← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وأحرق رحله، ولم يأخذ سهما في المسلمين أبدا. قال: وبلغنا أن أبا بكر وعمر كانا يفعلانه". فالواجب على الإمام: القيام على الناس بالآداب البليغة التي تزجر عن المعاصي، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ومن سمع المواعظ والزواجر، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلم يرتدع، ولم ينْزجر، استحق العقوبة البليغة التي تزجره، على فعل المنكرات، وتعاطي المحرمات والغلول قد فشا وظهر، واشتهر، وكثير من الناس لا يعده ذنبا، ولا ينقص الغال عند من لا يغل، ولا يسقط من أعين الناس، مثل سقوط السارق ونحوه، ممن يفعل الكبائر. والغلول من الكبائر المحرمة، التي حرمها الله ورسوله. وقال أيضا الشيخ إبراهيم، وعبد الله، وعلي، أبناء الشيخ بعد كلام سبق: ومنها: ما يجري من بعض الأمراء والعامة من الغلول؛ منهم من يتحيل على الغلول بالشراء، ولا ينقد الثمن، وذلك حرام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦١] وفي الحديث " إن الغلول عار، ونار وشنار " ١. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وكل من أخذ ما لا يستحقه، من الولاة والأمراء والعمال، فهو غال، كما في الصحيحين، عن أبي هريرة، قال: "قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، حتى قال: " لا ألفين أحدكم

стр. 4027

يجيء يوم القيامة على رقبته.."١ الحديث، وأخبرنا أن هدايا العمال غلول، فينبغي التفطن لهذه الأمور، لئلا يقع فيها وهو لا يدري. وكذلك ما يتبع الزكاة، من النائبة، قد أغنى الله عنها، وجعل فيما أحل غنى عما منع وحرم. ومن الواجب على ولي الأمر: ترك ذلك لله، وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه، إن حصل تسديد من الله، ومن بتوفيق من عنده وكذلك ما يؤخذ من المسلمين في ثغر القطيف، من الأعشار، لا يلي، ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين، ويلزم ولي الأمر أيده الله أن يلزم التجار الزكاة الشرعيه قهرا، ويدع ما لا يحل. [مصرف خمس المغنم] سئل الإمام: عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀، عن خمس المغنم، هل مصرفه من تضمنته آية الأنفال، ومن المراد بذوي القربى؟ وهل اليتامى والمساكين في الآية منهم؟ أم لا؟ وهل ورد لها ناسخ فللإمام صرفه في نفسه وفيمن شاء؟ فأجاب: أجمع العلماء على أن الآية محكمة غير منسوخة، وإنما اختلفوا في المراد بذوي القربى، فقال كثير فهم: هم قرابة الرسول ﷺ وقال بعضهم: هم قرابة الرسول ﷺ مع قرابة الإمام معهم. وأما اليتامى والمساكين المذكورون في الآية فقال كثير

стр. 4028

من أهل العلم. إن المراد بهم: فقراء المسلمين ومساكينهم. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وأما ما ذكرت من جهة " الزر " الذي يأخذه ابن سعود على من ظهر من عندكم، فإن ابن سعود لم يأخذ على أهل نجد وبواديهم شيئا، وأخذه على أهل الأحساء، لأنه لم يثبت عنده إسلامهم على عادته، حال كونهم محاربين، فإذا نفوا الشرك، وهدموا الأوثان، وكفوا عن عداوة الإسلام وأهله، وعملوا بالإسلام لم يأخذ عليهم شيئا. [المكوس الموضوعة على الناس] وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، وفقه الله: وقد ذكرنا لك فيما مضى، من جهة هذه المكوس التي وضعت على الناس، وأنها من أعظم المحرمات، لأن الله حرم الظلم على نفسه، فقال ﷺ فيما يروي عن ربه : " إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا "١، وقال ﷺ في خطبته يوم الحج الأكبر، وهو واقف بعرفة " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب " واذكر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] ومن المعروف الذي أوجبه الله على عباده: اجتناب أسباب الظلم وتحرى العدل في الأقوال والأعمال.

стр. 4029

ومن المنكر الذي حذر الله عنه: تعاطي ما حرمه الله، من الظلم وغيره واذكر قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [سورة النحل آية: ٩٠] قال شيخ الإسلام: هذه الآية جمعت فعل ما أوجبه الله، واجتناب جميع ما حرمه الله، فإنه لا يستقيم للولاة أمر إلا بالعمل بما دلت عليه هذه الآية، ونظيرها قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] فالعدل مطلوب شرعا، في الأقوال والأعمال والأخلاق. والإحسان شامل للإحسان للناس في معاملتهم، وفي الولاية عليهم، وترك الظلم والتعدي عليهم، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، لما أمره بأخذ الصدقة، قال له: " واتق دعوة المظلوم " ١. وقال في "الاقتضاء": وعامة الأمراء، إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة، من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز، لأنهم فرطوا في المشروع، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة لأنفسهم، وأقاموا الحدود المشروعة، على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم، للعدل الذي شرعه الله، لما

стр. 4030

احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم، انتهى. واذكر أيضا: الديوان الثالث، الذي لا يترك الله منه شيئا، فالحذر الحذر، من أسباب الشر وموجباته! ومن أعظم الأسباب الجالبة للنصر، وخذلان العدو قريبا أو بعيدا: تقوى الله، ورفض هذه المكوس المحرمة، التي لم تعهد في أسلافكم، لأن المعهود عنهم ﵏، رفع المظالم، والمكوس، في كل بلد يتولون عليها، فشكرهم على ذلك أهل الإسلام، وجعلوا ذلك من مآثرهم الحميدة. وفي الحديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عملها " ١. وهذه المكوس هي والله من السيئات المذمومة، فإن من أعظم ما أساء المسلمين: وضع هذه المحرمات. وقد رأيت لبعض العلماء " فائدة " يحسن ذكرها، لعظم نفعها، ومطابقتها للواقع. قال ﵀: العدل إذا كان شاملا، فهو أحد قواعد الدنيا والدين، الذي لا انتظام لهما إلا به، ولا صلاح فيهما إلا معه، وهو الداعي إلى الألفة، والباعث على الطاعة، وبه

