← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] . ذكر المفسرون في تفسيرها: أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى، ﵇، وعزير، فقال تعالى: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي; ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. فيا عباد الله، تفكروا في كلام ربكم ﵎، إذا كان ذكر عن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أن دينهم الذي كفرهم به، هو الاعتقاد في الصالحين; وإلا فالكفار يخافون الله، ويرجونه، ويحجون، ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين; وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . فيا عباد الله إذا كان الله ذكر في كتابه، أن دين الكفار، هو: الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم، ودعوهم، وندبوهم، لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى بن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه ١ فقد

стр. 72

كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة، وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟! وأنت يا من هداه الله: لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين، بل هؤلاء أعداء الصالحين; وأنت والله الذي تحب الصالحين; لأن من أحب قوما أطاعهم، فمن أحب الصالحين، وأطاعهم، لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم، فهو مثل النصارى الذين يدعون عيسى، ويزعمون محبته، وهو بريء منهم، ومثل الرافضة الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم. ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني، ولا تفكروا; واسألوا أهل العلم من كل مذهب، عما قال الله ورسوله; وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين، مثل الزنى، والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ يا عباد الله تفكروا، وتذكروا، والسلام.

стр. 73

(بيان الشيخ ابن عبد الوهاب لعبد الرحمن السويدي وبيان عقيدته، ورد مفترياته) وله أيضا: رحمه الله تعالى، رسالة أرسلها إلى ابن السويدي، عالم من أهل العراق، سأله عما يقول الناس فيه، فأجابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: عبد الرحمن، بن عبد الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وسر الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين; وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع، لست بمبتدع; عقيدتي، وديني الذي أدين الله به، هو: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة. ولكنني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء، والأموات، من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل; وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم; وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.

стр. 74

وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة، هم الرافضة، الذين يدعون عليا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات; وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادات نشؤوا عليها. وأيضا: ألزمت من تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا، وعيبه، لكونه مستحسنا عند العوام; فجعلوا قدحهم وعداوتهم، فيما آمر به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك، ولبسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات؛ فكبرت الفتنة، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان، ورجله. فمنها: إشاعة البهتان، بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلا عن أن يفتريه. ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة. فيا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟ إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك; فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة. وكذلك قولهم، إني أقول: لو أقدر على هدم قبة النبي ﷺ لهدمتها. وأما دلائل الخيرات، وما قيل عني: أني حرقتها، فله

стр. 75

سبب، وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني: أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن. وأما إحراقها، والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إلي من الزور والبهتان. والحاصل: أن ما ذكر عني من الأسباب، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان; وهذا لو خفي على غيركم، فلا يخفى على حضرتكم. ولو أن رجلا من أهل بلدكم، ولو كان أحب الخلق إلى الناس، قام يلزم الناس الإخلاص، ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحساد، أشد منه رياسة، وأكثر اتباعا، وقاموا يرمونه بمثل هذه الأكاذيب، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين، وأن دعوتهم من إجلالهم، واحترامهم، لعلمتم كيف يجري عليه. ومع هذا، وأضعافه، فلا بد من الإيمان بما جاء به الرسول، ﵊، ونصرته، كما أخذ الله على الأنبياء قبله، وأممهم، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ، [سورة آل عمران آية: ٨١] ، فلما فرض الله الإيمان، لم يجز تركه. وأنا أرجو أن الله يكرمك بنصر دينه، ونبيه، وذلك

стр. 76

على حسب الاستطاعة، ولو بالقلب، والدعاء، وقد قال ﷺ " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١. فإن رأيت عرض كلامي هذا على من ظننت أنه يقبله من إخواننا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. ومن أعجب ما جرى، من بعض الرؤساء المخالفين، أني لما بينت لهم معنى كلام الله تعالى، وما ذكره أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] . وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وما ذكره الله، من إقرار الكفار في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] ، وغير ذلك، قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولا مثلنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نقبل إلا ما ذكره المتأخرون. فقلت: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كلا أخاصمه بكتب المتأخرين من علماء مذهبه، الذين يعتمد عليهم; فلما أبوا ذلك، نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب، وذكرت ما قالوا، بعدما حدثت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، ولم يزدهم إلا نفورا. وأما التكفير: فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما

стр. 77

عرف، سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك. وأما القتال: فلم نقاتل أحدا إلا دون النفس، والحرمة; فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى آية: ٤٠] . وكذلك من جاهر بسب دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام. (رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى أهل المغرب في بيان التوحيد والشرك) وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه، رسالة إلى أهل المغرب، هذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له; وأشهد: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له; وأشهد: أن محمدا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله، فقد رشد; ومن يعص الله ورسوله، فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا; وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، [سورة يوسف آية: ١٠٨] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] .

стр. 78

وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين، وأتمه على لسان رسوله ﷺ . وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع، والتفرق، والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] . والرسول ﷺ قد أخبر: بأن " أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع " ١ وثبت في الصحيحين، وغيرهما عنه ﷺ أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٢ وأخبر في الحديث الآخر: " أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ٣. إذا عرف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى، من حوادث الأمور، التي أعظمها الإشراك بالله، والتوجه إلى

стр. 79

الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله؛ وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزّمر الآيتان: ٢-٣] ، فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه; وأخبر: أن المشركين يدعون الملائكة، والأنبياء، والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده. وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار؛ فكذبهم في هذه الدعوى، وكفرهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم، وأشرك بهم، وذلك أن

стр. 80

الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٤] ؛ فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ، [سورة طه آية: ١٠٩] ، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّّّّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ الآيتان: ٢٢-٢٣] . فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] . فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء، بل: " يأتي فيخر ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة " ١ فكيف بغيره من الأنبياء، والأولياء؟! وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح، من الصحابة

стр. 81

والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم، ودرج على منهجهم. وأما ما صدر من سؤال الأنبياء، والأولياء، الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم، ببناء القباب عليها والسرج، والصلاة عندها، واتخاذها أعيادا، وجعل السدنة، والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور، التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة، حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ". وهو ﷺ حمى جناب التوحيد، أعظم حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم، من حديث جابر، وثبت فيه أيضا: " أنه بعث علي ابن أبي طالب ﵁ وأمره: أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه، ولا تمثالا إلا طمسه " ١، ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ . فهذا هو الذي أوجب الاختلاف، بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر، إلى أن كفرونا، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا، وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم; وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه، بعدما نقيم عليهم الحجة، من كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع السلف

стр. 82

الصالح، من الأئمة، ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٥] . وندعو الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات، على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] . فهذا هو الذي نعتقد، وندين الله به، فمن عمل بذلك، فهو أخونا المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا. ونعتقد أيضا أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته، لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وصلى الله على محمد.

стр. 83

(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى رئيس بادية الشام في بيان ما يدعو إليه) وله أيضا: رحمه الله تعالى، رسالة إلى فاضل، رئيس بادية الشام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الشيخ: فاضل آل مزيد، زاده الله من الإيمان، وأعاذه من نزغات الشيطان. أما بعد: فالسبب في المكاتبة: أن راشد بن عربان، ذكر لنا عنك كلاما حسنا، سر الخاطر، وذكر عنك أنك طالب مني المكاتبة، بسبب ما يجيئك من كلام العدوان ١ من الكذب، والبهتان، وهذا، هو: الواجب من مثلك، أنه لا يقبل كلاما إلا إذا تحققه. وأنا أذكر لك أمرين، قبل أن أذكر لك صفة الدين; الأول: أني أذكر لمن خالفني، أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذوا من كلامي شيئا; لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، فاتبعوه، ولو خالفه أكثر الناس.

