← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

منعة، وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات. وقد تقدم الحديث: " لا تزال طائفة " الحديث. فليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثنى في سورة براءة. وتأمل قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٦] ؛ وكل يفيد العموم بلا تخصيص. فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟ وقد عرفت مما تقدم: أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف، من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطاباً ببعض الشرائع، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقد تقدم ما يشير إلى هذا بحمد الله، وذلك معلوم عند العلماء، بل عند كل من له ممارسة في العلم والأحكام، فلهذا اقتصرنا على هذا القول، وبالله التوفيق. ثم بعد الفراغ، أظهر الله إماماً يجاهد في سبيل الله، ويدعوهم إلى الإسلام والاجتماع عليه، فتمت النعمة علينا، وعلى أهل نواحينا، بما أعطانا من النصر، وذهاب الشرك والمشركين، والفساد والمفسدين. نسأل الله أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا، من نعمة الإسلام، والله ولي حميد، وهو

стр. 3432

حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. [الرد على بعض الناكبين المعرضين عن توحيد رب العالمين] وله أيضاً، قدس الله روحه ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وبه العون على إبطال زخرف الملحدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وعلى أتباعهم الذين شهدوا لله بالوحدانية، ولرسوله بالبلاغ المبين، وسلم تسليماً. أما بعد، فاعلم أيها الطالب للهدى، المتباعد عن أسباب الضلال والردى، أني رأيت ورقة لبعض الناكبين عن الحق المبين، المعرضين عن توحيد رب العالمين، فإذا هي مفصحة عن ضلال مفتريها، معلنة بفساد طوية منشيها ومتلقيها، مع تناقضها وبشاعة ما فيها؛ فتارة تراه سائلاً مسترشداً، وتارة مفتياً مضللاً مفنداً، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. فعزمت على أن أعرض ورقته على بعض أصحابنا الذين لهم ملكة في معرفة العلوم، ولهم بصر ناقد، وفهم

стр. 3433

مستقيم، في تمييز الصحيح من السقيم، لأكتفى بهم في رد ذلك الزيغ والضلال، والكذب المحال، على طريق التفصيل تارة والإجمال. وهذا الرجل وإن كان من أجهل العوام، فإنه يحاول بسجعه نقض عرى الإسلام. ثم إني عزمت على نقض ما بناه من ذلك الباطل، على استفراغ وسع واستمهال، وذلك أولى من الترك والإهمال، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٤٣] . فأخذت في رد قوله مستعيناً بربنا العظيم، مستعيذاً بالله من شر متبعي خطوات الشيطان الرجيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل على من صد الناس عن سواء السبيل. قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق، أنبأنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: " خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. وقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١") الآية. قلت: وهنا بلية ينبغي التنبيه عليها، قبل الشروع في المقصود، وهي: أن الكثير من أهل هذه الأزمنة وقبلها، قد غرهم من أنفسهم أمران:

стр. 3434

أحدهما: أنهم إن أحسنوا القول رأوه كافياً، ولو ضيعوا العمل وارتكبوا النقيض، وما عرفوا أقوال الصادق المصدوق ﷺ في الخوارج: " يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ١، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم ويمقت من يقول ولا يفعل، ومن يخالف قوله فعله، كقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف آية: ٣] ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤] . وقد ورد: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال". الأمر الثاني: أن الأكثر ظنوا أن انتسابهم إلى الإسلام، ونطقهم بالشهادتين، عاصم للدم والمال، وإن لم يعملوا بمدلول لا إله إلا الله، من نفي الشرك، وتركه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، كالدعاء، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك; ولم يعرفوا معنى قول الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٣-٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] .

стр. 3435

فإن قوله: ﴿مُخْلِصاً﴾ : حال من ضمير الفاعل المستتر، في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ ، أي: حالة كونك مخلصاً له الأعمال الباطنة والظاهرة، وكذلك في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ : حالة من الضمير البارز في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ ، أي: حالة كونهم مخلصين له إرادتهم وأعمالهم، دون كل ما سواه؛ ولهذا قال: ﴿حُنَفَاءَ﴾ ، والحنيف هو: الموحد المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه؛ وهذا هو التوحيد الذي خلقوا له، وبعث الله به رسله وأنزل به كتبه. يقرر ذلك: ما أخبر به عن قوم هود، لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٦٥] ، فأجابوا ذلك بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] . وفي قصة صالح، لما قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [سورة هود آية: ٦٢] ، وكما قال قوم شعيب: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية [سورة هود آية: ٨٧] . فلا إله إلا الله، ما أشبه حال الأكثرين من هذه الأمة بحال تلك الأمم، لما دعوا إلى هذا التوحيد، الذي هو أصل دين الإسلام، وهو دين الله الذي لا يقبل من أحد ديناً سواه، وبه أرسل جميع الرسل، وأنزل به جميع الكتب، قال

