ذلك صعب، مكيدة من الشيطان، كاد بها الناس عن سلوك الصراط المستقيم، الحنيفية ملة إبراهيم; وإن بان لكم أنهم مخطئون، فبينوا لي الحق حتى أرجع إليه. وإنما كتبت لكم هذا معذرة من الله، ودعوة إلى الله، لأحصل ثواب الداعين إلى الله، وإلا أنا أظن أنكم لا تقبلونه، وأنه عندكم من أنكر المنكرات، من أن الذي يعيب هذا عندكم، مثل من يعيب رسول الله ﷺ وأصحابه.
لكن أنت، من سبب ما أظن فيك من طاعة الله، لا أبعد أن يهديك الله إلى الصراط المستقيم، ويشرح قلبك للإسلام; فإذا قرأته، فإن أنكره قلبك فلا عجب; فإن العجب ممن نجا كيف نجا؟ فإن أصغى إليه قلبك بعض الإصغاء، فعليك بكثرة التضرع إلى الله، والانطراح بين يديه، خصوصا أوقات الإجابة، كآخر الليل، وأدبار الصلاة، وبعد الأذان.
وكذلك بالأدعية المأثورة، خصوصا الذي ورد في الصحيح، أنه ﷺ كان يقول: " اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ١. فعليك بالإلحاح بهذا الدعاء، بين يدي من يجيب المضطر إذا دعاه، وبالذي هدى إبراهيم لمخالفة الناس كلهم، وقل: يا معلم إبراهيم علمني.
стр. 37
وإن صعب عليك مخالفة الناس، ففكر في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة الجاثية الآيتان: ١٨-١٩] ، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، [سورة الأنعام آية: ١١٦] .
وتأمل قوله في الصحيح: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١ وقوله ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم " ٢ إلى آخره، وقوله: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " وقوله: " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ٣. والآيات، والأحاديث في ذلك كثيرة أفردت بالتصنيف.
فإني أحبك، وقد دعوت لك في صلاتي، وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم، ولا يمنعني من مكاتبتك إلا ظني أنك لا تقبل، وتسلك مسلك الأكثر; ولكن لا مانع لما أعطى الله، والله لا يتعاظم شيئا أعطاه، وما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين الله كعمر ﵁ في أوله، فإنك لو تكون معنا لانتصفنا ممن أغلظ علينا.
وأما هذا الخيال الشيطاني الذي اصطاد به الناس، أن من سلك هذا المسلك، فقد نسب نفسه للاجتهاد، وترك الاقتداء بأهل العلم، وزخرفه بأنواع الزخارف، فليس هذا بكثير من الشيطان وزخارفه، كما قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ، [سورة الأنعام آية: ١١٢] . فإن الذي
стр. 38
أنا عليه، وأدعوكم إليه، هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإنهم قد وصوا الناس بذلك. ومن أشهرهم كلاما في ذلك، إمامكم الشافعي، قال: لا بد أن تجدوا عني ما يخالف الحديث، فكل ما خالفه، فأشهدكم أني قد رجعت عنه.
وأيضا: أنا في مخالفتي هذا العالم، لم أخالفه وحدي، فإذا اختلفت أنا وشافعي مثلا في أبوال مأكول اللحم، وقلت القول بنجاسته، يخالف حديث العرنيين، ويخالف حديث أنس: " أن النبي ﷺ صلى في مرابض الغنم " ١. فقال هذا الجاهل الظالم: أنت أعلم بالحديث من الشافعي؟ قلت: أنا لم أخالف الشافعي من غير إمام اتبعته، بل اتبعت من هو مثل الشافعي أو أعلم منه، قد خالفه، واستدل بالأحاديث.
فإذا قال أنت أعلم من الشافعي؟ قلت: أنت أعلم من مالك؟ وأحمد؟ فقد عارضته بمثل ما عارضني به، وسلم الدليل من المعارض، واتبعت قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، [سورة النساء آية: ٥٩] . واتبعت من اتبع الدليل في هذه المسألة من أهل العلم، لم أستدل بالقرآن، أو الحديث وحدي، حتى يتوجه علي ما قيل، وهذا على التنْزل; وإلا فمعلوم: أن اتباعكم لابن حجر في الحقيقة، ولا تعبؤون بمن خالفه من رسول، أو صاحب، أو تابع، حتى الشافعي نفسه، ولا تعبؤون بكلامه إذا خالف نص
стр. 39
ابن حجر، وكذلك غيركم إنما اتباعهم لبعض المتأخرين لا للأئمة.
فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة; وأكثر الإقناع، والمنتهى، مخالف لمذهب أحمد ونصه، يعرف ذلك من عرفه; ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم; وإنما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب علي أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله والرسول، مقتديا بأهل العلم؟ أو أنتحل بعضهم من غير حجة، وأزعم أن الصواب في قوله؟ فأنتم على هذا الثاني، وهو الذي ذمه الله، وسماه شركا، وهو اتخاذ العلماء أربابا؟ وأنا على الأول، أدعو إليه، وأناظر عليه، فإن كان عندكم حق رجعنا إليه، وقبلناه منكم.
وإن أردت النظر في إعلام الموقعين، فعليك بالمناظرة في أثنائه، عقدها بين مقلد وصاحب حجة. وإن ألقي في ذهنك: أن ابن القيم مبتدع، وأن الآيات التي استدل بها ليس هذا معناها، فاضرع إلى الله، وأسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق، وتجرد ناظرا، ومناظرا، واطلب كلام أهل العلم في زمانه، مثل الحافظ الذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وغيرهم، ومما ينسب للذهبي ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
стр. 40
فإن لم تتبع لهؤلاء، فانظر كلام الأئمة قبلهم، كالحافظ البيهقي في كتاب المدخل، والحافظ ابن عبد البر، والخطابي، وأمثالهم، ومن قبلهم، كالشافعي، وابن جرير، وابن قتيبة، وأبي عبيد، فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام السلف. وإياك وتفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه، وشروحهم، فإنها القاطعة عن الله، وعن دينه.
وتأمل: ما في كتاب الاعتصام للبخاري، وما قال أهل العلم في شرحه، وهل يتصور شيء بما صرح مما صح عنه ﷺ أن أمته ستفترق على أكثر من سبعين فرقة، أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التي على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، وأنتم مقرون أنكم على غير طريقتهم، وتقولون: ما نقدر عليها، ولا يقدر عليها إلا المجتهد، فجزمتم أنه لا ينتفع بكلام الله، وكلام رسوله إلا المجتهد. وتقولون: يحرم على غيره أن يطلب الهدى من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أصحابه؛ فجزمتم وشهدتم: أنكم على غير طريقتهم، معترفين بالعجز عن ذلك.
وإذا كنتم مقرين أن الواجب على الأولين اتباع كتاب الله، وسنة رسوله، لا يجوز العدول عن ذلك، وأن هذه الكتب، والتي خير منها، لو تحدث في زمن عمر بن الخطاب لفعل بها وبأهلها أشد الفعل، ولو تحدث في زمن الشافعي وأحمد، لاشتد نكيرهم لذلك، فليت شعري، متى حرم الله هذا الواجب، وأوجب هذا المحرم؟!
стр. 41
ولما حدث قليل من هذا، لا يشبه ما أنتم عليه في زمن الإمام أحمد، اشتد إنكاره لذلك; ولما بلغه عن بعض أصحابه أنه يروي عنه مسائل بخراسان، قال: أشهدكم أني قد رجعت عن ذلك، ولما رأى بعضهم يكتب كلامه: أنكر عليه، وقال: تكتب رأيا لعلي أرجع عنه غدا، اطلب العلم مثل ما طلبنا.
ولما سئل عن كتاب أبي ثور؟ قال: كل كتاب ابتدع، فهو بدعة. ومعلوم: أن أبا ثور من كبار أهل العلم; وكان أحمد يثني عليه; وكان ينهى الناس عن النظر في كتب أهل العلم الذين يثني عليهم ويعظمهم.
ولما أخذ بعض أئمة الحديث كتب أبي حنيفة، هجره أحمد، وكتب إليه: إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك. ولما ذكر له بعض أصحابه أن هذه الكتب فيها فائدة لمن لا يعرف الكتاب والسنة، قال: إن عرفت الحديث لم تحتج إليها، وإن لم تعرفه لم يحل لك النظر فيها.
وقال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، [النّور، من الآية: ٦٣] . قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، ومعلوم: أن الثوري عنده غاية، وكان يسميه أمير المؤمنين; فإذا كان هذا كلام أحمد في كتب نتمنى الآن أن نراها، فكيف بكتب قد أقر أهلها على أنفسهم أنهم ليسوا من أهل العلم؟! وشهد عليهم بذلك،
стр. 42
ولعل بعضهم مات وهو لا يعرف ما دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ .
وشبهتكم التي ألقيت في قلوبكم: أنكم لا تقدرون على فهم كلام الله، ورسوله، والسلف الصالح، وقد قدمنا أن النبي ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " ١ إلى آخره، فتأمل هذه الشبهة، أعني قولكم: لا نقدر على ذلك; وتأمل ما حكى الله عن اليهود، في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٨] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ ، [سورة البقرة آية: ٩٩] ، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ، [سورة القمر آية: ١٧] .
