وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: اعلم: أنه لا حلف في الإسلام، كما وردت بذلك السنة، ولأن الدخول فيه يتضمن التزام أمور تخالف الشرع؛ لكن من أراد أن يعامل بإخاوة ونحوها، كما يفعله بعض أهل البلدان مع البدو، دفعا لشرهم، فلا بأس بذلك، انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما ما روي عن ابن عباس، أنه قال في الآية: "لا عهد لظالم عليك، وإن عاهدته فانقضه"، فيحتمل أن مراده نحو ما إذا طلب ظالم قادر، مال إنسان ظالم، وعاهده أنه يأتيه به، أو عاهد لصا أنه لا يخبر به، ونحو ذلك، انتهى.
وقال الشيخ إبراهيم، وعبد الله، وعلي، أبناء الشيخ محمد، ﵏ ومنها: التجاسر على إخفار ذمة المسلم، فإذا صح إعطاء أحد من المسلمين أمير أو غيره، أحدا من الكفار ذمة، لم يجز لأحد من المسلمين أن يخفره، لا في ذمته ولا ماله، كما في الحديث: " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " ١.
ومن العجب: أن بعض الجهال يفعل هذا ديانة، ويظن أن معاداة الكفار، واستحلال المحرم، أعظم من ارتكابه، مع معرفته وتحريمه.
стр. 4062
[أمان الأعراب بعضهم لبعض]
وقال بعضهم، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما. اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وبعد: فقد وقع مذاكرة في حال الأعراب، الذين يوجد فيهم شيء من المكفرات، هل يصلح أمانهم لبعضهم عن بعض؟
فنقول - وبالله التوفيق -: يصح أمان الكفار بعضهم لبعض ولغيرهم، بالكتاب والسنة والاعتبار.
أما الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [سورة النحل آية: ٩١] الآيات، قال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، وآخر السياق يدل على عموم الآية، وهو قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] قال المفسرون: على ملة
стр. 4063
واحدة وهي الإسلام ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النحل آية: ٩٣] فدل على أن هذا الخطاب، شامل للمهديين وغيرهم.
وقال تعالى في شأن اليهود: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] قال أهل التفسير: يقول تعالى منكرا على اليهود، ما كانوا يعانون مع الأوس والخزرج، فكان يهود المدينة ثلاث قبائل، بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قتل كل فريق منهم مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه. وقد يقتل الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم بنص الكتاب، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة، ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] فهذه الآية تدل: على أن الله تعالى حرم قتال بعضهم بعضا وإن كان لكل كتاب وقت النّزول، لأن هذا القتل ليس على حق، وإنما هو في سبيل الشيطان.
وأما الأحاديث: فما رواه أبو داود والنسائي، والترمذي، عن عمرو بن عبسة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4064
يقول: " من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عهدا ولا يشدنه، حتى يمضي أمره، أو ينبذ إليهم على سواء "١، وهذا الحديث عام ورواه الإمام أحمد والترمذي، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال في خطبته: " أوفوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام "٢ قال العلماء في معنى الحديث: إن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف، الذي كانوا يفعلونه أهل الجاهلية، فإن التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه ; وما كانوا منه على نصرة الإسلام، وصلة الأرحام، كحلف " المطيبين " وما جرى مجراهم، فذاك الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " أيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة " ٣.
وفي صحيح مسلم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان "٤، وهذا العقاب لا يختص بالمسلم، بل هو عام المسلم وغيره.
وروى البخاري وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة؛ وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفا "٥، قال ابن الأثير: يجوز أن يقرأ بفتح الهاء وكسرها، على الفاعل
стр. 4065
والمفعول ; والمعاهد من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار، إذا صولحوا على ترك الحرب مدة؛ وقال ﷺ يوم الفتح: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ١، وهي من مسلمة الفتح.
وسئل بعضهم: عن أخذ بعض المسلمين، ممن لم يكن له أمان؟
فأجاب: إذا لم يكن بين الإمام وبينهم عقد أمان، أو كان بينه وبينهم ذلك، والأخذ غير داخل في العقد، جاز الأخذ والحالة هذه.
قال في "الإقناع وشرحه": وله، أي: لمن جاءنا منهم مسلما، ولمن أسلم معه، أن يتحيزوا ناحية، ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار، ويأخذوا أموالهم، ولا يدخلون في الصلح؛ فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار، دخلوا في الصلح، وحرم عليهم قتال الكفار وأخذ أموالهم؛ لأن أبا بصير، لما رجع إلى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله: قد أوفى الله ذمتك، فقد رددتني إليهم، وأنجاني الله منهم، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ولم يلمه، بل قال: " ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه رجال "٢، فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جندل
стр. 4066
ابن سهيل، ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا يمر عليهم عير لقريش، إلا عرضوا لها، وأخذوها، وقتلوا من معها، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم، أن يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدا جاءه، ففعل، رواه البخاري مختصرا، انتهى.
قال في "المنتهى وشرحه": فإن تحيز من أسلم منهم، وقتلوا من قدروا عليه منهم، وأخذوا أموالهم جاز، ولا يدخلون في الصلح، حتى يضمهم إليه بإذن الكفار، للخبر، انتهى.