стр. 3436

تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [سورة هود آية: ١-٢] ، إلى أمثال هذه الآيات. وقد صح: أن رسول الله لما قال لقومه: " قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا " ١، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] ، كما هو مذكور في القرآن العزيز. فأي دليل أصرح وأوضح وأبين من هذه الأدلة؟ على أن الرسل من أولهم إلى آخرهم، إنما بعثوا بإخلاص العبادة لله تعالى، والنهي عن عبادة كل ما سواه؛ وهذا هو التوحيد الذي جحدته الأمم، وهو الذي خلق الله له الخليقة من الثقلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، قال علي بن أبي طالب، ﵁، في معنى هذه الآية: "إلا لآمرهم أن يوحدون". وقد عرفت: أن هذا هو أصل الدين، الذي هو أساس الملة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ الآية [سورة الروم آية: ٤٢-٤٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٨] ، أي: لا إله إلا الله. والخليل عليه

стр. 3437

السلام أتى بمضمون هذه الكلمة، بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] . وأبدى سبحانه وأعاد في هذا الكتاب المجيد، في النهي عن الشرك المنافي لهذا التوحيد، وأفصح عن كفر فاعله، وأسجل عليه بالوعيد الشديد، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣-٢١٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٧] ، وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ [سورة غافر آية: ٧٣-٧٤] ، وغير ذلك

стр. 3438

من الآيات. فأي بيان أوضح من هذا، في تعريف الشرك الذي حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره؟ وهذا لا يختص بالدعاء، بل كل نوع من أنواع العبادة، صرفه لغير الله شرك عظيم. والتحقيق: أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وكلا النوعين لا يجوز صرفه إلا لله؛ وصرفه لغير الله شرك، كما سبق بيانه في الآيات المحكمات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] ، والصلاة هنا تشمل الصلاة الشرعية، واللغوية التي هي الدعاء، كما هو مذكور في كتب التفسير، وفي حديث ابن عباس: " وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ١، وفيه معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٧] ، وهذا من عطف العام على الخاص، وقال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤١] ، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٨] ، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، وتقديم المعمول في هذه الآيات، يفيد الحصر، أي: لا غيري. وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا

стр. 3439

النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] . وهذه الآيات وما في معناها تدل على أن الله تعالى إنما أراد من عباده أن يوحدوه بأعمالهم، وأن لا يجعلوا له شريكاً في العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه آية: ١٤] ، وقال موسى ﵇ لبني إسرائيل، لما عبدوا العجل: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة طه آية: ٩٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ٤-٥] . وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [سورة فاطر آية: ٤٠] ، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] ، وهذا هو الشرك في الطاعة، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، فذكر في هذه الآية الشرك

стр. 3440

في الطاعة، والشرك في الألوهية، وهذا بين من حديث عدي بن حاتم ﵁. وأما الربوبية، فقد أقر بها أكثر المشركين من الأمم، أعداء الرسل؛ وهذا مبين في قصص الأنبياء، كما في سورة الأعراف، وهود، والشعراء، وغير ذلك. والخصومة بينهم وبين الأمم، إنما هي فيما بعثوا به إليهم من النهي عن الشرك في العبادة، كالمحبة والدعاء، والتوكل والرجاء، وغير ذلك، وعن الشرك في الطاعة، وهو: إيثار ما عليه الأسلاف، والاعتماد على ما قالوه، مما يخالف شرع الله وأحكامه. وعن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " من مات وهو يدعو لله نداً، دخل النار " ١، رواه البخاري. ولمسلم عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه؛ وحسابه على الله " ٢. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للمال والدم، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده، حتى يضيف إلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله؛ فإن شك أو تردد، لم يحرم ماله ودمه، فيالها من مسألة ما أجلها! وياله من بيان ما

стр. 3441

أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع! وكلام العلماء في بيان هذا التوحيد وتقريره، وبيان ما وقع فيه الأكثر من الشرك وعبادة الأوثان، أكثر من أن يحصى. ونذكر طرفاً منه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في الرسالة السنية، لما ذكر الخوارج ومروقهم من الدين: فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام ومرق منه، مع عبادته العظيمة، فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضاً، وذلك بأسباب، منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٧١] ، و"علي ﵁ حرق الغالية، فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها"، واتفق الصحابة على قتلهم، وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله تعال: إنما أرسل الرسل ليعبدوه وحده، لا يجعلوا معه إلهاً آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح،