واطلب تفاسير هذه الآيات من كتب أهل العلم; واعرف من نزلت فيه; واعرف الأقوال والأفعال، التي كانت سببا لنُزول هذه الآيات، ثم اعرضها على قولهم: لا نقدر على فهم القرآن والسنة، تجد مصداق قوله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " ٢ وما في معناه من الأحاديث الكثيرة، فلتكن قصة إسلام سلمان الفارسي منكم على بال.
ففيها: أنه لم يكن على دين الرسل إلا الواحد بعد الواحد، حتى إن آخرهم قال عند موته: لا أعلم على وجه الأرض أحدا على ما نحن عليه، ولكن قد أظل زمان نبي.
стр. 43
واذكر مع هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ، [سورة هود آية: ١١٦] .
فحقيق لمن نصح نفسه، وخاف عذاب الآخرة: أن يتأمل ما وصف الله به اليهود في كتابه، خصوصا ما وصف به علماءهم، ورهبانهم، من كتمان الحق، ولبس الحق بالباطل، والصد عن سبيل الله، وما وصفهم الله، أي: علماءهم، من الشرك، والإيمان بالجبت والطاغوت، وقولهم للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا; لأنه عرف أن كل ما فعلوا لا بد أن تفعله هذه الأمة، وقد فعلت.
وإن صعب عليك مخالفة الكبر، أو لم يقبل ذهنك هذا الكلام، فأحضر بقلبك: أن كتاب الله أحسن الكتب، وأعظمها بيانا وشفاء لداء الجهل، وأعظمها فرقا بين الحق والباطل، والله سبحانه قد عرف تفرق عباده، واختلافهم قبل أن يخلقهم، وقد ذكر في كتابه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [سورة آية: ٦٤] ، وأحضر قلبك هذه الأصول وما يشابهها في ذهنك، واعرضها على قلبك، فإنه إن شاء الله يؤمن بها على سبيل الإجمال.
فتأمل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ، [سورة لقمان آية: ٢١] ، وتكرير هذا الأصل في مواضع كثيرة، وكذلك قوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ
стр. 44
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ، [سورة الأعراف آية: ٧١] .
فكل حجة تحتجون بها، تجدها مبسوطة في القرآن، وبعضها في مواضع كثيرة.
فأحضر بقلبك: أن الحكيم الذي أنزل كتابه شفاء من الجهل، فارقا بين الحق والباطل، لا يليق منه أن يقرر هذه الحجج، ويكررها، مع عدم حاجة المسلمين إليها، ويترك الحجج التي يحتاجون إليها، ويعلم أن عباده يفترقون; حاشا أحكم الحاكمين من ذلك.
ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق، وإن كان من أعلم الناس وأذكاهم، وأعظمهم جاها، ولو اتبعه أكثر الناس: ما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين، وصفات الله تعالى، وغالب من يدعي المعرفة، وما عليه المتكلمون، وتسميتهم طريقة رسول الله ﷺ حشوا، وتشبيها، وتجسيما. مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام - مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد، وهو أصل الدين - تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه.
وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي، بل من عقولهم، ومعترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك، مثل ما ذكر في فتح الباري، في مسألة الإيمان، على قول
стр. 45
البخاري: وهو قول وعمل، ويزيد وينقص; فذكر إجماع السلف على ذلك، وذكر عن الشافعي: أنه نقل الإجماع على ذلك، وكذلك ذكر أن البخاري نقله، ثم بعد ذلك حكى كلام المتأخرين، ولم يرده.
فإن نظرت في كتاب التوحيد في آخر الصحيح، فتأمل تلك التراجم، وقرأت في كتب أهل العلم من السلف، ومن أتباعهم من الخلف، ونقلهم الإجماع على وجوب الإيمان بصفات الله تعالى، وتلقيها بالقبول، وأن من جحد شيئا منها، أو تأول شيئا من النصوص، فقد افترى على الله، وخالف إجماع أهل العلم، ونقلهم الإجماع: أن علم الكلام بدعة وضلالة، حتى قال أبو عمر ابن عبد البر: أجمع أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار، أن أهل الكلام أهل بدع وضلالات، لا يعدون عند الجميع من طبقات العلماء؛ والكلام في هذا يطول.
والحاصل: أنهم عمدوا إلى شيء أجمع المسلمون كلهم، بل وأجمع عليه أجهل الخلق بالله عبدة الأوثان، الذين بعث فيهم النبي ﷺ فابتدع هؤلاء كلاما من عند أنفسهم، كابروا به العقول أيضا، حتى إنكم لا تقدرون تغيرون عوامكم عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، ثم مع هذا كله تابعهم جمهور من يتكلم في علم هذا الأمر، إلا من سبقت لهم من الله الحسنى، وهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود،
стр. 46
يبغضونهم الناس، ويرمونهم بالتجسيم.
