← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ونصب لها حججاً ومقدمات، وأوهمهم أن طاعة بعض المتغلبين، فيما أمر الله به ورسوله، من واجبات الإيمان، وفيما فيه دفع عن الإسلام وحماية لحوزته، لا تجب والحالة هذه، ولا تشرع. ولم يدر هؤلاء المفتونون، أن أكثر ولاة أهل الإسلام، من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز، ومن شاء الله من بني أمية - قد وقع منهم ما وقع من الجراءة، والحوادث العظام، والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام؛ ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام، والسادة العظام معهم، معروفة مشهورة، لا ينزعون يداً من طاعة، فيما أمر الله به ورسوله، من شرائع الإسلام وواجبات الدين. وأضرب لك مثلاً بالحجاج بن يوسف الثقفي، وقد اشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم، والإسراف في سفك الدماء، وانتهاك حرمات الله، وقتل من قتل من سادات الأمة، كسعيد بن جبير، وحاصر ابن الزبير وقد عاذ بالحرم الشريف، واستباح الحرمة، وقتل ابن الزبير، مع أن ابن الزبير قد أعطاه الطاعة، وبايعه عامة أهل مكة والمدينة واليمن، وأكثر سواد العراق. والحجاج نائب عن مروان، ثم عن ولده عبد الملك، ولم يعهد أحد من الخلفاء إلى مروان، ولم يبايعه أهل الحل والعقد، ومع ذلك لم يتوقف أحد من أهل العلم في طاعته،

стр. 3607

والانقياد له فيما تسوغ طاعته فيه، من أركان الإسلام وواجباته. وكان ابن عمر ومن أدرك الحجاج من أصحاب رسول الله ﷺ لا ينازعونه، ولا يمتنعون من طاعته، فيما يقوم به الإسلام، ويكمل به الإيمان. وكذلك من في زمنه من التابعين، كابن المسيب، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم التيمي، وأشباههم ونظرائهم من سادات الأمة. واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة، من سادات الأمة وأئمتها، يأمرون بطاعة الله ورسوله، والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر، كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد. وكذلك بنو العباس، استولوا على بلاد المسلمين قهراً بالسيف، لم يساعدهم أحد من أهل العلم والدين، وقتلوا خلقاً كثيراً، وجماً غفيراً من بني أمية وأمرائهم ونوابهم، وقتلوا ابن هبيرة أمير العراق، وقتلوا الخليفة مروان؛ حتى نقل أن السفاح قتل في يوم واحد نحو الثمانين من بني أمية، ووضع الفرش على جثثهم، وجلس عليها، ودعا بالمطاعم والمشارب؛ ومع ذلك فسيرة الأئمة، كالأوزاعي، ومالك، والزهري، والليث بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، مع هؤلاء الملوك، لا تخفى على من له مشاركة في العلم واطلاع. والطبقة الثانية من أهل العلم، كأحمد بن حنبل،

стр. 3608

ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن نصر، وإسحاق بن راهويه، وإخوانهم، وقع في عصرهم من الملوك ما وقع، من البدع العظام، وإنكار الصفات، ودعوا إلى ذلك، وامتحنوا فيه، وقتل من قتل، كأحمد بن نصر؛ ومع ذلك فلا يعلم أن أحداً منهم نزع يداً من طاعة، ولا رأى الخروج عليهم. وإلى الآن يبلغني عنك أنك تميل إلى ذلك الضرب من الناس، الذين وصفنا حالهم، فرضيت بهم في أمر دينك، وضربت عن سيرة الأئمة صفحاً، وطويت عن هجرها كشحاً. فإن تبين لك هذا، ومن الله عليك بمعرفته، فأنت أخونا وصاحبنا القديم العهد، والجرح جبار ولا حرج ولا عار. وإن بقيت عندك شبهة أو جادل مجادل، فاكتب إلي واسأل كشفها ولا تكتمها، فإني أخشى عليك قطاع الطريق، لا سيما مع فقد الرفيق والعدة. فإن حاك في صدرك شيء، فأكثر من التضرع إلى الله، والتوسل بالأدعية المأثورة، ومنها ما في حديث ابن عباس، ﵄، حديث الاستفتاح، وكرر النظر فيما اشتمل عليه تاريخ ابن غنام، من كلام شيخ الإسلام، فقد بسط القول في هذه المسألة، في رسائله واستنباطه. ورأيت له عبارة يحسن ذكرها. قال، ﵀: لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم كلهم،

стр. 3609

لا يقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عثوا في دمائهم. ومعلوم أن كلاً من الطائفتين، معتقدة أنها على الحق، والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي ﵁ من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم، وردتهم، وقتلهم؛ أترى أهل الشام لو حملتهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم، والمقاتلة معهم، لو امتنعوا، أترى أن أحداً من الصحابة شك في كفر من التجأ إليهم، ولم يظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم من التجأ، لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان؟ قال، ﵀: فتفكر في هذه القصة، فإنها لا تبقي شبهة إلا على من أراد الله فتنته. انتهى كلامه، رحمه الله تعالى. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3610

[تقوية العضد على الإنكار على من والى الكفار] وله أيضاً، قدس الله روحه، ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الشيخ المكرم: حمد بن عتيق، سلمه الله، وفرج له من كل هم وضيق؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، أوصيك بتقوى الله تعالى، والصدق في معاملته، ونصر دينه، والتوكل عليه في ذلك. وأكثر الناس استنكروا الإنكار على من والى العسكر المشركين، وركن إليهم، وراح إلى بلادهم، وشهد كفرياتهم، ومبارزتهم لرب العالمين بالقبائح، والكفريات المتعددة؛ هذا مع قرب العهد بدعوة شيخنا، والقراءة في تصانيفه، ورسائله وأصوله، وهذا مما يستبين به ميل النفوس إلى الباطل، ومسارعتهم إليه، ومحبتهم له، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٧١] . ويبلغنا عنك ما يسر، ولكننا نرجو لنا ولك فوق ذلك مظهراً، وبعض الإخوان ما كبر همه بهذه القضية، ولا اشتد إنكاره، ولا ظهر منه غضب لله، ولا حمية لدينه، وأنفة من ذهاب الإسلام، وهدم قواعده، وإن أنكر بعضهم، وذم ذلك وتبرأ منه، لكن مع الهوينا في ذلك، ولين