стр. 4031

تعمر البلاد، وبه تنمو الأموال، ومعه يكثر النسل، وبه يأمن السلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق، من الظلم والجور، لأنه ليس يقف على حد، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد، حتى يستكمل. والعرب لما استناروا بنور الدين المبين، وجمعت متبدد شملهم كلمة الحق، ودان لهم من دان من الأمم، شملوا الناس بالعدل في أحكامهم، وأعمالهم وأقوالهم، إذ كان من أهم مقاصد الشريعة الغراء، وأعظم مطالبها وأجل قضاياها، وبذلك تعلقت آيات التنْزيل، فمنها قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] وفي الحديث " بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد " إلى غير ذلك من النصوص، التي يضيق عنها الحصر. ومن وقف على سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم، من أمراء العدل من العرب تبين له: أن ما كان من استقامة ملكهم، واتساع مملكتهم، إنما هو بالعدل التام، ووضع الأمور في مواضعها والعدل باب واسع، يجري في أمور كثيرة، ومرجعه إلى عدل الإنسان في نفسه، ثم عدله في غيره. فأما عدله في نفسه، فيكون بحملها على المصالح،

стр. 4032

وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف على أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها، فهو على غيره أجور. وأما عدله في غيره، فهو على أقسام منها: عدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، ويدخل فيه الرجل مع أهل بيته، والأستاذ مع تلامذته، والسيد مع خدمه وأرقائه، ففي الحديث " كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته " والعدل هاهنا يكون باتباع الميسور، وخوف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في الميسور، فإن اتباع الميسور أدوم، وترك المعسور أسلم، وعدم التسلط عطف على المحبة، وابتغاء الحق أبعث على النصرة، وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر، كان الفساد بنظره أكثر، والاختلاف بتدبيره أظهر. وفي الحديث: " أشد الناس عذابا يوم القيامة، من أشركه الله في سلطانه، فجار في حكمه " وعن بعضهم: ليس للجائر جار، ولا تعمر له دار وقال: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. ومنها: عدل الإنسان مع من فوقه، كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع رئيسها، وعائلة الرجل معه وغير ذلك، فقد يكون بإخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق

стр. 4033

الولاء فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل، وبذل النصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى لسوء الظن، وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء، تسلط عليه من كان يدفع عنه، واضطر إلى اتقاء من يتقي به، قال البحتري: متى أحوجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئام وفي استمرار هذا حل نظام جامع، وفساد صلاح شامل؛ قال بعض الأكابر: أطع من فوقك، يطعك من دونك. ومنها: عدل الإنسان مع أكفائه، وذلك بترك الاستطالة، ومجانبة الإدلال، وكف الأذى لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإدلال أعطف، وكف الأذى أنصف، وهذه أمور إن لم تخلص الأكفاء، أسرع فيهم تقاطع الأعداء، ففسدوا وأفسدوا، انتهى مخلصا. وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن حسن، وعبد العزيز، وعمر ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ محمد بن عثمان، والشيخ عبد العزيز الشثري.

стр. 4034

وأما المكوس: فأفتينا الإمام بأنها من المحرمات الظاهرة، فإن تركها فهو الواجب عليه، فإن امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين، والخروج عن طاعته من أجلها وأما الجهاد: فهو موكول إلى نظر الإمام، وعليه أن ينظر ما هو الأصلح للإسلام والمسلمين، على حسب ما تقتضيه الشريعة. [نصيحة إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل] وقال بعضهم أيضا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد اللطيف، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، ومحمد بن عبد الله بن عبد اللطيف، إلى الإمام المكرم: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله تعالى وهداه، وأعاذه من شر نفسه وهواه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وموجب الكتاب: السلام، والنصيحة، والمعذرة إلى الله ﵎، والإعذار إليك وإلى عباد الله المؤمنين، وأداء ما استؤمنا عليه، والخشية أن نكب على وجوهنا في نار جهنم، ونكون من الغاشين للإسلام والمسلمين. إذا عرفت هذا، فاعلم: أن حقك علينا كبير

стр. 4035

وحق رب العالمين علينا أعظم وأكبر، وإذا تعارضا، فالمتعين هو تقديم حق الرب على ما سواه، فنرجوه تعالى أن يعيننا على ذلك، ويحسن لنا الختام وقد ولاك الله على المسلمين، واسترعاك عليهم، فإن قمت بحق تلك الرعاية فهي من أعظم نعم الله عليك، وإن ضيعت وأهملت - أعاذك الله من ذلك - صارت عليك نقمة ووبالا. واعلم: أن مقصود الولاية، هو إصلاح دين الناس ودنياهم، التي يتوصلون بها إلى إقامة دينهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، انتهى. وأنت عارف بما كان عليه أهل نجد، قبل هذه الدعوة المباركة، من الشر، في دينهم ودنياهم، ثم إن الله تعالى أنقذهم من ذلك بهذه الدعوة الدينية، قدس الله أرواح من قام بنصرها، وجزاهم عن أهل نجد خصوصا، وعن المسلمين عموما، خير ما جزى به من قام بنصرة دينه، وجاهد في الله حق جهاده. ولم تقم دعوتهم، ولا استقامت ولايتهم، إلا على أمرين: القيام بحق الله تعالى، والقيام بحقوق عباده، ورعاية مصالحهم؛ يعرف ذلك من سيرتهم، كل من له أدنى إلمام بشيء، من العلم بأحوالهم.

