← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

بالكرامة، فاجعلوا له طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه، فلما هلك أقام بنوه أمره، لا نزاع بينهم. ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك، فتفرقت قريش، بعضهم معهم، وبعضهم مع بني عبد الدار، فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس، لأنه أسنهم، وصاحب بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفا مؤكدا؛ فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فغمسوا أيديهم فيها، فمسحوا بها الكعبة، فسموا المطيبين، وتعاقد بنو عبد الدار، وحلفاؤهم، فسموا الأحلاف. ثم تداعوا إلى الصلح، على أن لبني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار؛ فرضوا، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام، فقال النبي ﷺ : " كل حلف في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة " ١. [قصة حلف الفضول وأمر الحمس] وأما حلف الفضول، فاجتمعوا له في دار ابن جدعان لشرفه وسنه، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، تعاهدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو ممن دخلها إلا قاموا

стр. 4097

معه، حتى يردوا إليه مظلمته، فقال الزبير بن عبد المطلب عند ذلك شعرا: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... أن لا يقيم ببطن مكة ظال أمر عليه تحالفوا وتعاقدوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف، لأن عبد شمس كان سفارا، قل ما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وكان هو أول من سن الرحلتين، وأول من أطعم الثريد بمكة، فقال بعضهم فيه كلاما منه: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف ولما مات، ولي ذلك عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان ذا شرف فيهم، يسمونه الفياض لسماحته؛ وكان هاشم قدم المدينة، فتزوج سلمى بنت عمرو، من بني النجار، فولدت له عبد المطلب، فلما ترعرع، خرج إليه المطلب ليأتي به، فأبت أمه، فقال: إنه يلي ملك أبيه، فأذنت له. فرحل به وسلم إليه ملك أبيه، فولي عبد المطلب ما كان من آبائه، وأحبوه وعظم خطره فيهم. ثم ذكر قصة حفر زمزم، وما فيها من العجائب، ثم ذكر نذره ذبح ولده، وما جرى فيها من العجائب، ثم ذكر الآيات التي لرسول الله ﷺ قبل ولادته وبعدها، وما جرى له وقت رضاعه، وبعد ذلك ذكر كفالة أمه له، ثم ذكر كفالة جده، ثم ذكر كفالة أبي طالب، ثم ذكر قصة بحيرى الراهب، وغيرها من الآيات،

стр. 4098

ثم ذكر تزوجه خديجة، وما ذكر لها غلامها، وما ذكرته لورقة بن نوفل، وقوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا.... إلى آخرها. ثم ذكر حكمه ﷺ بين قريش عند بناء الكعبة من الحجر، وذكر قصة بنائها، وذكر أمر الحمس، قال: إن قريشا ابتدعته رأيا رأوه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرم وولاة البيت، فليس لأحد من العرب مثال حقنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، لئلا تستخف العرب بحرمتكم؛ فتركوا الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، مع معرفتهم أنها من المشاعر، ومن دين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا بها ويفيضوا منها، لأنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لنا أن نخرج منه، ونحن الحمس والحمس، أهل الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب أهل الحل، مثل ما لهم بولايتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم؛ فكانت كنانة وخزاعة دخلت معهم في ذلك. ثم ابتدعوا أمورا، فقالوا لا ينبغي للحمس أن يقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلون بيتا من شعر، ولا يستظلون في بيوت الأدم ما داموا حرما. [بدء الوحي] ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحرم أن يأكلوا من طعام، جاؤوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاؤوا به حجاجا أو

стр. 4099

عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم، إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا ما، طافوا بالبيت عراة، فإن لم يجد ثياب أحمس وطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ، ولم ينتفع بها ولا غيره، فكانت العرب تسميها "اللقى". فحملوا على ذلك العرب، فدانت به؛ أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع المرأة ثيابها كلها، إلا درعها مفرجا، ثم تطوف فيه، فقالت امرأة وهي تطوف: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام، فأنزل الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٩] وأنزل الله فيما حرموا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣١] إلى قوله: ﴿تعلمون﴾ وذكر حدوث الرجوم، وإنذار الكهان به ﷺ ، ونزول سورة الجن، وقصتهم. ثم ذكر إنذار اليهود به، وأنه سبب إسلام الأنصار، وما نزل في ذلك من القرآن، وقصة ابن الهيبان، وقوله: ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير، إلى أرض البؤس، والجوع، ثم ذكر قصة إسلام سلمان الفارسي، ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو.