стр. 3442

والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فبعث الله رسوله ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] . وقال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيراً، والملائكة - إلى أن قال - وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وكان رسول الله ﷺ يحقق التوحيد، ويعلّمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" ١ وقال: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢، يحذر ما فعلوا وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد " ٣، وقال: " لا تتخذوا قبري

стр. 3443

عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم " ١، ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور. واتفق العلماء- من السلف أهل السنة والجماعة - أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبّلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملاً إلا به، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال ﷺ : "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، دخل الجنة "، والإله هو: الذي يألهه القلب، عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، ومحبة، وخشية، وإجلالاً. انتهى. وقال العلامة ابن القيم: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر؛ فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبه منه، وهو أن يتخذ من دون الله نداً، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون

стр. 3444

آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقصي معبوديهم من المشائخ، أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين؛ وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، ويزعمون أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم من الحجر والبشر. قال الله تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين، وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه، وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وذكر قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثاً؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى

стр. 3445

الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" وهذا لأنه لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن وذمه، فوقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي، يرى ذلك عياناً، والله المستعان. ثم قال: وأما الأصغر: فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقوله: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده. قلت: فلما قال: وقد يكون أكبر، أخذ يبين أنواع الأكبر، فقال: ومن أنواع النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة لغير الله، والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من غيره، وإضافة نعمه إلى غيره. ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم؛ وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً لمن استغاث به، وسأله أن يشفع له عند الله؛

стр. 3446

وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سبباً لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. والميت محتاج إلى من يدعو له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثاناً تُعبد؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى التنقص بالأموات. وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم، ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم؛ وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. ولله در خليله إبراهيم، حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام َرَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦] . وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جود توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى. فرحمة الله ومغفرته ومرضاته على هذا الشيخ، ما أحسن بيانه وأوضحه! فقد صرح بأن هذا هو الشرك الأكبر، فبطل ما افتراه عليه المشركون. وهذا الذي ذكره، هو الذي عمت

стр. 3447

به البلوى في كثير من الأمصار، في هذه الأعصار، وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يُغفر، إلا أن يتاب منه قبل الوفاة. وقال، ﵀، في الكافية الشافية شعراً: والشرك فهو توسل مقصوده الز ... لفى من الرب العظيم الشانِ بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثانِ والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفرانِ وهو اتخاذ الند للرحمن أيـ ... ـاً كان من حجر ومن إنسانِ يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان قال في الإقناع: قال شيخ الإسلام: من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وقال أيضاً: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً. وقال العلامة في الكافية أيضاً: فتوسّط الشفعاء والشركاء والظـ ... ـهراء أمر بيّن البطلان ما فيه إلا محض تشبيه لهم ... بالله وهو فأقبح البهتان وقال بعض شيوخنا، رحمهم الله تعالى: نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها وغيرك في بيدا الضلالة سائرٌ ... وليس له إلا القبور يدينها

стр. 3448

وقال محمد بن إسماعيل، الأمير الصنعاني، ﵀: الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم، مقرون أن الله خلقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف آية: ٩] ، وبأنه الرازق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ?قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ?قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٩] . وهذا فرعون مع علوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقه، حاكياً عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [سورة الإسراء آية: ١٠٢] ، وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٨] ، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [سورة الحجر آية: ٣٩] ، وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ .

стр. 3449

وكل مشرك مقر بأن الله خالقه، وخالق السماوات والأرض، وربهن ورب ما فيهما، ورازقهم، ولهذا تحتج الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] ، وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [سورة الحج آية: ٧٣] ؛ والمشركون مقرّون بذلك، لا ينكرونه. الأصل الخامس: أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله، لأنه مولي أعظم النعم، حقيق بأقصى غاية الخضوع، كما في الكشاف. ثم إن رأس العبادة وأساسها: التوحيد لله، الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي: لا إله إلا الله. والمراد اعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان؛ ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود دونه. وقد علم الكفار هذا المعنى، لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] . انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: تواترت الأحاديث، بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالإخلاص واليقين، والموت عليها، وكلها مقيدة بالقيود الثقال؛ وأكثر من يقولها، لا يعرف الإخلاص، ولا