стр. 4036

ثم لما وقع التقصير منهم، في أشياء دون ما نحن فيه اليوم، حل بهم ما حل، مما نرجو أنه كفارة لهم، وتمحيص، ومحق لأعدائهم، فعاد نجد إلى قريب من حالته الأولى، بسبب ارتكاب بعض المحرمات. ثم إن الله تعالى من بتجديد الدعوة، وقام بنصرها جدك تركي، وجدك فيصل، جزاهما الله عن الإسلام والمسلمين خيرا؛ ولهما من السيرة المحمودة، وتقديم الشرع، وترك الظلم والتعدي، وإقامة العدل ما لا يحتاج إلى شرح. ثم لما توفي جدك فيصل رحمه الله تعالى، وحصل ما حصل، انحلت عرى هذه الولاية، ووقع بأهل نجد ما لا يخفى عليك. ثم إن الله تعالى من بولايتك، وحصل بها من الإقبال والنصر للمسلمين، وقمع عدوهم، ما هو من أعظم نعم الله عليهم وعليك ولم يزل الله بفضله يرقيك من حالة إلى حالة، وإمامك في هذا كله: الكتاب والسنة، والعدل في الرعية؛ فاستتب لك الأمر، وأعلاك الله، ونصرك على من ناوأك. ثم آلت بك الحال - هداك الله، وأخذ بناصيتك - إلى الوقوع في أمور كثيرة، هي من أسباب زوال تلك النعمة، ومن موجبات التغيير وحلول النقمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ

стр. 4037

حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] . منها: إلزام الناس أن يظلم بعضهم بعضا، وأن ترفض الطريقة النبوية، الجارية في أسواق المسلمين، وبياعاتهم، وأن يقام فيها القانون المضارع لقوانين الكفار، الجارية في أسواقهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وذلك هو إلزامكم بحجر الناس، على مقدار من السعر في الصرف، لا يزيد ولا ينقص، وهذا من أعظم الفساد في الأرض، والتعاون على الإثم والعدوان، وأكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل، والحجة في ذلك: ما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أنس، وحديث أبي هريرة، وغيرهما من الأحاديث. قال مجد الدين ابن تيمية في كتابه "منتقى الأخبار"، باب النهي عن التسعير: عن أنس قال: " غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ : فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال " رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، انتهى. قال شارحه: وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود، قال: " جاء رجل، فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل أدعو الله ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله

стр. 4038

سعر، فقال: " بل الله يخفض ويرفع "١، قال الحافظ: وإسناده حسن، وعن أبي سعيد، عند ابن ماجه، والبزار، والطبراني نحو حديث أنس، ورجاله رجال الصحيح، وحسنه الحافظ، وعن علي ﵁ عند البزار نحوه وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير، وعن أبي جحيفة عنده في الكبير، انتهى. وهذا هو قول أهل العلم، كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهم رحمهم الله تعالى؛ قال الوزير أبو المظفر ابن هبيرة، في كتابه "الإفصاح": باب التسعير والاحتكار اتفقوا على كراهة التسعير، وأنه لا يجوز، انتهى. فيا عبد العزيز اتق الله، تتم لك النعمة، وحكم كتاب الله، وسنة نبيه، واتق الظلم فإنه سبب لحلول النقم وزوال النعم، وحقوق الخلق أمرها عظيم وفي الحديث " الدواوين ثلاثة، ديوان لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك بالله، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وهو حقوق الخلق، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه " ٢. وقد حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرما بين عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٤٩] .

стр. 4039

وقال تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٠٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [سورة الشورى آية: ٤٢] وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎، أنه قال: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا " ١ وقال النبي ﷺ في خطبته، في حجة الوداع: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا " ٢، وروي عنه: أنه خطب بذلك في يوم النحر، وفي يوم عرفة، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي رواية: ثم قال: " اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظالموا! إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " ٣ وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الظلم ظلمات يوم القيامة " والأحاديث في ذلك كثيرة. ومنها: أمر الطويل في الأحساء وتوابعها، هو وأعوانه الذين استجلبهم من الخارج، وسومهم الناس سوء العذاب، مع ما اشتهر من أنواع الفواحش. وقد مضى أزمان والناس يرفعون أكفهم بالدعاء لكم، في السر والعلانية، ولا نأمن الآن أنهم يرفعونها بالدعاء عليكم وفي الحديث " واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " ٤.

стр. 4040

ولا يملك الناس إلا أمران: العمل فيهم بالشرع، والتحبب إليهم بالإحسان، أو بترك الظلم ولا تظهر ضغائن الناس، إلا عند سؤالهم أموالهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣٧] ونسأل الله أن يأخذ بناصيتك، ويهديك صراطه المستقيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. [الرافضة] وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن حسن، والشيخ عبد العزيز، والشيخ عمر، ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن حسن بن إبراهيم، ومحمد بن عثمان، وعبد العزيز الشثري، وفقهم الله تعالى: أما الرافضة: فأفتينا الإمام، أن يلزموا بالبيعة على الإسلام، ويمنعهم من إظهار شعائر دينهم الباطل. وعلى الإمام أيده الله أن يأمر نائبه على الأحساء، يحضرهم عند الشيخ ابن بشر، ويبايعونه على دين الله ورسوله، وترك الشرك، من دعاء الصالحين من أهل البيت، وغيرهم، وعلى ترك سائر البدع، من اجتماعهم على مآتمهم وغيرها،

стр. 4041

مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل، ويمنعون من زيارة المشاهد. وكذلك يلزمون بالاجتماع للصلوات الخمس، هم وغيرهم في المساجد ويرتب فيهم أئمة ومؤذنين، ونوابا من أهل السنة، ويلزمون تعلم ثلاثة الأصول؛ وكذلك إن كان لهم محال بنيت لإقامة البدع فيها، فتهدم، ويمنعون من إقامة البدع في المساجد وغيرها؛ ومن أبى قبول ما ذكر فينفى عن بلاد المسلمين. وأما الرافضة من أهل القطيف، فيأمر الإمام أيده الله الشيخ يسافر إليهم، ويلزمهم ما ذكرنا. وأما البوادي والقرى التي دخلت في ولاية المسلمين، فأفتينا الإمام يبعث لهم دعاة ومعلمين، ويلزم نوابه من الأمراء في كل ناحية، بمساعدة الدعاة المذكورين، على إلزامهم شرائع الإسلام، ومنعهم من المحرمات. وأما رافضة العراق، الذين انتشروا، وخالطوا بادية المسلمين، فأفتينا الإمام بكفهم عن مراتع المسلمين، وأرضهم. [المنذور لخدام النبي ﷺ ] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله، عن المنذور لخدام النبي ﷺ وغيره، إلى آخره. فأجاب: المنذور لخدام النبي ﷺ وغيره، يصرف

