا ما جاء به الأنبياء من دين الله. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فيقال لهذا المسكين: تفطن في نفسك! هل أنت داخل في هذه الأنواع؟ فإن كنت فيها، فما أسلمت حتى يثبت لك الإسلام. ويقال أيضاً: من هذا الذي كفّرك، وواجهك بالتكفير؟ فإن ثبت من شخص معروف، فينظر: هل وافق الحكم المحل أو لا؟ فإن وافقه فلا اعتراض على من حكم بالدليل.
وإن لم يوافق الحكم المحل، قلنا: جواب ثان عن قولك: من كفّر مسلماً فهو الكافر، فيقال لك: صحح نسبة هذا القول إلى قائل معروف يحتج بقوله، ويكفينا في قبوله إذا كان له وجود في دواوين الإسلام التي صنفها الحفاظ من أهل الحديث. فإن لم تجد له أصلاً بهذا اللفظ، فكيف تحكيه جازماً به؟ وما كان كذلك فلا ينهض الاحتجاج به، نعم، قد ثبت في الصحيح عن أبي ذر: "ومن دعا رجلاً بالكفر،
стр. 3494
أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه".
فليتأمل قوله: "وليس كذلك"، ومعنى قوله: "حار عليه" أي: رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [سورة الانشقاق آية: ١٤] ، قال العلماء: وهذا وعيد شديد إذا لم يكن خصومهم كذلك.
والكلام إنما هو على أفعال وأقوال تناقض الإسلام، فإن للإسلام نواقض مذكورة في كتب الفقه، لأرباب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ فمن وقع في شيء منها حكموا بردته، إلا أن يتوب ويراجع الحق. فإن تاب توبة نصوحاً، وهي التي استكملت شروط التوبة، فإن الله تعالى يقبل توبة التائبين إذا صحت منهم، وظهر من صالح الأقوال والأعمال والأحوال، ما يدل على ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٦] . فإذا حصلت هذه الأمور الأربعة ظاهراً وباطناً، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٤٦] . فدلت الآية على أنه لا يكون مقدماً على أحد من المسلمين، ولا يتولى شيئاً من أعمالهم، ولو صحت توبتة بشروطها المذكورة في الآية.
وأما من لم يعرف له توبة صحيحة، فالواجب أن يعامل معاملة أمثاله من المنافقين، بالإعراض عنه، وجهاده على ما يقع منه، لأن الله تعالى ميز عباده بالفتن، كما قال تعالى:
стр. 3495
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج آية: ١١] .
وهذا الضرب من الناس، ينبغي أن ينزلوا منازلهم التي أنزلهم الله، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [سورة القلم آية: ٣٥] . فإذا كانوا قد أتوا شيئاً من المكفرات قولاً أو عملاً، أو ارتكبوا بدعة ولم يتوبوا توبة نصوحاً، فيجب على كل مسلم أن يبغضهم على ذلك، كما ورد في الحديث: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله " ١؛ فمن لم يحب أهل التوحيد والإيمان، ويبغض أهل البدع والضلال، فقد نقض أوثق عرى الإسلام.
وقد جاءت الأحاديث والآثار بالتحذير من أهل البدع، والترغيب في هجرهم، والبعد عنهم؛ فمن ذلك: ما رواه اللالكائي في كتاب السنة، عن الفضيل بن عياض: من أتاه رجل فدله على مبتدع، فقد غش الإسلام. فاحذروا الدخول على أصحاب البدع، فإنهم يصدون عن الحق.
стр. 3496
وقال أيضاً: لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة. ومن أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وصاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه؛ فمن جلس إلى صاحب بدعة أورثه الله العمى. وأخرج اللالكائي عن عطاء الخراساني: ما يكاد الله أن يأذن لصاحب بدعة بتوبة. وأمثال هذا كثير عن السلف والأئمة، ولو تتبعناه لطال الجواب.
إذا عرف ذلك، فلو قدر أن رجلاً من المسلمين قال في أناس: قد تلطخوا بأمور، قد نص العلماء على أنها كفر، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة، غيرة لله وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال. فغير جائز لأحد أن يقول في حقهم. ومن كفّر مسلماً فهو الكافر. على أنا لا نعلم أن أحداً من المسلمين كفّر شخصاً بعينه، اللهم إلا أن يحكي أفعالهم، فيظن السامع لذلك أنه كفّرهم.
وأما الحديث الذي ذكرناه، فقد تأوله العلماء بما هو معروف، كأمثاله من أحاديث هذا الباب، كحديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ١، وأيضاً، فهو مقيد بقوله: "وليس كذلك". ولا يخفى ما جرى من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، كقوله في مالك بن الدخشم: إنه منافق، لا يحب الله ورسوله، فلم يعنفهم النبي ﷺ بل قال: " ألا تراه قال: لا إله
стр. 3497
إلا الله " ١، فقال: الله ورسوله أعلم، فإنا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين، فقال النبي ﷺ : " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " ٢. وقد قال بعض العلماء: إن ذلك الرجل كان من أهل بدر.