стр. 4100

ثم ذكر وصية عيسى ﵇، باتباع محمد ﷺ ، وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به، والنصر له، وأن يؤدوه إلى قومهم، فأدوا ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] الآية. ثم ذكر بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ؛ والقصة في الصحيحين، وفيها: أن أول ما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [سورة العلق آية: ٢] إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق آية: ٥] ثم أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٥] فمن فهم: أن هذه أول آية أرسله الله بها، أمره سبحانه أن ينذر عن الشرك، الذي يعتقدون أنه عبادة تقرب إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات، وعرف أن قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها، عرف قدر الشرك عند الله، وقدر التوحيد. فلما أنذر استجاب له قليل، وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بسب دينهم وعيب آلهتهم، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه، وعذبوهم عذابا شديدا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن فهم هذا، عرف أن الإسلام لا يستقيم

стр. 4101

إلا بالعداوة لمن تركه وسب دينه، وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا. وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه، وقص الله سبحانه بعضه في كتابه. [قصة أبي طالب وقراءة سورة النجم] ومن أشهر ذلك: قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته، وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة وصبر عليها، ومع ذلك أنه مصدق له داع إلى دينه، محب لمن اتبعه معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دين آبائه، ويتعذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه، وإلا لولا ذلك لاتبعه. ولما مات، وأراد النبي ﷺ الاستغفار له، أنزل الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٣] فيا لها من عبرة ما أبينها! وما أبلغها من موعظة، وبيان ما أوضحه، لما يظن كثير من يدعي اتباع الحق، فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع، لأجل غرض من أغراض الدنيا. ومما وقع أيضا: قصته معهم لما قرأ سورة النجم بحضرتهم، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى، وظنوا أن النبي ﷺ قاله، ففرحوا بذلك فرحا

стр. 4102

شديدا، وتلقاه الصغير والكبير منهم، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتهم عنده، فإذا أقر بذلك فلا بيننا وبينه اختلاف. واستمر رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه. وشاع الخبر أنهم صافوه، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا في البحر راجعين، ظانين أن ذلك صدق، فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ خاف أن يكون قاله، فخاف من الله خوفا شديدا عظيما، حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [سورة الحج آية: ٥٢] إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [سورة الحج آية: ٥٥] فمن عرف هذه القصة، وعرف ما عليه المشركون اليوم، وما قاله علماؤهم، ولم يميز بين الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ وبين دين قريش، الذي أرسله الله ينذرهم عنه، وهو الشرك الأكبر، فأبعده الله. فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طبع الله على قلبه، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، كما قال الله تعالى في أهل الفهم، الذين لم يوفقوا ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا

стр. 4103

يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٦] . ثم لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين، أسلم الأنصار أهل المدينة، بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود، وذكرهم لهم النبي ﷺ وصفته، وأن هذا زمانه، وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء، الذين يتمنون ظهوره، ويتوعدونهم به، لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه، يكفرون به، ويعادونه؛ فهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] . فلما أسلم الأنصار، أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا إليها، وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة؛ فهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٦] . [الهجرة ووقوع بدر الكبرى] وفوائد الهجرة، والمسائل التي فيها كثيرة، لكن نذكر منها مسألة واحدة، وهي: أن أناسا من المسلمين لم يهاجروا، كراهة مفارقة الوطن، والأهل والأقارب؛ فهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ

стр. 4104

وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] . فلما خرجت قريش إلى بدر، خرجوا معهم كرها، فقتل بعضهم بالرمي، فلما علموا أن فلانا قتل، وفلانا قتل، وفلانا قتل، تأسفوا على ذلك، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات، فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر، أو فعلوا كفرا يرضون به قومهم، لم يتأسف الصحابة ﵃ على قتلهم، لأن الله بين لهم وهم بمكة، لما عذبوا بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] . فلو سمعوا عنهم كلاما، أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه، لم يقولوا: قتلنا إخواننا، ويوضحه قوله

стр. 4105

تعالى: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ولم يقولوا: كيف عقيدتكم؟ أو كيف فعلكم؟ بل قالوا: في أي الفريقين أنتم؟ فاعتذروا لهم: كنا مستضعفين في الأرض، فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا، بل ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] يوضحه إيضاحا تاما قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٨-٩٩] . فهذا في غاية الوضوح; فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة، فكيف بغيرهم؟ ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنبا. فإن فهمت ما أنزل الله فهما جيدا، وفهمت ما عند من يدعي الدين، تبين لك أمور: منها: أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم، فإن هذه وأمثالها لا تعرف إلا بالتنبيه، فإذا أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية، فكيف بغيرهم؟ ومنها: أن تعرف أن الإيمان ليس كما ظنه غالب الناس اليوم، بل كما قال الحسن البصري: " ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال". نسأل الله أن يرزقنا علما نافعا، وأن يعيذنا من علم لا ينفع. قال عمر بن عبد العزيز، ﵁: "يا بني، ليس

стр. 4106

الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير: أن تعقل عن الله، ثم تطيعه ". ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، واجتمع المهاجرون والأنصار، شرع الله لهم الجهاد، وقبل ذلك نهوا عنه و ﴿قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٧٧] فأنزل الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى، ﵃، فشكر الله لهم ذلك، ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوتهم. فمن الوقائع المشهورة، التي أنزل الله فيها القرآن: وقعة بدر، أنزل الله فيها سورة الأنفال، وبعدها وقعة بني قينقاع، ثم وقعة أحد بعد سنة، وفيها الآيات التي في آل عمران، وبعدها وقعة بني النضير، وفيها الآيات التي في سورة الحشر، ثم وقعة الخندق وبني قريظة، وفيها الآيات التي في سورة الأحزاب، ثم وقعة الحديبية، وفتح خيبر وأنزل الله فيها سورة الفتح، ثم فتح مكة ووقعة حنين، وأنزل الله فيها سورة النصر، وذكر حنين في براءة، ثم غزوة تبوك، وذكرها الله في سورة براءة. ولما دانت له العرب، ودخلوا في دين الله أفواجا،