стр. 4042

لمصالح المسلمين: يصرفها الإمام، إما في الجهاد، أو في تأليف بعض الناس على الإسلام، أو الفقراء، أو المساكين. وأجاب في موضع آخر: إن كان ذلك في البلد التي تحت ولاية إمام المسلمين، فلا يجوز أخذه إلا بإذن الإمام، لأنه يصير مصرفه في مصالح المسلمين بإذن الإمام، كما صرف النبي ﷺ المال الذي على بيت اللات حيث هدمها في مصالح المسلمين. وأما إن كان المنذور في موضع ليس حكمه تحت حكم إمام المسلمين، فإنه يجوز أخذه لمن وجده، لأنه مال ضائع لا يجوز إبقاؤه. [مصارف خمس الغنيمة] سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀ عن الخمس.. إلخ. فأجاب: وما ذكرت من مسألة الخمس، فاعلم: أن الأمر أمران: أمر نأمر به، وأمر: يفعله الغير، ومحتاج إلى الإنكار فيه والثاني فتوسع فيه، إلى أن ترى منكرا صريحا، إذا ثبت هذا، فمسألة الخمس لا أكره إذا أخذ من الخمس، وأما سهم النبي ﷺ وذوي القربى، ففيه كلام طويل؛ وقد ذكر: أن أبا بكر وعمر، لم يعطيا بني هاشم، ثم فالذي أرى أنه يجرى في المصالح، حتى يتبين فيه حكم. وأما مصرف المصالح عندكم، فهذا الذي تذكر أنهم يفعلونه، ما علمت فيه خلافا لكن لا يقتصر عليه، بل من

стр. 4043

المصالح ما هو أعم منه وأما الغنيمة إذا أخذت قبل الخمس، فإذا لم يفوض فخمسها فيها معها. سئل ابنه الشيخ عبد الله: إذا قتل مسلم كافرا، وأخذ سلبه، فأصاب فيه دراهم.. إلخ؟. فأجاب: الذي نفهم أن حكمه حكم سلبه يصير له؛ والذي نفهم أنه ما فيه خمس. [مال المسلم الذي استرده المسلمون مع الغنيمة] سئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد: إذا أخذ الكفار مال مسلم، ثم استولى عليه المسلمون قهرا، ولم تقع فيه قسمة، كما لو قتل مسلم كافرا وأخذ سلاحه، وعرفه مسلم، أو أخذه بعض المسلمين من الكفار، واختص به من غير قسمة. فأجاب: في هذه الصورتين، يأخذه المسلم ممن غنمه بغير شيء، لعدم وقوع القسمة المانعة، وذلك: لما روى مسلم عن عمران بن حصين، " أن قوما أغاروا على سرح النبي ﷺ فأصيبت العضباء، وأسرت امرأة من الأنصار، فكانت المرأة في وثاق، وأقامت عندهم أياما. ثم انفلتت من الوثاق، فأتت الإبل فركبت العضباء، ونذرت إن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة، أخبرت أنها نذرت لتنحرنها، فقال رسول الله ﷺ : لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ".

стр. 4044

[ما يؤخذ منه أجرة الأجراء في الجيش] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عن سبور الغزو، والأجراء، هل أجرتهم من رأس الغنيمة؟ أو في أربعة الأخماس؟ فأجاب الظاهر أنها من رأس الغنيمة، من الخمس وغيره. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، ﵏: ومن الواجب تمييز الأموال الداخلة على ولي الأمر؛ فإن الله ميزها وقسمها، فلا يحل تعدي ذلك وخلطها، بحيث لا يمكن تمييز الزكاة من الفيء والغنائم، فإن لهذا مصرفا، ولهذا مصرفا, ويجب على ولي الأمر صرف كل شيء في محله، وإعطاء كل ذي حق حقه: أهل الزكاة من الزكاة، وأهل الفيء من الفيء؛ ويعين ذلك في الأوامر التي تصدر من الإمام لوكيل بيت المال. ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى، ويعطون ما فرض الله ورسوله من الحق من الفيء والغنيمة، فإن هذا من آكد الحقوق وألزمها، لمكانهم من رسول الله ﷺ ؛ والمراد بهم: من عرف التوحيد، والتزمه. وأهل الإسلام ما صالوا على من عاداهم، إلا بسيف النبوة وسلطانها، خصوصا دولتكم، فإنها ما قامت إلا بهذا

стр. 4045

الدين، وهذا الأمر يعرفه كل عالم وفي الحديث: " إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض في مال الله بغير حق ليس له يوم القيامة إلا النار ". عافانا الله وإياكم من النار، ومن عمل أهل النار. وقال ابنه الشيخ عبد اللطيف، رحمهما الله بعد كلام له: إذا عرف هذا: فلو سلم تسليما صناعيا، أن قصدكم الأموال المغصوبة، فوجودها في بيت المال، لا يقتضي التحريم على من لم يعلم عين ذلك ولم يميز لديه، والمسؤول عن التخليط ولي الأمر، لا من أخذ منه إذا لم يعلم عين المغصوب، وقد ذكر ذلك الشافعية وغيرهم من أهل العلم؛ بل ذكر ابن عبد البر إمام المالكية في وقته: أنه لا يعرف تحريم أموال السلاطين، عن أحد ممن يقتدى به من أهل العلم. وقال في رسالته لمن أنكر عليه ذلك: قل لمن ينكر أكلي لطعام الأمراء ... أنت من جهلك بمحل السفهاء فإن الاقتداء بالسلف الماضي هو ملاك الدين. ثم قال بعد ذلك: ومن حكى عنه تركها، كأحمد وابن المبارك، وسفيان وأمثالهم، فذاك من باب الزهد في المباحات، وهجر التوسعات، لا لاعتقاد التحريم - إلى أن قال - وقد قال عثمان ﵁ " جوائز السلطان لحم ضبى ذكي ".