وقال في "مختصر الشرح"، وقولهم: إنهم في أمان منا، قلنا إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام، الذين هم في قبضة الإمام، بدليل ما لو خرج العبد، قُبل إسلامه ; ولهذا لما قتل أبو بصير الرجل، لم ينكر عليه ولم يضمنه، ولما انفرد هو وأصحابه، فقطعوا الطريق عليهم، لم ينكر ذلك، ولم يأمرهم برد ما أخذوه، انتهى.
فعلم بهذا جواز أخذ أموال من لم يكن له عهد ولا أمان؛ وكلامهم هذا في الكافر الأصلي، وأما المرتد فقتله وأخذ ماله، إذا لم يكن له أمان أو عهد، من باب الأولى، والله أعلم.
стр. 4067
[قتل الحربي ومن له ذمة]
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن قتل المشرك الحربي؟.
فأجاب: لا يمنع المسلم عن قتل المشرك الحربي، ولو كان جارا للمسلم، أو معه في الطريق، إلا إذا أعطاه ذمة أو أمنه أحد من المسلمين، ففي الحديث " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم ".
[الاعتداء على الحجاج المسلمين من اليمن]
وقال المشايخ، وفقهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، ومحمد بن إبراهيم، إلى الإمام المكرم: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله تعالى ; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والكتاب المكرم وصل، تسأل فيه عما جرى من بعض السرية، على حاج اليمن، من أخذ أموالهم، وسفك دمائهم؟ فاعلم - أطال الله بقاءك - أن الذي فعل هذا الأمر، أناس من جهال العوام، الذين ليس لهم عناية بمدارك الأحكام، ولا معرفة لهم بالحلال والحرام، وهذا لا يحل في
стр. 4068
دين الله وشرعه فالواجب عليك: أداء ما أخذوا من أموالهم، وتأديبهم على ما فعلوه من الأمور التي يعود ضررها على الإسلام والمسلمين.
ومعلوم: أنك قد أعدت وأبديت، وبالغت في نصيحتهم، وتحذيرهم من الأمور التي تخالف الشرع، ولكن المقدر كائن لا محالة، ويلزمك المبادرة بالقيام في ذلك، لأن هذا من أهم الأمور، وفيها صيانة لعرضك وأعراض المسلمين، وبراءة لذمتك؛ نرجو أن الله يوفقك، ويسددك ويعينك، والسلام.
стр. 4069
[الحث على الوفاء بذمة ولي الأمر]
وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله العنقري، وفقهما الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى كافة إخواننا أهل الأرطاوية، أصلح الله لنا ولهم الطوية، وحمانا وإياهم من كل محنة وبلية، وجعل أعمالنا وأعمالهم مقبولة مرضية؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالباعث لهذا الكتاب، محض النصيحة لكم، والشفقة عليكم، ومعذرة إلى الله من معرة الكتمان، وقد قال النبي ﷺ : " الدين النصيحة.." ١ الحديث. ومما يلزم بيانه لكم: تذكيركم ما من الله به علينا وعليكم، من معرفة دين الإسلام الذي خفي على أكثر الناس، وهو الذي أظهره الله في آخر هذا الزمان، على يد شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقام بنصره أئمة المسلمين من آل سعود، فحصل بهم من اجتماع الكلمة، وظهور الحق، واضمحلال الباطل، ما تنشرح به صدور أهل الإيمان، وتكمد به صدور أهل النفاق والطغيان.
فالواجب علينا وعليكم: مراعاة هذه النعمة، والقيام بشكرها ; واذكروا ما أنتم عليه سابقا، من الظلم والعدوان،
стр. 4070
وسفك الدماء، ونهب الأموال، والتحاكم إلى الطاغوت، واختلاف الكلمة، ثم من الله عليكم بترك ذلك، والإقبال على تعلم أصول الإسلام.
فلما رأى الشيطان منكم ذلك، وأحزنه: أعمل الحيلة في صدكم عما عرفتم من الخير، ودنتم به في فتح أبواب اختلاف الكلمة، وإساءة الظن من بعضكم لبعض، وحملكم على التهاجر والتقاطع، في أمور ما توجب ذلك في أمر الشرع المطهر ; فالواجب عليكم: رد ما تنازعتم فيه إلى كتاب الله، وسنة رسوله، ولا يعرف ذلك وتفاصيله إلا العلماء، الذين تلقوا العلم عمن لهم قدم راسخ في معرفة أصول الشريعة ; واحذروا أن يقتدي جاهل بجاهل! فإن اقتداء الجاهل بالجاهل، كاقتداء الأعمى بالأعمى.
ومما نبين لكم، وننصحكم به أيضا: بذل الجهد في الوفاء بذمة إمامكم، من جهة نقيصة ابن صباح، التي وقع أخذها باجتهاد منكم، وطلب للخير لكن حملكم على ذلك: ظنكم أنه ليس له ذمة مع الإمام، ولا عماله، والآن بان لكم - وفقكم الله - أن ذمة الأمان لم تزل معقودة له؛ فعلى هذا يكون عندكم معلوما، أن المال المأخوذ على هذا الوجه حرام، وقد قال ﷺ : " أيما جسد نبت من مال حرام، فالنار أولى به ".
