← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الأُولَى﴾ أو حجة قريش ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [سورة ص آية: ٧] الآية. [المنتسب إلى الإسلام قد يمرق] وقال الشيخ ﵀، في "الرسالة السنية"، لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام، من مرق منه مع عبادته العظيمة، حتى أمر ﷺ بقتالهم. فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام والسنة، قد يمرق أيضا من الإسلام في هذه الأزمان، وذلك بأسباب; منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٧] وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس، كان مذهبه: أن يقتلوا بالسيف بلا تحريف، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا

стр. 4132

شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده لا شريك له، لا يجعل معه إله آخر; والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا معتقدين أنها تخلق الخلائق، أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبعث الله رسوله ﷺ ينهى أن يدعى أحد من دونة، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة. [عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين] ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات، ثم قال: وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وكان ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له

стр. 4133

رجل: ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده "، ونهى عن الحلف بغير الله، فقال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشر ك " ١ وقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢ يحذر ما صنعوا; وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "، وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٣. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأنه من أكبر أسباب عبادة الأوثان، وتعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء، على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين، ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] الآية. ولهذا كانت كلمة التوحيد، أفضل الكلام، وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٤ والإله هو الذي تألهه القلوب، عبادة

стр. 4134

له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية، وإجلالا، انتهى كلامه ﵀. فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان; وتأمل كلامه في اللات والعزّى ومناة، وما ذكر بعده، يتبين لك الأمر، إن شاء الله تعالى. [أنواع الشرك] وقال ابن القيم ﵀ في "شرح المنازل"، في باب التوبة: وأما الشرك: فهو نوعان، أكبر وأصغر; فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله؛ بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون إذا انتقص معبودهم من المشائخ، أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه، إن قام وإن قعد، وأن عثر وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون، بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ

стр. 4135

دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . الآية. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له. ثم ذكر الشيخ ﵀، فصلا طويلا، في تقرير هذا الشرك الأكبر، ولكن تأمل قوله: وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره; يتبين لك بطلان الشبهة، التي أدلى بها الملحد، وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر هذا الفصل، أعني الفصل الأول، في الشرك الأكبر، الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] إلى قوله: ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وتكلم عليها ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب، ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ".

стр. 4136

وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي، يرى ذلك عيانا، فالله المستعان. فصل: وأما الشرك الأصغر، فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقوله: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا؛ وقد يكون هذا شركا أكبر، بحسب حال قائله ومقصده. ثم قال الشيخ ﵀ بعد ذكر الشرك الأكبر والأصغر -: ومن أنواع هذا الشرك: السجود للشيخ، ومن أنواعه: التوبة للشيخ، فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه: النذر لغير الله والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره. ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا

стр. 4137

لمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. والميت محتاج إلى من يدعو له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقص الأموات؛ وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم. ولله در خليله إبراهيم، حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥] ، وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، انتهى كلامه. والمراد بهذا: أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن

стр. 4138

هذا شرك أصغر، وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني، الذي ذكر في أوله الأصغر، وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره، في الفصل الأول، والثاني، صريحا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة: منها: أن دعاء الموتى، والنذر لهم، ليشفعوا له عند الله، هو الشرك الأكبر، الذي بعث النبي ﷺ بالنهي عنه، فكفر من لم يتب منه، وقاتله وعاداه. وآخر ما صرح به، قوله آنفا: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلى آخره، فهل بعد هذا البيان بيان، إلا العناد، بل الإلحاد؟ ولكن تأمل قوله أرشدك الله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من عادى المشركين إلى آخره، وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك الأكبر، وإن لم يعادهم فهو منهم، وإن لم يفعله. وقد ذكر في "الإقناع"، عن الشيخ تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر، فإذا كان هذا حال من شك في كفره، مع عداوته له ومقته، فكيف بمن يعتقد أنه مسلم، ولم يعاده؟ فكيف بمن أحبه؟ فكيف بمن جادل عنه وعن طريقته؟ وتعذر أنا لا نقدر على التجارة وطلب الرزق إلا بذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [سورة القصص آية: ٥٧] . فإذا كان هذا قول الله تعالى، فيمن تعذر عن التبين بالعمل بالتوحيد، ومعاداة المشركين بالخوف على أهله