стр. 3450

اليقين; وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قول الله تعالى، حاكياً عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] ، وحينئذ، فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين، ومات على ذلك، امتنع أن تكون سيئاته راجحة على حسناته، بل كانت حسناته راجحة، فيحرم على النار، لأنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصراً على ذنب، فإن كمال الإخلاص ويقينه، موجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء سواه، وأخوف عنده من كل شيء، فلا يبقى في قلبه يومئذ إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله. فهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كان له ذنوب قبل ذلك؛ فهذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة، وهذا اليقين والكراهة، لا يتركن له ذنباً إلا محي عنه، كما يمحو النهار الليل. فمن قالها على وجه الكمال، المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلاً، فيغفر له، ويحرم على النار. وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنات لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة.

стр. 3451

وقال، ﵀: وأصل الدين: أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله؛ وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله ﷺ الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة لله، وطاعته طاعة لله، ومعصيته معصية لله. وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه، ولا يرضى لرضى الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضبه لهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له، هو السنة. فإن قدر أن الذي معه دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم أو يثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً، أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهداً في سبيله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية [سورة البينة آية: ٤-٥] . وقال، رحمه الله تعالى، في منهاج السنة، لما ذكر كلام صاحب المنازل، وأن التوحيد عنده على ثلاثة أوجه: الأول: توحيد العامة، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، الأحد

стр. 3452

الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. هذا هو التوحيد الظاهر الجلي، الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه وجبت الذمة، وبه حقنت الدماء والأموال، وانفصلت دار الإسلام من دار الكفر. هذا كلام صاحب المنازل. وذكر بعد الوجهين، وذكر شيخ الإسلام ما فيها من الشطح والبدعة. ثم قال شيخ الإسلام: أما التوحيد الأول الذي ذكره، فهو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وبه بعث الله الأولين والآخرين من الرسل، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وقد أخبر الله تعالى عن كل من الرسل، مثل نوح وهود، وصالح وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] : وهذا أول دعوة الرسل وآخرها؛ قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها؛ وحسابهم على الله

стр. 3453

عز وجل ". وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح أيضاً: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنة " ١، وقال: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجن ة" ٢. والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح وأقصى السعادة في الآخرة به. ومعلوم: أن الناس متفاضلون في تحقيقه. وحقيقته: إخلاص الدين كله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو: أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء. وحقيقته: أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا قام يصلي من الليل، بعد التكبير: " اللهم لك الحمد، أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت نور

стр. 3454

السماوات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] ، وقال: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٤-٦٦] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ?قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَلا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦١-١٦٥] . وهذا التوحيد كثير في القرآن، وهو أول الدين وآخره، وباطن الدين وظاهره، وذروة سنام هذا الدين، لأولي العزم من الرسل، ثم للخليلين: محمد وإبراهيم، صلوات الله

стр. 3455

وسلامه عليهم. فقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه، أنه قال: " إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً " ١. وأفضل الرسل بعد محمد ﷺ : إبراهيم، كما ثبت في الصحيح عنه، أنه قال عن خير البرية: "إنه إبراهيم"، وهو الإمام الذي جعله الله إماماً، وجعله أمة، والأمة: القدوة الذي يقتدى به، فإنه حقق هذا التوحيد، وهو الحنيفية ملته، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤-٦] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ?إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين ِوَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٨] . وقال عن إبراهيم أنه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ [سورة الأنعام آية:

стр. 3456

٧٩-٨١] . وقال، رحمه الله تعالى: ومحبة الله وتوحيده هو الغاية التي فيها صلاح النفس، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فلا صلاح للنفس إلا في ذلك، وبدونه تكون فاسدة؛ وهذا هو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، قال تعالى: ﴿ (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الروم آية: ٣٠-٣١] . فالغاية الحميدة، التي بها كمال بني آدم، وسعادتهم ونجاتهم: عبادة الله وحده، وهي حقيقة لا إله إلا الله، وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص، لم يكن من أهل النجاة والسعادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . فمن آمن بأن الله رب كل شيء وخالقه، ولم يعبد الله وحده، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأخشى عنده من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب، بحيث يحبه كما يحب الله، ويخشاه كما يخشى الله، ويرجوه كما يرجو الله،