ومن أراد الدليل على أن العهد يجب الوفاء به، ولو
стр. 4071
مع كافر، فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع كفار قريش، حين عاقدهم بعقد الصلح، فإنه وقع الشرط بينهم على أنه من جاء من الكفار إلى النبي ﷺ مسلما يرده عليهم، ومن جاءهم من المسلمين مرتدا، لا يرد إلى المسلمين، حتى أشكل ذلك على بعض الصحابة ﵃، فقالوا: كيف نرد عليهم من جاءنا منهم مسلما، ولا يردون علينا من جاءهم منا مرتدا؟ فقال النبي ﷺ : " من جاءنا منهم مسلما، فسيجعل الله له فرجا، وأما من ذهب إليهم مرتدا فأبعده الله "، فجاء نفر مسلمون، منهم أبو جندل ابن سهيل بن عمرو، فقيدهم النبي ﷺ وردهم عليهم، محافظة على الوفاء بالذمة، هذا معنى ما ثبت عن النبي ﷺ .
وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [سورة النحل آية: ٩١] إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [سورة النحل آية: ٩٢] وهذا حكم عام مع المسلمين والكفار. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة آية: ١] يعني بالعهود، وقال النبي ﷺ : " ما نقض قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوهم " ١ أعاذنا الله وإياكم من عقوبات الذنوب.
وأما الأدلة الواردة في الأمر بقتال الكفار، فالمراد بها من لا ذمة له منهم ولا عهد، وهم المحاربون، وأما من له
стр. 4072
ذمة أو عهد من الكفار، فقد قال النبي ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة " ١ ومقصودنا ببيان هذا: أنه ربما استدل بالأدلة الواردة، في قتال الكفار، من يضعها في غير موضعها الذي وضعت فيه، وهذا الذي نعتقده وندين الله به، ونبرأ إلى الله ممن خالفه كائنا من كان ; نرجو أن الله يمن علينا وعليكم، بقبول الحق والعمل به، والبصيرة فيه، والثبات عليه، وصلى الله على محمد.
[نصيحة إلى الإمام عبد العزيز]
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، وفقهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الجناب العالي، الإمام عبد العزيز، حفظه الله تعالى، وتولاه آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالذي نوصيك به وأنفسنا: تقوى الله تعالى، ومراقبته في السر والعلانية، وتدبر كتاب الله العزيز، وما جاء به رسول الله ﷺ ؛ إذ به تداوى أمراض القلوب، ويستعين به من
стр. 4073
عمل به على كبت عدوه، والاستعانة على حوائجه، وعندك من ذلك ما فيه الكفاية.
ثم إنك تعلم: أن تعرضنا لمثل ما سنبديه لك يشكل علينا، لكن اتباعا لقوله ﷺ " الدين النصيحة " ١، كتبنا هذه الأحرف، فإنك تعلم: أنه لا قوام للدين إلا بالله، ثم بالجهاد في سبيل الله، ولا حفظ لوطن ورعية إلا بالله ثم بذلك، ولا نكاية لعدو إلا به واذكر قول الشاعر:
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل ينجو الناس من آفة القتل
والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٦] ولا شك أن الصبر كله خير، إذا كان وراءه مصلحة، وأما إذا كان آخره شرا فلا يجوز.
وأنت اليوم ولاك الله أمر المسلمين، وأعطاك الله قوة ما أعطاها غيرك؛ ومن أعظمها وأهمها: أن الله أعطاك رعية متمسكة بهذا الدين، باذلة نفسها في الجهاد في سبيل الله، ومفدية نفسها دونك، ودون ما ولاك الله إياه، سامعة مطيعة.
فما عذرك يا عبد العزيز عند الله؟ إذا كان المسلمون في كل زمان، تظهر عليهم نابغة شر، ثم تثبط المسلمين عن
стр. 4074
دفعها، وتقول: هذه مصلحة وسياسة، أما المصلحة والسياسة فلا شك أنك مقدم فيها، ومسؤول عنها، ونحن ساعدناك فيها.
ذكرت لنا حين مجلس الإخوان في الرياض: أن في دخول المحمل مصلحة وسياسة، وقنعنا الناس أن الرأي رأيك في السياسة، ثم حصل ما حصل من الأمر الذي كاد يذهب بحجاج بيت الله الحرام، ورأيت ما قتل من النفوس، وهلك من الأموال، وسدد الله بك، وكفى الله بفضله ثم بك المسألة الحاضرة، وكفيتنا شر المقبل.
ثم صارت مسألة أهل العراق مع الإخوان، وقلت: وجهي وأمانتي ولزمي، وساعدناك فيما هو لازم علينا شرعا وعقلا. ولما تعصب المتعصبون من أهل نجد، الذين يدعون الدين، وأبوا إلا تتميم أمرهم، جاهدناهم، وأمرنا بقتالهم، حتى استراح الناس، ومضى الأمر الذي أنت قمت فيه.
أما الآن، فقد أخذوا يدخلون الدسائس، على أهل النفاق والأوباش، من أطراف نجد، بعمل القلاقل إليه، وفي الحجاز الذي حرم الإلحاد فيه، وهذا كان له دوي من زمن، وقد سار أطما لتشويق الناس للفتن، وتجهيزهم عليها، ومن توليتك الحجاز، وأعداء الله مثخنين أطراف المسلمين، بالغارات، والأخذ والدسائس الخبيثة؛ وأنت تراوز الأمور،
стр. 4075
والصبر، وهذا لا يسوغ لك دينا ولا عقلا.