стр. 4046

وقال ابن مسعود - لما سئل عن طعام، من لا يجتنب الربا في مكسبه –: "لك المهنا وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراما " وحكي عن أحمد ﵀: جوائز السلطان، أحب إلينا من صلة الإخوان، لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن؟ قال: وكان ابن عمر يقبل جوائز صهره المختار، وكان المختار غير المختار، حكى هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وناهيك به حفظا وأمانة، عند الكلام على حديث: " إذا دخل أحدكم بيت أخيه، فأطعمه من طعامه، وسقاه من شرابه، فليأكل من طعامه، وليشرب من شرابه، ولا يسأل عنه " ١، والحديث معروف في السنن. قال الحافظ الذهبي: قيل لعبد الله بن عثمان بن خثيم: ما كان معاش عطاء؟ قال صلة الإخوان ونيل السلطان؛ وهذا مشهور بين أهل العلم، وقد قال صالح بن أحمد لأبيه - لما ترك الأكل مما بيد ولده، من أموال الخلفاء -: أحرام هي يا أبت؟ قال: متى بلغك أن أباك حرمها؟! وأما إذا علم الإنسان عين المال المحرم، لغصب أو غيره، فلا يحل له الأكل بالاتفاق، والمشتبه الذي ندب إلى تركه، هو ما لا يعلم حله ولا تحريمه؛ وأما إذا امتاز الحلال وعرف الحكم، فهو لاحق بالبين لا الاشتباه. وفي دخول أموال السلاطين في المشتبه، بحث جيد، لا يخاطب به إلا من سلمت في السلف الصالح سريرته،

стр. 4047

وحسنت في المسلمين عقيدته؛ والمرتاب يصان عنه العلم، ولا يخاطب إلا بما يزجره ويردعه. وقد قبل ﷺ الهدايا من المقوقس، وصاحب دومة الجندل، وغيرهما، وهو ﷺ لا يقبل إلا طيبا، ولا يأكل إلا طيبا؛ وأموال الكفار لا يبيحها الغصب، لمثل المقوقس، وإنما تباح وتملك بالقهر والغلبة، والاستيلاء للمسلمين. [رد من الشيخ عبد الرحمن على أحد خصومه] وقال والده الشيخ عبد الرحمن، أعلى الله منازله في فسيح الجنان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك. وبعد: فأقول وبالله التوفيق، والهداية إلى أقوم طريق: إنه ورد علي رسالة من الأخ.. بعيد عن منهج الصدق والتحقيق، فنحوت نحو الجواب، متحريا الصواب، عسى أن يتنبه أو يفيق، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦] الآية، وحديث: " إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " ١. ورسالته مشعرة باشتغاله هو، ويصغي جليس إليه بما

стр. 4048

هو منه قبيل البهتان، والله المستعان. وهذا زمان تناكرت فيه القلوب، وعظمت الذنوب، وطفيت فيه أنوار البصائر، وقل العلم والإيمان، وكثر الجهل والطغيان، فإلى الله أشكو ما ألقاه من أهل هذا الزمان، من البغي والعدوان، وأعوذ بالله من شر اليد والقلم واللسان ; فحق لأهل الإنصاف أن يتأملوا كلامه وملامه، والجواب عنه، فإن كان الجواب حقا فعليهم أن ينصروه، وما فيه من خلل فليصلحوه ويستروه. قال في رسالته: ويذكر عنك غفلة عظيمة عن الله، وما يقرب إليه من العلم النافع، والدعوة إليه؛ فأقول: عياذا بك اللهم مما قال، أيجوز لأحد من المسلمين أن يقول هذا القول في رجل من عوام المسلمين، يصلي الجمعة والجماعة؟ وما أظن أحدا يقول هذا في أحد، إلا أن يثبت أنه يصر على الكبائر، ويضيع الفرائض؛ اللهم لا تجعلنا من الغافلين. ثم كيف يتسجيز سني أو بدعي أن يسمع هذا يقال، فيمن يعلمه الخير سابقا ولاحقا؛ فلو قاله ظالم، أما كان يلزمه الذب عن عرض أخيه، بتكذيب الظالم، والإنكار عليه. ثم إنه ترك ما وجب، وارتكب ما حرم، فصدق وحق، وجلل ودقق، وورق وعمق، فأشهد من يراه أو قرأه: إني خصمه فيما ادعاه. اللهم إنك تعلم أني

стр. 4049

لا أستجيز، بأن أقول مثل هذا القول فيه، ولا فيمن لا يقاربه ولا يوازنه، من عاقل وسفيه؛ وما قلت فيه قط إلا ما يسره ويرضيه، فاغفر لي وكن لي ظهيرا وهاديا ونصيرا، فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم، وهل إلا عليك المعول. اللهم إنك تعلم أني لو شئت لعرضت بعيوبه، ولوحت بذنوبه، وإنما أعرضت عن ذلك ابتغاء وجهك، فاغفر لي ما لا يعلمون، وارحم عبيدك، فإن الأكثر لا يرحمون، وإنك قلت في كتابك العزيز ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٠] اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا تابوا واستغفروا، ونسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ثم قال معللا لما تقدم: لأنك استبدلت بهذا الاشتغال بالدنيا وجمعها، وهذا بحمد الله دعوى بلا برهان، ولا يمكنه الخروج مما قال، والله عند لسان كل قائل وقلبه؛ وأنى له إقامة الدليل، والخروج مما قال من التعليل. ما صادف الحكم المحل ولا هو ... استوفى الشروط فصار ذا بطلان وفي الحديث "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت "١.

