← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

إظهار دينه، وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من موادتهم، والركون إليهم، واعتزالهم؛ وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين. وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة، ولا نأكل ذبيحتهم حسن، لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده، بل لا بد مما ذكر. وقول القائل: إنهم لا ينكرون علينا، قول فاسد، وإنكارنا على من يظن به الخير، ومن يخالطهم يخاف عليه، إن سلم من الردة لا يسلم من الكبيرة الموبقة. وأما من يظن به موادة الكفار وموالاتهم، ويظن به أنه يرى أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين، فليس للكلام معه كبير نفع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد ألزم الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم الرسول، وينتهوا عما نهاهم عنه، وكان الصحابة، ﵃، شديداً حذرهم عما حذرهم نبيهم ﷺ . فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه أقسم أن لا يظله سقف هو وقاطع رحم، حذراً من قوله ﷺ : " ولا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم "، فكيف بمن جالس كافرا، أو واكله، وألان له الكلام؟! ويذكر عن عيسى ﵇، أنه قال: "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضى الله بسخطهم".

стр. 3642

فإذا كان هذا مع أهل المعاصي، فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] . قال أبو العالية: "لا تميلوا إليهم كل الميل، في المحبة ولين الكلام؛ فتوعد سبحانه بمسيس النار، من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام". وإن الله تعالى فرض على عباده جهادهم، والغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقال تعالى لما ذكر حال المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٣] ، قال بعض المفسرين: أمر الله نبيه ﷺ بالإعراض عن المنافقين، وإغلاظ القول عليهم، وأن لا يلقاهم بوجه طلق، بل يكون وجهه مكفهراً عابساً، متغيراً من الغيظ. فإذا كان هذا مع المنافقين الذين بين أظهر المسلمين، يصلّون معهم ويجاهدون معهم، ويحجون، فكيف بمن يسافر إلى المشركين، وأقام بين أظهرهم أياماً وليالي، واستأذن عليهم في بيوتهم، وبدأهم بالسلام، وأكثر لهم التحية، وألان لهم الكلام، وليس له عذر إلا طلب العاجلة، ولم يجعل الله الدنيا عذراً لمن اعتذر بها.

стр. 3643

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٦-١٧] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎، في الحديث الطويل الذي قال فيه: " ولا يحملكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ". ولما نهى الله سبحانه عن حمل المشركين إلى بيته، وعلم من خلقه الاعتذار بالحاجة، قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٨] ، فلم يعذر الله بالفقر والحاجة إلى ما في أيديهم، وأخبر أنه الرزاق ذو القوة المتين. والموجب لهذه النصيحة: الشفقة عليكم، مخافة أن

стр. 3644

توادوهم فتكونوا مثلهم؛ والكلام في هذا مع مؤمن عاقل، يخاف مقام ربه وينهى نفسه عن هواها، وأما المنافق والمرتاب، ومن يرد الله فتنته، فالله له بالمرصاد، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٨-٨٩] . فالواجب على العاقل الناصح لنفسه: النظر في أمره، والفكرة في ذنوبه، ومجاهدة نفسه على التوبة النصوح، والندم على ما فات، والعزيمة على أن لا يعود، والتبديل بالعمل الصالح، وتقديم محبة الله على جميع المحاب، وإيثار مرضاته على حظوظ النفس؛ فإن كل شيء ضيعه ابن آدم، ربما يكون له منه عوض، فإن ضيع حظه من الله، لم يكن له عوض. وقد خاب من كان حظه من الله دنيا يحتلب درها، والخاسر من خسر دينه، وإن أفاد في دنياه. نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يأخذ بنواصينا إليه، وأن يلزمنا كلمة التقوى، وأن يجعلنا من أهلها، وصلى الله على محمد.

стр. 3645

[الهجرة من بلاد المشركين] وله أيضاً، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حمد بن عتيق، إلى الأخ: عبد الله بن صالح، أصلح الله له الشأن، وهداه للإسلام والإيمان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ونسأله أن يصلي على محمد ﷺ . ووصل إلينا كتابك، وفهمنا مضمون خطابك، وإن كان في صدره ما لا يليق، ولم يصدر عن عين تحقيق؛ وقد علمت ما في مدح الإنسان في وجهه من الذم، وإن كان بحق، فكيف إذا كان بغير ذلك؟ ثم إن في خطابك طلب المشورة مني، بالانتقال من بلادك، فأقول: اعلم: أن الله سبحانه وبحمده، بعث محمداً ﷺ بالحنيفية ملة إبراهيم، وأمره باتباعها بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٣] ، وأمره بالتصريح لمن تركها، بأنه لازم لها، وبريء ممن خالفها، بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] .

стр. 3646

بل أمره الله: أن يصرح بكفر الكافرين، وبراءتهم من الدين، بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ١-٣] . وأمثال هذا في القرآن كثير. وبالجملة: فأصل دين جميع الرسل، هو القيام بالتوحيد، ومحبته ومحبة أهله، وموالاتهم، وإنكار الشرك، وتكفير أهله، وبغضهم، وإظهار عداوتهم، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، ومعنى قوله: ﴿وَبَدَا﴾ أيك ظهر وبان؛ والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن لم يوحد ربه. فمن حقق ذلك علماً وعملاً، وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده، لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان. وأما من لم يكن كذلك، بل ظن أنه إذا تُرك يصلي ويصوم ويحج، سقطت عنه الهجرة، فهذا جهل بالدين، وغفول عن زبدة رسالة المرسلين؛ فإن البلاد إذا كان الحكم فيها لأهل الباطل عباد القبور، وشربة الخمور، وأهل القمار، فهم لا يرضون إلا بشعائر الشرك، وأحكام الطواغيت، وكل موطن يكون كذلك، لا يشك من له أدنى ممارسة للكتاب والسنة، أن أهله على غير ما كان عليه رسول الله ﷺ .