стр. 3457

ويدعوه كما يدعو الله، فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله، ولو كان مع ذلك عفيفاً في طعامه ونكاحه، وكان حليماً شجاعاً. انتهى. وقال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى- بعد ذكره الشرك في الربوبية -: النوع الثاني: أهل الإشراك بالله في إلهيته، المقرون بأنه وحده رب كل شيء، ومليكه وخالقه، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين، ورب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، وهم مع هذا يعبدون غيره، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم، وهم الذين اتخذوا من دونه أنداداً، فهؤلاء لم يعرفوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] حقه، وإن كان لهم نصيب من "نعبدك"، لكن ليس لهم نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ المتضمن معنى: لا نعبد إلا إياك، حباً وخوفاً ورجاء، وطاعة وتعظيماً. فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تحقيق لهذا التوحيد، وإبطال للشرك في الإلهية، كما أن ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] تحقيق لتوحيد الربوبية، وإبطال للشرك به. وكذلك قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦-٧] ، فإنهم أهل التوحيد، وهم أهل تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] . وأما أهل الإشراك، فهم أهل الغضب والضلال. فإن هذا الانقسام ضروري، بحسب انقسامهم في معرفة الحق والعمل به، إلى عالم به عامل بموجبه وهم أهل النعمة،

стр. 3458

وعالم به معاند له وهم أهل الغضب، وجاهل به وهم الضالون. وهذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل، فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة، فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون هذه الرسالة. انتهى. والمقصود من هذه المقدمة: العلم بأن التوحيد الذي بعث الله به رسله، غريب في الناس جداً، وأكثرهم لا يعرف حقيقته، ولا يعرف الشرك الأكبر المنافي له؛ وغاية ما عندهم هو أن يعرف أن الله تعالى ربه وخالقه، وخالق جميع المخلوقات ورازقها، والمتصرف فيهم. وقد عرفت مما سلف: أن أكثر الأمم من أعداء الرسل، يعرفون ذلك، ويقرون به، كما أقر به كفار قريش لما بعث الله محمداً ﷺ ؛ وهذا مقرر في القرآن أتم تقرير. وأما توحيد الإلهية، الذي هو مضمون لا إله إلا الله، الذي دل عليه القرآن، من أوله إلى آخره، فالأكثر لا يعرفونه، مع أن سور القرآن الكريم مشحونة ببيانه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية [سورة الرعد آية: ١٤] ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ

стр. 3459

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [سورة البينة آية: ٥] . وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [سورة الأحقاف آية: ٥] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية [سورة فاطر آية: ١٣] ، وقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ٤-٥] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ الآية [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] ، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، إلى أمثال ذلك مما لا يحصى في القرآن كثرة، في بيان هذا التوحيد، وما ينافيه من الشرك بالله، الذي هو أعظم ذنب عصي الله به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . فإذا تأملت القرآن، وجدته قد احتج على المشركين فيما جحدوه من توحيد الإلهية، بما أقروا به من توحيد الربوبية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ

стр. 3460

تَعْلَمُونَ﴾ الآيات [سورة المؤمنون آية: ٨٤] . فإذا أقروا أن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه المتصرف في جميع خلقه، لزمهم أن يعبدوه وحده؛ فإن الإقرار بهذا التوحيد، يستلزم الإقرار بالنوع الآخر، ولا بد منهما جميعاً. وأما الثالث من أنواع التوحيد، فهو: أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه رسوله، على ما يليق بجلال الله، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل؛ فإن صفات الرب تعالى وأسماءه، تدل على كمال الرب تعالى، وتنفي عن الله ما نفى عن نفسه، ونفى عنه رسوله ﷺ ، من كل ما ينافي كمال حياته وقيوميته، وكمال غناه، كما نزه الله عنه نفسه، ونزهه عنه رسوله ﷺ ، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١-٤] ، وكما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام " ١ الحديث. ونحو هذا مما نزه الله عنه نفسه، ونزهه عنه رسوله كثير في الكتاب والسنة؛ فالمهديون المؤمنون يثبتون ما أثبته الله ورسوله، من معاني أسمائه وصفاته، على ما يليق بجلاله، وينفون عنه مشابهة المخلوقين، وسمات المحدثين، وينفون عنه ما نفى عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ من كل ما لا يليق به، والله

стр. 3461

أعلم. فما أعز من يعرف حقيقة التوحيد! بل ما أعز من لا يعادي من عرفه ودعا إليه! فلقد عم الجهل بالتوحيد، حتى نسب أهله إلى الابتداع ونسب من أنكره إلى الاتباع. وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، لما ذكر حديث: " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " ١؛ بل الإسلام الحق، الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه اليوم، أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة، مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي فينا غريب جداً، وأهله غرباء بين الناس. وكيف تكون فرقة واحدة، بين فرق لهم أتباع ورياسات، ومناصب وولايات، لا يقوم لها سوق إلا في مخالفة ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات، التي هي منتهى فضيلتهم وعلمهم، والشهوات التي هي غاية مقاصدهم وإرادتهم. فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريباً بين هؤلاء، الذين قد اتبعوا أهواءهم، وأعجب كل منهم برأيه؛ فإذا أردت معرفة الإعراض عن الدين، تعلماً وعملاً، فتأمل ما هم عليه، فالله المستعان. واعلم: يا من له عقل ونور، يمشي به في الناس، أني