стр. 4139

وعياله، فكيف بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة، ولكن الأمر كما تقدم عن عمر: " إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية " فلهذا لم يفهم معنى القرآن، وأنه أشر وأفسد من الذين قالوا: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [سورة القصص آية: ٥٧] الآية. ومع هذا فالكلام الذي يظهرونه نفاق، وإلا فهم يعتقدون أن أهل التوحيد ضالون مضلون، وأن عبدة الأوثان أهل الحق، والصواب كما صرح به إمامهم في الرسالة التي أتتكم قبل هذه، خطه بيده، يقول: بيني وبينكم أهل الأقطار، وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم كذا وكذا؛ فإذا كان يريد التحاكم إليهم، ويصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فكيف أيضا يصفهم بالشرك، ومخالطتهم للحاجة! وما أحسن قول أصدق القائلين: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٧] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق آية: ٥] . فرحم الله امرأ نظر في نفسه، وتفكر فيما جاء به محمد ﷺ من عند الله، من معاداة من أشرك بالله، من قريب أو بعيد، وتكفيرهم، وقتالهم، حتى يكون الدين كله لله، وعلم ما حكم به محمد ﷺ فيمن أشرك بالله، مع ادعائه الإسلام، وما حكم في ذلك الخلفاء الراشدون، كعلي بن أبي طالب ﵁ وغيره، لما حرقهم بالنار، مع أن

стр. 4140

غيرهم من أهل الأوثان، الذين لم يدخلوا في الإسلام، لا يقتلون بالتحريف، والله الموفق. وقال أبو العباس ابن تيمية، في الرد على المتكلمين، لما ذكر بعض أحوال أئمتهم، قال: وكل شرك في العالم، إنما حدث برأي جنسهم؛ فهم الآمرون بالشرك، والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك، فلم ينه عنه، بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحا ما، فقد يرجح غيره المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعا، فتدبر هذا، فإنه نافع جدا. ولهذا كان رؤساؤهم المتقدمون والمتأخرون، يأمرون بالشرك، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام، لا ينهون عن الشرك، ويوجبون التوحيد، بل يسوغون الشرك، أو يأمرون به، أو لا يوجبون التوحيد، وقد رأيت من مصنفاتهم، في عبادة الملائكة، وعبادة الأنفس المفارقة، وأنفس الأنبياء، وغيرهم، ما هو أصل الشرك، وهم إذا ادعوا التوحيد، إنما توحيدهم بالقول، لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل، لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه، فلو كانوا موحدين بالقول والكلام، لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة، بل لا بد من أن يعبدوا الله وحده، ويتخذوه إلها دون ما سواه،

стр. 4141

وهذا معنى قول لا إله إلا الله; انتهى كلام الشيخ. فتأمل رحمك الله هذا الكلام، فإنه مثل ما قال الشيخ فيه، نافع جدا، ومن أكبر ما فيه من الفوائد: أنه يبين لك حال من أقر بهذا الدين، وشهد أنه الحق، وأن الشرك هو الباطل، وقال بلسانه ما أريد منه، ولكن لا يدين بذلك، إما بغضا له أو عدم محبته، كما هي حال المنافقين الذين بين أظهرنا. وأما إيثار الدنيا، مثل تجارة أو غيرها، فيدخلون في الإسلام، ثم يخرجون منه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٧] . فإذا قال هؤلاء بألسنتهم: نشهد أن هذا دين الله ورسوله، وأن المخالف له باطل، وأنه الشرك بالله، غر هذا الكلام ضعيف البصيرة. وأعظم من هذا وأطم: أن أهل حريملا ومن والاهم، يصرحون بمسبة الدين، وأن الحق ما عليه أكثر الناس، ويستدلون بالكثرة على حسن ما هم عليه من الدين، ويفعلون ويقولون ما هو من أكبر الردة وأفحشها. فإذا قالوا: التوحيد حق، والشرك باطل، وأيضا لم يحدثوا في بلدهم أوثانا، جادل الملحد عنهم، وقال: إنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق، ولا يضرهم،