стр. 3647

فليتأمل العاقل، وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله ﷺ وأصحابه من مكة، وهي أشرف البقاع؛ فإن من المعلوم: أنهم ما أخرجوهم إلا بعد ما صرحوا لهم بعيب دينهم، وضلال آبائهم، فأرادوا منه ﷺ الكف عن ذلك، وتوعدوه وأصحابه بالإخراج. وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم: اتركوا عيب دين المشركين، وتسفيه أحلامهم. فاختار الخروج بأصحابه، ومفارقة الأوطان، مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] ، ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٠] . نعم، إن كانت ولاية أهل الإسلام عليكم ضافية، وأوامرهم فيكم نافذة، وأيدي أهل الشرك والضلال عنكم قاصرة، ولم يبق إلا جفاء في الفروع، وتقصير في بعض الواجبات، ونحو ذلك، ففي مثل هذه الحال، قد تكون الهجرة مستحبة في حق بعض الناس; فإن كان في إقامة الإنسان تخفيف للشر، وتكثير للخير، فربما يترجح في حقه الإقامة، إذا لم يخف على دينه من الفتن. وبما ذكرناه يظهر للمتأمل ما يصلح دينه، والسلام.

стр. 3648

وسئل، ﵀: إذا كان الرجل يتهم بالركون إلى الكفار، هل تجوز مجالسته، ومحادثته، أو لا؟ فأجاب: قد حرّم الله تعالى في كتابه الركون إلى الذين ظلموا، فإذا كان الركون ظاهراً معلوماً، فلا يجوز للمؤمن أن يتخذ الراكن جليساً; وأما محادثته، فإن كانت لنصيحته ودعوته إلى الله، ونهيه عن هذا المنكر، فهذه لا بأس بها، بل هي طاعة لله تعالى، وجهاد في سبيله. وأما محادثته صاحباً وخليلاً، فذلك لا يجوز، وهو من القوادح في الدين. وأما إذا لم يكن الركون ظاهراً، وليس إلا مجرد تهمة لا دليل عليها، فلا يجوز هجر المسلم لأجل ذلك، والله أعلم.

стр. 3649

[حكم هجر ونفي من زل ثم تاب] وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى جناب الإخوان الكرام، وفقهم الله للبصيرة والإيمان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، موجب كتابي لكم: ما يبلغني عنكم، من الشر الوخيم، والفعل الذميم، وهو: أنه إذا أخطأ أحد من المسلمين أو من الإخوان، أو زل زلة، وأظهر الندم والتوبة، ورجع إلى إخوانه، أنكم تنفونه، وتأمرون بهجره؛ هذه من سنن ابن بطي الخبيثة، والله سبحانه وبحمده يدعو عباده إلى التوبة، ويقبل منهم، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٤] ، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [سورة النساء آية: ١٧] ، وقال ﷺ : " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " ١، وقال ﷺ لما قيل له: قاتل الله فلاناً، لما رأوه يجلد في شرب الخمر: " لا تعينوا الشيطان على صاحبكم ".

стр. 3650

والموجب لهذا: فعلكم مع فلان لما تاب وأراد المنزل نفرتموه، ولا خفتم سوء الخاتمة، ولا سألتم الله الثبات، ومن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه. وأيضاً، البلدان، الأمر فيها لله ثم لولي الأمر، كيف تبدرون بأمر بدون مراجعته وأمره؟ والذي يأمركم بهذا، حقيقة أمره أنه يأمركم بخروجكم عن الطاعة، فأنتم اعرفوا ربكم، واعرفوا أنفسكم، الذي ما يقبل توبة أخيه المسلم، ولا يقبل اعتذاره، لا يقبل الله توبته، ولا يقيل عثرته، قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٧١] . لا تعرضوا عن القرآن وأحكامه، وتأخذوا بضلال ابن بطي وأتباعه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وسئل: عن الفرق بين الموالاة، والتولي؟ فأجاب: التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب، كبل الدواة، أو بري القلم، أو التبشش لهم، أو رفع السوط لهم.

стр. 3651

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: هل للهجر حد ... إلخ؟ فأجابا: أما الهجر لأجل الدين، فليس له حد محدود، بل هو بحسب المصلحة الراجحة؛ وقد اختلف العلماء في حده، كما هو مبسوط في فتح الباري، على قصة الثلاثة الذين خلفوا عام تبوك. والصحيح أنه لا حد له، والله أعلم. [عداوة وهجر من سافر إلى بلاد الكفار] وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى: ما قولكم فيمن يسافر من المسلمين إلى بلاد الشرك، هل تجب عداوته وهجره، أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. المسافر إلى بلاد الشرك قسمان: قسم يستوطنون بلاد المشركين، فهؤلاء إذا لم يظهروا دينهم بالبراءة من دين المشركين، وتكفيرهم، حكمهم حكمهم، وفيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] أي: في صف المسلمين وفريقهم، أم في صف المشركين وفريقهم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، فردت عليهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، والأرض الواسعة إذ ذاك: المدينة، وفيها ثلاث محال من اليهود كفار لم يسلموا. قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧-٩٨] . صح أن

стр. 3652

الصحابة قالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله هذه الآية. وفي هذا الضرب، قول النبي ﷺ : "من جامع المشرك أو سكن معه، فهو مثله " ١، وقال النبي ﷺ : " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين " ٢. وفيهم قول النبي ﷺ : "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين" ٣ الحديث؛ فهؤلاء تجب عداوتهم وهجرهم. الضرب الثاني: من يسافر إلى بلاد المشركين للتجارة، ويرجع إلى بلده في المسلمين، فهؤلاء قسمان أيضا: قسم ينزه دينه عن الصلاة وراء أئمتهم، ولا يأكل ذبحهم، ولا يركن إليهم بالمودة ولين الكلام، ويكفرهم، ولا يسلم عليهم، فهذا لا يعادى ولا يهجر، لأن بعض الصحابة سافر، ودخل بلاد الشرك للتجارة. والقسم الثاني: من يسافر إليهم، ويعتقد إسلامهم، وربما فضلهم على المسلمين، فهذا له حكم هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥١-٥٢] . وهذا يوجد من كثير، يفضل أهل الشرك، ويجادل عنهم، فهذا تجب عداوته وهجره.