هذا، وأهل الكلام وأتباعهم، من أحذق الناس، وأفطنهم، حتى إن لهم من الذكاء والحفظ والفهم، ما يحير اللبيب، وهم وأتباعهم مقرون أنهم مخالفون للسلف، حتى إن أئمة المتكلمين، لما ردوا على الفلاسفة في تأويلهم في آيات الأمر والنهي، مثل قولهم: المراد بالصيام كتمان أسرارنا، والمراد بالحج زيارة مشائخنا; والمراد بجبريل: العقل الفعال; وغير ذلك من إفكهم; ردوا عليهم الجواب: بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام; فقال لهم الفلاسفة: أنتم جحدتم علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، مع أنه مذكور في الكتب، على ألسنة الرسل، وقد أجمع عليه المسلمون كلهم، وغيرهم من أهل الملل، فكيف يكون تأويلنا تحريفا؟! وتأويلكم صحيحا؟! فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد.
والمراد: أن مذهبهم مع كونه فاسدا في نفسه، مخالفا للعقول، وهو أيضا مخالف لدين الإسلام، والكتاب والرسول، وللسلف كلهم، ويذكرون في كتبهم أنهم مخالفون للسلف، ثم مع هذا راجت بدعتهم على العالم والجاهل، حتى طبقت مشارق الأرض ومغاربها.
وأنا أدعوك إلى التفكر في هذه المسألة، وذلك أن السلف قد كثر كلامهم، وتصانيفهم في أصول الدين، وإبطال
стр. 47
كلام المتكلمين، وتفكيرهم، وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية: البيهقي، والبغوي، وإسماعيل التيمي، ومن بعدهم، كالحافظ الذهبي; وأما متقدموهم: كابن سريج، والدارقطني، وغيرهما، فكلهم على هذا الأمر؛ ففتش في كتب هؤلاء، فإن أتيتني بكلمة واحدة أن منهم رجلا واحدا لم ينكر على المتكلمين، ولم يكفرهم، فلا تقبل مني شيئا أبدا; ومع هذا كله، وظهوره غاية الظهور، راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون; والله المستعان.
ومن العجب: أنه يوجد في بلدكم من يفتي الرجل بقول إمام; والثاني بقول آخر، والثالث بخلاف القولين; ويعد فضيلة، وعلما، وذكاء، ويقال: هذا يفتي في مذهبين أو أكثر. ومعلوم عند الناس: أن مراده في هذا، العلو والرياء، وأكل أموال الناس بالباطل; فإذا خالفت قول عالم لمن هو أعلم منه، أو مثله إذا كان معه الدليل، ولم آت بشيء من عند نفسي، تكلمتم بهذا الكلام الشديد، فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم، توجه علي القول.
وقد بلغني أنكم في هذا الأمر قمتم وقعدتم، فإن كنتم تزعمون أن هذا إنكار للمنكر، فيا ليت قيامكم كان في عظائم في بلدكم تضاد أصلي الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
منها - وهو أعظمها -: عبادة الأصنام عندكم، من بشر،
стр. 48
وحجر; هذا يذبح له; وهذا ينذر له; وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات; وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر، وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة، ولو عصى الله!
فإن كنتم تزعمون أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن، فهذا من العجب، فإني لا أعلم أحدا من أهل العلم يختلف في ذلك، اللهم إلا أن يكون أحد وقع فيما وقع فيه اليهود، من إيمانهم بالجبت والطاغوت. وإن ادعيتم: أنكم لا تقدرون على ذلك، فإن لم تقدروا على الكل، قدرتم على البعض; كيف وبعد الذين أنكروا على هذا الأمر، وادعوا أنهم من أهل العلم، ملتبسون بالشرك الأكبر، ويدعون إليه، ولو يسمعون إنسانا يجرد التوحيد، لرموه بالكفر والفسوق; ولكن نعوذ بالله من رضى الناس بسخط الله.
ومنها: ما يفعله كثير من أتباع إبليس، وأتباع المنجمين والسحرة والكهان، ممن ينتسب إلى الفقر، وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس، ويشبهون بمعجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله؛ حتى إن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم: أنه من العلم الموروث عن الأنبياء، من علم الأسماء، وهو من الجبت والطاغوت، ولكن هذا مصداق قوله ﷺ " لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١.
стр. 49
ومنها: هذه الحيلة الربوية، التي مثل حيلة أصحاب السبت، أو أشد. وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع: إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله ﷺ ، وإما إلى إجماع أهل العلم؛ فإن عاند، دعوته إلى المباهلة، كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان، والأوزاعي، في مسألة رفع اليدين، وغيرهما من أهل العلم; والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز بن سعود إلى الشيخ عبد العزيز الحصين والي مكة)
وفي سنة ١١٨٤هـ، أرسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، إلى والي مكة، الشيخ: عبد العزيز الحصين، وكتبا إلى الوالي المذكور، رسالة، هذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المعروض لديك، أدام الله أفضل نعمة عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد، أعزه الله في الدارين، وأعز به دين جده، سيد الثقلين.