стр. 84

والأمر الثاني: أن هذا الأمر، الذي أنكروا علي، وأبغضوني، وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام، واليمن، أو غيرهم، يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أظهره في مكاني، لأجل أن الدولة ما يرضون; وابن عبد الوهاب أظهره، لأن الحاكم في بلده ما أنكره، بل لما عرف الحق اتبعه. هذا كلام العلماء، وأظنه وصلك كلامهم. فأنت تفكر في الأمر الأول، وهو قولي: لا تطيعوني، ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، وتفكر في الأمر الثاني: أن كل عاقل مقر به، لكن ما يقدر يظهره. فقدم لنفسك ما ينجيك عند الله، واعلم أنه ما ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ ، والدنيا زائلة، والجنة والنار، ما ينبغي للعاقل أن ينساهما. وصورة الأمر الصحيح، أني أقول: ما يدعى إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقال في حق النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] . فهذا كلام الله، والذي ذكره لنا رسول الله ﷺ ووصانا به، ونهى الناس لا يدعونه. فلما ذكرت لهم: أن هذه المقامات، التي في الشام، والحرمين، وغيرها، أنها على خلاف أمر الله ورسوله، وأن دعوة الصالحين، والتعلق عليهم، هو الشرك

стр. 85

بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، فلما أظهرت هذا: أنكروه، وكبر عليهم; وقالوا: أجعلتنا مشركين؟ وهذا ليس إشراكا; هذا: كلامهم، وهذا كلامي، أسنده عن الله ورسوله; وهذا هو الذي بيني، وبينكم; فإن ذكر شيء غير هذا، فهو كذب، وبهتان; والذي يصدق كلامي هذا: أن العالم ما يقدر يظهره، حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق، ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة; وأنت - ولله الحمد - ما تخاف إلا الله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى دين الله ورسوله، والله أعلم.

стр. 86

(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى من تصل من المسلمين ونصيحته لهم أن يتعلموا دين الله) وله أيضا: قدس الله روحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فاعلموا رحمكم الله، أن الله بعث محمدا ﷺ إلى الناس بشيرا ونذيرا; مبشرا لمن اتبعه بالجنة، ومنذرا لمن لا يتبعه عن النار; وقد علمتم: إقرار كل من له معرفة، أن التوحيد الذي بينا للناس، هو الذي أرسل الله به رسله، حتى إن كل مطوع ١ معاند يشهد بذلك، وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم، هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون: لو يتركون أهل العارض، التكفير والقتال، كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير والقتال، لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم، أنه دين الله ورسوله، أن تعلموه وتعملوا به، إن كنتم من أتباع محمد باطنا وظاهرا.

стр. 87

وأنا أبين لكم هذا بمسألة القبلة: أن النبي ﷺ وأمته يصلون، والنصارى يصلون; لكن قبلته ﷺ وأمته: بيت الله; وقبلة النصارى: مطلع الشمس؛ فالكل منا يصلي، ولكن اختلفنا في القبلة؛ فلو أن رجلا من أمة محمد ﷺ يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل مطلع الشمس، أتظنون أن هذا مسلم؟ وهذا ما نحن فيه، فالنبي ﷺ بعثه الله بالتوحيد، وأن لا يدعى مع الله أحد، لا نبي، ولا غيره، والنصارى يدعون عيسى رسول الله وأمه; والمشركون يدعون الصالحين، يقولون: ليشفعوا لنا عند الله. فإذا كان كل مطوع مقرا بالتوحيد، والشرك; فاجعلوا التوحيد مثل القبلة، واجعلوا الشرك مثل استقبال المشرق; مع أن هذا أعظم من القبلة; وأنا أنصحكم لله، وأنخاكم ١ لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبوا دين النصارى على دين نبيكم، فما ظنكم بمن واجه الله، وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه، ودين رسوله، وهو يبغضه، ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه، ويحب من اتبعه؟ أتظنون أن الله يغفر لهذا؟! والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك، فلا حيلة فيه، والسلام.