стр. 3653

وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠-٨١] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وما أكثر هذا الضرب في الناس! فإنه يعاقب بالطبع على قلبه، حتى لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، بل تراه كالمنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٦٧] . ومن تدبر الكتاب والسنة، عرف ذلك. وأكثر الناس يتعصب لأهل الباطل، إما لأجل دنيا أو رياسة أو قرابة؛ وقد قال النبي ﷺ : "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنيمة، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " ١. والفقيه الذي ينزل نصوص الكتاب والسنة على الواقع، فينفذ الحكم فيهم على وفق النص، ولا يقدم عادة الناس أو حظوظ نفسه، أو الخوف من أذاهم، فيداهن في دين الله فيهلك مع الهالكين; والله المستعان، وعليه التكلان، وهو

стр. 3654

حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد، وآله وصحبه وسلم. [الهجرة من بلاد المشركين] وسئل: عن الهجرة من بلاد المشركين؟ فأجاب: الهجرة من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام، فرض واجب بنص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة؛ وقد فرضها الله على رسوله وأصحابه، قبل فرض الصوم والحج، كما هو مقرر في الأصول والفروع. ولما تثاقل أناس ممن أسلم، وأخرجتهم قريش معهم يوم بدر، فقُتل من قُتل منهم، حزن الصحابة، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] يعني: في فريق المسلمين وصفّهم، أم في فريق المشركين وصفّهم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، يعنون: أخرجنا كرهاً. قالت الملائكة رداً عليهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، ولم يكن إذ ذاك دار هجرة غير المدينة، وفيها ثلاث محال كبار من اليهود، قبل أن يجلَوْا منها، وهي إذ ذاك أضيق البلاد عيشاً، ورمتهم العرب عن قوس العدوان، ومع ذلك سماها الله سبحانه أرضاً واسعة. وقال تعالى في سورة "التوبة" وهي من آخر ما نزل فيمن شح بمحبوبات الدنيا، وترك لأجلها الهجرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ

стр. 3655

وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] . ولا يفسق إلا بترك واجب، وقد قال ﷺ : " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين " ١، وقال: " من جامع المشرك وسكن معه، فهو مثله " ٢. فهذه مسألة هي من أصول الشريعة المحمدية، وليست من مسائل الخلاف، بل هي مجمع عليها، ولا ينازع فيها إلا ضال أضل من حمار أهله، ولكن من خالط المشركين، وأقام بين أظهرهم، عوقب بمثل هذا الزيغ، نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومن مضلات الفتن.

стр. 3656

[رد زعم من قال أن الهجرة من بلاد الكفر ليست واجبة] وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. من محمد بن عبد اللطيف، إلى عبد الله بن علي الزحيفي، سلام على عباد الله الصالحين. أما بعد، فقد بلغنا عنك شبهة عظيمة، وزلة وخيمة، لا تكاد تصدر ممن يدعي أنه من المسلمين، وذلك أنك تزعم أن الهجرة ليست بواجبة، بل هي مستحبة، أو أنها منقطعة على الدوام، مستدلاً على ذلك بقوله ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد وني ة" ١. فليس الأمر كما زعمت، ولا ما إليه جنحت وقصدت، بل لم تفهم المراد من الحديث، والمقصود منه؛ ولكن لما غلب على قلبك من الهوى ومخالفة الحق، وما طبع عليه من الرين، بعدم الفرق بين القبيح والشين، واستحباب الحياة الدنيا وإيثارها على الآخرة، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى. فإن معنى الحديث: أن مكة لما صارت بلد إسلام، ومعقل إيمان، لم تكن الهجرة منها واجبة; وأما إذا كانت البلاد مكة فما دونها، بلاد كفر ومحل شرك، فالهجرة منها

стр. 3657

واجبة متعينة، على كل من له قدرة، بنص الكتاب والسنة، وإجماع أهل الحنيفية والملة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٧] . قال ابن كثير في تفسير الآية: هذه الآية دالة على وجوب الهجرة، عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، أي: بترك الهجرة، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] أي: لِم مكثتم ههنا وتركتم الهجرة؟ ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، أي: لا نقدر على الخروج ولا الذهاب في الأرض. ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧-٩٩] . انتهى. وقال البيضاوي: الآية دالة على وجوب الهجرة، ففي الحديث: "من فر بدينه من أرض إلى أرض، استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ﵇، ونبيه محمد ﷺ ". انتهى. وقال ابن حجر في فتح الباري: قال البخاري، رحمه الله تعالى: باب لا هجرة بعد الفتح، أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك

стр. 3658

كحكمها، فلا تجب الهجرة من بلدة قد فتحها المسلمون. أما قبل فتح البلد، فمن بها أحد ثلاثة أقسام: الأول: قادر على الهجرة منها، ولم يمكنه إظهار دينه، ولا أداء واجباته، فالهجرة منها واجبة. الثاني: قادر على الهجرة، يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فالهجرة منها مستحبة، لتكثير سواد المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم. الثالث: عاجز بعذر من أسْر، أو مرض، أو غير ذلك من الأعذار، فهذا ممن عذر الله، فتجوز له الإقامة; فإن حمل على نفسه، وتكلف الخروج منها أجر. انتهى كلامه. فانظر إلى قوله: لكنه يمكنه إظهار دينه، فإنه إذا حصل منه ذلك، لم تكن الهجرة واجبة في حقه، بل مستحبة، لأجل ما ذكره، ﵀؛ ولكن هذا القسم الثاني عزيز الوجود، فالله المستعان. وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، ﵀، في العقد الثمين: وقد زعم قوم أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام والإيمان، ليست واجبة، ولا متعينة في هذه الأزمان، وأن محكم عقدها مفسوخ، ووجوبها المستمر منسوخ، متمسكين من الدليل بما لا يروي الغليل، ولا يشفي القلب العليل، وذلك ظاهر قول خير البرية: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية " ١، وظاهر حديث: " المهاجر من

стр. 3659

هجر ما نهى الله عنه " ١؛ وليس الأمر كما زعموا، ولا المعنى كما فهموا، بل ليس الأمر كما جزموا به وحكموا، وإنما المراد المقصود، والمنهج المسدود: الهجرة من مكة إلى المدينة، بعد فتحها للمسلمين، وزوال أوثان المشركين، وإضاءة أرجائها بأنوار الدين، ورفع قواعد التوحيد، وقصم كل جبار عنيد، لأن الله تعالى قد بدل الحال، والمحذور فيها قد زال، والمهاجرة منها تؤدي إلى الإحلال بأم القرى والتعطيل؛ فسد بعد ماضي تلك الحكمة وذلك السبيل. وأما الهجرة من بلدان المشركين والكفار، وعدم السكن معهم والاستقرار، إلى ما للمسلمين من الديار، حيث لا يمكن إقامة دين للموحدين، ولا إظهار ولا تعزيز للإسلام ولا انتصار، فحكمها إلى الآن ثابت الوجوب، والإلزام، مستمر على مر السنين والأعوام، كما صرح بذلك الأئمة الأعلام؛ والآيات دالة على ذلك، دلالة صريحة، والأحاديث ثابتة صحيحة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٧] . وذكر كلام ابن كثير المتقدم. وقال أبو داود في سننه، عن سمرة بن جندب: أن رسول الله ﷺ قال: " من جامع المشرك أو سكن معه، فهو مثله " ٢، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى: هذا الحديث على ظاهره،

стр. 3660

وهو: أن الذي يدعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة والمنزل، بحيث يعده المشركون منهم، فهو كافر إن ادعى الإسلام، إلا إن كان يظهر دينه، ولا يتولى المشركين. ولهذا لما ادعى بعض الناس الذين أقاموا بمكة بعد ما هاجر رسول الله ﷺ ، فادعوا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة، يعدهم المشركون منهم، وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخروج، فقُتلوا. فقال الصحابة: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٧] ، فلم يعذر الله منهم إلا المستضعفين. انتهى ١. وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين، ما لم تتراءى ناراهما " ٢، رواه أبو داود؛ ولو لم يكن إلا هذا الحديث في الاستدلال، لكان كافياً بالمقصود وافياً. وما أحسن ما قال ابن القيم، ﵀، في الكافية الشافية: من لم يكن يكفيه ذان فلا كفا ... هُ الله شرَّ حوادث الأزمانِ من لم يكن يشفيه ذان فلا شفا ... هُ الله في قلب ولا أبدانِ من لم يكن يغنيه ذان رماه رَبْـ ... ـبُ العرش بالإعدام والحرمانِ من لم يكن يهديه ذان فلا هدا ... هُ الله سبيلَ الحق والإيمانِ

стр. 3661

وكذلك تزعم أيضاً أنك تظهر دينك وتسب المشركين، فهذه طامة كبرى ومصيبة عظمى، قد دهى بها الشيطان كثيراً من الناس، من أشباهك وأمثالك؛ فغلطتم في إظهار الدين، وظننتم أنه مجرد الصلوات الخمس، والأذان والصوم وغير ذلك، وأنكم إذا جلستم في بعض المجالس الخاصة، قلتم: هؤلاء كفار، هؤلاء مشركون، وليس معهم من الدين شيء، وأنهم يعلمون أنا نبغضهم، وأنا على طريقة الوهابية، وتظنون أن هذا هو إظهار الدين، فأبطلتم به وجوب الهجرة. فليس الأمر كما زعمتم، فإن الله سبحانه ذكر في كتابه المرادَ من إظهار الدين، وأنه ليس ما توهمتم، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١-٢] إلى آخر السورة؛ فأمره أن يقول لهم: إنكم كافرون، وإنه بريء من معبوداتهم، وإنهم بريئون من عبادة الله، وهو قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] ، وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون آية: ٦] : تصريح بالبراءة من دينهم الذي هو الشرك، وتمسك بدينه الذي هو الإسلام؛ فمن قال ذلك للمشركين ظاهراً، في مجالسهم ومحافلهم وغشاهم به، فقد أظهر دينه. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ

стр. 3662

دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ٤] . قال شيخنا حمد بن عتيق، ﵀: فأخبر الله تعالى عن جميع المرسلين، أنهم تبرؤوا من الشرك والمشركين، فإن معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: من المرسلين، وقوله: ﴿وَبَدَا﴾ أي: ظهر وبان؛ وهذا هو الواجب: أن تكون العداوة والبغضاء ظاهرة، يعلمها المشركون من المسلم، وتكون مستمرة. انتهى. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] ، فذكر له البراءة من معبوداتهم، وتصريحه بالتوحيد في قوله: ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤] ، فذكر أنه لا يعبد إلا الله، وأنه من المسلمين الذين هم أعداء لهم، وأن الله أمره أن يكون حنيفاً، وحذره أن يكون من المشركين; هذا معنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الآية، ﵀. فمن صرح لهم بذلك، فقد أظهر دينه وصرح بالعداوة؛ وهذا هو إظهار الدين، لا كما يظن الجهلة، من أنه إذا تركه الكفار، وخلوا بينه وبين أن يصلي، ويقرأ القرآن، ويشتغل بما شاء من النوافل، أنه يصير مظهراً لدينه. هذا غلط فاحش؛ فإن من يصرح بالعداوة للمشركين، والبراءة منهم، لا يتركونه بين أظهرهم، بل إما

стр. 3663

قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، كما ذكره الله عن الكفار. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ الآية [سورة إبراهيم آية: ١٣] ، وقال، إخباراً عن قوم شعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٨٨] . وذكر عن أهل الكهف، أنهم قالوا: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٠] . وهل اشتدت العداوة بين الرسل وقومهم، إلا بعد التصريح بمسبة دينهم، وتسفيه أحلامهم، وعيب آلهتهم؟ وقال شيخ الإسلام والمسلمين، محيي ما اندرس من الملة والدين، محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في ستة المواضع التي من السيرة النبوية: أنه لا يستقيم للإنسان إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] . انتهى. فصرح الشيخ، ﵀، بأن الإسلام لا يستقيم إلا بالتصريح للمشركين بالعداوة والبغضاء. وتأمل ما استدل به على ذلك، تجد الأمر واضحاً بحمد الله، ولكن كما قيل

стр. 3664

شعراً: فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا وأنت لم تكتف بمجرد إقامتك بين أظهر المشركين، وانتقالك إليهم، بل آل بك الأمر إلى المجادلة والمخاصمة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ الآية [سورة غافر آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الآية [سورة غافر آية: ٥] . وأنت قد عهد منك في سابق الأمر: الشدة، والغلظة على من تولى المشركين، وركن إليهم، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨] . فتب إلى ربك واستغفر من ذنبك، وهاجر إلى الله والدار الآخرة، بالأجر العظيم والفضل العميم. نسأل الله لنا ولإخواننا الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. والله أسأل أن ينصر دينه، وكتابه ورسوله، وعباده المؤمنين، وأن يظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.

стр. 3665

وسئل أيضاً: الشيخ محمد بن عبد اللطيف، أقامه الله مناضلاً عن الدين الحنيف: رجلان تنازعا في السلام على الرافضة والمبتدعين، ومن ضاهاهم من المشركين، وفي مواكلتهم ومجالستهم: فقال أحدهما: هو جائز، لقول عالم: إن أخذت فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون; ووفد على عمر بن عبد العزيز، كثير عزة، وهو متهم بالتشيع، ورسول عمر وفد على جبلة الغساني بعد ردته. وقال الآخر: لا يجوز، لدليل آيات الموالاة، ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [سورة طه آية: ٤٧] ، والسلام على عباد الله الصالحين، وأن ترك السلام على الفاسق وأهل المعاصي سنة، وهؤلاء أشر حالاً وعقيدة منهم. فأجاب: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، كالمبتدعة، والمشركين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، محمد وآله وصحبة والتابعين. أما بعد، فقد سألني من لا تسعني مخالفته، عن هذا السؤال المذكور أعلاه، بما عليه أهل التحقيق من أئمة الاسلام والهداة الأعلام، وما نعتقده في ذلك وندين الله به؟ فنقول: اعلم، وفقنا الله وإياك، لما يحب ويرضى، أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين، إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله،

стр. 3666

وموالاة أولياء الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [سورة النساء آية: ١٣٩] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، قال ابن عباس، ﵄: "لا تميلوا إليهم في المودة ولين الكلام"، وقال أبو العالية: "لا ترضوا بأعمالهم"، وقال بعض العلماء: من مشى إليهم ولم ينكر عليهم، عد من الراكنين إليهم. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] ، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . فالواجب على من أحب نجاة نفسه وسلامة دينه، أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب، فإن الإيمان لا يستقيم إلا بذلك والقيام به، لأنه من أهم

стр. 3667

المهمات، وآكد الواجبات. إذا عرفت هذا، فمواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز، لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة، بين المسلمين والمشركين، بقوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] . والآيات في المعنى كثيرة كما تقدم. والسلام تحية أهل الإسلام بينهم، فإذا سلم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقاهم بالإكرام والبشاشة، وألان لهم الكلام، كان ذلك موالاة منه لهم. فإذا وادهم، وانبسط لهم، مع ما تقدم، جمع الشر كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: " ألا أدلكم على ما تحابون به؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أفشوا السلام بينكم ". فإذا سلم على الرافضة والمبتدعين، وفساق المسلمين، خلصت مودته ومحبته، في حق أعداء الله وأعداء رسوله. وعن قتادة عن الحسن: "ليس بينك وبين الفاسق حرمة".