стр. 3611

الجانب، ومحبته للإعراض، وعدم البحث. وأظن الشيطان قد بلغ مراده منهم في ذلك، واكتفى به لما فيه من الغرض، ولعلمه بغائلته وغايته، وأن الدين لا يستقيم معه، قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٢] أي: بالقرآن. وللشيطان وأعوانه غرض في المداهنة، لأنها وسيلة إلى السلم، ووضع الحرب بين الطائفتين، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٩] ، شعراً: وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار فعليك بالجد، والحذر من خدع الشيطان! جعلنا الله وإياك من أنصار السنة والقرآن. ثم قال، رحمه الله تعالى: ولا تذخر حض أهل الأفلاج، وحثهم على جهاد هذه الطائفة الكافرة. وأهل نجد كادهم الشيطان، وبلغ مبلغاً عظيماً، وصل بهم إلى عدم الوحشة من أكفر خلق الله، وأضلهم عن سواء السبيل، الذين جمعوا بين الشرك في الإلهية، والشرك في الربوبية، وتعطيل صفات الله، ومعهم جملة من عساكر الإنقليز، المعطلة لنفس وجود البارئ، القائلين بالطبائع والعلل، وقدم العالم، وأبديته. وبلغنا أنهم كتبوا خطوطاً لجهات نجد، مضمونها: إنا مسلمون، نشهد أن لا إله إلا الله، ونحو هذا الكلام،

стр. 3612

وبسطوا القول في أمر الدولة، والترهيب منهم، والترغيب فيهم. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الله قد استخلفكم في الأرض، بعد ذلك القرن الصالح، لينظر كيف تعملون، فاحذر أن تلقاه مداهناً في دينه، أو مقصراً في جهاد أعدائه، أو في النصح له ولكتابه ولرسوله. واجعل أكثر درسك في هذا، ولو اقتصدت في التعليم؛ والقلوب أوعية، يعطى كل وعاء بحسبه. [الحث على جهاد الكفار] وله أيضاً، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: الشيخ حمد بن عتيق، سلمه الله تعالى، ووفقه للصبر واليقين، ورزقه الهداية بأمره، والإمامة في الدين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وأسأله الثبات على دينه، الذي رغب عنه الجاهلون، ونكب عنه المبطلون. والخط وصل، وسرني ما فيه من الإخبار عن عافيتكم، وسلامتكم، والحمد لله على ذلك. وما ذكرت كان معلوماً، لا سيما ما أشرت إليه من حال الجاهلين، وخوضهم في مسائل العلم والدين. وليس العجب

стр. 3613

ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [سورة البينة آية: ٤] . والواجب على من رزقه الله علماً وحكمة، أن يبثه في الناس وينشره، لعل الله أن ينفع به، ويهدي على يديه من أدركته السعادة، وسبقت له الحسنى. واعلم أن الإمام سعود، قد عزم على الغزو والجهاد، وكتبت لك خطاً، فيه الإلزام بوصول الوادي، وحث من فيه من المسلمين على الجهاد في سبيل الله، واستنقاذ بلاد المسلمين من أيدي أعداء الله المشركين. وقد بلغك ما صار من صاحب بريدة، وخروجه عن طاعة المسلمين، ودخوله تحت طاعة أعداء رب العالمين، ونبذ الإسلام وراء ظهره; كذلك حال البوادي والأعراب، استخفهم الشيطان وأطاعوه، وتركوا ما كانوا عليه من الانتساب إلى الإسلام. فتوكل على الله، واحتسب خطواتك وكلماتك، وحركاتك وسكناتك، وشمر عن ساعد جدك واجتهادك؛ فقد اشتد الكرب، وتفاقم الهول والخطب، والله المستعان. وقد عرفت القراء في زمانك، وأن أكثرهم قد راغ روغان الثعالب، فلا يؤمن على مثل هذه المقاصد والمطالب، والله سبحانه المسؤول، المرجو الإجابة، أن يمن علينا وعليك بالتوفيق والتسديد، وأن ينفع بك الإسلام

стр. 3614

والتوحيد. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٩] . يا سعد إنا لنرجو أن تكون لنا ... سعدا ومرعاك للزوار سعدانا وأن يضر بك الرحمن طائفة ... ولّت وينصر من بالخير والانا والسلام. [إعلان الإنكارعلى المجاهرين من الفساق] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: الشيخ حمد بن عتيق، أمده الله بالتسديد والتوفيق، وأذاقه حلاوة الإيمان والتحقيق؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، على نعمه. والخط وصل، وما ذكرت صار معلوماً، وأرجو أن الله يسدد ولي أمر المسلمين، ويمن عليه بمعرفة هذا الدين، والرغبة فيه، واتباع ما من الله به من الهدى، الذي جاءت به رسله. وأكثر الناس ما رغبوا في هذا، ولا رفعوا به رأساً؛ ونشكو إلى الله ما نحن فيه، من غربة الدين، وقلة الأنصار. وما ذكرت من جهة ... وأنك ترى العفو والصفح، فاعلم: أن الحق في ذلك لله; والواجب على المسلم: تغيير المنكر بحسب الاستطاعة، وليس له العفو والصفح إلا في حق نفسه. وما ورد من النصوص في الصفح عن أعداء الله، إنما هو في الآيات المكية؛ وقد صرح القرآن بنسخه،

стр. 3615

وجاءت السنة ببيان ذلك. ولم يرد في الآيات المدنية، الأمر بالصفح عن المشركين، وأعداء الدين؛ بل جاء الأمر بجهادهم، والغلظة عليهم في غير موضع، وجاء الأمر بإعلان الإنكار على المجاهرين من الفساق، ولو كان مسلماً. ومن جاهر بالمعاصي، ونصرة أولياء المشركين، فلا حرمة لعرضه، ولا يشرع الستر عليه بترك الإنكار؛ وفي قصة حاطب، ما يدلك على هذا، وهو صحابي بدري، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النور آية: ٢] . وقد ذكر ابن القيم طرفاً من الفروق في كتاب الروح، فينبغي مراجعته، ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومثلك يقتدى به، وقد نفع الله بإنكارك وشدتك على أهل الزيغ، فلا ينبغي العدول إلى خيال لا يعرج عليه. وقد عرفت حال أهل وقتك من طلبة العلم، وأنهم ما بين مجاهر بإنكار الحق، قد لبس عليه أمر دينه، أو مداهن مع هؤلاء ومع هؤلاء، غاية قصده السلوك مع الناس، وإرضاؤهم، أو ساكت معرض عن نصرة الحق، ونصرة الباطل، يرى الكفاف أسلم، وأن هذا الرأي أحكم؛ هذا حال فقهاء زمانك، فقل لي: من يقوم بنصر الحق وبيانه، وكشف الشبهة عنه ونصرته، إذا رأيت السكوت والصفح، كما في البيتين اللذين في الخط؟ فينبغي النظر في زيادة قيد في تلك الأبيات، لئلا يتوجه الإيراد، والسلام.