стр. 4142

عنده ما هم عليه، من السب لدين الله، وبغي العوج له، ومدح الشرك، وذبهم دونه بالمال واليد واللسان، فالله المستعان. [كفر مانعي الزكاة] وقال أبو العباس أيضا - في الكلام على كفر مانعي الزكاة -: والصحابة لم يقولوا: أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قد قال الصديق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها " فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقد روى: أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق ﵁ عندهم: أن ثبته الله عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، انتهى. فتأمل كلامه في تكفير المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار، وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين، عدم تكفير المعين. قال ﵀ بعد ذلك: وكفر هؤلاء، وإدخالهم في

стр. 4143

أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة، المستند إلى نصوص الكتاب والسنة; انتهى كلامه. ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال، عمن قصده اتباع الحق: إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام، على من ادعى أنه من المسلمين، فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام، على هذا النوع، أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الواقعات، التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا. وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال الطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، فإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى، انتهى كلامه، والمراد منه قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع. وقال أيضا في كتاب "الفنون": لقد عظم الله الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، فمن قدم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى عن نفسك،

стр. 4144

بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره، وتوقر أوامره وزواجره، وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع يد مسلم في سرقته. وأسقط شطر الصلاة في السفر لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل، إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدا لرمقك، وحفظا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك. أيحسن لك مع هذا الإكرام، أن يراك على ما نهاك عنه منهمكا، ولما أمرك تاركا، وعلى ما زجرك مرتكبا، وعن داعيه معرضا، ولداعي عدوه فيك مطيعا؟ يعظ وهو هو; وتهمل أمره، وأنت أنت; حط رتبة عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لأبيك. هل عاديت خادما طالت خدمته لك، لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للإخلال بفرض، أو لارتكاب نهي؟ فإن لم تعترف اعتراف العبد للموالي، فلا أقل من أن تقتضي نفسك للخالق سبحانه، اقتضاء المكافي المساوي; ما أفحش تلاعب الشيطان بالإنسان! بينا هو بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات، إلى أن يوجد ساجدا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفر، ما

стр. 4145

أوحش زوال النعم، وتغير الأحوال، والحور بعد الكور! لا يليق بهذا الحي الكريم، الفاضل على جميع الحيوانات، أن يرى إلا عابدا لله في دار التكليف، أو مجاورا لله في دار الجزاء والتشريف؛ وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها، انتهى كلامه. والمراد منه: أنه جعل أقبح حال وأفحشها من أحوال الإنسان، أن يشرك بالله، ومثله بأنواع، منها: السجود للشمس أو للقمر، ومنها: السجود لصورة، كما يسجد للصور التي في القباب على القبور، والسجود قد يكون بالجبهة على الأرض، وقد يكون بالانحناء من غير وصول إلى الأرض، كما فسر به قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس: (أي: ركعا) . [إنكار تعظيم القبور] وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان"، في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين، إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا، سماه: "مناسك المشاهد"، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام; انتهى، وهذا الذي ذكره ابن القيم، رجل من المصنفين، يقال له ابن المفيد، فقد رأيت ما قال فيه بعينه، فكيف ينكر تكفير المعين؟! وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير، فنذكر منه قليلا من كثير، أما كلام الحنفية، فكلامهم في هذا من أغلظ

стр. 4146

الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين، إذا قال: مصيحف، أو مسيجد، أو صلى صلاة بلا وضوء، ونحو ذلك. وقال في "النهر الفائق": واعلم: أن الشيخ قاسما، قال في "شرح درر البحار": إن النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، فلك من الذهب والفضة، أو الشمع أو الزيت، كذا، باطل إجماعا، لوجوه، إلى أن قال: ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر، إلى أن قال - وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد أحمد البدوي، انتهى كلامه; فانظر إلى تصريحه أن هذا كفر، مع قوله أنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته. وقال القرطبي ﵀، لما ذكر سماع الفقراء وصورته، قال: هذا حرام بالإجماع، وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام، جمال الملة: أن مستحل هذا كافر; ولما علم أن حرمته بالإجماع، لزم أن يكفر مستحله، فقد رأيت كلام القرطبي، وكلام الشيخ الذي نقل عنه، في كفر من استحل السماع والرقص، مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير كثير. وقال أبو العباس، رحمه الله تعالى: حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري، إمام الحنفية في