إن الكتاب لما وصل إلى الخادم، وتأمل ما فيه من الكلام الحسن، رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف، لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية، ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها; وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر، وهو واصل إليكم،
стр. 50
ويجلس في مجلس الشريف، أعزه الله، هو وعلماء مكة; فإن اجتمعوا، فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشيخ كتبهم، وكتب الحنابلة.
والواجب على الكل منا، ومنكم: أنه يقصد بعلمه وجه الله، ونصر رسوله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الآية، [سورة آل عمران آية: ٨١] . فإذا كان سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمدا ﷺ ، على الإيمان به، ونصرته، فكيف بنا يا أمته؟ فلا بد من الإيمان به، ولا بد من نصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك، وأولاهم به أهل البيت، الذي بعثه الله منهم، وشرفهم على أهل الأرض، وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته ﷺ . والسلام.
(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى علماء مكة وإجابة الأمير عبد العزيز للشريف غالب)
وفي سنة ١٢٠٤ هـ، أرسل: غالب إلى الإمام عبد العزيز ﵀، يطلب منه أن يرسل إليه رجلا من أهل العلم، يبحث مع علماء مكة المشرفة، فأرسلا إليه، وكتب الشيخ ﵀ هذه الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم دين سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمة الأعلام.
стр. 51
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: جرى علينا من الفتنة، ما بلغكم، وبلغ غيركم، وسببه: هدم بناء في أرضنا على قبور الصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله. فلما أظهرنا هذه المسألة، مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور، كبر على العامة، وعاضدهم بعض من يدعي العلم، لأسباب ما تخفى على مثلكم، أعظمها اتباع الهوى، مع أسباب أخر.
فأشاعوا عنا: أنا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها؛ وأنا أخبركم بما نحن عليه، بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب، ليتبين لكم الأمر، وتعلموا الحقيقة.
فنحن - ولله الحمد - متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتعلمون - أعزكم الله - أن المطاع في كثير من البلدان، لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين، أنها تكبر عند العامة، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، وأنتم تعلمون - أعزكم الله - أن في ولاية أحمد بن سعيد، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله، وأشرفتم على ما عندنا، بعدما أحضروا كتب الحنابلة، التي عندنا عمدة، وكالتحفة، والنهاية عند الشافعية، فلما طلب منا الشريف غالب - أعزه الله ونصره - امتثلنا أمره، وأجبنا طلبه، وهو إرسال رجل من أهل العقل والعلم، ليبحث مع علماء بيت الله الحرام، حتى
стр. 52
يتبين له - أعزه الله - ما عندنا، وما نحن عليه.
ثم اعلموا وفقكم الله: إن كانت المسألة إجماعا، فلا نزاع، وإن كانت مسائل اجتهاد، فمعلومكم أنه لا إنكار في من يسلك الاجتهاد؛ فمن عمل بمذهبه في محل ولايته، لا ينكر عليه. وأنا أشهد الله وملائكته، وأشهدكم أني على دين الله ورسوله، وإني متبع لأهل العلم، غير مخالف لهم; والسلام.
(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب لأحد علماء المدينة وبيان سبب الخلاف الذي بينه وبين الناس)
وله أيضا - رحمه الله تعالى - مجاوبة لعالم من أهل المدينة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين; إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم، ثم ينتهي إلى جناب ... لا زال محروس الجناب بعين الملك الوهاب; وبعد: الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه، وسر الخاطر حيث أخبر بطيبكم؛ فإن سألت عنا فالحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات.
وإن سألت عن سبب الاختلاف، الذي هو بيننا وبين الناس، فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغير ذلك، ولا في شيء من المحرمات. الشيء الذي عندنا زين، هو عند الناس زين;
стр. 53
والذي عندهم شين هو عندنا شين، إلا أنا نعمل بالزين، ونغصب الذي يدنا عليه، وننهى عن الشين، ونؤدب الناس عليه.