ومن المعلوم: أن الخوارج طعنوا على ولاة الأمر، وكفروا علياً ومن قاتل معه من الصحابة وغيرهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم، والبشارة لمن قاتلهم، كما هو معروف ثابت في الصحيحين، والسنن، والمسانيد. ولما قيل لعلي: أكفارٌ هم؟ فقال: "من الكفر فروا". فلو ذكرنا الأحاديث الواردة في الخوارج، لطال الجواب.
وكلام العلماء على الحديث المتقدم ذكره، قال النووي في شرح مسلم: " ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه " ٣: هذا مما عده بعض العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق: لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنى. وفي تأويل الحديث أوجه:
أحدها: أنه محمول على المستحل.
والثاني: معناه رجعت عليه معصيته.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا ضعيف، لأن الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون المحققون: أن الخوارج لا يكفرون.
والرابع: أنه يؤول إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر. انتهى ملخصاً.
стр. 3498
فانظر إلى ما حكاه النووي، ﵀، من أن الصحيح الذي قاله الأكثرون المحققون: أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم، وحسبك بهذا الإمام. فمن تأمل أحوال الصحابة، ﵃، عرف الخطأ من الصواب؛ لكن من أعظم الآفات عدم العلم وفساد القصد، وهما آفة الأكثرين، وفساد الدين، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. فما الذي حمل هذا المسكين على التمويه على جهلة الناس، وتشكيكهم في أمر دينهم والإلباس؟
فمن ذلك قوله في آخر ورقته: فرحم الله امرأً قال الحق، وبه صدع، فالحق أحق أن يتبع.
فالجواب أن يقال: تأمل ما تقدم من الجواب، فإن الحق بحمد الله فيه ظاهر؛ فإن كان طالب حق وجده، وإلا فقد قامت عليه الحجة، وانزاحت الشبهة، عمن أراد البيان ووفق لفهم العلم والإيمان، والله المستعان. فعسى الله أن يمنع عنه موانع الهداية، وأسباب الضلالة والغواية، فإن هذا الرجل قد قال بمقالة الخوارج وهو لا يدري، وذلك في قوله: ومن كفر مسلماً فهو الكافر، وبيانه فيما أسلفناه من كلام النووي، ﵀، من أن مذهب أهل السنة والجماعة عدم التكفير بالذنوب، وهذا قد حكم بالكفر على مرتكب هذا الذنب.
فلو قدر أن أحداً قال في حق مسلم صحيح الإسلام أنه
стр. 3499
كافر، فأهل السنة لا يكفّرونه بذلك، لأن هذا ذنب من الذنوب، وقد عرفت تأويلهم للحديث، وأن الأخذ بالظواهر المخالفة لأصول السنة، وما عليه الصحابة والتابعون وعلماء الأمة، هو رأي الخوارج، كما قال العلامة ابن القيم، ﵀ شعراً:
من لي بشبه خوارج قد كفّروا ... بالذنب تأويلاً بلا حسبانِ
ولهم نصوص قصّروا في فهمها ... فاتوا من التقصير في العرفانِ
هم خالفوا نصًّا لنصٍّ مثلهِ ... لم يفهموا التوفيق بالإحسانِ
لكنكم خالفتمُ المنصوص با ... لشُّبهِ التي هي فكرة الإنسانِ
والمقصود: بيان حال صاحب الورقة، وأنه قال بقول الخوارج، المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فكفّر المسلمين بدعوى ادعاها، لعلة اختلقها، أو تلقاها ممن لا يعتمد عليه، ولا يعوّل في الأخبار عليه؛ وقد تقدم قوله في الهجرة: أن من لزم وطنه، مع ما يقع فيه من الظلم والفساد، أنه هو المهاجر الصابر، وقد عرفت: أنه عكس الحقيقة، وخالف الكتاب والسنة، والفطرة السليمة، والعقول الصحيحة، وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وقوله المشار إليه، يشبه قول الباطنية الإسماعيلية الملاحدة، الذين تأولوا شرائع الدين على غير حقائقها، وقولهم يتضمن تعطيل الشرائع، وهم من أضر المبتدعة على دين الإسلام. هذا، ونحن نعلم أنه قد وقع فيما وقع فيه عن
стр. 3500
جهالة، فلو عرف حقيقة حال المبتدعة، لعلم أن اقتفاء آثارهم من أعظم المطاعن عليه، لكنه يقال في حق مثله شعراً:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
ومن عجيب أمر هذا الرجل وأمثاله، ممن انتصب للتدريس بلا علم، وأفتى من غير إجازة ولا فهم، أن منهم من يصرح بتكفير أهل لا إله إلا الله، علماً وعملاً ودعوة وجهاداً، بكونهم يكفّرون عباد الأوثان، وهم يقولون: لا إله إلا الله؛ وهذا منهم في غاية التناقض والفساد، ومخالفة الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهذا شر من قول الخوارج، كما لا يخفى على أولي البصائر.