стр. 3616

[الحث على الجد فيما ينجي من الركون إلى أهل الكفر] وله أيضاً، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأمير المكرم: سالم بن سلطان، سلمه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. وبلغنا خبر هذه الفتنة التي حصلت عندكم من عزان ومن تبعه، ممن استزلهم الشيطان. وبلغنا أنك لم تشهد هذا المشهد، ولم تحضر ما جرى في ذلك المعهد، وسرنا هذا، لأنا نحب لكم ما جرى عليه أسلافكم، من الانحياز إلى المسلمين، ولزوم الجماعة، وترك المفارقة ونبذ الطاعة، فالله سبحانه يبتلي العبد على حسب إيمانه، ليعلم الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين. فعليكم بالجد والاجتهاد فيما يحفظ الله به عليكم الإيمان والتوحيد، وينجيكم من الركون إلى أهل الكفر والإشراك والتنديد، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى

стр. 3617

لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٨١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] . فتأمل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] ، فإن هذا الحرف وهو: "إن" الشرطية تقتضي نفي شرطها إذا انتفى جوابها؛ ومعناه: أن من اتخذهم أولياء فليس بمؤمن. فعليكم بتقوى الله، ولزوم طاعته، والعمل لوجهه، واحذروا أن يضيع الإسلام لديكم، أو يلتبس الحق عليكم، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية: ٩٤] . نسأل الله لنا ولكم الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن لا ينزع عنا ما منّ به من الإيمان والتوحيد، بعد ما تفضل علينا وأعطانا.

стр. 3618

وقد وعد الله عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، بالنصر والظفر، وحسن العاقبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٣] . وقد كتبنا هذا تذكرة، ولم يبلغنا عنك في فتنة "عزان" ما يوجب اتهامك؛ ولكن أحببنا الموعظة والتذكرة. والواصل إليك ولدنا: علي بن سليم، بتدبير الإمام، بتذكير أهل الإسلام، وحثهم على الثبات، والتمسك بدين الله الذي ارتضاه لنفسه. واختار القدوم عليكم، لأنكم أخص، والله الموفق الهادي.

стр. 3619

وله أيضا عفا الله عنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الطيف بن عبد الرحمن، إلي الأخ المكرم: حمد بن عتيق، سلمه الله تعالي، ونصر به شرعه ودينه، وثبت إيمانه ويقينه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، علي حلو نعمه ومر بلواه، وبديع حكمه، والخط وصل؛ وما ذكرت صار معلوما، وكتبت لك خطا أولا، علي نشر النصائع، وكتب الرسائل، لأني استعظت ما فعل " سعود " من خروجه علي الأمة وإمامها، يضرب برها وفاجرها، إلا من أطاعه، وانتظم في سلكه، و " عبد الله " له بيعة، وولاية شرعية في الجملة. ثم بعد ذلك بدا لي منه: أنه كاتب الدولة الكافرة الفاجرة، واستنصرها، واستجلبها علي ديار المسلمين، فصار كما قيل: والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار فخاطبته شفاها بالإنكار والبراءة، واغلظت له بالقول: إن هذا هدم لأصول الإسلام، وقلع لقواعده، وفيه وفيه وفيه، مما لا يحضرني تفصيله الآن، فأظهر التوبة والندم، وأكثر الاستغفار؛ وكتبت علي لسانه لوالي بغداد؛ أن الله قد أغنى ويسر، وانقاد لنا من أهل نجد والبوادي، ما يحصل به المقصود، إن شاء الله تعالي، ولا حاجة لنا بعساكر الدولة،

стр. 3620

وكلام من هذا الجنس، وأرسل الخط فيما أرى، وتبرأ مما جرى. فاشتبه علي أمره، وتعارضا عندي موجبان، إمامته، ومبيح خلعه، حتى نزل " سعود " بمن معه من أشرار نجد، وفجارها، منافقيها، فعثى في الأرض بسفك الدماء، وقطع الثمار، وإخافة الأرامل والمحصنات، وانتهاك حرمة اليتامى والأيامى، هذا وأخوه منحصر في شعب " الحائر " وقد ظهر عجزه، واشتهر، وأهل البلد معهم من الخوف، ومحبة المسارعة إليه، ما قد عرف؛ فرأيت من المتعين علي مثلي: الأخذ علي يد أهل البلاد، والنزول إلى هذا الرجل، والتوثق منه، ودفع صولته، حقنا لدماء المسلمين؛ وصيانة لعوراتهم، ونسائهم، وحماية لأموالهم وأعراضهم؛ وكان لم يعهد لي شيئا، ولكن الأمر إذا لم يدرك، كان الرأي فيه: أصوبه، وأكمله، وأعمه نفعا. فلما واجهت " سعودا " وخاطبته فيما يصلح الحال، فيما بينه وبين أخيه، واشترط شروطا ثقالا علي أخيه، ولم يتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع القتنة، ويجمع الكلمة، ويلم الشعث، ويستدرك لبقية، وخشيت من عنوة علي البلدة، يبقى عارها بعد سفك دمائهم، ونهب أموالها، والسفاح بنسائها، لما رأيت أسباب ذلك متوفرة، وقد رفع الإيمان بالله ورسله، والدار الآخرة؛ وخرج عرفاؤه،