والذي قلب الناس علينا: الذي قلبهم على سيد ولد آدم ﷺ ، وقلبهم على الرسل من قبله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ ، [سورة المؤمنون آية: ٤٤] ، ومثل ما قال ورقة للنبي ﷺ : " والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي " ١. فرأس الأمر عندنا، وأساسه: إخلاص الدين لله، نقول: ما يدعى إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح القربان إلا لله، ولا يخاف خوف الله إلا من الله؛ فمن جعل من هذا شيئا لغير الله، فنقول: هذا الشرك بالله، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] . والكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ واستحل دماءهم يقرون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، واقرأ قوله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ الآية، [سورة يونس آية: ٣١] . ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة الآيتان: ٨٨-٨٩] . وأخبر الله عن الكفار: أنهم يخلصون لله الدين أوقات الشدائد، واذكر قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، [سورة العنكبوت آية: ٦٥] . والآية الأخرى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، [سورة لقمان آية: ٣٢] ، وبين الله غاية الكفار،
стр. 54
ومطلبهم، أنهم يطلبون الشفع ١. واقرأ أول سورة الزمر، تراه سبحانه بين دين الإسلام، وبين دين الكفار ومطلبهم، الآيات في هذا من القرآن: ما تحصى ولا تعد.
وأما الأحاديث الثابتة عنه ﷺ فلما قال بعض الصحابة: " ما شاء الله، وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده ". وفي الحديث الثاني، قال بعض الصحابة: " قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. قال: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله وحده " ٢. وفي الحديث الثالث: " أن أم سلمة ﵂، ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح - أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ٣.
والحديث الرابع: " لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " ٤.
والحديث الخامس: عن معاذ قال: "كنت رديف
стр. 55
النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا " ١ الحديث; والأحاديث في هذا ما تحصى.
وأما تنويهه ﷺ بأن دينه يتغير بعده، فقال ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ; وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ". وفي الحديث عنه ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٢. وفي الحديث قال: " افترقت الأمم قبلكم. افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة. والنصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة. وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ". ٣. وفي الحديث قال ﷺ " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٤.
ويكون عندك معلوما: أن أساس الأمر، ورأسه، ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً
стр. 56
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ، [سورة النحل آية: ٣٦] .وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الآيتين [سورة المدثر آية: ١] .
ويكون عندك معلوما: أن لله تعالى أفعالا، وللعبيد أفعالا، فأفعال الله: الخلق والرزق، والنفع، والضر، والتدبير; وهذا أمر ما ينازع فيه، لا كافر، ولا مسلم. وأفعال العبد، العبادة: كونه ما يدعو إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه; فالمسلم: من وحد الله بأفعاله سبحانه وأفعاله بنفسه; والمشرك: الذي يوحد الله بأفعاله سبحانه، ويشرك بأفعاله بنفسه.
وفي الحديث " لما أنزل الله عليه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، [المدثر:٢] ، صعد الصفا ﷺ فنادى: "واصباحاه" فلما اجتمع إليه قريش، قال لهم ما قال; فقال عمه: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا. وأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ، [المسد: ١] " وقال ﷺ : " يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم. لا أغني عنكم من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا " ١ أين هذا من قول صاحب البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
стр. 57
وذكر صاحب السيرة: أنه صلوات الله وسلامه عليه، قام يقنت على قريش، ويخصص أناسا منهم، في مقتل حمزة وأصحابه، فأنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، [سورة آل عمران آية: ١٢٨] ، ولكن مثل ما قال ﷺ " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " ١.
فإن قال قائلهم: إنهم يكفرون بالعموم; فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفر، الذي يشهد أن التوحيد دين الله، ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة، ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج، ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد; ولكن نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يرينا الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، [سورة آل عمران آية: ٣١] .
ويكون عندك معلوما: أن أعظم المراتب وأجلها عند الله الدعوة إليه، التي قال الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [سورة فصلت آية: ٣٣] . وفي الحديث: " والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم " ٢.
ثم بعد هذا يذكر لنا: أن عدوان الإسلام، الذين ينفرون الناس عنه يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ ، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم; بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود; نسأل
стр. 58
الله الكريم رب العرش العظيم: أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه.
هذا اعتقادنا، وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، من المهاجرين والأنصار، والتابعين، وتابع التابعين، والأئمة الأربعة ﵃ أجمعين؛ وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباعه وشرعه، فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبونه الشفاعة، فإن اجتماعهم حجة; والقائل: إنه يطلب الشفاعة بعد موته; يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من إجماع الأمة، والحق أحق أن يتبع.
(بيان عقيدة الشيخ ابن عبد الوهاب وما يأمر به)
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي، وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم، إلى يوم القيامة؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات، من الصالحين، وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل; وهو
стр. 59
الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم; وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادة نشؤوا عليها.
وأيضا: ألزمت من تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله; ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسنا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان، ورجله.
