← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

والبغض فيه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه؛ والآيات الدالة على ذلك، أكثر من أن تحصر. وأما الأحاديث، فأشهر من أن تذكر، فمنها: حديث البراء بن عازب ﵁ مرفوعاً: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض فيه"، وعن أبي ذر ﵁: "أفضل الإيمان: الحب في الله، والبغض فيه"، وفي حديث مرفوع: "اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً ولا نعمة فيودّه قلبي؛ فإني وجدت فيما أوحيته إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] ". وفي الصحيحين، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: " المرء مع من أحب " ١، وقال ﷺ : " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " ٢. وعن أبي مسعود البدري ﵁ مرفوعاً: " لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي " ٣. وعن علي ﵁ مرفوعاً: " لا يحب رجل قوماً إلا حُشر معهم " ٤، وقال ﷺ : " تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضى الله بسخطهم، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم "، وقال عيسى ﵇: "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضى الله بسخطهم". وعن ابن عباس، ﵄، قال: "من أحب

стр. 3677

في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان، ولو كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك"؛ يعني: حتى تكون محبته وموالاته لله، وبغضه ومعاداته لله. قال ﵁: "وقد صارت عامة مواخاة الناس على أمر الدنيا؛ وذلك لا يجدي على أهله شيئاً". فإذا كان هذا كلام ابن عباس، وهو في خير القرون، فما زاد الأمر بعده إلا شدة، وبعداً عن الخير، كما قال ﷺ : " لا يأتي على الناس زمان، إلا والذي بعده شر منه "؛ بل كانت موالاة الناس اليوم، ومحبتهم، ومعاشرتهم، على الكفر والشرك والمعاصي. فليحذر العبد كل الحذر من الانهماك مع أعداء الله، والانبساط معهم، وعدم الغلظة عليهم، أو أن يتخذهم بطناء وأصحاب ولايات، ويستنصح منهم؛ فإن ذلك موجب لسخط الله ومقته. قال القرطبي، ﵀، في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] : نهى الله عباده المؤمنين، أن يتخذوا من الكفار واليهود، وأهل الأهواء والبدع، أصحاباً وأصدقاء، يفوضوا لهم في الرأي، ويسندون إليهم أمورهم. وعن الربيع: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ : لا تستدخلوا المنافقين، ولا تتولوهم من دون المؤمنين; ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك، لا ينبغي لك أن

стр. 3678

تخادنه وتعاشره وتركن إليه. [حكم الرافضة] وأما حكم الرافضة - فيما تقدم -، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، في الصارم المسلول: ومن سب الصحابة أو أحداً منهم، واقترن بسبه أن جبرئيل غلط في الرسالة، فلا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في كفره. ومن قذف عائشة فيما برأها الله منه، كفر بلا خلاف - إلى أن قال - وأما من لعن أو قبح، يعني: الصحابة، ﵃، ففيه الخلاف: هل يفسق أو يكفر؟ وتوقف أحمد في تكفيره، وقال: يعاقب ويجلد ويحبس، حتى يموت أو يتوب. قال، ﵀: وأما من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد موت النبي ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضاً في كفر قائل ذلك، بل لا ريب في كفر من لم يكفّره. انتهى كلامه، ﵀. فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما الآن، فحالهم أقبح وأشنع، لأنهم أضافوا إلى ذلك: الغلو في الأولياء، والصالحين من أهل البيت وغيرهم، واعتقدوا فيهم النفع والضر، في الشدة والرخاء، ويرون أن ذلك قربة تقربهم إلى الله، ودين يدينون به؛ فمن توقف في كفرهم والحالة هذه، وارتاب فيه، فهو جاهل بحقيقة ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فليراجع دينه قبل حلول رمسه. ومن تأمل القرآن، والسنة، وكلام محققي سلف

стр. 3679

الأمة، علم يقيناً أن أكثر الخلق إلا من شاء الله، قد أعرضوا عن واضح المحجة، وسلكوا طريق الباطل ونهجه، وجعلوا مصاحبة عباد القبور، وأهل البدع والفجور، ديناً يدينون به، وخلقاً حسناً يتخلقون به، ويقولون: فلان له عقل معيشي، يعيش به مع الناس، ومن كانت له غيرة، ولو قلّت، فهو عندهم مرفوض ومنبوذ، كالأحلاس؛ فما أعظمها من بلية! وما أصعبها من رزية! وأما حقيقة دعوة الرسول ﷺ ، وما جاء به من الهدى والنور، فعزيز والله من يعرفها أو يدريها؛ والعارف لها من الناس اليوم، كالشعرة البيضاء في الجلد الأسود، وكالكبريت الأحمر. أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ لم يبق إلا رسوم قد درست، وأعلام قد عفت، وسفت عليها عواصف الهوى، وطمستها محبة الدنيا، والحظوظ النفسانية. فمن فتح الله عين بصيرته، ورزقه معرفة للحق وتميزاً له، فلينج بنفسه، وليشح بدينه، ويتباعد عمن نكب عن الصراط المستقيم، وآثر عليه موالاة أهل الجحيم، نسأل الله السلامة والعافية. وأما مجرد السلام على الرافضة، ومصاحبتهم ومعاشرتهم، مع اعتقاد كفرهم وضلالهم، فخطر عظيم، وذنب وخيم، يخاف على مرتكبه من موت قلبه وانتكاسه; وفي الأثر: إن من الذنوب ذنوباً عقوبتها موت القلوب،

стр. 3680

وزوال الإيمان، فلا يجادل في جوازه إلا مغرور بنفسه، مستعبد لفلسه، فمثل هذا يقابل بالهجر، وعدم الخوض معه في هذه المباحث التي لا يدريها إلا من تربى بين يدي أهل هذه الدعوة الإسلامية، والطريقة المحمدية، وتلقى عنهم أصول دينه، لأن ضدهم لا يؤمن أن يلقي عليك شيئاً من الشُّبه الفاسدة، التي تشكك في الدين، وتوجب لك الحيرة. وما أحسن ما قيل: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وأما قول المنازع: إن أخذت فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون، فهذا معاكسة وتصحيف؛ ليس الشأن في أخذ الهدية أو ردها، إنما الشأن والنزاع في ابتداء الكفار، والمبتدعين، والعصاة، بالسلام، وعدم النفرة منهم. ولا يستدل بهذا على جواز السلام والمواكلة، إلا من هو جاهل بالأحكام الشرعية، والسيرة النبوية. وسيرته ﷺ وسيرة خلفائه، وأصحابه من بعده، ومن سلك منهاجهم من الصفوة، يخالف ما استدل به. وقبول الهدية نوع، والسلام نوع آخر: أما الهدية فقد قبلها ﷺ وقبلها أصحابه، والسلف الصالح من بعدهم، ولا ينكر على من قبل، ولا على من رد، ولو كانت الهدية من مشرك. وأما ترك السلام والهجر، فالرسول ﷺ هجر مرتكب الذنب ولم يرد عليه؛، وكذلك في مكاتباته للمشركين، لا