والذي نشير به عليك: أنه لما وقع الغدر منهم، وبان الأمر للبار والفاجر، واضطراب أهل نجد، فتوكل على الله، ومر المسلمين كل من قبله بالسير، وما هي إلا إحدى الحسنيين، فهذا أمر تؤجر به؛ وبحول الله وقوته أن النصر مقرون برايتك، وأن ضدكم مخذول ; ولا يجل في عينيك إلا أمر الله، وأصلح نيتك، وخل عملك طبقا لأمر الله، وأبشر بالخير؛ هذا الذي نشير به عليك، ولا لك عذر فيه عند الله، ولا يمكننا السكوت عليه.
وتعرف أن الذي بذمتنا إذا سئلنا عنه سنؤديه، والذي ندين الله به، ونعاهد الله عليه، أنك عندنا أغلى من أنفسنا وعيالنا وأموالنا، لكن ربنا وديننا أغلى من كل شيء؛ ويأبى الله أن نتكلم في أمر يخالف أمرك، لكن نطيعك فيما أطعت الله فيه.
قد تقول: إن الأمر فيه سياسة ومصلحة، فهذا الأمر عرفناك به سابقا، وعرفناك فيه أول الكتاب؛ ولكن السياسة الغبية ما تسوغ لك، وافطن لقول الصحابي: (فإن عرض بلاء فافد بمالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء فافد بنفسك دون دينك) .
فإن كان الأمر سياسي، وظاهر يبين للمسلمين عاجلا غير آجل، يكف المنافق الذي فيه شر، ويكف الأذى عن
стр. 4076
المسلمين، فبرهن به، وقم بالواجب، وهذا أمر لك حق فيه، وأنت أعلم بالمصالح؛ فإن كان الأمر خدعة ورجاء فرصة، فهذا لا يجوز شرعا، ونحن لا نوافق عليه، فهذا الذي ندين الله به، وننصحك به، تبرئة لذمتنا، والله يوفقك للصواب، وصلى الله على محمد.
وقال الشيخ: عبد الله بن بليهد، والشيخ عبد الله بن حسن، نوافق على ذلك، وهذا الذي ندين الله به، وصلى الله على محمد.
стр. 4077
كتاب حكم المرتد [ معرفة الدين وما قص الله من قصص الأنبياء]
قال شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك، معرفة دينك: الذي معرفته والعمل به، سبب لدخول الجنة ; والجهل به وإضاعته، سبب لدخول النار. ومن أوضح ما يكون لرديء الفهم: قصص الأولين والآخرين، قصص من أطاعه، وما فعل بهم، وقصص من عصاه، وما فعل بهم ; ومن لم يفهم ذلك، ولم ينتفع به، فلا حيلة فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق آية: ٣٦] .
وقال بعض السلف: القصص جنود الله، يعني أن المعاند لا يقدر يردها: فأول ذلك ما قص الله عن آدم وإبليس، إلى أن قال: اهبطوا في الأرض؛ ففيها من إيضاح المشكلات، ما هو واضح لمن تأمله، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ
стр. 4078
هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٨] .
وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٣-١٢٤] إلى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه آية: ١٢٧] .
وهداه الذي وعدنا به: إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقد وفى بما وعد سبحانه؛ فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ فأولهم نوح ﵇، وآخرهم نبينا محمد ﷺ . فاحرص يا عبد الله، على معرفة هذا الحبل الذي بين الله وبين عباده، الذي من استمسك به سلم، ومن ضيعه عطب. فاحرص على معرفة ما جرى لأبيك آدم، وعدوه إبليس، وما جرى لنوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وعيسى وقومه، وموسى وقومه، ومحمد ﷺ وقومه.
واعرف ما قصه أهل العلم من أخبار النبي ﷺ وقومه، وما جرى له معهم في مكة، وما جرى له في المدينة ; واعرف ما قص العلماء عن أصحابه، وأحوالهم وأعمالهم، لعلك أن تعرف الإسلام والكفر؛ فإن الإسلام
стр. 4079
اليوم غريب، وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
[قصة آدم وإبليس وسبب الكفر]
فأما قصة آدم وإبليس، فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابه، ولكن قصة ذريته، فأول ذلك: أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر، وأخذ عليهم العهود أن لا يشركوا به شيئا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٢] ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج.
ورأى رجلا من أنورهم، فسأله عنه، فأعلمه الله أنه داود، فقال: كم عمره؟ قيل ستون ; قال: وهبت له من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة ; ورأى فيهم الأعمى، والأبرص، والمبتلى، فقال يا رب: لم لا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر; فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين، أتاه ملك الموت، فقال: إنه بقي من عمري أربعين سنة، فقال: التي وهبتها لابنك داود، فنسي فنسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته.
فلما مات آدم، بقيت ذريته من بعده عشرة قرون، على دين أبيهم، دين الإسلام، ثم كفروا بعد ذلك.