стр. 4050

ولا أجد لي ولهم مثلا، إلا قول يعقوب ﵇ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٨] وما قلت ذلك شكوى إلى الخلق، ولكن الشكوى إلى الله، ولكني أطالبهم بإقامة البرهان على هذا العدوان، وما كنت مشتغلا بالدنيا ولا جمعها وما هذا المال الذي جمعته؟ وأين وضعته؟! وأما جمع المال: فلا يعاب مطلقا بل قد يكون قربة إلى الله تعالى، إما واجبا أو مستحبا، وقد يكون مباحا؛ إنما يعاب التلهف على الدنيا، والحسد على النعمة، والحرص عليها؛ وقد جمعها أصحاب رسول الله ﷺ فإن الكثير منهم أهل ثروة. " وقسم رسول الله ﷺ مال البحرين "، " وقسم أبو بكر ﵁ أموال بيت المال بالسوية " " ودون عمر الديوان، وفاضل بينهم بالقرابة والسابقة "، فما كره أحد منهم نصيبه من بيت المال، إلا ما كان من حكيم بن حزام، لأمر خصه، سببه معروف. " وأوصى عبد الرحمن بن عوف ﵁ لمن بقي من شهداء بدر، بأربعمائة دينار، لكل رجل، وكانوا مائة، فأخذوها وأخذ عثمان ﵁ فيمن أخذ، وهو خليفة " وأوصى بألف فرس في سبيل الله ؛ فهذا من

стр. 4051

ثلث ماله، وما نقص من فضله شيئا، وقد بشره رسول الله ﷺ بالجنة. فأين ذهب جمعكم للكتب؟ وحرصكم على جمعها؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. أما علمتم أن العلامة ابن القيم ﵀ عقد المناظرة بين الفقراء والأغنياء، في كتابه " عدة الصابرين " وذكر أدلة كل فريق على أنه أفضل من الآخر، فما عاب الفقراء أهل الغنى بغناهم، ولا الأغنياء أهل الفقر بفقرهم. وفصل الخطاب: أن أفضلهم أتقاهم لله، وأنفعهم لعباده، ومن سلم المسلمون من لسانه ويده، وأكثر الناس سعيا في وجوه الخير. وأما قوله: واشتغلت بالحراثات، أقول: ما صدقت ولا صدقت، لم أشغل بها قلبا ولا قالبا، قد جعلت فيها من يكفي. أخبرني: ما الذي أثار هذا الضغن؟ وأنت تعلم أني أحرث من حين عرفتني إلى يومي هذا، فما أنكرت حراثتي قبل اليوم؟ وقد كنت أطعمك منها، وأمشي بك فيها، وقد كنت أحتسبها قربة إلى الله تعالى، أستغني بها عن أموال الناس التي بيد السلطان تعففا. وقد ورد في فضلها أحاديث، منها الحديث المرفوع: " ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فما أكل منه طير أو بهيمة أو إنسان، إلا كان له صدقة " ١ فإذا كنت لا بد محتاجا

стр. 4052

إلى التكسب لنفسي، ولمن أعول، فالحراثة أحسن شيء من أسباب الرزق، لما فيها من الفضل، وكثرة ما يخرج منها؛ فهي أفضل من التجارة وأسلم، فكيف يذم فاعل شيء يصلح، أن يكون قربة إلى الله من وجوه؟ هذا لا يصدر من عاقل. وخذ مني " فائدة " في هذا لا تعرفها، أنت ولا قومك: أورد في كتاب "الجليس والأنيس" حديثا، أبو القاسم البجلي، قال: سألت أحمد بن حنبل، ما تقول في رجل جلس في بيته، أو في مسجده، وقال لا أعمل شيئا، يأتيني رزقي؟ فقال أحمد ﵀: هذا رجل جهل العلم، أما سمعت النبي ﷺ يقول: " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " ١ يعني الغنائم، وحديثه الآخر، حين ذكر الطير، فقال: " تغدو خماصا وتروح بطانا " فذكر أنها تغدو في طلب الرزق، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٨] وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم، انتهى. وأقول: ويحك! قلبت لي ظهر المجن! وأما قوله: وأخذت من الزكاة، ولست من الأصناف الثمانية، أقول: من أخبرك أني لست منهم، فلو تثبت وسألت من يخبر حالي

стр. 4053

كان خيرا لك، وقد غرك مني تعففي وشيمتي، والحمد لله على ذلك، وأظنك لا تجهل حالي، ولكن هاجت الفتنة، وعظمت المحنة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. وأقول: ما بالك أعرضت عن معاتبة نفسك، أما علم أنك من أجلد الرجال، وأقواهم، قليل العائلة، وقد قال ﷺ للرجلين الذين سألاه من الصدقة " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب "١ شعرا: أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من ... اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا وأما قوله: وتأخذ مالا فيه ظلم، ولا تسأل، أقول: عجبا لك، كيف تنصب نفسك للإفتاء، وهذا مبلغ علمك وفهمك؟ فإذا لم تفهم هذه المسألة، ولا علمت حكمها، فكيف تفتي الناس؟ لا تدري، ولا تدري بأنك لا تدري. وأقول أيضا: من أين لك، أني أخذت من مال فيه ظلم؟ ومن هذا الثقة العدل الذي وقف على حقيقته؟ وأوجب لك القطع بما زعمت؟ ولا بد في مثل هذه الدعوى، من شهادة عدلين فأكثر، وقفوا على أن هذا الذي أخذت بعينه، دخل فيه ظلم لو كان، ويلزمهم أيضا أن يخبروني من غير تحدث منهم به، فإن ثبت ما قالوا، فقد أدوا ما عليهم من النصيحة؛ وأما طعنهم، وأكلهم

стр. 4054

لحوم الغافلين، فلا يحل لهم بحال، وهذه كلها مغالطة في الحقائق، وتصور الأشياء على خلاف ما هي عليه؛ والخطاب بيننا في موقف الحساب. وكنت سألت قبل هذا، من تولى إخراج بيت المال، فأخبرني بأن الذي أوصل إلى وكيل منه لم يشب بشيء من الظلم، وأنه تحرى لنا ما يحل، فحمدت الله على ذلك، ولم يتبين لي خلاف ما قال. وأما حكم ما بأيدي الملوك من الأموال، فلا يخفى أن أكثر ملوك بني أمية، فشا فيهم الظلم للرعية في الدماء والأموال، وكذا ملوك بني العباس، مع سعة ملكهم وكثرة عمالهم وأمرائهم، فما قال أحد من العلماء، إن ما يجبى إليهم من ذلك المال الذي أخذوه، لا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئا، بل النص المنصور جوازه، والحكم عليه بأنه حلال لآخذه. قال في الفروع: وما جاء من مال بلا مسألة، ولا إشراف نفس، وجب أخذه ; ونقل الأثرم: عليه أخذه، لقول رسول الله ﷺ (خذ) وينبغي أخذه ; ونقل عن ابن حزم: وجوب الأخذ، قال في الشرح، الصحيح: إن غلب الحرام فيما بيد السلطان حرم، وإلا أبيح، إن لم يكن في الأخذ مانع من الاستحقاق؛ وأوجب طائفة الأخذ من السلطان وغيره، واستحبه آخرون، انتهى.