стр. 3681

يبدؤهم بالسلام، كما يعرف ذلك من له خبرة بسيرته وهديه، كما مر في الأحاديث الصحيحة الصريحة، التي لا تحتمل التأويل. وأما الوفود والرسل، فكانوا يفدون عليه ﷺ ويعطيهم الجوائز، ويخاطبهم باللين، ويدعوهم بدعاية الإسلام، وهم على كفرهم؛ فلا يستدل بذلك على جواز السلام على المشركين والمبتدعين، ومن يتولاهم من فساق المسلمين، إلا من هو من أجهل الخلق بأصول الشريعة. وأما شيخه الذي يدعي أنه على طريقته، فالمعروف عندنا من أخلاقه وسيرته: الغيرة، والغلظة، والشدة على أعداء الله، وأعداء رسوله، والتحذير منهم، ومن موالاتهم. وأما أنت، أيها المنازع، فالواجب عليك: تقوى الله تعالى، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والاقتداء بالسلف الصالح، والاهتداء بهديهم، وعدم الانبساط مع من هب ودب، لأن الواجب على المنتسب للطلب، والمتزيي بزي أهل العلم، أعظم مما يجب على غيره؛ فليكن لك بصيرة ونهمة بمعرفة أصل الأصول، وزبدة دعوة الرسول، والبحث عما يضاد هذا الأصل وينقضه، أو ينقص كماله الواجب، والوقوف عند أوامر الرب ونواهيه، والبعد عن الرذائل والقبائح، فالحق مرحمة، والجدال والخصام ملحمة. فهذا آخر ما تيسر إيراده، وفيه الكفاية لمن أراد الله هدايته.

стр. 3682

وأسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين، التوفيق للهداية، والبعد عن أسباب الجهالة والغواية، والثبات على الإسلام والسنة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا; ونعوذ به من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن؛ والله المسؤول المرجو الإجابة، أن ينصر دينه وكتابه ورسوله، وعباده المؤمنين، وأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [الخروج من دار الهجرة بعد النزول فيها لأجل إصلاح المال] وسئل أيضاً: عن الخارج من دار هجرته بعد ما نزل لأجل تصليح ماله، ونيته الرجوع إلى بلده، هل يكون عاصياً أم لا؟ فأجاب: هذا الخارج لا يطلق عليه أنه عاص لله، ولا يدخل في حكم الوعيد المرتب على من تعرب بعد الهجرة، بل يحب ويوالى، لأن خروجه ليس معصية؛ فيعامل بما يعامل به من لم يخرج من بلده، لأنه من جملة المهاجرين، وليس له نية إلا الرجوع إلى وطنه، والهجرة مع إخوانه، فلا يحكم عليه بردة، بل ولا بمعصية. الثانية: ما حكم من باع بيته وخرج إلى البادية، وليس من نيته الرجوع والسكنى، وهو ثابت على ما هو عليه من الإسلام، والتزام شرائعه، ومحبة المسلمين؟

стр. 3683

فالجواب: أن هذا يكون مرتكباً معصية، ومتعرباً بعد هجرته، وهو داخل في حكم الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم، عن علي ﵁ لما عد الكبائر، قال: "التعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة" يعني: جماعة المسلمين، "ونكث الصفقة" يعني: نكث بيعة الإمام؛ فجعل التعرب بعد الهجرة من الكبائر، ولكن لا يكون خروجه وتعربه كفراً ولا ردة، بل هو مسلم عاص، يوالى ويحب، على ما معه من الإيمان، ويبغض على ما معه من المعصية، ولا يعامل بالتعنيف، لأنه بتعربه بعد هجرته لا يدخل في حكم المرتدين، ولا يعامل بما يعامل به المرتد. [الهجرة من بين ظهراني المشركين وفضلها] وسئل: عما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين، من البادية والحاضرة، وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم، كعنزة والظفير ومن والاهم من بادية الشمال والجنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟ فأجاب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد، وحفظ لإيمانه. وهي أقسام: هجر المحرمات، التي حرمها الله في كتابه، وحرمها رسول الله ﷺ على جميع المكلفين، وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه؛ وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: " المهاجر: من هجر ما نهى الله عنه " ١.

стр. 3684

وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات، القولية والفعلية. القسم الثاني: الهجرة من كل بلدة تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه، والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم، وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم، شحاً بالمال والوطن، فهذا عاص، ومرتكب محرماً، وداخل في حكم الوعيد. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧-٩٩] ، فلم يعذر الله إلا المستضعف، الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته، إلى غير ذلك من الأعذار. وقال ﷺ : " من جامع المشرك أو سكن معه، فإنه مثله " ١. فلا يقال: إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافراً، بل المراد أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين، وأخرجوه معهم كرهاً، فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ

стр. 3685

المال، لا في الكفر؛ وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعاً واختياراً، أو أعانهم ببدنه وماله، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر. ومن الهجر الواجب أيضاً: الهجرة من بين ظهراني الأعراب المتظاهرين بالكفر والشرك، وارتكاب بعض المحرمات، وهو عاجز عن إظهار دينه، ولا قدرة له على الإنكار عليهم؛ فهذا هجرته فرض إذا قدر عليها، فإن تركها مع قدرته واستطاعته، فحكمه حكم من هو في بلدان المشركين المتقدم ذكرهم; فهؤلاء يعادَوْن ويبغَضون، على ما معهم من المعصية، ويحبون ويوالون على ما معهم من أصل الإسلام. وهجر هؤلاء ومن تقدم ذكرهم، إذا كان فيه مصلحة راجحة، وردع لهم وزجر لأمثالهم، ولم يترتب عليه مفسدة، فهو مشروع. والمسافر إليهم مرتكب أيضاً حراماً، فيهجر بقدر ذنبه. قال علماؤنا: المقيم بين ظهراني المشركين، والمسافر إليهم لأجل التجارة، مشتركون في التحريم، متفاوتون في العقوبة؛ فعقوبة المقيم أعظم من عقوبة المسافر، وهجر المقيم أغلظ من هجر المسافر، فيعامَلون بالهجر والمعاداة والموالاة، بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية. وأما الهجرة المستحبة، وهي: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، إذا كان مظهراً لدينه، وقد أمن الفتنة على