وسبب كفرهم هو الغلو في حب الصالحين، كما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ
стр. 4080
وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] . وذلك: أن هؤلاء الخمسة، قوم صالحون، يأمرونهم وينهونهم، فماتوا في شهر، فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم، فصوروا صورهم، فصوروا صورة لكل رجل في مجلسه، لأجل التذكرة بأقوالهم، وأعمالهم إذا رأوا صورهم، ولم يعبدوهم.
ثم حدث قرن آخر، فعظموهم أشد تعظيما من الذين قبلهم ولم يعبدوهم. ثم طال الزمان ومات أهل العلم؛ فلما خلت الأرض من العلماء، ألقى الشيطان في قلوب الجهال: أن أولئك الصالحين ما صوروا صور مشايخهم، إلا ليشفعوا لهم إلى الله ، فعبدوهم.
فلما فعلوا ذلك؛ أرسل الله إليهم نوحا ﵇، ليردهم على دين أبيهم آدم ﵇، وذريته الذين مضوا قبل التبديل، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه.
ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض، وبارك الله فيهم، وانتشروا في الأرض أمما، وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها. ثم حدث الشرك، فأرسل الله الرسل، وما من أمة إلا ويبعث الله فيهم رسولا، يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً
стр. 4081
رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٤٤] .
وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [سورة غافر آية: ٧٨] .
ولما ذكر الله القصص في سورة الشعراء، ختم كل قصة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨] فقص الله ما قص في القرآن من القصص لأجلنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١١١] .
ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة، في زمن النبي ﷺ أشياء فعلوها، قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٠] الآية وكذلك كان رسول الله ﷺ يقص على أصحابه قصص من قبلهم، ليعتبروا بذلك.
وكذلك أهل العلم، في نقلهم سيرة رسول الله ﷺ وما جرى له مع قومه، وما قال لهم، وما قيل له ; وكذلك نقلهم سيرة أصحابه، وما جرى لهم مع الكفار والمنافقين، وذكرهم أحوالهم وأقوالهم، وأحوال العلماء بعدهم، كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر.
стр. 4082
إذا فهمت هذا، فاعلم: أن كثيرا من الرسل وأممهم، لا نعرفهم، لأن الله لم يخبرنا عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [سورة غافر آية: ٧٨] لكن أخبرنا عن عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فبعث الله إليهم هودا ﵇، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه، ثم بعدهم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، فبعث الله إليهم صالحا ﵇، فكان من أمرهم ما قص الله علينا في كتابه، وبقي التوحيد في أصحاب هود إلى أن عدم بعد مدة لا ندري ما هي، وبقي في أصحاب صالح، ثم عدم بعد مدة لا ندري كم هي.
ثم بعث الله إبراهيم ﵇، وليس على وجه الأرض يومئذ مسلم إلا هو، فجرى عليه من قومه ما جرى، وآمنت به امرأته سارة، ثم آمن له لوط ﵇، ومع هذا نصره الله ورفع قدره، وجعله إماما للناس.
ومنذ ظهر إبراهيم ﵇، لم يعدم التوحيد في ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] فإذا كان هو الإمام، فنذكر شيئا من أحواله، لا يستغنى مسلم عن معرفتها، فنقول: في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: " لم يكذب إبراهيم ﵇ قط، إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ
стр. 4083
كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾
وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن النساء، فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم إنك امراتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه، رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك، فأرسل إليها الجبار، فأتى بها فقام إبراهيم يصلي، فلما دخلت عليه، لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، قال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله لا أضرك، ففعلت، فعاد فقبضت قبضة أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله لا أضرك، ففعلت فأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها، فقال له إنما جئتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطاها هاجر، فأقبلت، فلما رآها إبراهيم انصرف، وقال لها: مهيم؟ قالت: خيرا، كفى الله كيد الفاجر، وأخدم خادما " قال أبو هريرة: "تلك أمكم يا بني ماء السماء".
وللبخاري: " أن إبراهيم لما سئل عنها، قال: هي أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تكذبين حديثي، فإني
стр. 4084
أخبرتهم أنك أختي، فوالله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك. فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي يد هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله الأرض، فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل في الثانية، والثالثة، وكلما غط قامت إلى الصلاة والدعاء. ثم بعد ذلك، قال: والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانه، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن الله كبت يد الفاجر، وأخدم وليدة ".
وكان إبراهيم ﵇ بأرض العراق، وبعد ما جرى عليه من قومه ما جرى، هاجر إلى الشام واستوطنها إلى أن مات فيها. وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار، فواقعها، فولدت له إسماعيل ﵇، فغارت سارة من الجارية التي أعطتها إبراهيم، فأمره الله بإبعادها عنها، فذهب بها وابنها فأسكنهما مكة ; ثم بعد ذلك وهب الله له، ولسارة إسحاق ﵇، كما ذكر الله سبحانه بشارة الملائكة له ولها ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود آية: ٧١] .