стр. 3462

تأملت "الورقة" التي قدمت الإشارة إليها ١، وهي لحمد بن علي المرائي، فإذا هو قد حشاها بالرعونات، والحماقات، التي هي من نتائج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم؛ فإذا نظر فيها العاقل، علم أنها لا تصدر إلا من جاهل معجب بنفسه، لإقامته بين جهلة العوام، فإن أكثرهم لا يميز بين الصحيح من السقيم من الكلام. فلو كان ما أبداه من أساجيعه، من وراء كفاية وعن علم ودراية، لكان أحرى بمراجعة الصواب، والرجوع عما أخطأ فيه من الخطاب، وقد قال بعضهم شعراً: ولو كان هذا من وراء كفاية ... لهان ولكن من وراء تخلفِ فأعجب لقوله: أما بعد، فيقول العبد المسترشد للعلم والعمل، لا للمراء والجدل. فالجواب: تأمل أيها المنصف ما بعد هذا من كلامه، تجده مناقضاً لما قال، مشتملاً على المراء والجدال، كحال أمثاله من أهل الأهواء، ويخبط على أثرهم خبط عشواء، وقد تضمنت رسالته من الأحبولات للجهال، والتلبيس على من عقولهم كعقول الأطفال. فمن ذلك: أنه أكثر الحط على من يقول على الله بلا

стр. 3463

علم؛ ولا شك أن ذلك من أكبر الذنوب، وأعظم المثالب والعيوب، ولكنه اتزر بما عابه من ذلك، وارتدى في آخر مقاله والابتداء. وهكذا حال من لا علم لديه، ولا دراية له تنسب إليه، فتراه يعيب أمراً وهو يتقلب فيه، فتارة يظهره وتارة يخفيه، وكل إناء ينضح بالذي فيه؛ فتأمل ما سيأتيك من جوابه، ترى عجباً. ثم إنه قال: والمسألة المشار إليها، والمسؤول عنها، هي التي غصت بها الحناجر، وأسبلت على الخدود دموع المحاجر، وهي قول الجهال الطغام: من أقام ببلد قد استولى عليها العساكر، ولا عنها يهاجر، فهو كافر. فالجواب: أن هذا قول مختلق، ولا نعلم قائلاً به على الإطلاق، كما زعم صاحب الورقة. وهذا من بهرجه وزبرجه وتهويله، أسوة أمثاله ممن يفتري على المسلمين، ويقولهم ما لم يقولوا، ليدفع بهذا عن نفسه الشناعة، وليس بنافعه شيئاً؛ بل هو عين الضرر عليه، لأنه تشبث بما لا يجدي، وليس عند أهل الأهواء إلا التلبيس، والشكوى لما تلطخوا به من العيوب والأسواء، إذ ليس معهم حق يعتمد عليه، ولا برهان لهم تطمئن نفوسهم إليه. فترى أحدهم ضيق الصدر والبال، لأن بضاعته إنما حقيقتها الشكوك والخيال. بخلاف صاحب الحق، فإن معه من البصيرة والعلم واليقين، ما يدفع الشك والإلباس، ويهون عليه مؤنة

стр. 3464

المعارضين من الناس. وأكبر همّ المؤمن ما بينه وبين ربه، يرجو رحمته ويخاف عقوبة ذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ الآية [سورة المؤمنون آية: ٦٠] ؛ يسير إلى الله بين مشاهدة منّة من الله عليه، ومطالعة عيب نفسه: " أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي " ١. وأما الفاجر، فقلبه خال من خشية الله، آمن من مكر الله، يمضي في الغفلة والمعاصي، قدماً قدماً، فيا عجبا من صاحب هذه الورقة ما الذي يؤمنه؟ قد تلطخ بما تلطخ به، والمعاصي بريد الكفر؛ وكان الواجب عليه أن يغص من العبرات، ويسيل الدموع في الخلوات والجلوات، على ما فرط فيه من الطاعات، ووقع منه من الفرطات. فاهتمامه من نفسه لنفسه، أولى من الاهتمام بما قيل أو يقال. فلو صح عن أحد لكان فيه إجمال، ويتطرق إليه الاحتمال، على أنه ليس من قبيل المحال، الذي لا ينسب إلا إلى الطغام والجهال، فأين الأسباب المؤمنة لهذا المسكين، من أن يقع في زيغ الزائغين، وطريق الأئمة المضلين؟ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " أخوف ما أخاف على أمتي: الأئمة المضلين " ٢. وأما شتمه لخواص من أهل الهجرة والدين، وتسميتهم بالجهال الطغام، فهو دليل على إعجابه بنفسه ورضاه بعمله؛