стр. 4147

زمنه، قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرا ذكيا، فهذا إمام الحنفية في زمنه، حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا، وهو رجل معين مصنف، يتظاهر بالإسلام. وأما كلام المالكية في هذا: فهو أكثر من أن يحصر، وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى، والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس; وقد ذكر القاضي عياض - في آخر كتاب الشفاء - من ذلك طرفا، ومما ذكر: أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه، بما لا نسبة بينه وبينه. وأما كلام الشافعية: فقال "صاحب الروض"، ﵀: إذا ذبح للنبي ﷺ كفر، وقال أيضا: من شك في كفر طائفة ابن عربي، فهو كافر، وكان هذا دون ما نحن فيه. [دعاء غير الله] وقال ابن حجر: في "شرح الأربعين"، على حديث ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله) ، ما معناه: أن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابا مستقلا سماه "الإعلام بقواطع الإسلام" ذكر فيه أنواعا كثيرة، من الأقوال والأفعال، كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام، ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي عشر معشار ما نحن فيه.

стр. 4148

وتمام الكلام في هذا، أن يقال: الكلام هنا في مسألتين: الأولى: أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين، ومع كثير من الأحياء والأموات والجن، من التوجه إليهم، ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر، الذي فعله قوم نوح ومن بعدهم، إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم، فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب ينكر عليهم ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله؟ أم هذا شرك أصغر؟ وشرك المتقدمين نوع غير هذا؟ فاعلم: أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه، بسبب أن علماء المشركين اليوم، يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل، وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك، واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة. وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي ﷺ ، وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم في "المدارج"، كما تقدم، وتارة لا يذكرون شيئا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند

стр. 4149

التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة. وجواب هؤلاء كثير، في الكتاب والسنة، والإجماع; ومن أصرح ما يجابون به: إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر; وأيضا: إقرار غيرهم من علماء الأقطار، من أن أكثرهم قد دخل في الشرك، وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدا من الإقرار به لوضوحه. المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر، ولكن لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول، والقرآن، واتبع يهودية، أو نصرانية، أو غيرهما، وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات، وإلا المسألة الأولى قل الجدال فيها - ولله الحمد - لما وقع من إقرار علماء المشركين بها. فاعلم: أن تصور هذه المسألة تصورا حسنا، يكفي في إبطالها من غير دليل خاص، لوجهين: الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام، لا تأثير لها في التكفير، لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن، فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان، كاليهود. فإذا كان من انتسب إلى الإسلام، لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر، لأنه مسلم بقول: لا إله إلا الله، ويصلي،

стр. 4150

ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، والعمى والعرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر؛ وهذه فضيحة عظيمة، كافية في رد هذا القول الفظيع. الوجه الثاني: أن معصية الرسول ﷺ في الشرك وعبادة الأوثان، بعد بلوغ العلم، كفر صريح بالفطر والعقول، والعلوم الضرورية؛ فلا يتصور أنك تقول لرجل، ولو من أجهل الناس، وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول ﷺ ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك، ممن يدعي أنه مسلم متبع؟ إلا ويبادر بالفطرة الضرورية، إلى القول: بأن هذا كافر، من غير نظر في الأدلة، أو سؤال أحد من العلماء. ولكن لغلبة الجهل، وغرابة العلم، وكثرة من يتكلم في هذه المسألة، من الملحدين، اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين، الذين يحبون الحق، فلا تحقرها، وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية، لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت، ويجعلك أيضا من الأئمة الذين يهدون بأمره. فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها، ويزيد المؤمن يقينا، ما جرى من النبي ﷺ وأصحابه والعلماء بعدهم،