وفي الصحيح: عن ابن عباس، قال: " لما كان بين إبراهيم وأهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعه
стр. 4085
شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، فوق زمزم، في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فلما بلغ كداء، نادته من ورائه: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارا، وهو لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم ; قالت: إذاً لا يضيعنا، وفي لفظ: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله ; قالت: رضيت بالله، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . وجعلت أم إسماعيل ترضعه، وتشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها، فقامت عليه واستقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت
стр. 4086
طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ فلذلك سعى الناس بينهما. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت بعيني ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت، فإذا هو على حاله، كأنه ينشغ للموت، فلم تقر نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت، لعلي أحس أحدا، حتى تمت سبعا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبرائيل ﵇، قال: فقال بعقبه على الأرض، فانبث الماء، فدهشت أم إسماعيل. فقال أبو القاسم: فجعلت تحفر، فقال ﷺ : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا. وفي حديثه: فجعلت تغرف من الماء في سقائها، قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام، وأبوه، إن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول وتأخذ عن يمينه وشماله. فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، مقبلين من كداء، فرأوا طيرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر يدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.
стр. 4087
فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم. فأقبلوا، فقالوا لأم إسماعيل: أتأذنين لنا أن ننْزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء ; قال: نعم ; قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنيس. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنْزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حيث شب؛ فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم: بعدما تزوج إسماعيل، يطلع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن حالهم وعيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشر، ونحن بضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك، فاقرئي ﵇، وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، كأنه أنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألنا كيف عيشنا فأخبرته أنا في ضيق وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك ; قال: ذلك أبي، وأمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلقها.
وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم ما شاء الله، فقال
стр. 4088
لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فقال لامرأته: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب يصيد لنا ; فقالت: ألا تنْزل وتطعم وتشرب ; قال: وما طعامكم وشرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء; قال: اللهم بارك لهم في طعامهم، وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم ﷺ : بركة دعوة إبراهيم، فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه. وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ; قال: إذا جاء زوجك، فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عن عيشنا، فأخبرته أنا بخير ; قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذلك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أمسكك. ثم لبث ما شاء الله، فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فوافق إسماعيل، وهو يبري نبلا له، تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بولده، والولد بالوالد ; ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع أمر ربك ; قال: وتعينني؟ قال: وأعينك.
стр. 4089
قال: إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " هذا آخر حديث ابن عباس.
فصارت ولاية البيت ومكة لإسماعيل، ثم لذريته من بعده، وانتشرت ذريته في الحجاز، وكثروا. وكانوا على الإسلام دين إبراهيم وإسماعيل قرونا كثيرة، ولم يزالوا على ذلك، حتى نشأ فيهم عمرو بن لحي، فابتدع الشرك، وغير دين إبراهيم ﵇، وتأتي قصته إن شاء الله تعالى.
وأما إسحاق ﵇، فإنه نشأ في الشام وذريته، وهم بنو إسرائيل والروم؛ فأما بنو إسرائيل فأبوهم يعقوب ﵇ ابن إسحاق، ويعقوب هو إسرائيل ; وأما الروم فأبوهم عيص بن إسحاق. ومما أكرم الله به نبيه إبراهيم ﵇: أن الله ما بعث بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٢٧] وكل الأنبياء والرسل، من ذرية إسحاق.
وأما إسماعيل: فلم يبعث من ذريته إلا نبينا محمد ﷺ ، بعثه الله إلى العالمين كافة، فكان من قبله من الأنبياء
стр. 4090
كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وفضله على جميع الأنبياء.
وأما قصة عمرو بن لحي، وتغييره دين إبراهيم: فإنه نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة، والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس حبا عظيما، ودانوا له لأجل ذلك، وملكوه عليهم حتى صار ملك مكة له، وولاية البيت بيده، وظنوا أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء.
ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقا، لأن الشام محل الرسل والكتب، فلهم الفضيلة بذلك على أهل الحجاز وغيرهم، فرجع إلى مكة وقدم معه بهبل، وجعله في جوف الكعبة. ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله، فأجابوه. وأهل الحجاز في دينهم تبع لأهل مكة لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم؛ فتبعهم أهل الحجاز على ذلك ظنا أنه الحق. فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدا ﷺ بدين إبراهيم، وإبطال ما أحدثه عمرو بن لحي؛ وكانت الجاهلية على ذلك، فيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كله.
وأيضا يظنون أنهم على دين إبراهيم، وأن ما أحدثه عمرو بدعة حسنة، لا تغير دين إبراهيم، وكانت تلبية نزار: لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا
стр. 4091
رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٢٨] .
ومن أقدم أصنامهم " مناة " وكان منصوبا على ساحل البحر بقديد، تعظمه العرب كلها، لكن الأوس والخزرج، أشد تعظيما له من غيرهم، وبسبب ذلك أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٨] ثم اتخذوا اللات بالطائف، قيل إن أصله رجل صالح، يلت السويق للحجاج، فمات فعكفوا على قبره، ثم اتخذوا " العزى " بوادي نخلة، بين مكة والطائف، فهذه الثلاثة أكبر أوثانهم.
ثم كثر الشرك، وكثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز ; وكان لهم أيضا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة، وكانوا كما قال الله ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٤] .
ولما دعا إلى الله، كان أشد الناس إنكارا له: علماؤهم، وعبادهم، وملوكهم، وعامتهم، حتى إنه لما دعا رجلا إلى الإسلام، قال له: من معك على هذا؟ قال: (حر وعبد) ، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال.