стр. 3465

وذلك من أكبر الذنوب، وأعظم العيوب. فإنه من تدبر القرآن، وتفكر فيما قصه الله تعالى عن أهل الكتاب، وأمثالهم من أهل الفهم والرأي، وأنهم تركوا الحق الذي بعث الله به رسوله بعد ظهوره، واختاروا لأنفسهم أسباب الردى والهلاك، ولم ينفعهم الله بعلمهم، ولا برأيهم وفهمهم، خاف على نفسه من أن يزيغ كما زاغوا، وأن يضل كما ضلوا؛ وهذا إنما يحصل بتوفيق الله ورحمته لعبده. وصاحب هذا الكلام، قد نسي ما وقع منه من المداهنة والموادة، لأرباب البغي والعدوان، على أهل الإسلام والإيمان، والصد عن سبيل الله؛ فأعظم بها من ذنوب، ومثالب وعيوب! وما ذكرناه من الواقع، من كثير من أعيان أهل نجد، لا يمتري فيه من في قلبه أدنى حياة. وظاهر حال المعترض: أنه لما جهل حقيقة هذا الذنب العظيم، عده من أنواع الواجب، والجائز، والمكروه، وكلامه في ورقته يدور على هذه الثلاثة، فلذلك استوحش مما أنس به المسلمون، وأنس بما استوحش منه العارفون؛ فلو تصور الواقع منه، لسالت على الخد منه دموع المحاجر، وغصت من مخافة الوعيد تلك الحناجر، كما دل على عظيم ذلك الذنب الكثير من الآيات والأحاديث والبينات. واعلم: أن هذا المغرور، لما كذبته ظنونه التي قعدت به عن واجب الهجرة والجهاد، وتبين أنه أخطأ سبيل الهدى

стр. 3466

والسداد، وعلم أن المسلمين قد ميزوه بحاله، وقبيح فعاله، بادر إلى التشكي والتهويل، والتباكي والعويل، وحاول قلب الحقائق، فاستهجن الصدق والمعروف، واستحسن الباطل لكونه عنده هو المألوف؛ فأعظم بها عقوبة أطفأت نور العقل، وأعمت البصيرة! فصاحبها في ظلمات الجهل والريب. ولما قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: هلكت إن لم آمر بالمعروف، وأنه عن المنكر، فقال ابن مسعود: "هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف، وينكر المنكر". قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر. يا ربنا نسألك الثبات على الإيمان. ومما يجب أن يعلم: أن الله تعالى فرض على عباده الهجرة عند ظهور الظلم والمعاصي، حفظاً للدين، وصيانة لنفوس المؤمنين عن شهود المنكرات، ومخالطة أهل المعاصي والسيئات، وليتميز أهل الطاعات والإيمان، عن طائفة الفساد والعدوان، وليقوم علم الجهاد، الذي به صلاح البلاد والعباد؛ ولولا الهجرة لما قام الدين، ولا عبد رب العالمين، ومن المحال أن تحصل البراءة من الشرك، والظلم والفساد، بدونها. ومن لوازم ترك الهجرة غالباً: مشاهدة المنكرات، ومداهنة أرباب المعاصي والسيئات، وموادتهم، وانشراح

стр. 3467

الصدر لهم؛ فإن الشر يتداعى ويجر بعضه بعضاً، فلا يرضون عمن هو بين أظهرهم بدون هذه الأمور، ولا بد من رضاهم، والمبادرة في هواهم. ثم إنه قال قولا ينبئ من له أدنى معرفة، أن هذا لا يصدر إلا ممن هو غريق في الجهالة، قد عري من المعقول والمنقول، وذلك قوله: إن الله قدم حرمة ابن آدم على حرمته، وأباحه ما حرم عليه من أكل الميتة، إذا خاف على نفسه الضرر. ووجه خطئه وجهله: أنه جعل ذلك أصلاً، قاس عليه ترك الهجرة، وفي زعمه أنه اضطر إلى تركها، كما اضطر إلى الأكل من الميتة من خاف على نفسه التلف، فأقول: لا يخفى ما في هذا القياس من الفساد، وذلك من وجوه: منها: أنه في مصادمة نصوص الكتاب والسنة، التي دلت على وجوب الهجرة على من له قدرة عليها، وإن كان يتوقع بها القتل والموت، كما أنه لا يترك الجهاد خوفاً من القتل، كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة الحج آية: ٥٨] .