стр. 4151

فيمن انتسب إلى الإسلام، كما ذكر أنه ﷺ بعث البراء معه الراية، إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله، ويأخذ ماله; ومثل، همه بغزو بني المصطلق، لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، ومثل: قتال الصديق والصحابة، لمانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، وتسميتهم مرتدين، ومثل: إجماع الصحابة في زمن عمر، على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا، لما فهموا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٣] حل الخمر لبعض الخواص. ومثل: إجماع الصحابة ﵃ في زمن عثمان على تكفير أهل المسجد، الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة الكذاب، مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم، ومثل: تحريق علي ﵁ أصحابه، لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين، مع بقية الصحابة، على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطلب دم الحسين وأهل البيت. ومثل: إجماع التابعين ومن بعدهم، على قتل الجعد بن درهم، وهو مشتهر بالعلم والدين؛ وهلم جرا من وقائع لا تعد ولا تحصى، ولم يقل أحد من الأولين والآخرين، لأبي بكر الصديق أو غيره، كيف تقاتل بني

стр. 4152

حنيفة، وهم يقولون: لا إله إلا الله، ويصلون ويزكون؟ وكذلك: لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه، لو لم يتوبوا، وهلم جرا، إلى زمن بني عبيد، الذين ملكوا المغرب، ومصر، والشام وغيرها، مع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة والجماعة، ونصب القضاة والمفتين، لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا، لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم، ولم يتوقف فيه، وهم في زمن ابن الجوزي والموفق، وصنف ابن الجوزي كتابا لما أخذت مصر منهم، سماه "النصر على مصر"، ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين، أن أحدا أنكر شيئا من ذلك أو استشكله، لأجل ادعائهم الملة، ولأجل قول لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعنا من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان، مع إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله أو حسنه، أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله، أنه لا يكفر، لأنه يقول: لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة، ويستدلون بأن النبي ﷺ سماها الإسلام. هذا لم يسمع قط، إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم، أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق، فليذكروه؛

стр. 4153

ولكن الأمر، كما قال اليمني في قصيدته: أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوى فليسا إن رجعت إلى النقد ولنختم الكلام في هذا النوع، بما ذكره البخاري في صحيحه، حيث قال: باب يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان ثم ذكر بإسناده: قوله ﷺ " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة " ١ وذو الخلصة: صنم لدوس يعبدونه، فقال ﷺ لجرير بن عبد الله: " ألا تريحني من ذي الخلصة "٢، فركب إليه بمن معه، فأحرقه وهدمه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، قال فبَرّك على خيل أحمس، ورجالها خمسا. وعادة البخاري ﵀، إذا لم يكن الحديث على شرطه، ذكره في الترجمة، ثم أتى بما يدل على معناه، مما هو على شرطه، ولفظ الترجمة، وهو قوله: " يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان " لفظ حديث أخرجه غيره من الأئمة; والله أعلم. ولنذكر من كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ وكلام أئمة العلم، جملا في جهاد القلب واللسان، ومعاداة أعداء الله، وموالاة أوليائه، وأن الدين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك، فنقول: باب وجوب عداوة أعداء الله، من الكفار والمرتدين والمنافقين، وقول الله

стр. 4154

تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] إلى قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية. وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح: أخبرني غير واحد، أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم يا أخي، أن ما حملني على الكتاب إليك، إلا ما ذكر أهل بلدك، من صالح ما أعطاك الله، من إنصافك الناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بيدك، وصاروا ببدعتهم مستترين. فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك، من الصلاة والصيام، والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال، من إقامة كتاب الله، وإحياء سنة رسوله صلى الله عليه وسلم

стр. 4155

وقد قال رسول الله ﷺ " من أحيا شيئا من سنتي، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين "، وضم بين أصبعيه، وقال: " أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه، كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة "١. فمن يدرك أجر هذا بشيء من عمله؟ واذكر أيضا: أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام، وليا لله يذب عنها، وينطق بعلامتها؛ فاغتنم يا أخي هذا الفضل، وكن من أهله، فإن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، وأوصاه، وقال: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من كذا وكذا "، وأعظم القول فيه. فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة، حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة، يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة، كما جاء في الأثر. فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع، المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك ﷺ ، فإنك لن تلقى الله بعمل شبهه؛ وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب، فإنه جاء في الأثر " من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة، مشى في هدم الإسلام"، وجاء: " ما من إله يعبد من دون الله، أبغض إلى الله، من صاحب هوى ".