стр. 3621

والمعروفون من رجالها، فبايعوا " سعودا " بعد ما أعطاهم على دمائهم وأموالهم، محسنهم ومسيئهم، عهد الله وأمانه، عهدا مغلظا، فعند ذلك كتبت إليك الخط الثاني، بما رأيت من ترك التفرق والاختلاف، ولزوم الجماعة. وبعد ذلك: أتانا النبأ الفادح الجليل، والخطب الموجع العظيم، الذي طمس أعلام الإسلام؛ ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام، في تلك البلاد، التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك، واستيلائهم علي الأحساء والقطيف، يقدمهم طاغيتهم " داود بن جرجيس " داعيا إلى الشرك بالله، وعبادة إبليس. فانقادت لهم تلك البلاد، وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال ولا نزاع، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك برب العالمين، شاعت مسبة أهل التوحيد والدين، وفشا اللواط والمسكر، والخبث المبين؛ ولم ينتطح في ذلك شاتان، لما أوحاه وزينه الشيطان، من أن القوم: أنصار لعبد الله بن فيصل؛ فقبل هذه الحيلة، من آثر الحياة الدنيا وزينتها، علي الإيمان بالله ورسله، وكف النفس عن هلاكها، وشقاوتها. وبعضهم: يظن أن هذه الحيلة لها تأثير في الحكم، لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق،

стр. 3622

بل بلغني: أن بعض من يدعي طلب العلم، يحتج بقول شاذ مطرح، وهو: أن لولي الأمر أن يستعين بالمشرك عند الحاجة، ولم يدر هذا القائل، أن هذا القول يحتج قائله بمرسل ضعيف، مدفوع بالأحاديث المرفوعة الصحيحة، وأن قائله اشترط: أن لا يكون للمشركين رأي في أمر المسلمين، ولا سلطان، لقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) النساء ٤١ فكيف بما هو أعظم من ذلك وأطم، من الانسلاخ الكلي، والخدمة الظاهرة لأهل الشرك. إذا عرفت هذا، عرفت شيئا من جناية الفتن، وأن منها قلع قواعد الإسلام، ومحو أثره بالكلية، وعرفت حينئذ أن هذه الفتنة، من أعظم ما طرق أهل نجد في الإسلام، وأنها شبيهة بأول فتنة وقعت فيه، فالله الله في الجد والاجتهاد، وبذل الوسع والطاقة في جهاد أعداء الله، وأعداء رسله، قال تعالي: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) آل عمران ١٨٧، إلى أمثال ذلك في القرآن، يعرفها الخبير بهذا الشأن. هذا ما عندي في هذه الحادثة، قد شرحته وبسطته، كما ذكرت لي: ما عندك؟ وأسأل الله أن يهديني، وإياك إلي صراط مستقيم، وأن يمن علينا وعليك بمخالفة أصحاب الجحيم، والسلام.

стр. 3623

[أكثر أصول الدين وشعبه معدومة في الخواص] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ: حمد بن عبد العزيز؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وما ذكرت من غربة الدين، فالأمر أجل وأكبر من الغربة. أكثر أصوله وشعبه معدومة في الخواص، فكيف بالسوقة، ومن لا نهمة لهم في معرفة ما جاءت به الرسل، كالغيرة لله ولحرماته، وتعظيم أوامره، ومجاهدة أعداء دينه، والبراءة من موالاة المشركين، وأعداء رب العالمين، والتحيز إلى أهل الإيمان، وموالاتهم ونصرهم، ولزوم جماعة المسلمين، وغير ذلك من حقائق الدين، وشعب الإيمان؟ وهذه معدومة، نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والتمسك به عند فساد الزمان.

стр. 3624

[البراءة من أهل الشرك] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب: حمد بن عبد العزيز، سلمه الله تعالى، وأسبغ عليه سحائب فضله، ووالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والذي أوصيك به: القيام لله في هذه الفتنة الشركية، التي أشربتها قلوب أكثر الناس، واذكر قول ابن القيم، ﵀، في إغاثته: ولا ينجو من شرك هذا الشرك، إلا من عادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله ... إلخ. والمرء قد يكره الشرك، ويحب التوحيد، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم؛ فيكون متبعاً لهواه، داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه، فلا يحب ولا يبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسواه؛ وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله. فلا تذخر المذاكرة بهذا في كل مجلس وكل مجمع، وإن اجتمعت بعبد العزيز بن حسن، فدارجه بالنصيحة، عسى أن ينتفع ويقوم لله، ويبلغ عن رسول الله، فيكون عوناً لك في ناحيتك، والسلام.

стр. 3625

[تفلتات يخاف على صاحبها من النفاق والردة] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ عبد الله بن ربيعة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. وموجب الخط السلام، والسؤال عن الأحوال مع حدوث هذه الفتن العظام؛ ولعل الله حفظ عليكم الإسلام، وكره إليكم الكفر والفسوق والآثام. ولما أجرى الله هذه الحوادث بنجد، صار من بعض الجهال تفلتات وكلمات، يخاف على صاحبها من النفاق والردة عن الإسلام، وأنتم أهل فطرة، نشأتم في وقت الإسلام فيه قائم، والشرع فيه حاكم، وبين أظهركم من حملة الشرع وطلبة العلم، من يذكر وينصح ويبين. والآن قد عدم ذلك، وقل ما هنالك، ونَشْرهُ على مثلك من إخواننا، في القيام مع أهل الدين، وتذكير الجماعة بما كانوا عليه من الدين، والمباعدة من المشركين، وهذا فيما يرضي الله ويوجب سعادتك يوم لقائه. وهؤلاء الذين يحصل منهم كلام يضر بالإسلام، مثل ابن هويدي وأمثاله من السفهاء، نَشْرَهُ عليكم، إنكم تقومون عليهم، ولا يسكنون بلادكم. ومثلكم ما يعجز عن أمر يحصل به مرضاة الله،

стр. 3626

ونحن وغيرنا من المسلمين معكم على الحق. فأنت يا أخي لا تغفل عن هذه الأمور، واحرص على أن المقاود يصيرون هم أهل الخير لا أهل الشر. وفي حديث أبي بكر، لما سألته المرأة الخثعمية عن بقاء الإسلام، قال لها ما معناه: إنه يبقى ما استقامت الأئمة، يعني الرؤساء. فإذا صار الأخيار لهم القول، والكلمة النافذة، صلح أمر البلد، وقام الدين، نرجو أن الله يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. [معاشرة أعداء الله ومداهنتهم والصلاة خلفهم] وله أيضاً، أسكنه الله الفردوس الأعلى: بسم الله الرحمن الر حيم من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب: سهل بن عبد الله، سهل الله له الطريق الموصلة إليه، ووالى إفضاله وإنعامه عليه؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على إنعامه. وخطك لابن عجلان وجوابه لك وصلنا. والواجب على من عوفي في دينه، من هذه الورطات، أن يكثر من ذكر الله وشكره. وفي جوابه من الفهاهة والظلمة، ما لا يعرفه إلا أرباب البصائر، ولو سلم دينه وصح معتقده، لكانت له مندوحة عن معاشرة أعداء الله، ومداهنتهم، والصلاة خلفهم، ولو نوى الانفراد. وأما ما نقل عن داود، من قصد الزيارة، وأنه ما قصد