стр. 3468

فلم يجعل الله تعالى هذه الأمور التي قد تقع للمهاجر، عذراً عن الهجرة، لأن الهلاك في الهجرة والجهاد هو السلامة، فإنه شهادة، والشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩-١٧٠] . وقد يحصل للمهاجر ما يحبه، من حسن العاقبة في الدنيا، مع ما يرجوه في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٠٠] . ونظير ترك الهجرة خوفا من الفقر أو القتل: مداهنة أهل المعاصي خوفاً من أذاهم، وقد قال تعالى في حقهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠] . وهذا الذي جعل فتنة الناس كعذاب الله، قد يدعي أن الضرورة دعته إلى ذلك لو كانت عذراً، وقد علمت: أن ترك الهجرة عرضة لذهاب الدين، وذهاب الدين، هو هلاك النفس السرمدي: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٥] ، هذا في تركهم الهجرة. وأما الهجرة، فإن الغالب على أهلها السلامة والعز والتمكين، كما جرى ذلك لرسول الله ﷺ وأتباعه سلفاً

стр. 3469

وخلفاً، وبها يحصل الجهاد، وتعلو كلمة الله، ويعمل في الأرض بطاعة الله؛ ومصالح الهجرة في الدنيا أكثر من أن تحصر، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤١] . فبطل هذا القياس من وجهين: الأول: أنه مصادمة النصوص الثابتة، والقياس في مصادمة النص فاسد الاعتبار عند العلماء قديماً وحديثاً؛ فإن القياس إنما يصار إليه عند الضرورة إليه إذا عدم النص، ولم يوجد للحكم دليل في الكتاب والسنة، لا نصاً ولا ظاهراً، فحينئذ يجوز عند بعض العلماء، لدعاء الضرورة إليه. وله شروط ومفسدات، وله أنواع أربعة لا يعرفها هذا المعترض؛ وأنى له بمعرفة الصحيح منها والسقيم، والجائز والممتنع، مع قصر الباع، وعدم المحصول والاطلاع. الوجه الثاني: عدم الجامع، ووجود الفارق، فإن الحكمة في إباحة تناول لقمة من الميتة إذا اضطر إليها، قد أبيحت له في تلك الحال، لأن الأكل واجب، صيانة للنفس عن الهلاك، طاعة لله، مطلوب لما يفضي إليه ذلك، من التقوي على أداء الفرائض والطاعات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ومن المحرمات ما يباح عند الضرورة، كالدم والميتة، فهذه في حال الإباحة ليست محرمة أصلاً، وليس له أن يعتقد تحريمها

стр. 3470

حينئذ؛ وإنما تنازع العلماء، هل السبب الحاظر لها موجود وقت الضرورة، وأبيحت للعارض الراجح، أو السبب الحاظر زائل، وهذا مبني على مسألة تخصيص العلة; فمن قال: إن العلة تخصص، يقول: إن علة الحظر قائمة، ولكن تخلف حكمها لمانع، ومن قال: لا تخصص، قال: إن علة التحريم لا توجد مع عدم التحريم؛ والنزاع لفظي. قال، ﵀: فإن الأكل والشرب واجب، حتى لو اضطر إلى الميتة، وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، لأن العبادة لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. انتهى. قلت: وهذا موجود في الهجرة وأولى، لأن العبادة لا تؤدى إلا بها، ولا يقوم الدين والعمل به إلا بالهجرة؛ فبالهجرة يحفظ المرء دينه، ويتمكن من العمل به، ويعادي ويوالي فيه، وغير ذلك من المصالح الدينية، التي تفوت الحصر. فلو احتجنا إلى القياس، لكان هذا من قياس الأولى، عكس ما عند صاحب الورقة، فإن ضرورة العبد إلى الهجرة فوق كل ضرورة، ولو كان فيها تلف النفس والمال، فالعبد مضطر إليها عند الحاجة إليها، أعظم من ضرورته إلى الطعام والشراب. ثم اعلم: أنه من كبير جهله، أخذ يقيس ترك ما وجب فعله، على فعل ما يجب فعله، فقاس الترك على الفعل،
следующие страницы →