стр. 4156

[البدع وما تجر إليه] وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا، ولا فريضة ولا تطوعا، وكلما زادوا اجتهادا وصوما وصلاة، ازدادوا من الله بعدا، فارفض مجالسهم، وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله، وأذلهم رسول الله ﷺ وأئمة الهدى بعده، انتهى كلام أسد ﵀. واعلم رحمك الله: أن كلامه، وما يأتي من كلام أمثاله من السلف، في معاداة أهل البدع والضلالة، ضلالة لا تخرج عن الملة، لكنهم شددوا في ذلك، وحذروا منه لأمرين. الأمر الأول: غلظ البدعة في الدين، في نفسها، فهي عندهم أجل من الكبائر، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون به أهل الكبائر، كما تجد قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم، ولو كان عالما عابدا، أبغض وأشد ذنبا من السني المجاهر بالكبائر. الأمر الثاني: أن البدع تجر إلى الردة الصريحة، كما وجد من كثير من أهل البدع؛ فمثال البدعة التي شدودا فيها، مثل تشديد النبي ﷺ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، خوفا مما وقع من الشرك الصريح، الذي يصير به المسلم مرتدا، فمن فهم هذا، فهم الفرق بين البدع، وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة، ومجاهدة أهلها، أو النفاق الأكبر ومجاهدة أهله.

стр. 4157

وهذا هو الذي نزلت فيه الآيات المحكمات، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] الآية وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣-٧٤] . قال ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها" بعد حديث ذكره، أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الضلالة، قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال؛ وهذا الذي نحن فيه فتنة ضلالة، لا يحل فيها السبي ولا الأموال. قال ﵀ أيضا: أخبرنا أسد، أخبرنا رجل، عن ابن المبارك، قال: قال ابن مسعود، ﵁ " إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام، وليا من أوليائه، يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا "، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف، قال: " لأن أرد رجلا عن رأي سيئ، أحب إلي من اعتكافي شهرا ". أخبرنا أسد، عن أبي إسحاق الحذاء، عن الأوزاعي،

стр. 4158

قال: " كان بعض أهل العلم يقولون، لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة، ولا صياما ولا صدقة، ولا جهادا، ولا حجا ولا عمرة، ولا صرفا ولا عدلا، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم ". قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك سترا عليهم، ولا يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها، وبالتوبة عليها، فأما إذا جاهروا، فنشر العلم حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة، يعتصم بها على مصر ملحد. ثم روى بإسناده، قال: " جاء رجل إلى حذيفة، وأبو موسى الأشعري قاعد، فقال: أرأيت رجلا ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل، أفي الجنه أم في النار؟ فقال: أبو موسى في الجنة; فقال حذيفة: استفهم الرجل، وأفهمه ما تقول، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فلما كان في الثالثة، قال والله لا أستفهمه، فدعا به حذيفة، فقال: رويدك، إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع، فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق، فهو في النار; ثم قال: والذي نفسي بيده، ليدخلن النار في مثل هذا الذي سألت عنه، أكثر من كذا وكذا ". ثم ذكر بإسناده عن الحسن، قال: " لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك"، ثم ذكر بإسناده عن سفيان

стр. 4159

الثوري، قال: " من جالس صاحب بدعة، لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموا، وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه ". ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف، قال: " من أتى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام ". أخبرنا أسد، قال حدثنا كثير أبو سعيد، قال: " من جلس إلى صاحب بدعة، نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه ". أخبرنا أسد بن موسى، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال أبو قلابة: " لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإنى لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم ما تعرفون"، قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب. أخبرنا أسد بن موسى، أخبرنا زيد، عن محمد بن طلحة، قال: قال إبراهيم: " لا تجالسوا أصحاب البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم". أخبرنا أسد، بالإسناد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " ١. أخبرنا أسد، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن

стр. 4160

زيد، عن أيوب، قال: " دخل على محمد بن سيرين يوما رجل، فقال: يا أبا بكر، أقرأ عليك آية من كتاب الله، لا أزيد على أن أقراها، ثم أخرج. فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم قال: أحرج عليك إن كنت مسلما، لما خرجت من بيتي; قال: فقال: يا أبا بكر، لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج; قال: فقال بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام. قال: فأقبلنا على الرجل، فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته؟ قال: فخرج. فقلنا: يا أبا بكر، ما عليك لو قرأ آية ثم خرج; قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه، ما باليت أن يقرأ، ولكني خفت أن يلقي في قلبي شيئا، أجهد أن أخرجه من قلبي، فلا أستطيع". أخبرنا أسد، أخبرنا ضمرة عن سودة، قال: سمعت عبد الله بن القاسم، وهو يقول: "ما كان عبد على هوى فتركه، إلا إلى ما هو أشر منه"، قال: فذكرت هذا لبعض أصحابنا، فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ " يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، ثم لايرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه " ١. أخبرنا أسد، قال أخبرنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كان عندنا رجل يرى رأيا

стр. 4161

فرجع عنه، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: "انظروا إلى ماذا تحول، إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون إليه ". ثم روى بإسناده عن حذيفة: أنه " أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفا من تراب، فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده، ليجيئين أقوام يدفنون هذا الدين، كما دفنت هذه الحصاة ". أخبرنا: محمد بن سعيد، بإسناده عن أبي الدرداء قال: " لو خرج رسول الله ﷺ اليوم إليكم، ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه، إلا الصلاة" قال الأوزاعي، فكيف لو كان اليوم؟ قال: عيسى - يعني: الراوي عن الأوزاعي: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ وأخبرنا: محمد بن سليمان، بإسناده عن علي ﵁ قال: " تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان، ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم". أخبرنا يحيى بن يحيى، بإسناده عن أبي سهيل ابن مالك، عن أبيه، أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة ". حدثني إبراهيم بن محمد، بإسناده عن أنس رضي الله

стр. 4162

عنه، قال: " ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ ليس قولكم لا إله إلا الله " أخبر أسد، بإسناده عن الحسن، قال: " لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم، ما عرف من الإسلام شيئا. قال: ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرى، ولم يدرك هذا السلف الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرا عظيما؛ فكذلك كونوا إن شاء الله ". وحدثني: عبد الله بن محمد، بإسناده عن ميمون بن مهران، قال: " لو أن رجلا نشر فيكم من السلف، ما عرف فيكم غير هذه القبلة " أخبرنا: محمد بن قدامة، بإسناده عن أم الدرداء، قالت: " دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ﷺ شيئا، إلا أنهم يصلون جميعا " وفي لفظ: " لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمله، ثم تفقده ما عرف منه شيئا ". حدثني إبراهيم، باسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: " لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة، خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية، لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئا

стр. 4163

مما كانا عليه " قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة ﵁ تلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال: " والذي نفس بيده: إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا، كما دخلوا فيه أفواجا". قف تأمل! رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين، بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو يشكل عليه، ولا يستدل بها على الباطل. ثم روى ابن وضاح، بإسناده عن أبي أمية، قال: "أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع أمر العوام; فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون مثل عمله. قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم ". ثم روى بإسناده، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله

стр. 4164

عنهما: أن النبي ﷺ قال: " طوبى للغرباء، ثلاثا. قالوا: يا رسول الله، وما الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل، في أناس كثير؛ من يبغضهم أكثر ممن يحبهم "١. أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده، عن المعافري، قال: قال رسول الله ﷺ : " طوبى للغرباء، الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر، ويعملون بالسنة حين تطفأ ". أخبرنا أسد، بإسناده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: " بدأ الإسلام غريبا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا؛ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس، ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس "٢. أخبرنا أسد بإسناده، عن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوباء للغرباء. قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس "٣. هذا آخر ما نقلته من كتاب "البدع والنهي عنها" للإمام الحافظ محمد بن وضاح ﵀. فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة، وبعضها في الصحيح، مع كثرتها وشهرتها; وتأمل إجماع العلماء كلهم، أن هذا قد وقع في زمن طويل، حتى قال ابن القيم: الإسلام في زماننا أغرب منه في ظهوره؛ فتأمل هذا تأملا جيدا، لعلك أن تسلم من الهوة الكبيرة، التي هلك فيها أكثر الناس، وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر، والنفرة من