стр. 3668

وقال الحسن: "لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك"، وقال النخعي: "لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم". فانظر، رحمك الله، إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم. فكيف بالرافضة، الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة، من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم؛ ومواكلتهم، والسلام عليهم - والحالة هذه - من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم. والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين. قال البخاري، رحمه الله تعالى، في صحيحه: باب من لم يسلم على من ارتكب ذنباً، ولم يرد سلامه، حتى تبين توبته، وإلى متى تبين توبة العاصي، قال ابن حجر في الفتح: وابتداء الكفار بالسلام، أجازه طائفة من العلماء، ومنعه طائفة، قال: والحق مع المانعين، إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية. وكذلك أهل البدع والمعاصي المجاهرين بها، يمنع من ابتدائهم بالسلام، والرد عليهم; قال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي والبدع، سنة ماضية، وبه قال كثير

стр. 3669

من أهل العلم. وقال النووي: وأما المبتدع، ومن اقترف ذنباً عظيماً ولم يتب منه، لا يسلم عليهم، ولا يرد ﵈، كما قاله جماعة من أهل العلم. واحتج البخاري بقصة كعب. انتهى. فانظر، يا طالب الحق، إلى ما قاله البخاري واستدل به، وإلى قول صاحب الفتح: والحق مع من منع، وإلى قول المهلب، والنووي، ووازن بين أقوالهم، وبين قول من أجازه وأباحه، وجادل عليه، تعرف أنه لا بصيرة له، ولا معرفة له بأصول الشرع، وأقوال العلماء. وأما قول صاحب الفتح: إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية، فالمصلحة هي أن يرجى بها إسلام غيره، أو تأليفه أو غير ذلك، وأما المصالح الدنيوية، فلا تترتب عليها الأمور الشرعية، ولا تناط بها أحكامها، ولا تجعل سلماً وذريعة إلى الجمع بين ما فرق الله ورسوله بينهما. وقال البغوي ﵀ في كتاب السنة: وأما هجر أهل المعاصي، وأهل الريب والبدع في الدين، فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر علامات توبتهم، وأماراتها. وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في الهدي النبوي: وفي نهي النبي ﷺ عن السلام على هؤلاء الثلاثة، يعني: كعباً

стр. 3670

وصاحبيه، من بين من تخلف عنه، دليل على صدقهم، وكذب المنافقين؛ فأراد هجر الصادقين، وتأديبهم، على هذا الذنب - إلى أن قال - وفيه دليل أيضاً: على هجران الإمام، والعالم، والمطاع، لمن فعل ما يستوجب العتب، ويكون هجرانه دواء له - إلى أن قال - وفي إشارة الناس للنبطي، الذي يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ دون نطقهم له، تحقيق لمقصود الهجر، وإلا لو قالوا له صريحاً: كعب بن مالك، لم يكن ذلك سلاماً، ولا يكونون به مخالفين للنهي، لكن لفرط تحريهم، وتمسكهم بالأمر، إذ لم يذكروه بصريح اسمه. وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع، نوع مكالمة، لا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بالسلام، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع؛ وهذا أحسن وأفقه. انتهى كلامه، رحمه الله تعالى. فانظر إلى قوله: وقد يقال إن في الحديث عنه بحضرته، وهو يسمع، نوع مكالمة ... إلخ، فإذا كان في ذكره باسمه نوع مكالمة، فكيف بمن ابتدأ المشرك والعاصي والمبتدع بالسلام، وأظهر له الإكرام، وأكثر عنه الجدال والخصام. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، وقد سئل عن

стр. 3671

الهجر المشروع، ومن يجب هجره أو يجوز هجره، قال في أثناء كلامه: ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقواماً، ويهجر آخرين، وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالاً من المهجورين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من المؤلفة قلوبهم، لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، وكانت المصلحة الدينية في تأليفهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، وفي هجرهم عز للدين، وتطهير لهم من ذنوبهم. انتهى كلامه، ﵀. فانظر، أيها المنصف، بعين الإنصاف، واحذر التعصب والاعتساف، إلى ما قاله شيخ الإسلام من أن في هجرهم عزاً للدين، هذا إذا كانوا مسلمين، لكنهم أصحاب معاص واقتراف لبعض الأوزار، فيجب هجرهم واعتزالهم حتى يقلعوا; وأما المشرك والمبتدع، فلا نزاع في هجرهما، ولا خلاف فيه إلا عند من قل حظه ونصيبه من العلم الموروث عن صفوة الرسل، صلوات الله وسلامه عليه. وقال أيضاً، ﵀: ومن كان مبتدعاً ظاهر البدعة، وجب الإنكار عليه؛ ومن الإنكار المشروع: أن يهجر حتى يتوب; ومن الهجر: امتناع أهل الدين من الصلاة عليه، لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليها. وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وغيرهما من الأئمة. انتهى.

стр. 3672

وقال البخاري، ﵀، في الأدب المفرد: باب لا يسلَّم على الفاسق، وذكر بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "لا تسلِّموا على شرّاب الخمر"، وذكر بسنده أيضاً عن قتادة عن الحسن: "ليس بينك وبين الفاسق حرمة"، وذكر: "عن أبي رزيق أنه سمع علي بن عبد الله بن عباس ينهى عن الشطرنج، ويقول: لا تسلِّموا على من لعب بها، وهي من الميسر". ثم قال بعد ذلك: باب ترك السلام على المتخلق - يعني بالطيب - وأصحاب المعاصي، وذكر بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "مر النبي ﷺ على قوم فيهم رجل متخلّق بخلوق، فنظر إليهم وسلّم عليهم، وأعرض عن الرجل. فقال الرجل: أعرضت عني يا رسول الله؟ قال: بين عينيك جمرة من النار ". وذكر بسنده عن عبد الله بن وائل السهمي، عن أبيه عن جده: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ وفي يده خاتم من ذهب، فأعرض عنه. فلما رأى الرجل كراهيته للذهب ذهب فألقاه، وأخذ خاتماً من حديد فلبسه، وأتى النبي ﷺ ، فقال: هذا شر، هذا حلية أهل النار. فرجع فطرحه، ولبس خاتماً من ورق، فسكت عنه النبي ﷺ "، وذكر بسنده عن أبي سعيد ﵁ قال: "أقبل رجل من البحرين على النبي ﷺ ، فسلم عليه، فلم يرد عليه