стр. 3627

الحج، فنعم؛ وهكذا الحال عند الغلاة في الأنبياء والصالحين، حتى صنف بعضهم كتاباً سماه: حج المشاهد، وربما فضل هذه الزيارة على حج بيت الله الحرام. فأوصيك بتقوى الله، وطلب العلم والإيمان، عله أن يجعل لك نوراً تسير به إلى الإله الحق، الذي في وصولك إليه كل السعادة والهداية، والسيادة في دورك الثلاث. واعلم: أن من حقوق الأخوة في الله، إدامة الدعاء لإخوانك في أوقات الإجابة. وبلغ سلامي إخوانك إجازة عامة مطلقة. وقال، رحمه الله تعالى وعفا عنه: ورد من بعض الأدباء ما نصه: رسائل شوق دائم متواتر ... إلى فرع شمس الدين بدر المنابرِ سلالة مجد من كرام عشائر ... يعيد بديعا من كنوز المحابرِ ويبدي لك التوحيد شمسا منيرة ... ولكن أهل الزيغ عميُ البصائرِ مدارس وحي شرفت بأكابر ... على ملة بيضاء تبدو لسائر سقى عهدكم عهد الشريعة والتقى ... وتعظيم دين الله أزكى الشعائرِ فيا راكباً بلّغ سلامي وتحفة ... تعزيه فيما قد مضى في العشائرِ وأعظم من ذا يا خليلي كتائب ... تهدم من ربع الهدى كل عامرِ ويبدو بها التعطيل والكفر والزنى ... ويعلو من التأذين صوت المزامرِ

стр. 3628

فقد سامنا الأعداء في كل خطة ... وأصل من الإسلام سوم المقامرِ أناخ لدينا للضلالة شيعة ... أباحوا حمى التوحيد من كل فاجرِ وقابلهم بالسهل والرحب عصبة ... على أمة التوحيد أخبث ثائرِ يقولون لكنا رضينا تقية ... تعود على أموالنا والذخائرِ فضحك ولهو واهتزاز وفرحة ... وألوان مأكول ونشوة ساكرِ مجالس كفر لا يعاد مريضها ... يراح إليها في المسا والبواكرِ ويرمون أهل الحق بالزيغ ويحهم ... أما رهبوا سيفاً لسطوة قاهرِ وأما رباع العلم فهي دوارس ... تحن إلى أربابها والمذاكرِ مصاب يكاد المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت هل من مثابرِ فجد لي برد منك تبرد لوعتي ... ويحدى به في كل ركب وسامرِ وتنصر خلا في هواك مباعداً ... ولولاك لم تبعث به أم عامرِ فأكثر وأقلل ما لها الدهر صاحب ... سواك فقابل بالمنى والبشائرِ

стр. 3629

فأجاب، ﵀، بما يثلج الصدور، ويبعث الانشراح والسرور، ويبل القلوب الصوادي، ويحدي به في كل ركب ونادي، وهذا نصه: رسائل إخوان الصفا والعشائر ... أتتك فقابل بالمنى والبشائرِ تذكرني أيام وصل تقادمت ... وعهداً مضى للطيبين الأكابرِ ليالي كانت للسعود مطالعاً ... وطائرها في الدهر أيمن طائرِ وكان بها ربع المسرة آهلاً ... نمتع في روض من العلم زاهرِ وفيها الهداة العارفون بربهم ... ذوو العلم والتحقيق أهل البصائرِ محابرهم تعلو بها كل سنة ... مطهرة أنعِمْ بها من محابرِ مناقبهم في كل مصر شهيرة ... رسائلهم يغدو بها كل ماهرِ وفيهم من الطلاب للعلم عصبة ... إذا قيل من للمشكلات البوادرِ وفيها الحماة الناصرون لربهم ... معاقلهم شهب القنا والخناجرِ وهندية قد أحسن القين صقلها ... مجربة يوم الوغى والتشاجرِ ورومية خضراء قد ضم جوفها ... من الجمر ما يفري صميم الضمائرِ وكانت بهم تلك الديار منيعة ... محصنة من كل خصم مقامرِ غدت بهمو تلك الفتون وشتتوا ... فلست ترى إلا رسوما لزائرِ وحل بهم ما حل بالناس قبلهم ... أكابر عرب أو ملوك الأكاسرِ وبدلت منهم أوجهاً لا تسرني ... قبائل يام أو شعوب الدواسرِ

стр. 3630

يذكرنيهم كل وقت وساعة ... عصائب هلكى من وليد وكابرِ وأرملة تبكي بشجو جنينها ... لها رنة بين الربى والمحاجرِ وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... تفوز بها يوم اختلاف المصادرِ فصل: فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي ودارت على الإسلام أكبر فتنة ... وسلت سيوف البغي من كل غادرِ وذلت رقاب من رجال أعزة ... وكانوا على الإسلام أهل تناصرِ وأضحى بنو الإسلام في كل مأزق ... تزورهمو غرثى السباع الضوامرِ وهتك ستر للحرائر جهرة ... بأيدي غواة من بواد وحاضرِ وجاؤوا من الفحشاء ما لا يعده ... لبيب ولا يحصيه نظم لشاعر وبات الأيامى في الشتاء سواغبا ... يبكين أزواجاً وخير العشائرِ وجاءت غواش يشهد النص أنها ... بما كسبت أيدي الغواة الغوادرِ وجر زعيم القوم للترك دولة ... على ملة الإسلام فعل المكابرِ ووازره في رأيه كل جاهل ... يروح ويغدو آثما غير شاكرِ وآخر يبتاع الضلالة بالهدى ... ويختال في ثوب من الكبر وافرِ وثالثهم لا يعبأ الدهر بالتي ... تبيد من الإسلام عزم المذاكرِ ولكنه يهوى ويعمل للهوى ... ويصبح في بحر من الريب غامرِ وقد جاءهم فيما مضى خير ناصحٍ ... إمام هدى يبني رفيع المفاخرِ وينقذهم من قعر ظلما مضلة ... لسالكها حر اللظى والمساعرِ