стр. 3686

نفسه ودينه، فهذا هجرته مستحبة; وكذلك من هو بين ظهراني بعض البوادي الملتزمين لشرائع الإسلام، المتجنبين لما حرمه الله عليهم، من سفك الدماء، ونهب الأموال، وغيرها، ولا يوجد عندهم من يجاهر بالمعاصي، فالهجرة حينئذ من بينهم مستحبة، وفيها فضل عظيم، وثواب جزيل، لتعلّم الخير وإقامة الجمعة، وغير ذلك من المصالح، التي يعرفها مَن نوّر الله وقلبه، ورزقه البصيرة. وليعلم: أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة، وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير، برفق ولطف ولين، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح، ودرء المفاسد. والله ولي الهداية. وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: وأما الانتقال من بلاد الإسلام، إلى بلاد القبوريين، والتحيز إلى جماعة المشركين، وعدم المبالاة في ذلك، فمن المصائب العظام، والدواهي الكبار، التي وقع فيها كثير من الناس، وتساهلوا فيها واستصغروها؛ وخف شأنها عند كثير من الناس، الذين ضعفت بصائرهم في دين الإسلام، وقل نصيبهم من معرفة ما بعث الله به نبينا محمداً ﷺ وما كان عليه الصحابة، ومن تبعهم من الأئمة الأعلام.

стр. 3687

وما زال الأمر بالناس، حتى صار النهي عن ذلك، والكلام في ذمه، وذم من فعله من المستنكر عند الأكثر، وصاروا لا يرون بذلك بأساً، وينسبون من ينهى عنه وينكره على من فعله، إلى الغلو في الدين، والتشديد على المسلمين. وفي القرآن الكري، والسنة النبوية، ما يدل من في قلبه حياة، على المنع من ذلك؛ وكلام العلماء مرشد إلى ذلك، فإنهم صرحوا بالنهي عن إقامة المسلم بين أظهر المشركين، من غير إظهار دينه، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية [سورة هود آية: ١١٣] ، وقال: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠-٨١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧-٩٩] . قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية: وهذه الآية عامة في كل من أقام بين أظهر المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين؛ فهو مرتكب حراماً بالإجماع، ونص هذه الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة، يعرفها من قرأ القرآن وتدبره. وفي الأحاديث المأثورة عن النبي ﷺ ما يدل على ما دل عليه القرآن، مثل قوله ﷺ : " من جامع المشرك وسكن

стр. 3688

معه، فإنه مثله " ١، وقوله ﷺ : " ولا تستضيئوا بنار المشركين " ٢، وحديث بهز بن حكيم: " أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك " ٣. قال ابن كثير معناه: لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود فقال: " لا تراءى ناراهما " ٤، وفي قصة إسلام جرير، لما قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال: " أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين " ٥. وعن عبد الله بن عمرو، أنه قال: "من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حُشر معهم يوم القيامة". وكلام العلماء في المنع من الإقامة عند المشركين، وتحريم مجامعتهم، ووجوب مباينتهم، كثير معروف، خصوصاً أئمة هذه الدعوة الإسلامية، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأولاده، وأولادهم، وأتباعهم من أهل العلم والدين؛ ففي كتبهم من ذلك ما يكفي ويشفي من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق آية: ٣٧] . فمن ذلك ما قال الشيخ عبد اللطيف، في بعض رسائله: إن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، ويظهر فيها دين الإفرنج والروافض، ونحوهم من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام

стр. 3689

والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان، فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً؛ فإن الرضى بهذه الأصول الثلاثة، قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين. وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة كل البراءة، والتباعد كل التباعد، عمن تلك نحلته، وذلك دينه؛ بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجامع هذه المنكرات. انتهى كلامه، ﵀ ١. [الإقامة في بلدان المشركين من المنتسبين للإسلام] وأما السؤال: عن حكم المقيم في بلدان المشركين، من المنتسبين إلى الإسلام، فهذا الجنس من الناس مشتركون في فعل ما نهى الله عنه ورسوله، إلا من عذره القرآن، في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ؛ ثم هم مختلفون في المراتب، متفاوتون في الدرجات، بحسب أحوالهم، وما يحصل منهم من موالاة المشركين والركون إليهم، فإن

стр. 3690

ذلك قد يكون كفراً، وقد يكون دونه، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٢] . وما ذكرت من إعراض الناس عما كان عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسائل، فالأمر فوق ما وصفت؛ وهذا غير مستنكر في هذا الزمان، الذي قل فيه العلم، وفشا فيه الجهل، وتزاحمت فيه الفتن، وقل فيه العمل بالسنة والكتاب، واشتدت فيه غربة الدين، ووقع ما أخبر به الصادق الأمين، وصار كثير من الناس لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما اعتادوه وألفوه، إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا ولو أن عيناً ساعدت فتأكفت ... سحائبها بالدمع ديما وهطّلا ولكنها لقسوة القلب أقحطت ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا

стр. 3691

[وجوب الهجرة والمعاداة] وقال الشيخ سليمان بن سحمان، رحمه المنان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فاعلم، وفقني الله وإياك، لسلوك الطريق الأقوم، أن الله سبحانه أوجب على العبد الهجرة من ديار المشركين، والبعد عنهم، وعدم مساكنتهم ومجامعتهم، وأوجب عليه معاداتهم، ومباداتهم بالعداوة والبغضاء، والتصريح لهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة مريم آية: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة مريم آية: ٤٩] . وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، فهذه هي ملة إبراهيم، التي قال الله فيها ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٠] . فعلى المسلم أن يعادي