стр. 88

(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى البكبلي صاحب اليمن) وله رسالة إلى البكبلي ١ صاحب اليمن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزل الحق في الكتاب، وجعله تذكرة لأولي الألباب، ووفق مَنْ مَنَّ عليه من عباده للصواب، لعنوان الجواب، وصلى الله وسلم، وبارك على نبيه، ورسوله، وخيرته من خلقه، محمد، وعلى آله، وشيعته، وجميع الأصحاب، ما طلع نجم وغاب، وانهل وابل من سحاب. من عبد العزيز بن محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب: إلى الأخ في الله: أحمد بن محمد العديلي البكبلي سلمه الله من جميع الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات، وحفظه من جميع البليات، وضاعف له الحسنات، ومحا عنه السيئات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: لفانا ٢ كتابكم، وسر الخاطر بما ذكرتم فيه،

стр. 89

من سؤالكم، وما بلغنا على البعد، من أخباركم، وسؤالكم عما نحن عليه، وما دعونا الناس إليه، فأردنا أن نكشف عنكم الشبهة بالتفصيل، ونوضح لكم القول الراجح بالدليل، ونسأل الله أن يسلك بنا وبكم، أحسن منهج وسبيل. أما ما نحن عليه من الدين؟ فعلى دين الإسلام، الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] . وأما ما دعونا الناس إليه؟ فندعوهم إلى التوحيد، الذي قال الله فيه خطابا لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وأما ما نهينا الناس عنه؟ فنهيناهم عن الشرك، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليظ، وإلا فهو منَّزه، هو وإخوانه عن الشرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ، [لزّمر الآيتان: ٦٥-٦٦] ، وغير ذلك من الآيات. ونقاتلهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا

стр. 90

تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] ، أي: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ، [سورة الأنفال آية: ٣٩] ، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] . وقوله ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " ١. وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] ، وسماها سبحانه بالعروة الوثقى، وكلمة التقوى; وسموها الطواغيت: كلمة الفجور، من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله ولو هدم أركان الإسلام الخمسة، وكفر بأصول الإيمان الستة. وحقيقة اعتقادنا: أنها تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وإلا فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، بل ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، بل ويصومون، ويحجون، ويجاهدون، وهم مع ذلك تحت آل فرعون، في الدرك الأسفل من النار. وكذلك ما قص الله سبحانه عن بلعام، وضرب له مثلا بالكلب، مع ما معه من العلم، فضلا عن الاسم الأعظم.

стр. 91

وعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد، من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى. وأما ما سألتم عنه من حقيقة الإيمان؟ فهو: التصديق، وأنه يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بضدها، قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] . وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ، [سورة التوبة آية: ١٢٤] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ، [سورة الأنفال آية: ٢] ، وغير ذلك من الآيات، قال الشيبانِي، ﵀: وإيماننا: قول وفعل ونية ويزداد ... بالتقوى وينقص بالردى وقوله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق " ١، وقوله ﷺ : " فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٢ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً

стр. 92

وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ، [الحج الآيتان: ٢٥-٢٦] ، فقال الطواغيت الذي قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . إن فساق مكة حشو الجنة! مع أن السيئات تضاعف فيها، كما تضاعف الحسنات، قانقلبت القضية بالعكس، حتى آل الأمر إلى الهتيميات، المعروفات بالزنى، والمصريات، يأتون وفودا يوم الحج الأكبر، كل من الأشراف معروفة بغيته منهن جهارا، وأن أهل اللواط، وأهل الشرك، والرافضة، وجميع الطوائف، من أعداء الله ورسوله آمنين فيها، وأن من دعا أبا طالب آمن، ومن وحد الله وعظمه ممنوع من دخولها، ولو استجار بالكعبة ما أجارته، وأبو طالب والهتيميات يجيرون من استجار بهم ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] . ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٤] . وما جئنا بشيء يخالف النقل، ولا ينكره العقل; ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ، [سورة الصف آية: ٣] . نقاتل عباد الأوثان، كما قاتلهم ﷺ ، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها، صديق هذه الأمة، أبو بكر الصديق ﵁، ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن

стр. 93

نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به، إلا عودي وأوذي وأخرج وما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (رسالة إسماعيل الجراعي صاحب اليمن إلى الشيخ ابن عبد الوهاب وجواب الشيخ له) وأرسل إليه صاحب اليمن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من إسماعيل الجراعي، إلى من وفقه الله: محمد بن عبد الوهاب سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: بلغني على ألسن الناس عنك، ممن أصدق علمه، وما لا أصدق، والناس اقتسموا فيكم، بين قادح، ومادح، فالذي سرني عنك: الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان، وفي غربة الإسلام، أنك تدعو به، وتقوم أركانه، فوالله الذي لا إله غيره، مع ما نحن فيه عند قومنا، ما نقدر على ما تقدر عليه، من بيان الحق، والإعلان بالدعوة. وأما قول من لا أصدق: أنك تكفر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين. فأنت أخبرني، واصدقني بما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك؟.

стр. 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب إلى: إسماعيل الجراعي سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فما تسأل عنه، فنحمد الله الذي لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، فلنا أسوة، وهم: الرسل، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وأما ما جرى لهم مع قومهم، وما جرى لقومهم معهم، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم. فما تسأل عنه، من الاستقامة على الإسلام، فالفضل لله; وقال رسول الله ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١. وأما القول: أنا نكفر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء، الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] . وأما الصالحون/ فهم على صلاحهم ﵃، ولكن نقول: ليس لهم شيء من الدعوة، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وأما المتأخرون ﵏، فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص، لا نعمل به.

стр. 95

فاعلم رحمك الله: أن الذي ندين به، وندعو الناس إليه: إفراد الله بالدعوة، وهي دين الرسل، قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ، [سورة البقرة آية: ٨٣] . فانظر رحمك الله، ما أحدث الناس من عبادة غير الله، فتجده في الكتب، جعلني الله وإياك ممن يدعو إلى الله على بصيرة، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . وصلى الله على محمد.

стр. 96

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عما يقاتل عليه وما يكفر به) وسئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها. والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر. فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع: النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.

стр. 97

النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر، من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] ، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢] . النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا: كافر، فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٩] . النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر; فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم، فعل ; ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم، فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم،

стр. 98

بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير; فهذا أيضا: كافر، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ [سورة النساء آية: ٩١] . فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] . بل نكفر تلك الأنواع الأربعة، لأجل محادتهم لله ورسوله، فرحم الله امرأ نظر نفسه، وعرف أنه ملاق الله، الذي عنده الجنة، والنار; وصلى الله على محمد وآله، وصحبه وسلم.

стр. 99

(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى محمد بن عباد وبيان غلطه في مسائل) وله أيضا رحمه الله تعالى، وصب عليه من شآبيب بره، ووالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ: محمد بن عباد، وفقه الله لما يحبه ويرضاه. سلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته، وبعد: وصلنا أوراق في التوحيد، فيها كلام حسن، من أحسن الكلام، وفقك الله للصواب، وتذكر فيه: أن ودك نبين لك، إن كان فيها شيء غاترك ١. فاعلم أرشدك الله أن فيها مسائل غلط: الأولى: قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد، وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه; وإنما الذي أتت به الرسل أول واجب، هو: التوحيد، ليس النظر في الوجود، ولا معرفة العقيدة، كما ذكرته أنت في الأوراق، أن كل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] . والثانية: قولك في الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،