وأعظم فائدة لك أيها الطالب، وأكبر العلم، وأجل المحصول: إن فهمت ما صح عنه ﷺ أنه قال: " بدأ الإسلام
стр. 4092
غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١ وقوله: " ل تتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٢. وقوله: " ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ". فهذه المسألة هي أجل المسائل، ومن فهمها فهو الفقيه، ومن عمل بها فهو المسلم. نسأل الله الكريم المنان، أن يتفضل علينا بفهمها، والعمل بها.
[قصة البيت وجرهم وبني بكر وغبشان]
وأما قصة البيت: فإن إبراهيم وإسماعيل ﵉، لما بنياه صارت ولايته في إسماعيل وذريته، ثم غلبهم عليه أخوالهم من جرهم، ولم ينازعهم بنو إسماعيل لقرابتهم، وإعظاما لحرمتها أن يكون بها قتال.
ثم إن جرهما بغوا بمكة، وظلموا من دخلها، فرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة ذلك، أجمعوا على حربهم؛ فاقتتلوا، فغلبتهم بنو بكر وغبشان، ونفوهم من مكة. وكانت مكة في الجاهلية لا يقر فيها ظلم، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرج، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك ثم إن غبشان من خزاعة، وليت البيت دون بني بكر، وقريش إذ ذاك حلول، وصرم، وبيوتات، متفرقون في بني كنانة، فوليت خزاعة البيت يتوارثونه؛ وكان آخرهم خليل بن حبيشة، فتزوج ابنة
стр. 4093
قصي بن كلاب. فلما عظم شرف قصي وكثر بنوه وماله، وهلك خليل، ورأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة، من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا رأس آل إسماعيل وصريحهم، فكلم رجالا من قريش وكنانة، في إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه. وكان الغوث بن مرة بن إد بن طابخة بن إلياس بن مضر، يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، لأن أمه جرهمية لا تلد، فنذرت لله نذرا إن ولدت رجلا أن تصدق به على الكعبة يخدمها، فولدت الغوث، فكان يقوم على الكعبة مع أخواله من جرهم، فولي الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة، وكان إذا دفع يقول:
اللهم إني تابع تباعة ... إن كان إثم فعلى قضاعة
وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفات، وتجيز بهم إذا نفروا من منى، فإذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من صوفة يرمي لهم، لا يرمون حتى يرمي، فكان المعجلون يأتونه يقولون: ارم حتى نرم، فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فإذا زالت رمى ورمى الناس معه، فإذا فرغوا من الرمي، وأرادوا النفر من منى، أخذت صوفة بالجانبين، فلم يجز أحد حتى يمروا، ثم يخلوا سبيل الناس.
فلما انقرضوا، ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من تميم، وكانت الإفاضة من مزدلفة، في "عدوان" يتوارثونها، حتى
стр. 4094
كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة ١ فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة ما كانت تفعل، وقد عرفت العرب ذلك لها وهو دين لهم، من عهد جرهم وولاية خزاعة، فأتاهم قصي ومن معه من قريش، وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقال: نحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه؛ فاقتتل الناس قتالا شديدا، فانهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما بأيديهم.
وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا، أجمع لحربهم، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. ثم تداعوا إلى الصلح، فحكموا عمرو بن عوف، أحد بني بكر، فقضى بينهم: بأن قصيا أولى بالكعبة ومكة من خزاعة، وكل دم أصابه قصي منهم موضوع، يشدخه تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبنو بكر، ففيه الدية، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة ومكة؛ فسمي يومئذ الشداخ.
فوليها قصي وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك عليهم فملكوه، إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه، لأنه يراه دينا لهم، فأقر النسأة وآل صفوان، وعدوان ومرة بن عوف، على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام فهدم ذلك كله، وفيه يقول الشاعر:
قصي لعمري كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
стр. 4095
فكان أولى بني لؤي، أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، وقطع مكة أرباعا بين قومه، فأنزل لكل قوم منهم منازلهم؛ وقيل إنهم هابوا قطع الشجر عن منازلهم، فقطعها بيده وأعوانه، فسمته قريش مجمعا لما جمع أمرهم، وتيمنت بأمره، فلا تنكح امرأة منهم، ولا يتزوج رجل إلا بأمره، ولا يتشاورون فيما نزل بهم، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره، يعقده لهم بعض ولده، فكان أمره في حياته وبعد موته، عندهم، كالدين المتبع، واتخذ لنفسه دار الندوة.
فلما كبر قصي ورق عظمه - وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وعبد العزى، وعبد - قال لعبد الدار: لألحقنك بالقوم وإن شرفوا عليك، لا يدخل منهم أحد الكعبة حتى تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء إلا أنت، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك.
فأعطاه دار الندوة، والحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة وهي خراج تخرجه قريش في الموسم من أموالها إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج، يأكله من لم يكن له سعة، لأنه فرضه عليهم، أي على قريش، فقال: أنتم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله، وهم أحق الضيف
стр. 4096
بالكرامة، فاجعلوا له طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه، فلما هلك أقام بنوه أمره، لا نزاع بينهم.
ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك، فتفرقت قريش، بعضهم معهم، وبعضهم مع بني عبد الدار، فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس، لأنه أسنهم، وصاحب بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفا مؤكدا؛ فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فغمسوا أيديهم فيها، فمسحوا بها الكعبة، فسموا المطيبين، وتعاقد بنو عبد الدار، وحلفاؤهم، فسموا الأحلاف.
ثم تداعوا إلى الصلح، على أن لبني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار؛ فرضوا، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام، فقال النبي ﷺ : " كل حلف في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة " ١.
[قصة حلف الفضول وأمر الحمس]
وأما حلف الفضول، فاجتمعوا له في دار ابن جدعان لشرفه وسنه، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، تعاهدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو ممن دخلها إلا قاموا
стр. 4097
معه، حتى يردوا إليه مظلمته، فقال الزبير بن عبد المطلب عند ذلك شعرا:
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... أن لا يقيم ببطن مكة ظال
أمر عليه تحالفوا وتعاقدوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم
فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف، لأن عبد شمس كان سفارا، قل ما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وكان هو أول من سن الرحلتين، وأول من أطعم الثريد بمكة، فقال بعضهم فيه كلاما منه:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
ولما مات، ولي ذلك عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان ذا شرف فيهم، يسمونه الفياض لسماحته؛ وكان هاشم قدم المدينة، فتزوج سلمى بنت عمرو، من بني النجار، فولدت له عبد المطلب، فلما ترعرع، خرج إليه المطلب ليأتي به، فأبت أمه، فقال: إنه يلي ملك أبيه، فأذنت له. فرحل به وسلم إليه ملك أبيه، فولي عبد المطلب ما كان من آبائه، وأحبوه وعظم خطره فيهم. ثم ذكر قصة حفر زمزم، وما فيها من العجائب، ثم ذكر نذره ذبح ولده، وما جرى فيها من العجائب، ثم ذكر الآيات التي لرسول الله ﷺ قبل ولادته وبعدها، وما جرى له وقت رضاعه، وبعد ذلك ذكر كفالة أمه له، ثم ذكر كفالة جده، ثم ذكر كفالة أبي طالب، ثم ذكر قصة بحيرى الراهب، وغيرها من الآيات،
стр. 4098
ثم ذكر تزوجه خديجة، وما ذكر لها غلامها، وما ذكرته لورقة بن نوفل، وقوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا.... إلى آخرها.
ثم ذكر حكمه ﷺ بين قريش عند بناء الكعبة من الحجر، وذكر قصة بنائها، وذكر أمر الحمس، قال: إن قريشا ابتدعته رأيا رأوه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرم وولاة البيت، فليس لأحد من العرب مثال حقنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، لئلا تستخف العرب بحرمتكم؛ فتركوا الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، مع معرفتهم أنها من المشاعر، ومن دين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا بها ويفيضوا منها، لأنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لنا أن نخرج منه، ونحن الحمس والحمس، أهل الحرم.
ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب أهل الحل، مثل ما لهم بولايتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم؛ فكانت كنانة وخزاعة دخلت معهم في ذلك. ثم ابتدعوا أمورا، فقالوا لا ينبغي للحمس أن يقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلون بيتا من شعر، ولا يستظلون في بيوت الأدم ما داموا حرما.
[بدء الوحي]
ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحرم أن يأكلوا من طعام، جاؤوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاؤوا به حجاجا أو
стр. 4099
عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم، إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا ما، طافوا بالبيت عراة، فإن لم يجد ثياب أحمس وطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ، ولم ينتفع بها ولا غيره، فكانت العرب تسميها "اللقى". فحملوا على ذلك العرب، فدانت به؛ أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع المرأة ثيابها كلها، إلا درعها مفرجا، ثم تطوف فيه، فقالت امرأة وهي تطوف:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام، فأنزل الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٩] وأنزل الله فيما حرموا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣١] إلى قوله: ﴿تعلمون﴾ وذكر حدوث الرجوم، وإنذار الكهان به ﷺ ، ونزول سورة الجن، وقصتهم.
ثم ذكر إنذار اليهود به، وأنه سبب إسلام الأنصار، وما نزل في ذلك من القرآن، وقصة ابن الهيبان، وقوله: ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير، إلى أرض البؤس، والجوع، ثم ذكر قصة إسلام سلمان الفارسي، ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو.
стр. 4100
ثم ذكر وصية عيسى ﵇، باتباع محمد ﷺ ، وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به، والنصر له، وأن يؤدوه إلى قومهم، فأدوا ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] الآية.
ثم ذكر بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ؛ والقصة في الصحيحين، وفيها: أن أول ما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [سورة العلق آية: ٢] إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق آية: ٥] ثم أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٥] فمن فهم: أن هذه أول آية أرسله الله بها، أمره سبحانه أن ينذر عن الشرك، الذي يعتقدون أنه عبادة تقرب إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات، وعرف أن قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها، عرف قدر الشرك عند الله، وقدر التوحيد. فلما أنذر استجاب له قليل، وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بسب دينهم وعيب آلهتهم، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه، وعذبوهم عذابا شديدا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن فهم هذا، عرف أن الإسلام لا يستقيم