стр. 3692

أعداء الله، ويظهر عداوتهم، ويتباعد عنهم كل التباعد، وأن لا يواليهم، ولا يعاشرهم، ولا يخالطهم؛ وكيف يسوغ عند من نصح نفسه، وكان لها عنده قدر وقيمة، جواز الإقامة والسفر إلى بلاد المشركين من هذه الأمصار، التي قد شاع وذاع، وتقطعت به الأسماع، أنهم يقصدون قبور الصالحين، وكذلك المجاذيب وغيرهم؟ ويجتمعون في الموالد المخترعة المبتدعة، كمولد أحمد البدوي، وإبراهيم الدسوقي، والرفاعي، والست زينب، والست نفيسة، وعبد القادر، والكاظم، وحمزة، وغيرهم، فيتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت الأسحار. ومنهم: من يسجد لها، فهم يعبدون أصحابها بدعائهم، ورجائهم، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصرة والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وبذل النذور لجلب ما أملوه، ودفع الشرور، مع اتخاذ قبورهم أعياداً، والصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترباتها، وغير ذلك من أنواع العبادات والطلبات، التي كان عليها عباد الأوثان، يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم. وهؤلاء المشركون إذا رأوا قبته من مكان بعيد، نزلوا عن الدواب، واستقبلوا بدعائهم والنحيب، ووضعوا لها

стр. 3693

الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت الأصوات بالضجيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوه، ولكن من مكان بعيد، حتى إذا وصلوا إليه، صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد حازوا من الأجر كمن صلى القبلتين. فهم حول القبر ركعاً وسجداً، يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسراناً؛ فللشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرفع بالدعاء من الأصوات، ويطلب من الميت أنواع الحاجات، ويسأل منه تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولي العاهات والبليات. ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، كأنه الحجر الأسود، وما يفعل به وفد بيت الله الحرام، ثم عفروا عنده تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك القبر، فلم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك القرابين، فكانت صلاتهم ونسكهم، وقربانهم لغير رب العالمين. وقد آل الأمر إلى فعل أنواع المنكرات، من بذل الفروج ثلاثة أيام من كل سنة، في مولد أحمد البدوي، ومشهده الذي في طنطا؛ وقد حدثني بذلك شفاهاً، من شاهد

стр. 3694

ذلك، يخرجن إليه الغواني، جاعلين ذلك في صحائفه، ولينالوا من بركته، وأنهم محسوبون عليه، زيادة على فعلهم عند قبر الست نفيسة، ومشهد الحسين؛ هذا والعلماء حاضرون، والعباد شاهدون، والمردان مع الفجار المدعين الولاية والمتزينين بها مجتمعون، وفي فراش واحد بلا حائل ليلاً ينامون، وفي النهار معهم مختلون، ويدعون أنهم لهم يربون. والعلماء والحالة هذه لا ينكرون، والعباد لله لا يغارون، مع أنهم متمكنون من العبادة، ولأجلها يعظمون، ويعزرون ويوقرون، وليس أحد من الكفار لهم عن فعل العباد مانعاً، ولا عن إظهارها جهاراً دافعاً، لكنهم لهذه الأفعال لا ينكرون، ولا الحق يقولون، بل كلا الفريقين يصنفون الكتب في ذلك، ويعتذرون عنه بأجوبة ليست صواباً، ولا سديدة، بل هي عن الحق بعيدة. منها قولهم: تنبيه: اعلم أنه قد يعترض بعض الناس على أحمد البدوي، وعلى هؤلاء المجتمعين عنده في حضرة ضريحه، ويقولون: إذا كان له هذا المولد العظيم، والتصرف التام النافذ بعد الممات، فكيف لا يتصرف في دفع أصحاب المعاصي عند حضور مولده؟! والجواب عن ذلك من أوجه: أحدها: أنه في عناية من ربه، فكل من حضر مولده من أهل العصيان، وافق نزول الرحمة والغفران، فغفر له بسببه، وتيب عليه ولو بعد حين

стр. 3695

من الزمان. الثاني: أن الغالب على حاله البسط، وجاهه عريض يسع الخلق، ولو وافقه جميع فساق أهل الأرض كذلك، كان مغفوراً لهم بسببه. الثالث: أنه قد خرج إلى مقام لا تكليف فيه، وهؤلاء العاملون عملهم لهم وعليهم. انتهى ما ذكره هذا المجيب عن عباد القبور، وأهل الفواحش والفجور. فأي ملة - صان الله ملة الإسلام - لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟ فإن كان الخير عند هؤلاء ومساكنتهم، ومجامعتهم والسفر إلى أوطانهم مباح، والحالة هذه، فما أرى من يرى ذلك شم رائحة الإيمان، والغيرة لله ورسوله ودينه، ولا عرف ما يجب لله في الإسلام على المسلمين، ولا ما هو الشرك المنافي لتوحيد رب العالمين. وقد نقل إلينا عن بعض من ينتسب إلى طلب العلم، أنه يبيح السفر مطلقاً إلى مَن هذا دينه، وهذه نحلته، وهذه حال بلده، مستدلاً بسفر أبي بكر ﵁ إلى بصرى، في عهد النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ لم ينكر عليه سفره، وأن أبا بكر ﵁ لم يكن يظهر دينه؛ وليس هذا الجهل بغريب ممن لم يعرف كفر هؤلاء، وأن أبا جهل وأشياعه ما وصل كفرهم إلى ساحل هذا الكفر العظيم، ولا عرف أن بلادهم بلاد كفر والحالة هذه. ولكن الذي يعلم به من نصح نفسه، وأراد نجاتها، أن الاستدلال لجواز سفر عوام الناس، الذين لا يعرفون ما