فنقول: التوحيد نوعان; توحيد الربوبية، وهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير، عن الملائكة، والأنبياء، وغيرهم; وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام; بل أكفر الناس مقرون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام، هو: توحيد الإلهية، وهو: ألا يعبد إلا الله، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وذلك أن النبي ﷺ بعث، والجاهلية يعبدون أشياء
стр. 60
مع الله، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة; فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد، ولا يدعى أحد، لا الملائكة، ولا الأنبياء. فمن تبعه، ووحد الله، فهو الذي يشهد أن لا إله إلا الله; ومن عصاه، ودعا عيسى، والملائكة، واستنصرهم، والتجأ إليهم، فهو الذي جحد لا إله إلا الله، مع إقراره أنه لا يخلق، ولا يرزق إلا الله. وهذه جملة لها بسط طويل; ولكن الحاصل: أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
فلما جرى في هذه الأمة، ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ١، وكان من قبلهم، كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وصار ناس من الضالين يدعون أناسا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف; أعني: على الداعي; وأما الصالحون، الذين يكرهون ذلك، فحاشاهم.
وبين أهل العلم أن هذا هو الشرك الأكبر، عبادة الأصنام؛ فإن الله سبحانه: إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر; والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر، والصالحين،
стр. 61
والتماثيل المصورة على صورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة، والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء الاستغاثة.
واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ بأنهم يدعون الملائكة، والأولياء، والصالحين; ويريدون شفاعتهم، والتقرب إليهم; وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونها إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٦٧] .
واعلم أن التوحيد هوإفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. وآخر الرسل محمد ﷺ ، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين؛ أرسله الله إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله تعالى، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.
стр. 62
فبعث الله محمدا ﷺ يجدد لهم دين إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما. وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو; ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع، ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ، [سورة يونس آية: ٣١] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥-٨٦-٨٧-٨٨-٨٩] . وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد، الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه، هو توحيد العبادة،
стр. 63
الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد. كما كانوا يدعون الله ، ليلا ونهارا، خوفا وطمعا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا لهم، ويدعو رجلا صالحا، مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى.
وعرفت: أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم، ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله. وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم; عرفت حينئذ التوحيد، الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو: معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم، هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكا، أو نبيا، أو وليا، أو شجرة، أو قبرا، أو جنيا; لم يريدوا أن
стр. 64
الإله هو: الخالق، الرازق، المدبر; فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك.
وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا، بلفظ: السيد، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله; والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة، هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله; قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.
فإذا عرفت: أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب، بشيء من المعاني; والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
فإذا عرفت ما قلت لك، معرفة قلب; وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] ، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه، من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل
стр. 65
الله وبرحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، [سورة يونس آية: ٥٨] . وأفادك أيضا: الخوف العظيم؛ فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
واعلم: أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ، [سورة الأنعام آية: ١١٢] . وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ، [سورة غافر آية: ٨٣] .
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٨٦] .
فالواجب عليك: أن تعلم من دين الله، ما يصير لك
стр. 66
سلاحا، تقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف الآيتان: ١٦-١٧] .
ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف، ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفا; والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، [سورة الصافات آية: ١٧٣] . فجند الله: هم الغالبون بالحجة، واللسان; كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان; وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح.
وقد من الله علينا بكتابه، الذي جعله: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] ؛ فلا يأتي صاحب باطل بحجة، إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣٣] . قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة، يأتي بها أهل الباطل، إلى يوم القيامة.
والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأشياء، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان.
ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين: أني لما
стр. 67
بينت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٧] . وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، [سورة يونس آية: ١٨] ، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، [سورة الزمر آية: ٣] ، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ، الآية [سورة يونس آية: ٣١] . وغير ذلك، قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولا مثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.
قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كل: أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم. فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورا.
وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفر. وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك; وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم، إلا دون النفس والحرمة; وهم الذين أتونا في ديارنا; ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد
стр. 68
نقاتل بعضهم، على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها; وكذلك من جاهر بسب دين الرسول، بعد ما عرف، فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق، الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء، والرجال.
فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه؛ فإن التائب من الذنب، كمن لا ذنب له; ونسأل الله أن يهدينا، وإياكم، لما يحبه ويرضاه.
(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب لابن صياح، ورد مفتريات عليه)
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان، المتبعين محمدا ﷺ أن ابن صياح سألني عما ينسب إلي؟ فطلب مني أن أكتب الجواب; فكتبته:
الحمد لله رب العالمين، أما بعد: فما ذكره المشركون على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمرا، هدمت قبة النبي ﷺ ، أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه علي الشياطين، الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون لهم، وينخونهم، ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر ﵀، وهو منهم بريء، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة.
стр. 69
فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر; وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين، أو الأنبياء، أو ندبهم، أو سجد لهم، أو نذر لهم، أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان، يعرف أمر الله ورسوله لا ينكر هذا الأمر، بل يقر به، ويعرفه.