стр. 4165

الأقل، فما أقل من سلم منها، ما أقله! ما أقله! ما أقله! ولنختم ذلك بالحديث الصحيح، الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره "١، وفي رواية: " يهتدون بهديه، ويستنون بسنته. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". انتهى ما نقلته، والحمد لله رب العالمين. [رسالة الشيخ تقي الدين وهو في السجن] وقد رأيت للشيخ تقي الدين، رسالة كتبها وهو في السجن، إلى بعض إخوانه، لما أرسلوا إليه، يشيرون عليه بالرفق بخصومه، ليتخلص من السجن؛ أحببت أن أنقل أولها، لعظم منفعته. قال رحمه الله تعالى: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا; وصلى الله على

стр. 4166

محمد، وعلى آله وصحيه، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد وصلت الورقة، التي فيها رسالة الشيخين، الناسكين، القدوتين، أيدهما الله، وسائر الإخوان، بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعل لهم من لدنه ما ينصر به من السلطان، سلطان العلم والحجة، بالبيان والبرهان، وسلطان القدوة والنصرة، باللسان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهما من الأقران، ومن الأئمة الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك، ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن. لكن بما اقتضته حكمته، ومضت به سنته، من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان، من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل الكتاب على أنه لا بد من الفتنة، لكل من ادعى الإيمان، والعقوبة لذوي الإساءة والطغيان، فقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٣] . فأنكر سبحانه على من ظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب

стр. 4167

الغالب، أو أن مدعي الإيمان، يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب. وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥] الآية. وأخبر سبحانه: بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله على حرف، وهو الجانب والطرف، الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان، إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [سورة الحج آية: ١١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣١] . وأخبر سبحانه: أنه عند وجود المرتدين، فلا بد من وجود المحبين، المحبوبين المجاهدين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية:

стр. 4168

٥٤] . وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٤] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإذا أنعم الله على إنسان بالصبر والشكر، كان جميع ما يقضي له من القضاء خيرا له، كما قال النبي ﷺ : " لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له "١. والصابر الشكور، هو المؤمن الذي ذكر الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر، فهو بشر حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه، يفضي به إلى قبيح المآل. فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة، التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وبها تثبت أصول الدين، وحفظ الإيمان، والقرآن، من كيد أهل النفاق، والإلحاد والبهتان؛ فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. والله المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين، بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم عليكم نعمه

стр. 4169

الظاهرة والباطنة، وينصر دينه وكتابه ورسوله، وعباده المؤمنين، على الكافرين، والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم، والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى ما نقلته من كلام أبي العباس، ﵀. [حكم أكل الحشيشة] ومن جواب له ﵀، لما سئل عن الحشيشة ما يجب على من يدعي أن أكلها جائز؟ فقال: أكل هذه الحشيشة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، سواء أكل منها كثيرا أو قليلا، لكن الكثير المسكر منها، حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك فهو كافر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا، لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن بين المسلمين; وحكم المرتد أشر من اليهود والنصارى، سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة، أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الذكر والفكر، وأنها تحرك العزم الساكن، وتنفع في الطريق. وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر يباح للخاصة، متأولا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [سورة المائدة آية: ٩٣] الآية، فاتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة، ﵃، على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا، انتهى ما نقلته من كلام الشيخ. فتأمل: كلام هذا الذي ينسب عنه عدم تكفير المعين،

стр. 4170

إذا جاهر بسب دين الأنبياء، وصار مع أهل الشرك ويزعم أنهم على الحق، ويأمر بالمصير معهم، وينكر على من لا يسب التوحيد، ويدخل مع المشركين، لأجل انتسابه إلى الإسلام؟ انظر كيف كفر المعين، ولو كان عابدا باستحلال الحشيشة، ولو زعم حلها للخاصة، الذين تعينهم على الفكرة. واستدل بإجماع الصحابة، على تكفير قدامة وأصحابه إن لم يتوبوا، وكلامه في المعين، وكلام الصحابة في المعين؛ فكيف بما نحن فيه، مما لا يساوي استحلال الحشيشة، جزءاً من ألف جزء منه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. آخر الجزء التاسع ويلبه الجزء العاشر، وهو بقية كتاب حكم المرتد.
следующие страницы →