стр. 3696

أوجب الله عليهم، من معاداة المشركين، ومباداتهم بالعداوة والبغضاء، والتصريح لهم بالبراءة منهم ومما يعبدون، بسفر أبي بكر ﵁، من دسائس الشيطان؛ فإن من المعلوم عند الخاص والعام، ولا ينكره إلا مكابر مبخوس الحظ، أن الصحابة يظهرون دينهم، وقد بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وإنكارهم، ﵃ وأرضاهم، باللسان، على من أحدث حدثاً أو فعل منكراً معروف مشهور. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه رأى منكراً وسكت عن إنكاره بلسانه، بل كانوا يكافحون الظلمة بالإنكار، ولا يخافون في الله لومة لائم. ومن ظن أن الصحابة، ﵃، لا يظهرون دينهم، ولا ينكرون المنكر، فقد ظن بهم ظن السوء، ولم يعرف قدرهم وفضلهم ومحلهم من الإسلام، وغيرتهم لله وعلى دينه، ولم يقدرهم حق قدرهم؛ فهم القدوة وبهم الأسوة، قال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم مستناً، فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمَن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ . كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه؛ فخذوا بسننهم، واهتدوا بهديهم، واعرفوا لهم فضلهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم". وإذا كانوا على ما ترى من العلم والفضل والمعرفة،

стр. 3697

والغيرة لله ولدينه، وإظهار الدين، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإذا جاز لأحدهم السفر والحالة هذه، من كمال العلم والمعرفة، وإظهار الدين، وإنكار المنكر، ومباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء، أفيقول من له دين وعقل وورع إيماني: إن سفر غوغاء الناس وسفلتهم، والعوام - ممن لا يعرف ما أوجب الله عليه، من معاداة المشركين، ومقاطعتهم، وما حرم الله ورسوله من موالاتهم، والركون إليهم، والتلطف لهم في المعاملات، والمبايعات والمعاشرات، ومن لا يعلم أن من الموالاة ما يوجب الردة، ومنها ما هو دون ذلك – يجوز، قياساً على سفر أبي بكر وغيره من الصحابة، ﵃؟ وهل لهذا القياس حظ من النظر والدليل؟ أو هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل؟! فالصحابة، ﵃، أعلم الناس بدينهم وكيفية إظهاره، ومعهم من العلم والدلائل ما يقطع المجادل والمخاصم؛ فهم النجوم للورى هداية ودراية، مع أن الاستدلال بسفر أبي بكر، من الدلائل الجزئية، وهي لا تعارض القواعد الكلية، أو أنها قضية عين خاصة؛ والقضايا العينية الخاصة مقصورة على مواردها، ولا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار. فقياس سفر غوغاء الناس وعوامهم، وفساق المسلمين ممن لا يعرف ما أوجب الله عليه، على سفر أعلم الناس

стр. 3698

وأصلحهم، وأعرفهم بدلائل دينه، وأقومهم بحق الله وإظهار دينه وإعلاء كلمته، من أبطل القياس وأفسده؛ ولا يقيس هذا القياس إلا فاسد المزاج، محتاج إلى علاج. أين الثريا مكانا في ترفعها ... من الثرى قال هذا كل منتبه من ذا يقيس نقا الجلد من درن الدْ ... دُنْيا وأمراضها يوماً بأجربه هذا لعمر الله من أمحل المحال، وأبين الضلال، وأفسد القياس. ثم إن سفر أبي بكر ومن سافر من الصحابة، إنما كان سفرهم إلى بلاد النصارى، وإلى بلاد المجوس؛ ومن المعلوم: أن النصارى والمجوس يعلمون أن العرب على غير دينهم، حتى في الجاهلية، والعرب يعلمون أن هؤلاء على غير دين؛ فالكل منهم متميز عن الآخر بدينه، خصوصاً بعد البعثة، فإنه من المعلوم: أن أهل الإسلام يكفرونهم، لا يشك في ذلك أهل الكتاب ولا غيرهم؛ بخلاف عباد القبور اليوم وأشياعهم، فإنهم ينتسبون إلى الإسلام، ويتلفظون بالشهادتين، وغالبهم يصلي ويصوم ويحج، ومن لا يفعل ذلك قد يعظم من يفعل ذلك ويرى فضله، ومع هذا كله، فحالهم كما تقدم قريباً، من صرفهم خالص حق الله لمعبوداتهم، ولو علموا ممن يسافر إلى ديارهم أنهم على غير دينهم، وأنهم يكفرونهم، لأوقعوا بهم الفتنة، ولآذوهم. فقياس هؤلاء الكفرة على أولئك، من القياس الباطل المردود، مع أن السفر إلى ديار هؤلاء وهؤلاء ممنوع؛ لكن أهل الكتاب

стр. 3699

والمجوس، يعلمون أنهم على غير دينهم، بخلاف عباد القبور، فإنهم يظنون أن من سافر إلى بلادهم على دينهم. إذا تبين هذا، وعلمته، فسفر أبي بكر ﵁ كان مع إظهار دينه؛ ومن أظهر دينه كما ينبغي، فلا مانع من سفره إن أمن على نفسه ودينه; وقد قال ابن كثير، رحمه الله تعالى، على آية النساء: هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، فلا يجوز خرق الإجماع. فمن أظهر دينه، جاز له السفر والإقامة، ومن لا يقدر على إظهار دينه، لا يجوز له السفر ولا الإقامة، بإجماع العلماء؛ ولكن الشأن كل الشأن، في إظهار الدين ما هو؟ أهو: ملة إبراهيم، من مباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء، والبراءة منهم ومما يعبدون، وأن ما هم عليه من عبادة غير الله كفر وضلال بعيد، يمانع أصل الإيمان والتوحيد؟ أو هو: ما لفقه هؤلاء، من عبارات لبعض العلماء مجملة محتملة، لا صراحة فيها، ولا راحة فيها لمبطل ولا مشبه؟ ثم كيف يسوغ لذي عقل ودين، أن يجعل سفر أبي بكر ﵁ الذي قد كان من المعلوم أنه من الدلائل الجزئية، والقضايا العينية، مع أنه بلا شك ولا مرية يظهر دينه، دفعًا في نحر النصوص الواردة في وجوب المنع من الإقامة بدار الشرك، والقدوم إليها، وترك القعود مع أهلها،