وقد أشرت فيما تقدم إلى حاله، وأنه لا يدري ما يقول، ولا يدري أنه لا يدري؛ فلو سكت لكان يسعنا السكوت عنه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3501
[مخالطة المشركين وأهل البدع]
وله أيضاً، أسكنه الله الفردوس الأعلى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ: عيد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، الذي أوصيك به ونفسي: تقوى الله، والقيام له، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحض إخوانك على هذا، والقيام معهم، ودحر الرديء وردعه؛ فإذا صلحت سريرة العبد، وصار مقصده الحق، والقيام لله وفي الله، أعانه الله وسدده، وإلا وكله إلى نفسه.
وما ذكرت من الآية والحديث، وما وجه الجمع بينهما؟ فقال ابن كثير في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] : فهذه الآية عامة، في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص الآية، حيث يقول تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] أي: بترك الهجرة. وقد عرفتم ما ذهب إليه المحققون من العلماء، من أن حكمها باق إلى يوم القيامة، إذا وجد المقتضي لها.
стр. 3502
وأما معنى الحديث، فلم يتبين لي فيه ما تطمئن إليه النفس، وسأبحث عن معناه، وأكتب لك الجواب مبسوطاً، إذا فتح الله تعالى، إن شاء الله، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٢] .
وأجاب أيضاً: وأما ما ذكرت من الأسئلة، في مخالطة المشركين، وأهل البدع، فإن كان لك قدرة على الهجرة عنهم، وجبت عليك، لما فيها من حفظ الدين، ومفارقة المشركين، والبعد عنهم، وأما من كان من المستضعفين، الذين لا قدرة لهم على الهجرة، فعليه أن يعتزلهم ما استطاع، ويظهر دينه، ويصبر على أذاهم، فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: ١٠] ، والله المستعان.
وأما السؤال عن قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] ، فالآية نزلت في شأن عمار بن ياسر، لما عذبه مشركو مكة، وحبسوه في بئر ميمون، وأكرهوه على كلمة الكفر، فقالها تخلصاً من عذابهم، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "فإن عادوا فعُدْ "، وهذا قبل وجوب الهجرة، فأنزل الله هذه الآية.
وأما حديث: " أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما "، فهذا في حق من له قدرة على البعد عنهم،
стр. 3503
وأما من لا يمكنه البعد عنهم، بحيث لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه، فلا.
وأما حديث: " من أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فأولئك هم الهالكون " ١، فقد تقدم بيان ذلك في معنى حديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده " ٢. فالإنكار يجب مع الاستطاعة، والكراهة هي أضعف الإيمان. وأما الرضى بالمنكر، والمتابعة عليه، فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
وسئل: عمن سافر إلى بلاد المشركين للتجارة؟
فأجاب: أما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، فقد عمت به البلوى، وهو نقص في دين فاعله، لكونه عرض نفسه للفتنة، بمخالطة المشركين؛ فينبغي هجره وكراهته، وهذا هو الذي يفعله المسلمون معه، من غير تعنيف ولا سب، ولا ضرب. ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضراً؛ والمعصية إذا وجدت، أنكرت على من فعلها أو رضيها إذا اطلع عليها.
стр. 3504
وسئل أيضاً: الإنسان إذا لم يحصل له الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أنه يهاجر؟
فأجاب: هذه المسألة، كما قال العلماء، رحمهم الله تعالى، تجب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه بدار الحرب، فإن قدر على إظهار دينه، فهجرته مستحبة لا واجبة.
وقال بعضهم بوجوبها، لما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين " ١. فإن لم تكن البلد بلد حرب، ولم يظهر الكفر فيها، لم نوجب الهجرة منها، إذا لم يكن فيها إلا المعاصي؛ وعلى هذا يحمل الحديث الوارد عن النبي ﷺ أنه قال: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده " ٢ الحديث.
стр. 3505
[الهجرة عن بلاد المشركين]
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مفلج الحق وناصره، ومدحض الباطل وماحقه، تكفل سبحانه بنصر الدين، وأقام بمحكم آي القرآن، حجته على كافة العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، والتابعين.
أما بعد، فإن الله سبحانه من حكمته ولطفه ورحمته، لم يترك مدعي الإسلام والإيمان، بلا محنة يختبر بها الصدق من الكذب، ويميز بها بين المرتاب والمستيقن، وله في ذلك حكمة بالغة، ومشيئة نافذة، وحجة دامغة؛ وقد تعددت سنته سبحانه وأيامه في خلقه بذلك، قرناً فقرناً، وجيلاً فجيلاً، حتى خبطتنا، معشر المتكلمين، محنة لنا، واختباره لنا منه، بقدوم العساكر العراقية، لبعض بلاد المسلمين، واستيلائهم عليها.
فعند ذلك، ميز الله بين الصادق في إسلامه وإيمانه، وبين المرتاب في ذلك وضعيف اليقين أو الكاذب أصلاً، حتى آل الأمر إلى أن تكلم بعض الناس، في إسقاط الواجبات الدينية، والفرائض الإسلامية، وأقام المعاذير الباطلة، لمن آثر ملاذه الدنيوية، وشهواته العاجلة، على ما أمر الله به ورسوله، وافترضه على خلقه، من الهجرة عن بلاد