стр. 3631

ويخبرهم أن السلامة في التي ... عليها خيار الصحب من كل شاكرِ فلما أتاهم نصر ذي العرش واحتوى ... أكابرهم كنز اللهى والذخائرِ سعوا جهدهم في هدم ما قد بنى لهم ... مشائخهم واستنصروا كل داغرِ وساروا لأهل الشرك واستسلموا لهم ... وجاؤوا بهم من كل إفك وساحرِ ومذ أرسلوها أرسلوها ذميمة ... تهدم من ربع الهدى كل عامرِ وباؤوا من الخسران بالصفقة التي ... يبوء بها من دهره كل خاسرِ وصار لأهل الرفض والشرك صولة ... وقام بهم سوق الردى والمناكرِ وعاد لديهم للواط وللخنى ... معاهد يغدو نحوها كل فاجرِ وشُتت شمل الدين وانبتّ حبلُه ... وصار مضاعاً بين شر العساكرِ وأذن بالناقوس والطبل أهلها ... ولم يرض بالتوحيد حزب المزامرِ وأصبح أهل الحق بين معاقب ... وبين طريدٍ في القبائل صائر فقل للغوي المستجير بظلمهم ... ستحشر يوم الدين بين الأصاغرِ ويكشف للمرتاب أي بضاعة ... أضاع وهل ينجو مجير امِّ عامرِ ويعلم يوم الجمع أي جناية ... جناها وما يلقاه من مكر ماكرِ فيا أمة ضلت سبيل نبيها ... وآثاره يوم اقتحام الكبائرِ يعز بكم دين الصليب وآله ... وأنتم بهم ما بين راض وآمرِ وتهجر آيات الهدى ومصاحف ... ويحكم بالقانون وسط الدساكرِ هوت بكمو نحو الجحيم هوادة ... ولذات عيش ناعم غير شاكرِ سيبدو لكم من مالك الملك غير ما ... تظنون أن لاقى مزير المقابرِ

стр. 3632

يقول لكم ماذا فعلتم بأمة ... على ناهج مثل النجوم الزواهرِ سللتم سيوف البغي فيهم وعطلت ... مساجدهم من كل داع وذاكرِ وواليتمو أهل الجحيم سفاهة ... وكنتم بدين الله أول كافرِ نسيتم لنا عهدا أتاكم رسولنا ... به صارخا فوق الذرى والمنابرِ فسل ساكن الأحساء هل أنت مؤمن ... بهذا وما يحوى صحيح الدفاترِ وهل نافع للمجرمين اعتذارهم ... إذا دار يوم الجمع سوء الدوائرِ وقال الشقي المفتري كنت كارهاً ... ضعيفاً مضاعاً بين تلك العساكرِ أماني تلقاها لكل متبّر ... حقيقتها نبذ الهدى والشعائرِ تعود سرابا بعد ما كان لامعاً ... لكل جهول في المهامه حائرِ فإن شئت أن تحظى بكل فضيلة ... وتظهر في ثوب من المجد باهرِ وتدنو من الجبار ﷻ ... إلى غاية فوق العلى والمظاهرِ فهاجر إلى رب البرية طالباً ... رضاه وراغم بالهدى كل جائرِ وجانب سبيل العادلين بربهم ... ذوي الشرك والتعطيل مع كل غادرِ وبادر إلى رفع الشكاية ضارعاً ... إلى كاشف البلوى عليم السرائرِ وكابد إلى أن تبلغ النفس عذرها ... وترفع في ثوب من العفو ساترِ ولا تيأسنْ من صنع ربك إنه ... مجيب وإن الله أقرب ناصرِ ألم تر أن الله يبدي بلطفه ... ويعقب بعد العسر يسراً لصابرِ وأن الديار الهامدات يمدها ... بوبل من الوسمي هام وماطرِ فتصبح في رغد من العيش ناعم ... وتهتز في ثوب من الحسن فاخرِ

стр. 3633

وله أيضاً، ﵀ وعفا عنه: دع عنك ذكر منازلٍ ومغانِ ... وبدور أنس قد بدت وغوانِ وجآذر في روضة يشدو بها ... صوت النديم وشادن فتانِ لا تصغ للعشاق سمعك إنما ... منادمهم بين البرية عانِ والعشق داء قاتل ودواؤه ... في السنة المثلى عن الأعيانِ قطع الوسائل والذرائع والتي ... بين الورى أحبولة الشيطانِ واقرأ كتاب الله إن رمت الهدى ... أو رمت ترقى ذروة الإحسانِ واعكف بقلبك في أراضي روضةٍ ... مملوءة بالعلم والإيمانِ وانظر إلى تركيبه واعمل به ... إن كنت ذا بصر بهذا الشانِ هذا ولا ينجيك طب في التي ... ترجو بغير مشيئة الرحمانِ فاسأله في غسق الليالي والدجى ... يا دائم المعروف والسلطانِ وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... عند ازدحام عساكر الشيطانِ أشكو إليك حوادثا أنزلتها ... فتركْنني متواصل الأحزانِ من لي سواك يكون عند شدائدي ... إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني لولا رجاؤك والذي عودتني ... من حسن صنعك لاستطير جناني واذكر مآثر أقوام قد انتدبوا ... يوما لنصر الدين بالإحسانِ

стр. 3634

من صالحي الإخوان أعلام الهدى ... من أطدوا التوحيد ذا الأركانِ قامت بهم أركان شرعة أحمد ... وعلت سيوف الحق والإيمانِ وغدا الزمان بذكرهم متبسماً ... يبدو سنا للطالب الولهانِ سارت بهم أبناء مجد في الورى ... يعشي سناها عابدي الأوثانِ قد جددوا للدين أوضح منهج ... يبدو ضيا للسالك الحيرانِ حتى علا في عهدهم شأن الهدى ... وانقض ركن الشرك في الأديانِ أما العقائد إن ترد تحقيقها ... عنهم بلا شك ولا كتمانِ إن الإله مقدس سبحانه ... رب عظيم جل عن حدثانِ حقا على عرش السماء قد استوى ... يرى ويسمع فوق ست ثمان يعطي ويمنع من يشاء بحكمة ... في كل يوم ربنا ذو شانِ خضعت لعزة وجهه وجلاله ... حقا وجوه الخلق والأكوانِ بل كل معبود سواه فباطل ... من دون عرش للثرى التحتاني فاحذر توالي في حياتك غيره ... من كل معبود ومن شيطانِ واحذر طريقة أقوام قد افتتنوا ... في حب أدنى أو خسيس فانِ واقطع علائق حبها وطلابها ... إذ قطّعوا فيها عرى الإيمانِ لهفي عليهم لهفة من والهٍ ... متوجع من قلة الأعوانِ قد صاده المقدور بين معاشر ... في غفلة عن نصرة الرحمنِ