стр. 3673

السلام، وفي يده خاتم من ذهب، وعليه جبة من حرير. فانطلق الرجل محزوناً، فشكا إلى امرأته، فقالت: لعل برسول الله جبتك وخاتمك، فألقهما ثم اغد عليه. ففعل، فرد ﵇، وقال: جئتك وأعرضت عني. قال: كان في يدك جمر من النار ". ثم قال بعد ذلك: باب إذا سلم على نصراني ولم يعرفه، قال: "مر ابن عمر، ﵄، بنصراني فسلم عليه، فرد عليه. فأخبر أنه نصراني، فرجع فقال: رد علي سلامي"، ثم قال: باب يضطر أهل الكتاب في الطريق إلى أضيقه، وذكر بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا لقيتم المشركين فلا تبدؤوهم بالسلام، واضطروهم في الطريق إلى أضيقه ا" ١. انتهى. فتأمل، رحمك الله، ما ذكره هذا الإمام، من الأحاديث والآثار الدالة على وجوب هجر أهل المعاصي، وأن ذلك هو هديه وسنته، فمن أعرض عنهما، ونبذهما وراء ظهره، فقد خاب سعيه وضل عمله؛ فلا نجاة للخلق ولا سعادة، ولا كفاية ولا هداية، إلا باتباع محمد ﷺ واتباع ما جاء به، ورفض ما خالفه، وهجر من نكب عن سنته، وإن كان الحبيب المواتيا. ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [سورة غافر آية: ١٢] . وفي كتاب محمد بن وضاح، قال: قال أسد بن موسى: جاء في الأثر: من جالس صاحب بدعة نُزعت منه

стр. 3674

العصمة، ووُكل إلى نفسه. وفي أثر آخر: من جالس صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام. وقال الأوزاعي: "كانت أسلافكم تشتد ألسنتهم على أهل البدع، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم". وعن الحسن: "لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك"، وقال إبراهيم النخعي: "لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم؛ فإني أخاف أن ترتد قلوبكم". روى هذه الآثار ابن وضاح. قال إمام الدعوة الإسلامية، وناصر الملة الحنيفية، شيخ الإسلام والمسلمين، شيخنا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه، ونور ضريحه، وطيب ثراه، وجعل الجنة منقلبه ومأواه: فإذا كان هذا كلام السلف في أهل البدع والضلال، والتحذير عن مجالستهم، مع كون بعضهم لم يخرج ببدعته عن الإسلام، فكيف الحال بمجالسة أهل الكفر، والشرك والنفاق، الذين باينوا أهل الإسلام، وخالفوهم؟ انتهى. فمن أكرم مَن تلك نحلته، وتلك طريقته، كان دليلاً على عدم فقهه وبصيرته في دين الإسلام، وعدم فرقه بين عابدي الرحمن وعابدي الأوثان، والضدان عنده يجتمعان; فلضعف بصيرته نهج هذا المنهج، وأعرض عن الحق بعد ما اتضح وابلولج، فيخشى عليه أن يحشر يوم القيامة معهم، ويكون من جملتهم، كما كان في الدنيا من أصدقائهم

стр. 3675

ومعاشريهم؛ عياذاً بك اللهم من تلك الأحوال والأعمال، التي تؤول بصاحبها إلى الخزي والوبال، وسوء المنقلب في الحال والمآل. وأكثر الخلق إنما يحمله على الوقوع في تلك الورطات، الحرص على تحصيل الدنيا، والتقرب عند أهلها، وتسليك حاله معهم، ولو فسد عليه دينه، وانهدم إيمانه. نسأل الله العفو والعافية، في الدنيا والآخرة; اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أوحى الله إلى نبي من الأنبياء، أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت به راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي فتعززت به، فماذا عملت في ما لي عليك؟ قال: يا رب، فما لك عليّ؟ قال: هل واليت لي ولياً، أو عاديت لي عدواً؟ ". وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٣] ، قال بعض العلماء الفضلاء: الفتنة في الأرض: الشرك، والفساد الكبير: اختلاط المسلم بالكافر، والمطيع بالعاصي؛ فعند ذلك يختل نظام الإسلام، وتضمحل حقيقية التوحيد، ويحصل من الشر ما الله به عليم. فلا يستقيم الإسلام، ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرتفع علم الجهاد، إلا بالحب في الله

стр. 3676

والبغض فيه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه؛ والآيات الدالة على ذلك، أكثر من أن تحصر. وأما الأحاديث، فأشهر من أن تذكر، فمنها: حديث البراء بن عازب ﵁ مرفوعاً: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض فيه"، وعن أبي ذر ﵁: "أفضل الإيمان: الحب في الله، والبغض فيه"، وفي حديث مرفوع: "اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً ولا نعمة فيودّه قلبي؛ فإني وجدت فيما أوحيته إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] ". وفي الصحيحين، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: " المرء مع من أحب " ١، وقال ﷺ : " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " ٢. وعن أبي مسعود البدري ﵁ مرفوعاً: " لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي " ٣. وعن علي ﵁ مرفوعاً: " لا يحب رجل قوماً إلا حُشر معهم " ٤، وقال ﷺ : " تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضى الله بسخطهم، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم "، وقال عيسى ﵇: "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضى الله بسخطهم". وعن ابن عباس، ﵄، قال: "من أحب