стр. 3700

ووجوب التباعد عن مساكنتهم ومجامعتهم. وهي نصوص عامة مطلقة، وأدلة قاطعة محققة، كقوله ﷺ فيما رواه أبو عبد الرحمن النسائي، في قصة إسلام جرير بن عبد الله: "أنه قال: يا رسول الله، بايعني واشترط. فقال رسول الله ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين"، وقوله ﷺ : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قيل: ولِم يا رسول الله؟ قال: لا تراءى ناراهما " ١، وقوله ﷺ : " لا تستضيئوا بنار المشركين " ٢، قال ابن كثير: معناه: لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوا عنهم، وهاجروا من بلادهم، وقوله ﷺ : "من أقام مع المشركين، فقد برئت منه الذمة"، وقوله ﷺ : " أنا بريء من أهل ملتين تتراءى ناراهما "، وقوله ﷺ : " من جامع المشرك أو سكن معه، فهو مثله "، وقوله ﷺ : " لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين " ٣، وقوله ﷺ : " لا يسلم لذي دين دينه، إلا من فر من شاهق إلى شاهق ". والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ومنها: حديث لقيط بن صبرة، لما قال: يا رسول الله، على ما أبايعك؟ فبسط رسول الله ﷺ يده، وقال: " على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله شيئاً " ٤، قال ابن القيم، ﵀ في الكلام عليه -: قوله في عقد البيعة: "وزيال المشرك" أي: مفارقته ومعاداته، فلا

стр. 3701

تجاوره، ولا تواكله، كما جاء في حديث السنن: "لا تراءى ناراهما " ١. انتهى. فحقيق بمن نصح نفسه وأراد نجاتها، أن تكون نصوص الشارع في صدره أعظم وأجل من مفهوم ما لفقه الملفقون من العبارات المجملة، وأن يكون له معرفة وغور في معاني النصوص ودلالتها، ومعرفة بالصحيح الصريح الذي لا يحتمل غير ما دل عليه، وأن يعرف ما ورد من الأحاديث الصحيحة التي لا صراحة فيها على ما يراد، بل إما أن تكون محمولة على من أظهر دينه، كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة ... " ٢ الحديث، وكحديث الأعرابي المحمول على أنه خاص به، وكسفر أبي بكر المحمول على إظهار الدين، وغيرها من الأحاديث. وأما قول شيخ الإسلام في الاقتضاء: ولو أن رجلاً سافر إلى بلاد الحرب ليشتري منها لجاز عندنا، فنعم؛ قاله شيخ الإسلام، ولكن مع إظهار الدين كما قاله غيره من العلماء. وكيف يجوزه بدون إظهار الدين، وهو قد حكى اتفاق العلماء على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم على وجه العموم والإطلاق؟! بل قال، رحمه الله تعالى: بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب.

стр. 3702

فسفر أبي بكر ﵁ لا يستدل به على جواز سفر فسّاق المسلمين إلى بلاد المشركين، الذين لا يعرفون ما أوجب الله عليهم، من معاداة المشركين ومفارقتهم، وعدم مساكنتهم ومجامعتهم، إلا من قصده فاسد، وذهنه كاسد، وفي قلبه مرض، ولا غيرة فيه لله ورسوله ولا على دينه، ولا في قلبه نفرة من مشاهدة أعداء الله وأعداء رسوله، بل كل الناس عنده على حد سواء، مسلمهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم. فالله المستعان وبه المستغاث وإليه المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وسئل أيضاً: الشيخ سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: ما قول علماء المسلمين - كشف الله بهم كل غمة، وجلا بهم كل ظلماء مدلهمة - في "قرية"، هل هي من أعمال نجد، أم من أعمال الساحل؟ وهل هي داخلة في ولاية إمام المسلمين: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أم لا؟ وإذا كانت من أعمال نجد وولاية المسلمين، فهل تسمى دار هجرة لمن هاجر فيها؟ وهل يعاب من انتقل إليها ونزل بها من دار هجرته أول ما نزل، أم لا؟ وهل يستوي من ارتحل من منزله الأول بسبب، أو من ارتحل بغير سبب؟ وهل يطلق اسم دار الهجرة على الديار النجدية؟ أم يقيد على ديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان، أم لا؟ أفتونا

стр. 3703

وبينوا لنا، فإن الأمر مهم، وليل الجهل مدلهم؛ فرحم الله من أبان الدليل، وهدى الضال إلى سواء السبيل. فأجاب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما قول السائل: ما قول علماء المسلمين، في "قرية"، هل هي من أعمال نجد، أم من أعمال الساحل؟ وهل هي داخلة في ولاية إمام المسلمين: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أم لا؟ فاعلم يا أخي، وفقك الله: أن هذه الأرض المسماة بـ"قرية" من أعمال نجد الداخلة في حدوده، وليست هي من أعمال الساحل، بل كانت من قديم الزمان وحديثه من أعمال نجد، الكائنة في ولاية المسلمين؛ وهذا مما لا شك فيه عند كل أحد. وأما قوله: وإذا كانت من أعمال نجد وولاية المسلمين، فهل تسمى دار هجرة لمن هاجر فيها؟ فنقول: إذا نزل بها طائفة من المسلمين بإذن الإمام، واستقروا بها، فهي دار هجرة لمن هاجر إليها من المسلمين، من بلاد الكفر، أو من البادية التي قد غلب عليهم الجفاء، والغفلة عن تعلم ما ينفعهم في دينهم. والمهاجر إليهم يسمى مهاجراً، إذا قام بأعباء الهجرة وحقوقها، كما في الحديث

стр. 3704

الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " ١، رواه البخاري في صحيحه. وأما قوله: وهل يعاب من انتقل إليها، ونزل بها من دار هجرته أول ما نزل، أم لا؟ فالجواب أن نقول: لا يعاب من انتقل إليها، ونزل بها من دار هجرته أول ما نزل، ومن عاب من نزل بها بهذا السبب، فهو جاهل مركب، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، لأن الصحابة، ﵃، الذين هاجروا إلى المدينة من مكة وغيرها، قد انتقل كثير منهم منها إلى الأمصار والأقطار، بعد وفاة النبي ﷺ ؛ ومن أجلهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإنه انتقل من دار هجرته إلى الكوفة، واستقر بها، إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي بها، ودفن بقصر الإمارة بالكوفة; وكذلك الزبير بن العوام ﵁، لما رجع عن قتال علي، قصد راجعاً إلى الكوفة، فقتل في أثناء الطريق، ثم حمل إلى موضع الزبير الآن فمات به. وكذلك ابن عباس ﵁، خرج من المدينة