стр. 3635

واستبدلوا بعد الهدى طرق الهوى ... لما عمو عن واضح البرهانِ واقطع علائق حبهم في ذاته ... لا في هواك ونخوة الشيطانِ واهجر مجالس غيهم إذ قطّعوا ... فيها عرى التوحيد والإيمانِ لا سيما لما ارتضاهم جاهل ... ذو قدرة في الناس مع سلطانِ لما بدا جيش الضلالة هادماً ... ربع الهدى وشرائع الإحسانِ قوم سكارى لا يفيق نديمهم ... أبد الزمان يبوء بالخسرانِ قوم تراهم مهطعين لمجلس ... فيه الشقاء وكل كفر دانِ بل فيه قانون النصارى حاكماً ... من دون نص جاء في القرآنِ بل كل أحكام له قد عُطلت ... حتى النِّدا بين الورى بأذانِ ويرون أحكام النبي وصحبه ... في شرعهم من جملة الهذيانِ ويرون قتل القائمين بدينه ... في زعمهم من أفضل القربانِ والفسق عندهمو فأمر سائغ ... يلهو به الأشياخ كالشبانِ والمنع في قانونهم وطريقهم ... غصب اللواط كذاك والنسوان فانظر إلى أنهار كفْر فجِّرت ... قد صادمت لشريعة الرحمنِ بل لا يزال لجريها بين الورى ... من هالك متجاهل خوّانِ والله لولا الله ناصر دينه ... لتفصمت منا عرى الإيمانِ فالله يجزي من سعى في سدها ... من أمة التوحيد والقرآنِ

стр. 3636

والله يعطي من يشاء بفضله ... فوق الجنان عطية الرضوانِ وكذا يجازي من سعى في رفعها ... ما قد أعد لصاحب الكفرانِ يا رب واحكم بيننا في عصبة ... شدوا ركائبهم إلى الشيطانِ سلوا سيوف الغي من أغمادها ... وسعوا بها في ذلة وهوانِ واستبدلوا بعد الدراسة والهدى ... بالقدح في صحبٍ وفي إخوانِ صرفوا نصوص الوحي عن أوضاعها ... وسعوا بها في زمرة العميانِ فتحوا الذرائع والوسائل للّتي ... يهوى هواها عابدو الصلبانِ وسعوا بها في كل مجلس جاهل ... أو مشرك أو أقلف نصراني وقضوا بأن السير نحو ديارهم ... في كل وقت جائز بأمانِ لم يفقهوا معنى النصوص ولم يعوا ... ما قال أهل العلم والعرفانِ ما وافق الحكم المحل ولا هو اسـ ... ـتوفى الشروط فصار ذا بطلانِ فادرأ بها في نحرهم تلْقَ الهدى ... وارجمهمو بثواقب الشهبانِ واقعد لهم في كل مقعد فرصة ... واكشف نوابغ جهلهم ببيانِ حتى يعود الحق أبلج واضحاً ... يبدو سنىً للسالك الحيرانِ وقضوا بأن العهد باق للذي ... ولى الولاية شيعة الشيطانِ تباً لهم من معشر قد أُشربوا ... حب الخلاف ورشوة السلطانِ وقضوا له بالجزم أن متابه ... قد هد ما أعلى من البنيانِ وطلابه للأمر والحرب الوبي ... فعلى طريق العفو والغفرانِ

стр. 3637

[الحث على نشر العلم أوقات الفتن] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى زيد بن محمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، جعلنا الله وإياك من الشاكرين الصابرين. ومن مدة ما جاءنا منك مراسلة، وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضاً، لا سيما أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج. وأوصيك بتقوى الله تعالى، والقوة في دينك، ونشر العلم، خصوصاً في كشف الشبهة التي راجت على من لا بصيرة له، ولم يفرق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر من استنصر من أهل الملة على أهل الشرك، واجب على أهل الإيمان والدين، قال تعالى فيمن ترك الهجرة: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٢] . ومن عقيدة أهل السنة: أن الجهاد ماض مع كل إمام بر أو فاجر إلى يوم القيامة. واكتب لي جواباً يكون عوناً على البر والتقوى، وردعاً لأهل الجهل والهوى.

стр. 3638

[التساهل في الإنكار] وله أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى زيد بن محمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وما ذكرت من حال أكثر الناس، وأنهم دخلوا في الفتنة، ولا أحسنوا الخروج منها، فالأمر كما وصفت؛ ولكن ذكر الحافظ الذهبي أن حسيناً الصائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللفظية، فقال: مبتدع، فغضب أحمد وقال: اللفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام، أو كما قال. فأنكر على أبي ثور، التساهل في الإنكار، ورأى أن تعظيم الأمر والنهي، يقتضي غير ذلك، من ذكر أوصافهم الخاصة الشنيعة، والغلظة في كل مقام بحسبه. وفتنة البغي فتح باب الفتنة بالشرك والمكفرات، ووصل دخنها وشررها، جمهور من خاض فيها، من منتسب إلى العلم وغيره؛ والخلاص منها عزيز، إلا من تداركه الله ورده إلى الإسلام، ومنّ عليه بالتوبة النصوح، وعرف ذنبه.