стр. 100

إلخ، والإيمان هو التصديق الجازم بما أتى به الرسول، فليس كذلك، وأبو طالب عمه جازم بصدقه، والذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم; والذين يقولون: الإيمان هو: التصديق الجازم، هم: الجهمية، وقد اشتد نكير السلف عليهم، في هذه المسألة. الثالثة: قولك: إذا قيل للعامي ونحوه: ما الدليل على أن الله ﵎ ربك؟ ثم ذكرت ما الدليل على اختصاص العبادة بالله، وذكرت الدليل على توحيد الألوهية. فاعلم أن الربوبية، والألوهية يجتمعان، ويفترقان، كما في قوله: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة آية: ١-٣] . وكما يقال رب العالمين، وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان، كما في قول القائل: من ربك؟ مثاله: الفقير والمسكين، نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] . ونوع واحد في قوله: " افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم " ١. إذا ثبت هذا، فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون، ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] ، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠ والأحقاف: ١٣] .

стр. 101

فالربوبية في هذا، هي: الألوهية، ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران ; فينبغي: التفطن لهذه المسألة. الرابعة: قولك في الدليل على إثبات نبوة محمد ﷺ ودليله: الكتاب، والسنة، ثم ذكرت الآيات، كلام من لم يفهم المسألة، لأن المنكر للنبوة، أو الشاك فيها، إذا استدللت عليه بالكتاب والسنة، يقول: كيف تستدل بشيء علي ما أتى به إلا هو؟ ! والصواب في المسألة: أن تستدل عليه بالتحدي، بأقصر سورة من القرآن، أو شهادة علماء أهل الكتاب، كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [سورة الشعراء آية: ١٩٧] ، ولكونهم يعرفونه قبل أن يخرج، كما في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٨٩] ، إلى غير ذلك من الآيات، التي تفيد الحصر، وتقطع الخصم. الخامسة: قولك اعلم يا أخي لا علمت مكروها، فاعلم: أن هذه كلمة تضاد التوحيد، وذلك: أن التوحيد، لا يعرفه إلا من عرف الجاهلية، والجاهلية، هي: المكروه، فمن لم يعلم المكروه، لم يعلم الحق، فمعنى هذه الكلمة: اعلم لا علمت خيرا، ومن لم يعلم المكروه ليجتنبه، لم يعلم المحبوب، وبالجملة، فهي: كلمة عامية جاهلية، ولا

стр. 102

ينبغي لأهل العلم، أن يقتدوا بالجهال. السادسة: جزمك بأن النبي ﷺ قال: " اطلبوا العلم، ولو من الصين" فلا ينبغي أن يجزم الإنسان على رسول الله ﷺ بما لا يعلم صحته، وهو القول بلا علم، فلو أنك قلت، وروى، أو ذكر فلان، أو ذكر في الكتاب الفلاني، لكان هذا مناسبا، وأما الجزم بالأحاديث التي لم تصح فلا يجوز. فتفطن لهذه المسألة، فما أكثر من يقع فيها. السابعة: قولك في سؤال الملكين، والكعبة قبلتي، وكذا، وكذا، فالذي علمناه من رسول الله ﷺ أنهما يسألان عن ثلاث: عن التوحيد، وعن الدين، وعن محمد ﷺ ، فإن كان في هذا عندك رابعة، فأفيدونا، ولا يجوز الزيادة على ما قال الله ورسوله. الثامنة: قولك في الإيمان بالقدر: إنه الإيمان بأن لا يكون صغير، ولا كبير، إلا بمشيئة الله وإرادته، وأن يفعل المأمورات، ويترك المنهيات؛ وهذا غلط، لأن الله سبحانه، له الخلق، والأمر، والمشيئة، والإرادة ; وله الشرع، والدين؛ إذا ثبت هذا، ففعل المأمورات، وترك المنهيات، هو: الإيمان بالأمر، وهو الإيمان بالشرع، والدين، ولا يذكر في حد الإيمان بالقدر. التاسعة: قولك، الآيات التي في الاحتجاج بالقدر،

стр. 103

كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٣٥] ، ثم قلت: فإياك والاقتداء بالمشركين، في الاحتجاج على الله، وحسبك من القدر الإيمان به، فالذي ذكرناه، في تفسير هذه الآيات، غير معنى الذي أردت، فراجعه، وتأمله بقلبك، فإن اتضح لك، وإلا فراجعني فيه، لأنه كلام طويل.