стр. 3705

وصار إلى البصرة، ثم نزل بمكة ومات بالطائف. وكذلك سلمان الفارسي ﵁، كان أميراً على المدائن، في ولاية عمر بن الخطاب ﵁، وقد خرج من المدينة دار المهاجرين; وكذلك أبو موسى الأشعري ﵁، وغيرهم من الصحابة، ممن لا يحصى عددهم، ولا نعلم أن أحداً من العلماء عاب ذلك، أو أنكره. ومن عاب ذلك أو أنكره، فقد عاب على أصحاب رسول الله ﷺ ، خصوصاً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ وقد قال ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي! تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ١. وعلي ﵁ رابع الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمرنا رسول الله ﷺ أن نتمسك بسنتهم وهديهم. فمن أنكر ما ذكرناه وعابه، فقد أخطأ وأضاع نصيبه من العلم، وتكلف ما لا علم له به. وأما قول السائل: وهل يستوي من ارتحل من منزله الأول بسبب، أو من ارتحل بغير سبب؟ فنقول: قد ذكرنا آنفاً، من انتقل من الصحابة من المدينة، بأسباب اقتضت ذلك، مذكورة في مظانها; ومنهم من انتقل منها، ولم نطلع على السبب الذي أوجب له ذلك; ولا شك أن من انتقل منها بسبب، كان أعذر ممن لم ينتقل

стр. 3706

عنها بلا سبب. وقد خرج سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى قصره بالبادية، أيام الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية، ﵄، وقيل له في ذلك، فقال: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ ... عوى وصوت إنسان فكدت أطير وكذلك سلمة بن الأكوع ﵁، خرج أيام الفتنة من المدينة. فمن خرج من دار هجرته إلى بلد من بلدان المسلمين من غير سبب، لا نعيب عليه ذلك، إلا بدليل شرعي، فمن كان عنده في ذلك دليل، فليرشدنا إليه. وأما قول السائل: وهل يطلق اسم دار الهجرة، على الديار النجدية؟ أم يقيد على ديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان، أم لا؟ فنقول: نعم، يطلق اسم دار الهجرة على الديار النجدية، ولا يقيد ذلك بديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان؛ بل من هاجر من ديار الكفر أو من البادية، إلى بلد من بلدان المسلمين، فهو مهاجر، فلا فرق في ذلك بين الديار التي نزلها الإخوان في هذا الزمان، وبين قرى المسلمين. ولا يفرق بين ذلك إلا من أعمى الله بصيرة قلبه، وكان على نصيب وافر من الجهل، والقول على الله بلا علم. ثم إن في تسمية هذه البلدان التي نزلها الإخوان من البادية، حيث سموها الهجر، نظراً؛ فإن هذا اسم حادث. فإن الصحابة، ﵃، لما فتحوا الأمصار والبلدان،

стр. 3707

واختطوا لهم منازل، وسكنوا بها، لم يسموها بهذا الاسم. وعمر ﵁ هو الذي بصر البصرة، وكوف الكوفة، فسموها بالبصرة والكوفة، وكذلك سائر القرى، التي نزل بها الصحابة، ﵃، والتابعون، إنما سموها باسمها الذي سماها به أهلها. وكذلك ما أحدثوه من تسمية، من سكن من الأعراب والبلدان التي اختلطوا بها منازل، حيث سموهم "الإخوان" وجعلوا هذا الاسم خاصاً بهم، دون الإخوان من المسلمين الحاضرة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الآية [سورة الحجرات آية: ١٠] ، مع بغي بعضهم على بعض، ومقاتلة بعضهم لبعض. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] ، فسماهم الله جميعاً إخواناً ولم يفرق بينهم. وقد بلغنا: أن بعض الجهال المتعمقين من هؤلاء الدوارين، لما سأله بعض البادية: هل يجوز أن نهاجر؟ ونبني مساكن في "نفي" أو غيره من قرى السر؟ فقال: لا يجوز أن يبنى بها، أو تكون محل هجرة، لأنها مؤسسة على

стр. 3708

الكفر; وما علم هذا المسكين الجاهل: أن المدينة التي هاجر إليها رسول الله ﷺ وأصحابه، قد كانت مؤسسة على الكفر ١ قبل الإسلام، وكان الذي أسسها الأوس والخزرج، وحلفاؤهم من اليهود، وكانوا إذ ذاك كفاراً مشركين، فلما ظهر بها الإسلام، وهاجر إليها رسول الله ﷺ وأصحابه، صارت دار الهجرة، ولم يضرها تأسيس من أسسها على الكفر. وبلغنا أيضاً، من مجازفة بعض هؤلاء الأعراب المهاجرين في هذه البلدان، ومجاوزتهم للحد بالغلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض فيه، والموالاة والمعاداة فيه، أنه لما سافر بعضهم إلى بعض بلدان المسلمين من بلدان نجد، ومكث فيها نحواً من أربعة أشهر، هجروه من السلام، لزعمهم أنه متربص في هذه البلاد؛ ولازم قولهم: أن هذه البلدة إما بلاد كفر، أو بلاد فسق، يجب على من لم يقدر على إظهار دينه فيها الهجرة عنها، لأنها على زعمهم، لا يحل لأحد المقام بها. وهاهنا مسألة، قد أجبنا عليها في غير هذا الموضوع، ثم لما يسر الله كلام شمس الدين بن القيم، رحمه الله تعالى، على هذه المسألة بخصوصها، أحببنا أن نثبته في هذا

стр. 3709

الموضع. والمسألة التي أشرنا إليها، هي قول السائل: ما الرخصة المذمومة، المذموم المترخص بها، التي قيل فيها: من تتبع الرخص تزندق، أو كاد؟ فإن أكثر من لدينا إذا سمع ما لم يدر به، ولا هو على باله عد ذلك رخصاً؟ فنقول: قال شمس الدين بن القيم، ﵀: الرخصة نوعان: أحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصاً، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب، فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة، وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاة المريض إذا شق عليه القيام قاعداً، وفطر الحامل والمرضع خوفاً على ولديهما، ونكاح الأمة خوفاً من العنت، ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته، ولا يرده إلى غثاثة، ولا ينقص طلبه وإرادته البتة؛ فإن منها: ما هو واجب، كأكل الميتة عند الضرورة. ومنها: ما هو راجح المصلحة، كفطر الصائم المريض، وقصر المسافر وفطره. ومنها: ما مصلحته للمترخص وغيره؛ ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدية، كفطر الحامل والمرضع. ففعل هذه الرخص أرجح، وأفضل من تركها. النوع الثاني: رخص التأويلات، واختلاف المذاهب، فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع

стр. 3710

بالمترخص إلى غثاثة الرخص. فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحيل في المعاملات، وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم الحمر، وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء، وجوز أن يكون زوج قحبة، وقول من أباح آلات اللهو والمعازف، من اليراع والطنبور والعود، والطبل والمزمار، وقول من أباح الغناء، وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقول من جوز للصائم أكل البرد، وقال ليس بطعام ولا شراب، وقول من جوز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقول من صحح الصلاة بـ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٦٤] بالفارسية وركع كلحظة الطرف، ثم فصل كحد السيف، ولم يتشهد ولم يصل على النبي ﷺ ، وخرج من الصلاة بحقبة، وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن، ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة، إذا كان ذلك الحمل من زنى، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء، فهذا الذي تنقص برخصته رغبته، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرخص؛ فهذا لون والأول لون. انتهى. وبهذا يتبين لك الفرق بين الرخص المحمودة، التي ورد بها الشرع ويحبها الله، كما في الحديث: " إن الله يحب أن

стр. 3711

تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه " ١، وبين الرخص المذمومة شرعاً، التي من تتبعها فقد تزندق، والذي يترخص بهذه الرخص المذمومة، متلاعب بدين الله وشرعه، ومستخف بهما. فإذا فهمت ذلك، فاعلم: أن الذي قصده المشائخ، إنما هي هذه الترخصات المذمومة؛ فظن هؤلاء المتدينون أن المشائخ إذا سئلوا عن شيء وردت فيه الرخصة من التيسير، وعدم التكلف، أن هذا هو الترخص الذي مَن تتبعه فقد تزندق، وليس الأمر كذلك، وإنما أُتوا من جهلهم واستغنائهم بآرائهم، وأهوائهم الخاسرة القاصرة؛ فالله المستعان. هذا ما تيسر لي من الجواب على سبيل الاختصار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3712

[حكم الإقامة في بلاد المشركين] وله أيضاً، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيتين [سورة النساء آية: ٩٧-٩٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] . قال الحسن البصري: لا يجوز له القعود معهم، خاضوا أو لم يخوضوا، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٦] ، قال شيخ الإسلام: فعلم: أن الطائفة المعفو عنها عاصية لا كافرة، إما بسماع الكفر دون إنكاره، والجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله، أو كلام هو ذنب وليس هو كفراً، وغير ذلك من الذنوب. انتهى.

стр. 3713

وقال ﷺ : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما " ١، وقال ﷺ : " أنا بريء من أهل ملتين تتراءى ناراهما"، وقال ﷺ : "لا تستضيئوا بنار المشركين " ٢، وقال ﷺ : " من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة "، وقال ﷺ : " لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين " ٣، وقال ﷺ : " لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق ". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً. فمن أقام بين أظهر المشركين من غير إظهار للدين، إلا من استثنى الله من المستضعفين، فقد فعل أمراً محرماً بنص القرآن، وإجماع العلماء؛ قال الحافظ ابن كثير، ﵀: هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص الآية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: الحادي عشر: أن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم، وإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها، في الوعيد خاصة; فأما في التحريم فليس فيه خلاف معتمد محتسب، وما زال العلماء من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، والفقهاء بعدهم، في خطابهم وكتبهم يحتجون بها في موارد الخلاف وغيره، بل إذا كان في الحديث

стр. 3714

وعيد، كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم، على ما تعرفه القلوب. وتقدم أيضاً التنبيه على رجحان قول من يعمل بها في الحكم، واعتقاد الوعيد، وأنه قول الجمهور; وعلى هذا، فلا يقبل قول مخالف الجماعة. الثاني عشر: أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جداً، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق، من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون، أو مغضوب عليه، أو مستحق للنار. انتهى المقصود منه. وحكم السفر للتجارة والكسب حكم الإقامة، لا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل؛ فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله ﷺ ، وهذا إجماع العلماء: على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين، لمن عجز عن إظهار دينه، وكان قادراً على الهجرة. فإن قال بعض المتنطعين المتهوكين، الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها: إذا كنتم تحرمون الإقامة بين أظهر المشركين، من غير إظهار للدين، وتحرمون السفر إلى ديارهم، فمن المعلوم أن من أحل محرماً فهو كافر، ونحن نبيح السفر إلى بلاد المشركين مطلقاً، أو مقيداً بإظهار الأركان الخمسة.

стр. 3715

قيل له: من فعل أمراً محرماً، غير عالم بتحريمه، لا نؤثمه بذلك فضلاً عن تكفيره; ومن فعله عالماً بتحريمه متعمداً فعله، فهو عاص لله بارتكابه المحرم على عمد. فمن أباح السفر إلى بلاد المشركين، وهو يعلم أن ذلك حرام عليه، لكنه أصر وعاند، وكابر وعتا وتمرد، وشرد على الله شراد البعير على أهله، زاعماً أن الحق فيما خالف الكتاب والسنة، مما هو ينتحله من الأقوال والآراء المخالفة للكتاب والسنة، فكلام أهل العلم في ذلك واضح، لا خفاء به. وأما من قامت له شبهة، أو تأول، وزعم أن هذا السفر ليس بحرام، ولكن مباح، لأنه يظهر دينه، وأن البلد التي يسافر إليها ليست عنده ببلد كفر، إلى غير ذلك من الشبه والتأويل، فهذا لا يكفر بإباحة ما حرمه الله ورسوله، لقيام الشبهة معه، والتأويل المانع من تكفيره، ولكنه آثم عاص بفعله ذلك من غير اجتهاد في طلب الحق والدليل، إذ حسن الظن بمن يقلده ويسهل له في ذلك. هذا كله فيمن يقلد، وفي العامي الذي لا اطلاع له، ولا علم يميز به بين الحق والباطل، وأما من أباح شيئاً من المحرمات من العلماء، فاعلم: أنه لا يتجاسر على إباحة المحرمات عالم يخشى الله، وإنما يخشى الله من عباده العلماء؛ وإنما يقع ذلك من بعض العلماء، لأسباب ذكرها شيخ الإسلام في رفع الملام عن
следующие страницы →