стр. 3677

في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان، ولو كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك"؛ يعني: حتى تكون محبته وموالاته لله، وبغضه ومعاداته لله. قال ﵁: "وقد صارت عامة مواخاة الناس على أمر الدنيا؛ وذلك لا يجدي على أهله شيئاً". فإذا كان هذا كلام ابن عباس، وهو في خير القرون، فما زاد الأمر بعده إلا شدة، وبعداً عن الخير، كما قال ﷺ : " لا يأتي على الناس زمان، إلا والذي بعده شر منه "؛ بل كانت موالاة الناس اليوم، ومحبتهم، ومعاشرتهم، على الكفر والشرك والمعاصي. فليحذر العبد كل الحذر من الانهماك مع أعداء الله، والانبساط معهم، وعدم الغلظة عليهم، أو أن يتخذهم بطناء وأصحاب ولايات، ويستنصح منهم؛ فإن ذلك موجب لسخط الله ومقته. قال القرطبي، ﵀، في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] : نهى الله عباده المؤمنين، أن يتخذوا من الكفار واليهود، وأهل الأهواء والبدع، أصحاباً وأصدقاء، يفوضوا لهم في الرأي، ويسندون إليهم أمورهم. وعن الربيع: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ : لا تستدخلوا المنافقين، ولا تتولوهم من دون المؤمنين; ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك، لا ينبغي لك أن

стр. 3678

تخادنه وتعاشره وتركن إليه. [حكم الرافضة] وأما حكم الرافضة - فيما تقدم -، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، في الصارم المسلول: ومن سب الصحابة أو أحداً منهم، واقترن بسبه أن جبرئيل غلط في الرسالة، فلا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في كفره. ومن قذف عائشة فيما برأها الله منه، كفر بلا خلاف - إلى أن قال - وأما من لعن أو قبح، يعني: الصحابة، ﵃، ففيه الخلاف: هل يفسق أو يكفر؟ وتوقف أحمد في تكفيره، وقال: يعاقب ويجلد ويحبس، حتى يموت أو يتوب. قال، ﵀: وأما من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد موت النبي ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضاً في كفر قائل ذلك، بل لا ريب في كفر من لم يكفّره. انتهى كلامه، ﵀. فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما الآن، فحالهم أقبح وأشنع، لأنهم أضافوا إلى ذلك: الغلو في الأولياء، والصالحين من أهل البيت وغيرهم، واعتقدوا فيهم النفع والضر، في الشدة والرخاء، ويرون أن ذلك قربة تقربهم إلى الله، ودين يدينون به؛ فمن توقف في كفرهم والحالة هذه، وارتاب فيه، فهو جاهل بحقيقة ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فليراجع دينه قبل حلول رمسه. ومن تأمل القرآن، والسنة، وكلام محققي سلف

стр. 3679

الأمة، علم يقيناً أن أكثر الخلق إلا من شاء الله، قد أعرضوا عن واضح المحجة، وسلكوا طريق الباطل ونهجه، وجعلوا مصاحبة عباد القبور، وأهل البدع والفجور، ديناً يدينون به، وخلقاً حسناً يتخلقون به، ويقولون: فلان له عقل معيشي، يعيش به مع الناس، ومن كانت له غيرة، ولو قلّت، فهو عندهم مرفوض ومنبوذ، كالأحلاس؛ فما أعظمها من بلية! وما أصعبها من رزية! وأما حقيقة دعوة الرسول ﷺ ، وما جاء به من الهدى والنور، فعزيز والله من يعرفها أو يدريها؛ والعارف لها من الناس اليوم، كالشعرة البيضاء في الجلد الأسود، وكالكبريت الأحمر. أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ لم يبق إلا رسوم قد درست، وأعلام قد عفت، وسفت عليها عواصف الهوى، وطمستها محبة الدنيا، والحظوظ النفسانية. فمن فتح الله عين بصيرته، ورزقه معرفة للحق وتميزاً له، فلينج بنفسه، وليشح بدينه، ويتباعد عمن نكب عن الصراط المستقيم، وآثر عليه موالاة أهل الجحيم، نسأل الله السلامة والعافية. وأما مجرد السلام على الرافضة، ومصاحبتهم ومعاشرتهم، مع اعتقاد كفرهم وضلالهم، فخطر عظيم، وذنب وخيم، يخاف على مرتكبه من موت قلبه وانتكاسه; وفي الأثر: إن من الذنوب ذنوباً عقوبتها موت القلوب،

стр. 3680

وزوال الإيمان، فلا يجادل في جوازه إلا مغرور بنفسه، مستعبد لفلسه، فمثل هذا يقابل بالهجر، وعدم الخوض معه في هذه المباحث التي لا يدريها إلا من تربى بين يدي أهل هذه الدعوة الإسلامية، والطريقة المحمدية، وتلقى عنهم أصول دينه، لأن ضدهم لا يؤمن أن يلقي عليك شيئاً من الشُّبه الفاسدة، التي تشكك في الدين، وتوجب لك الحيرة. وما أحسن ما قيل: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وأما قول المنازع: إن أخذت فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون، فهذا معاكسة وتصحيف؛ ليس الشأن في أخذ الهدية أو ردها، إنما الشأن والنزاع في ابتداء الكفار، والمبتدعين، والعصاة، بالسلام، وعدم النفرة منهم. ولا يستدل بهذا على جواز السلام والمواكلة، إلا من هو جاهل بالأحكام الشرعية، والسيرة النبوية. وسيرته ﷺ وسيرة خلفائه، وأصحابه من بعده، ومن سلك منهاجهم من الصفوة، يخالف ما استدل به. وقبول الهدية نوع، والسلام نوع آخر: أما الهدية فقد قبلها ﷺ وقبلها أصحابه، والسلف الصالح من بعدهم، ولا ينكر على من قبل، ولا على من رد، ولو كانت الهدية من مشرك. وأما ترك السلام والهجر، فالرسول ﷺ هجر مرتكب الذنب ولم يرد عليه؛، وكذلك في مكاتباته للمشركين، لا
следующие страницы →