стр. 4055

قلت: وحاصل هذا، أن الأخذ إما واجب، وهو المنصوص عن الإمام وابن حزم وغيرهما، أو مستحب، أو جائز إن لم يكن الحرام غالبا؛ وعن أحمد أنه قال: دعنا نكون أعزة، نقله في الفروع، وقال: جائزة السلطان أحب إلينا من صلة الإخوان؛ فيكون رد الإمام أحمد ﵀ من باب الزهد والورع، حتى لا يناقض قوله. وأما إذا كان الأكثر الحرام، فنقل ابن رجب ﵀، عن الإمام أحمد: ينبغي أن يجتنبه، إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا يعرف، قال: واختلف أصحابنا، هل هو مكروه، أو محرم؟ على وجهين. وإن كان أكثر ماله الحلال، جازت معاملته، والأكل من ماله؛ وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، الورع تركه. وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يأكل منه، ما لم يعرف الحرام بعينه؛ فإن لم يعرف مالا حراما بعينه، ولكن علم أن فيه شبهة، فلا بأس أن يأكل منه، نص عليه أحمد في رواية حنبل. وروى الحارث عن علي ﵁ أنه قال في جوائز السلطان: "لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال، أكثر مما يعطيكم من الحرام" وكان النبي ﷺ وأصحابه يعاملون المشركين، وأهل الكتاب، مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله، كما تقدم عن الزهري ومكحول؛ ويروى في ذلك آثار كثيرة عن السلف.

стр. 4056

قال ابن مسعود، في إجابة دعوة من يعامل في الربا: "أجيبوه، فإنما الهنا لكم، والوزر عليهم " وعن سلمان مثل قول ابن مسعود، وعن سعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم التيمي، وابن سيرين، وغيرهم، والآثار بذلك في " كتاب الأدب " لحميد بن زنجويه و " كتاب الجامع " للخلال و " مصنف " عبد الرزاق، وابن أبى شيبة وغيرهم، انتهى من شرح الأربعين. والأدلة على جواز الأخذ من هذه الأموال، لا يتسع لها هذا الجواب. فلا يحل لمسلم: أن يطعن على مسلم، بأخذ ما هو حلال، إما واجب الأخذ، أو مستحب، وهكذا حال من يتكلم في أعراض المسلمين بلا علم، وما فطن لنفسه أنه يحكم بالشيء على غيره، ولا يحكم به على نفسه، وغايته أنه أطلعنا على مقدار ما معه من العلم والمعرفة؛ والله المستعان على أهل الزمان، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. وأما ما ذكره في أثناء مسألته من الإزراء، فلا أرى الاشتغال بالجواب عنه، احتسابا للصبر عليه عند الله تعالى، يغفر الله لنا وله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآله، وصحبه وسلم.

стр. 4057

[إدخال النصارى إلى بلاد المسلمين] وفي حدود سنة سبع وأربعين، أرسل علماء نجد إلى الإمام، لما بلغهم أنه يحصل شركة للأجانب، في معادن بنجد، بما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وصالح بن عبد العزيز، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، ومحمد بن إبراهيم، إلى الإمام المبجل: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله تعالى، وألهمه رشده وتقواه، وأعاذه من شر نفسه وهواه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: سلمك الله، بلغنا أنه يصير شركة في المعادن، ولا تحققنا خبرها إلا في هذه الأيام، وتفهم أن مشاركة الأجانب الذين تحت ولاية النصارى وإدخالهم في الديار العربية، والولاية الإسلامية، أمر محرم، لا تبيحه الشريعة، مع ما يترتب عليه من المفاسد، الدينية والدنيوية، في العاجل والآجل، وإن كان في بادئ الرأي، أنه يحصل منه مصلحة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وولايتكم ولاية إسلامية دينية، لا تستقيم إلا بالسياسة

стр. 4058

الدينية، والوقوف مع الشريعة المحمدية، وفي الحديث: " ما منكم من أحد إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله " ونحن: وإن كانت عقولنا قاصرة، عن الأفكار الدنيوية، فهي إن شاء الله ما تقصر عن الأمور الدينية، وما فيه صلاح للراعي والرعية، وسعادة الدارين وفي المثل المشهور: وأكيس الناس من لم يرتكب عملا ... حتى يميز ما تجني عواقبه هذا الذي أوجب الله لك علينا، من النصيحة والبيان، خروجا من معرة السكوت والكتمان؛ ونرجو أن الله يأخذ بناصيتك، ويسلك بك الصراط المستقيم، ويعيذك من أسباب الغواية والتأثيم، والسلام.

стр. 4059

[الحلف على التعاون] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عن قوم اجتمعوا وعقدوا بينهم العهود، في الموازرة والمناصرة والمدافعة، وأنهم يعقلون في الدماء عمدها وخطأها، فهل يجب الوفاء بها، إذا كان في ذلك صلاح؟ فإذا كان قد صدر منهم في الجاهلية، فهل يلزم؟ لقوله: " كل حلف في الجاهلية.." الحديث، وهل يجوز إحداثه في الإسلام.. إلخ؟. فأجاب: الحلف إذا وقع على خلاف أحكام الشرع، لم يجز التزامه، ولا الوفاء به؛ فإن قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، كما ثبت في الصحيحين، في حديث بريرة: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط " ١. وهذا الحلف المذكور على هذا الوجه، يخالف حكم الله؛ فإن الحكم الشرعي: أن دية العمد على القاتل خاصة، ودية الخطأ على العاقلة؛ وهذا الأمر لا خلاف فيه بين العلماء، فكيف يبطل هذا الحكم الشرعي، بحلف الجاهلية وعقودهم وعهودهم؟ وأما قوله ﵇: " كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " ٢ فهذا فيما وافق الشرع، ولم يخالفه، كالتحالف على فعل البر والتقوى، وكالتحالف على دفع الظلم ونحو ذلك. وأما إحداث التحالف بعد الإسلام، فلا يجوز، لقوله