وأما الذي ينكره، فهو بين أمرين، إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم، والنذر لهم، وصيرورة الإنسان فقيرا لهم، أمر حسن، ولو ذكر الله ورسوله إنه كفر فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام.
وإنما كلامنا مع رجل، يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل، قد لبست عليه الشياطين دينه; ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار، ما فعله; ونحن: نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم، أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه، والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه، ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا، وأكمل; وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه; وهم يحبونه على أنفسهم، وأولادهم،
стр. 70
ويعرفون قدره، ويعرفون أيضا: الشرك، والإيمان.
فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه، أو نذر له، أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله، أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا أمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري.
وإن كان إذا سألت وجدت أنه: ﷺ تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء، والصالحين، وقتلهم، وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرف أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق; والواجب على كل مؤمن: اتباعه فيما جاء به.
وبالجملة: فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله، مما لا يجوز لغيره، فإن كنت قلته من عندي، فارم به أو من كتاب لقيته، ليس عليه عمل، فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي، فارم به. وإن كنت قلته، عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه، لأجل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.
واعلم: أن الأدلة على هذا، من كلام الله، وكلام رسوله، كثيرة، لكن: أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
стр. 71
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] .
ذكر المفسرون في تفسيرها: أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى، ﵇، وعزير، فقال تعالى: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي; ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
فيا عباد الله، تفكروا في كلام ربكم ﵎، إذا كان ذكر عن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أن دينهم الذي كفرهم به، هو الاعتقاد في الصالحين; وإلا فالكفار يخافون الله، ويرجونه، ويحجون، ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين; وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فيا عباد الله إذا كان الله ذكر في كتابه، أن دين الكفار، هو: الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم، ودعوهم، وندبوهم، لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى بن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه ١ فقد
стр. 72
كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة، وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟!
وأنت يا من هداه الله: لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين، بل هؤلاء أعداء الصالحين; وأنت والله الذي تحب الصالحين; لأن من أحب قوما أطاعهم، فمن أحب الصالحين، وأطاعهم، لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم، فهو مثل النصارى الذين يدعون عيسى، ويزعمون محبته، وهو بريء منهم، ومثل الرافضة الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم.
ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني، ولا تفكروا; واسألوا أهل العلم من كل مذهب، عما قال الله ورسوله; وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين، مثل الزنى، والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ يا عباد الله تفكروا، وتذكروا، والسلام.
стр. 73
(بيان الشيخ ابن عبد الوهاب لعبد الرحمن السويدي وبيان عقيدته، ورد مفترياته)
وله أيضا: رحمه الله تعالى، رسالة أرسلها إلى ابن السويدي، عالم من أهل العراق، سأله عما يقول الناس فيه، فأجابه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: عبد الرحمن، بن عبد الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وسر الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين; وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع، لست بمبتدع; عقيدتي، وديني الذي أدين الله به، هو: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة.
ولكنني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء، والأموات، من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل; وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم; وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 74
وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة، هم الرافضة، الذين يدعون عليا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات; وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادات نشؤوا عليها.
وأيضا: ألزمت من تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا، وعيبه، لكونه مستحسنا عند العوام; فجعلوا قدحهم وعداوتهم، فيما آمر به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك، ولبسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات؛ فكبرت الفتنة، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان، ورجله.
فمنها: إشاعة البهتان، بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلا عن أن يفتريه.
ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة. فيا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟ إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك; فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة.
وكذلك قولهم، إني أقول: لو أقدر على هدم قبة النبي ﷺ لهدمتها.
وأما دلائل الخيرات، وما قيل عني: أني حرقتها، فله
стр. 75
سبب، وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني: أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن. وأما إحراقها، والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إلي من الزور والبهتان.
والحاصل: أن ما ذكر عني من الأسباب، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان; وهذا لو خفي على غيركم، فلا يخفى على حضرتكم. ولو أن رجلا من أهل بلدكم، ولو كان أحب الخلق إلى الناس، قام يلزم الناس الإخلاص، ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحساد، أشد منه رياسة، وأكثر اتباعا، وقاموا يرمونه بمثل هذه الأكاذيب، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين، وأن دعوتهم من إجلالهم، واحترامهم، لعلمتم كيف يجري عليه.
ومع هذا، وأضعافه، فلا بد من الإيمان بما جاء به الرسول، ﵊، ونصرته، كما أخذ الله على الأنبياء قبله، وأممهم، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ، [سورة آل عمران آية: ٨١] ، فلما فرض الله الإيمان، لم يجز تركه.
وأنا أرجو أن الله يكرمك بنصر دينه، ونبيه، وذلك