стр. 104

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عن أول ما يجب على الإنسان معرفته) وسئل أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، عن معنى هذه الأبيات: أول واجب على الإنسان ... معرفة الإله باستيقان فأجاب: تمام الكلام، على فهم معناه: أول واجب على الإنسان ... معرفة الإله باستيقان والنطق بالشهادتين اعتبرا ... لصحة الإيمان ممن قدرا إن صدق القلب وبالأعمال ... يكون ذا نقص وذا إكمال فذكر في هذا الكلام: خمس مسائل، من مسائل العقائد، التي يسمونها أصول الدين: الأولى. اختلف في أول واجب، فقيل: النظر; وقيل: القصد إلى النظر، وقيل: المعرفة. الثانية: هل يكتفى في مسائل الأصول بالتقليد؟ أو غلبة الظن؟ أو لا بد من اليقين؟ فذكر: أن الواجب في معرفة الله هو: اليقين. الثالثة: هل يشترط في الواجب، النطق بالشهادتين؟ أو يصير مسلما بالمعرفة؟ فذكر: أنه لا يصير مسلما إلا بالنطق للقادر عليه، والمخالف في ذلك جهم، ومن تبعه; وقد أفتى

стр. 105

الإمام أحمد، وغيره من السلف، بكفر من قال: إنه يصير مسلما بالمعرفة، وتفرع على هذه مسائل; منها: من دعي إلى الصلاة فأبى، مع الإقرار بوجوبها، هل يقتل كفرا؟ أو حدا؟ ومن قال: يقتل حدا، من رأى أن هذا أصل المسألة. الرابعة: أن ابن كَرَّام، وأتباعه، يقولون: إن الإيمان قول باللسان، من غير عقيدة القلب، مع أنهم يوافقون أهل السنة، أنه مخلد في النار، فذكر أنه لا بد مع النطق بتصديق القلب. الخامسة: المسألة المشهورة: هل الأعمال من الإيمان؟ ويزيد وينقص بها؟ أم ليست من الإيمان؟ والمخالف في ذلك: أبو حنيفة، ومن تبعه، الذين يسمون مرجئة الفقهاء، فرجح الناظم، مذهب السلف: أن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. إذا ثبت هذا، فكل هذه المسائل واضحة، إلا المسألة الأولى، المسؤول عنها، وهي: معرفة الإله، ما هي؟ فينبغي التفطن لهذه، فإنها أصل الدين، وهي الفارقة بين المسلم، والكافر. وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزّخرف آية: ٣٦] ، وذكر الرحمن، هو: القرآن، فلما طلبوا الهداية من غيره، أضلهم الله، وقيض لهم الشيطان، فصدهم عن أصل

стр. 106

الأصول، ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون. وبيان ذلك: أنه ليس المراد معرفة الإله الإجمالية يعني: معرفة الإنسان، أن له خالقا، فإنها ضرورية فطرية، بل معرفة الإله: هل هذا الوصف، مختص بالله؟ لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل؟ أم جعل لغيره قسط منه؟! فأما المسلمون، أتباع الأنبياء، فإجماعهم على أنه مختص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام، لكن أضلهم الله عن معرفة الإله، فذكر عن الأشعري، ومن تبعه: أنه القادر، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقررنا بذلك، فهي معنى قوله: لا إله إلا الله. ثم استحوذ عليهم الشيطان، فظنوا أن التوحيد لا يتأتى إلا بنفي الصفات، فنفوها، وسموا من أثبتها مجسما. ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة، منها: أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات، وأن معنى الإله: هو المعبود. فإذا كان هو سبحانه متفردا به، عن جميع المخلوقات، وكان هذا وصفا صحيحا، لم يكذب الواصف به، فهذا يدل على الصفات، فيدل على العلم العظيم، والقدرة العظيمة; وهاتان الصفتان: أصل جميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي

стр. 107

خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] . فإذا كان الله قد أنكر عبادة من لا يملك لعابده نفعا ولا ضرا، فمعلوم أن هذا يستلزم العلم بحاجة العباد، ناطقها، وبهيمها ; وتستلزم القدرة على قضاء حوائجهم، ويستلزم الرحمة الكاملة، واللطف الكامل، وغير ذلك من الصفات ; فمن أنكر الصفات، فهو معطل، والمعطل شر من المشرك؛ ولهذا كان السلف، يسمون التصانيف، في إثبات الصفات: كتب التوحيد، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: كتاب التوحيد ; ثم ذكر الصفات، بابا، بابا. فنكتة المسألة: أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات، فقال أهل السنة: لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات، وتوحيدكم، هو التعطيل؛ ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎، كما هو مذهب ابن عربي، وابن الفارض، وفئام من الناس، لا يحصيهم إلا الله. فهذا بيان لقولك: هل مراده الصفات؟ أو الأفعال؟ فبين السلف: أن العبادة إذا كانت كلها لله عن جميع المخلوقات، فلا تكون إلا بإثبات الصفات، والأفعال ; فتبين أن منكر الصفات، منكر لحقيقة الألوهية، لكن لا

стр. 108

يدري ; وتبين لك أن من شهد أن لا إله إلا الله، صدقا من قلبه، لا بد أن يثبت الصفات، والأفعال، ولكن العجب العجاب: ظن إمامهم الكبير، أن الألوهية، هي القدرة، وأن معنى قولك: لا إله إلا الله، أي: لا يقدر على الخلق إلا الله! إذا فهمت هذا تبين لك عظم قدرة الله، على إضلال من شاء، مع الذكاء، والفطنة، كأنهم لم يفهموا قصة إبليس، ولا قصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وهلم جرا، كما قال شيخ الإسلام، في آخر الحموية: أوتوا ذكاء، وما أوتوا زكاء، وأوتوا علوما، وما أوتوا فهوما، وأوتوا سمعا، وأبصارا، وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٦] . والله أعلم.

стр. 109

(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب في بيان الإسلام ومبانيه) وله: ﵀، ما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام، ورحمة الله، وبركاته وبعد: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٨٥] . وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . قيل: إنها آخر آية نزلت. وفسر نبي الله ﷺ الإسلام، لجبريل ﵇، وبناه أيضا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علما، وعملا، فرضا على كل ذكر وأنثى، لقوله: لا ينبغي لأحد يقدم على شيء، حتى يعلم حكم الله فيه. فاعلم أن أهمها، وأولاها: الشهادتان، وما تضمنتا من النفي والإثبات، من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة. فإن بان لك شيء من ذلك، ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل، والغفلة، والإعراض، عما خلقوا له ; وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم، على ألفاظ، وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير.

стр. 110

ويؤيد ذلك: أن الولد إذا بلغ عشر سنين، غسلوا له أهله ١ وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك، ومات عليه، أتظن من كانت هذه حاله، هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره؟ ! وأتاه الملكان، وسألاه عما عاش عليه من الدين؟ بما يجيب؟ هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله تعالى، وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟ رزقنا وإياك علما نبويا، وعملا خالصا في الدنيا، ويوم نلقاه آمين. فانظر يا رجل، حالك، وحال أهل هذا الزمان؛ أخذوا دينهم عن آبائهم، ودانوا بالعرف، والعادة، وما جاز عند أهل الزمان، والمكان، دانوا به، وما لا، فلا. فأنت وذاك، وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفت لما تضمنت أركان الإسلام، من العلم والعمل، خصوصا الشهادتان، من النفي، والإثبات، وذلك ثابت من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ . قيل: إن أول آية نزلت، قوله تعالى، بعد ﴿اقْرَأْ﴾ [سورة آية: ١] : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة آية: ١-٢] . قف عندها، ثم قف، ثم قف، ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس، من أصل الأصول ; وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ الآية
следующие страницы →