стр. 4060

عليه السلام: " لا حلف في الإسلام " ١ وذلك لأن الإسلام، يوجب على المسلمين التعاون والتناصر بلا حلف، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، وقال ﷺ " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يشتمه، ولا يخذله " ٢ وقال: " المؤمنون كالبنيان، يشد بعضه بعضا " ٣ هذا إذا كان الناس مجتمعين، على إمام واحد. وأما إذا حصل التفرق والاختلاف - والعياذ بالله - ولا يمكن التعاون والتناصر إلا بالحلف، فهذا لا بأس به إذا لم يخالف أحكام الشرع وقال الإمام: عبد العزيز بن محمد بن سعود، ﵏، وما أشرت إليه من أن بعض القادمين علينا، يأخذون منا أوراقا، يريدون بها الجاه، والترفع على من بينه وبينهم ضغائن جاهلية، فأنت تفهم أن المملوك ليس له اطلاع على السرائر، وإنما عليه الأخذ بالظواهر، والله يتولى السرائر، ومن خدعنا بالله انخدعنا له، فإذا جاءنا من يقول أنا أبايعكم على دين الله ورسوله، وافقناه وبايعناه، وبينا له الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ونأمره بذلك، ونحضه على القيام في بلده، ودعوة الناس إليه، وجهاد من حالفه، فإذا خالف ذلك وغدر، فالله حسيبه ٤.

стр. 4061

وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: اعلم: أنه لا حلف في الإسلام، كما وردت بذلك السنة، ولأن الدخول فيه يتضمن التزام أمور تخالف الشرع؛ لكن من أراد أن يعامل بإخاوة ونحوها، كما يفعله بعض أهل البلدان مع البدو، دفعا لشرهم، فلا بأس بذلك، انتهى. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما ما روي عن ابن عباس، أنه قال في الآية: "لا عهد لظالم عليك، وإن عاهدته فانقضه"، فيحتمل أن مراده نحو ما إذا طلب ظالم قادر، مال إنسان ظالم، وعاهده أنه يأتيه به، أو عاهد لصا أنه لا يخبر به، ونحو ذلك، انتهى. وقال الشيخ إبراهيم، وعبد الله، وعلي، أبناء الشيخ محمد، ﵏ ومنها: التجاسر على إخفار ذمة المسلم، فإذا صح إعطاء أحد من المسلمين أمير أو غيره، أحدا من الكفار ذمة، لم يجز لأحد من المسلمين أن يخفره، لا في ذمته ولا ماله، كما في الحديث: " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " ١. ومن العجب: أن بعض الجهال يفعل هذا ديانة، ويظن أن معاداة الكفار، واستحلال المحرم، أعظم من ارتكابه، مع معرفته وتحريمه.

стр. 4062

[أمان الأعراب بعضهم لبعض] وقال بعضهم، رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما. اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وبعد: فقد وقع مذاكرة في حال الأعراب، الذين يوجد فيهم شيء من المكفرات، هل يصلح أمانهم لبعضهم عن بعض؟ فنقول - وبالله التوفيق -: يصح أمان الكفار بعضهم لبعض ولغيرهم، بالكتاب والسنة والاعتبار. أما الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [سورة النحل آية: ٩١] الآيات، قال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، وآخر السياق يدل على عموم الآية، وهو قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] قال المفسرون: على ملة

стр. 4063

واحدة وهي الإسلام ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النحل آية: ٩٣] فدل على أن هذا الخطاب، شامل للمهديين وغيرهم. وقال تعالى في شأن اليهود: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] قال أهل التفسير: يقول تعالى منكرا على اليهود، ما كانوا يعانون مع الأوس والخزرج، فكان يهود المدينة ثلاث قبائل، بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قتل كل فريق منهم مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه. وقد يقتل الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم بنص الكتاب، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة، ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] فهذه الآية تدل: على أن الله تعالى حرم قتال بعضهم بعضا وإن كان لكل كتاب وقت النّزول، لأن هذا القتل ليس على حق، وإنما هو في سبيل الشيطان. وأما الأحاديث: فما رواه أبو داود والنسائي، والترمذي، عن عمرو بن عبسة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 4064

يقول: " من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عهدا ولا يشدنه، حتى يمضي أمره، أو ينبذ إليهم على سواء "١، وهذا الحديث عام ورواه الإمام أحمد والترمذي، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال في خطبته: " أوفوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام "٢ قال العلماء في معنى الحديث: إن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف، الذي كانوا يفعلونه أهل الجاهلية، فإن التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه ; وما كانوا منه على نصرة الإسلام، وصلة الأرحام، كحلف " المطيبين " وما جرى مجراهم، فذاك الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " أيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة " ٣. وفي صحيح مسلم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان "٤، وهذا العقاب لا يختص بالمسلم، بل هو عام المسلم وغيره. وروى البخاري وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة؛ وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفا "٥، قال ابن الأثير: يجوز أن يقرأ بفتح الهاء وكسرها، على الفاعل

стр. 4065

والمفعول ; والمعاهد من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار، إذا صولحوا على ترك الحرب مدة؛ وقال ﷺ يوم الفتح: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ١، وهي من مسلمة الفتح. وسئل بعضهم: عن أخذ بعض المسلمين، ممن لم يكن له أمان؟ فأجاب: إذا لم يكن بين الإمام وبينهم عقد أمان، أو كان بينه وبينهم ذلك، والأخذ غير داخل في العقد، جاز الأخذ والحالة هذه. قال في "الإقناع وشرحه": وله، أي: لمن جاءنا منهم مسلما، ولمن أسلم معه، أن يتحيزوا ناحية، ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذوا أموالهم، ولا يدخلون في الصلح؛ فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار، دخلوا في الصلح، وحرم عليهم قتال الكفار وأخذ أموالهم؛ لأن أبا بصير، لما رجع إلى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله: قد أوفى الله ذمتك، فقد رددتني إليهم، وأنجاني الله منهم، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ولم يلمه، بل قال: " ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال "٢، فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل
следующие страницы →