стр. 3639

[تحريم السفر إلى بلاد المشركين] وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فالواجب على المؤمن: رد ما تنازع فيه الناس، إلى الله ورسوله ﷺ ، وأن يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ؛ فيكون الله إلهه ومعبوده، والرسول إمامه ومتبوعه، وأن يرغب في الحق ويلزمه، ويعض عليه بالنواجذ، وإن رغب عنه الأكثرون، ويحذر الباطل ويجتنبه، وإن رغب فيه الأكثرون؛ فمن عرف الحق وقبله وعمل به سعد، ومن اغتر بالكثير غوى وبعد. ومن أعظم الواجبات على المؤمن: محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، وكذلك ما يحبه من الأشخاص، كالملائكة، وصالح بني آدم، وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، وبغض من فعل ذلك. فإذا رسخ هذا

стр. 3640

الأصل في قلب المؤمن، لم يطمئن إلى عدو الله، ولم يجالسه ولم يساكنه، وساءه النظر إليه. فلما ضعف هذا الأصل، في قلوب كثير من الناس واضمحل، صار كثير منهم مع أولياء الله، كحاله مع أعداء الله، يلقى كلاً منهم بوجه طلق، وصار بلاد الحرب كبلاد الإسلام، ولم يخش غضب الله الذي لا تطيق غضبه السماوات والأرض، والجبال الراسيات. ولما عظمت فتنة الدنيا، وصارت أكبر همهم، ومبلغ علمهم، حملهم ذلك على التماسها وطلبها، ولو بما يسخط الله، فسافروا إلى أعداء الله في بلادهم، وخالطوهم في أوطانهم، ولبس عليهم الشيطان أمر دينهم، فنسوا عهد الله وميثاقه الذي أخذ عليهم، في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، ونسوا ما أخذ الرسول ﷺ على أصحابه عند البيعة، فكان يأخذ على أحدهم: "أن لا ترى نارك نار المشركين، إلا أن تكون حرباً لهم"، ومثل قوله ﷺ : " من جامع المشرك وسكن معه، فهو مثله " ١. وقد سئل أبناء شيخ الإسلام، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم: عن السفر إلى بلاد المشركين للتجارة؟ فأجابوا بما حاصله: أنه يحرم السفر إلى بلاد المشركين، إلا إذا كان المسلم قوياً له منعة، يقدر على

стр. 3641

إظهار دينه، وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من موادتهم، والركون إليهم، واعتزالهم؛ وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين. وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة، ولا نأكل ذبيحتهم حسن، لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده، بل لا بد مما ذكر. وقول القائل: إنهم لا ينكرون علينا، قول فاسد، وإنكارنا على من يظن به الخير، ومن يخالطهم يخاف عليه، إن سلم من الردة لا يسلم من الكبيرة الموبقة. وأما من يظن به موادة الكفار وموالاتهم، ويظن به أنه يرى أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين، فليس للكلام معه كبير نفع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد ألزم الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم الرسول، وينتهوا عما نهاهم عنه، وكان الصحابة، ﵃، شديداً حذرهم عما حذرهم نبيهم ﷺ . فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه أقسم أن لا يظله سقف هو وقاطع رحم، حذراً من قوله ﷺ : " ولا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم "، فكيف بمن جالس كافرا، أو واكله، وألان له الكلام؟! ويذكر عن عيسى ﵇، أنه قال: "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضى الله بسخطهم".

стр. 3642

فإذا كان هذا مع أهل المعاصي، فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] . قال أبو العالية: "لا تميلوا إليهم كل الميل، في المحبة ولين الكلام؛ فتوعد سبحانه بمسيس النار، من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام". وإن الله تعالى فرض على عباده جهادهم، والغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقال تعالى لما ذكر حال المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٣] ، قال بعض المفسرين: أمر الله نبيه ﷺ بالإعراض عن المنافقين، وإغلاظ القول عليهم، وأن لا يلقاهم بوجه طلق، بل يكون وجهه مكفهراً عابساً، متغيراً من الغيظ. فإذا كان هذا مع المنافقين الذين بين أظهر المسلمين، يصلّون معهم ويجاهدون معهم، ويحجون، فكيف بمن يسافر إلى المشركين، وأقام بين أظهرهم أياماً وليالي، واستأذن عليهم في بيوتهم، وبدأهم بالسلام، وأكثر لهم التحية، وألان لهم الكلام، وليس له عذر إلا طلب العاجلة، ولم يجعل الله الدنيا عذراً لمن اعتذر بها.

стр. 3643

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٦-١٧] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎، في الحديث الطويل الذي قال فيه: " ولا يحملكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ". ولما نهى الله سبحانه عن حمل المشركين إلى بيته، وعلم من خلقه الاعتذار بالحاجة، قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٨] ، فلم يعذر الله بالفقر والحاجة إلى ما في أيديهم، وأخبر أنه الرزاق ذو القوة المتين. والموجب لهذه النصيحة: الشفقة عليكم، مخافة أن

стр. 3644

توادوهم فتكونوا مثلهم؛ والكلام في هذا مع مؤمن عاقل، يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن هواها، وأما المنافق والمرتاب، ومن يرد الله فتنته، فالله له بالمرصاد، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٨-٨٩] . فالواجب على العاقل الناصح لنفسه: النظر في أمره، والفكرة في ذنوبه، ومجاهدة نفسه على التوبة النصوح، والندم على ما فات، والعزيمة على أن لا يعود، والتبديل بالعمل الصالح، وتقديم محبة الله على جميع المحاب، وإيثار مرضاته على حظوظ النفس؛ فإن كل شيء ضيعه ابن آدم، ربما يكون له منه عوض، فإن ضيع حظه من الله، لم يكن له عوض. وقد خاب من كان حظه من الله دنيا يحتلب درها، والخاسر من خسر دينه، وإن أفاد في دنياه. نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يأخذ بنواصينا إليه، وأن يلزمنا كلمة التقوى، وأن يجعلنا من أهلها، وصلى الله على محمد.

стр. 3645

[الهجرة من بلاد المشركين] وله أيضاً، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حمد بن عتيق، إلى الأخ: عبد الله بن صالح، أصلح الله له الشأن، وهداه للإسلام والإيمان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ونسأله أن يصلي على محمد ﷺ . ووصل إلينا كتابك، وفهمنا مضمون خطابك، وإن كان في صدره ما لا يليق، ولم يصدر عن عين تحقيق؛ وقد علمت ما في مدح الإنسان في وجهه من الذم، وإن كان بحق، فكيف إذا كان بغير ذلك؟ ثم إن في خطابك طلب المشورة مني، بالانتقال من بلادك، فأقول: اعلم: أن الله سبحانه وبحمده، بعث محمداً ﷺ بالحنيفية ملة إبراهيم، وأمره باتباعها بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٣] ، وأمره بالتصريح لمن تركها، بأنه لازم لها، وبريء ممن خالفها، بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] .
следующие страницы →