стр. 4107

وابتدأ في قتال العجم، اختار الله له ما عنده، فتوفي رسول الله ﷺ بعدما أقام بالمدينة عشر سنين. فوقعت الردة المشهورة، وذلك أنه لما مات ﷺ ارتد غالب من أسلم، وحصلت فتنة عظيمة، ثبت الله فيها من ثبت، وأنعم الله عليه بالثبات بسبب أبي بكر الصديق ﵁. فإنه قام فيها قياما لم يدانه أحد من الصحابة، ذكرهم ما نسوا، وعلمهم ما جهلوا، وشجعهم لما جبنوا، فثبت الله به دين الإسلام، جعلنا الله من أتباعه، وأتباع أصحابه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه. [وقوع الردة] وصورة الردة: أن العرب افترقت في ردتها ; فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام، وقالوا: لو كان نبيا ما مات ; وفرقة قالوا: نؤمن بالله ولا نصلي ; وطائفة أقروا بالإسلام، وصلوا، ولكن منعوا الزكاة ; وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لكن صدقوا لمسيلمة أن النبي أشركه في النبوة ; وذلك أنه أقام شهودا شهدوا معه بذلك، وفيهم رجل من الصحابة معروف بالعلم والعبادة، يقال له "الرجّال" فصدقوه لما عرفوا فيه من العلم

стр. 4108

والعبادة، وفيه يقول بعضهم، أي بعض من ثبت منهم على دينه، وهو ابن عمرو اليشكري، كلاما، منه: يا سعاد الفؤاد بنت أثا ... طال ليلي بفتنة الرجال إنها يا سعاد من أحدث الدهـ ... ـر عليكم كفتنة الدجال فتن القوم بالشهادة والله ... عزيز ذو قوة ومحال وقوم من أهل اليمن صدقوا الأسود العنسي في دعوى النبوة وقوم صدقوا طليحة الأسدي. ولم يشك أحد من الصحابة، في كفر من ذكرنا، ووجوب قتالهم، إلا مانع الزكاة، لما عزم أبو بكر على قتالهم، قيل له: كيف تقاتلهم، وقد قال ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها " ١. قال أبو بكر: "الزكاة من حق لا إله إلا الله، والله لو منعوني عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه"، ثم زالت الشبهة عن الصحابة، وعرفوا أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، وعرفوا وجوب قتالهم، فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم، فقتلوا من قتلوا، وسبوا نساءهم وعيالهم. فمن أهم ما على المسلم اليوم: تأمل هذه القصة، التي جعلها الله من حججه على خلقه إلى يوم القيامة; فمن تأمل هذه تأملا جيدا، خصوصا إذا عرف أن الله شهرها على

стр. 4109

ألسنة العامة؛ وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر في ذلك، وجعلوا من أكبر فضائله وعلمه: أنه لم يتوقف عن قتالهم أول وهلة; وعرفوا غزارة فهمه في استدلاله عليهم، بالدليل الذي أشكل عليهم فرد عليهم بدليلهم بعينه، مع أن المسألة موضحة في القرآن والسنة. أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] . وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى " ١. فهذا كتاب الله الصريح للعامي البليد، وهذا كلام رسول الله ﷺ ، وهذا إجماع العلماء الذي ذكرت لك، فمن بعدهم تريد؟ فما بعد هذا إلا الضلال البعيد، أو تسويل كل شيطان مريد. والذي يعرفك هذا: معرفة ضده، وهو أن العلماء في زماننا، يقولون: من قال: لا إله إلا الله فهو المسلم، حرام المال والدم، لا يكفر، ولا يقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في البدو، الذين يكذبون بالبعث، وينكرون الشرائع كلها، ويزعمون أن شرعهم الباطل هو

стр. 4110

حق الله ; ولو يطلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله، لعدوه من أكبر المنكرات. ومن حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره، ويكفرون بدين الرسول كله، مع إقرارهم بذلك، وإقرارهم أن شرعهم أحدثه آباؤهم لهم، كفر بشرع الله؛ وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله، ويقولون: ما فيهم من الإسلام شعرة، لكن من قال: لا إله إلا الله، فهو المسلم، حرام المال والدم، ولو كان ما معه من الإسلام شعرة. وهذا القول، تلقته العامة عن علمائهم، وأنكروا ما بينه الله ورسوله، بل كفروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا: من كفر مسلما فقد كفر; والمسلم عندهم: الذي ليس معه من الإسلام شعرة، إلا أنه يقول لا إله إلا الله. فاعلم رحمك الله: أن هذه المسألة أهم الأشياء عليك، لأنها هي الكفر والإسلام؛ فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل الله على رسوله، كما ذكرنا لك من القرآن والسنة والإجماع، وإن صدقت الله ورسوله، عادوك وكفروك؛ وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول. فهذه المسألة، قد انتشرت في الأرض، مشرقها ومغربها، ولم يسلم منهم إلا القليل؛ فإن رجوت الجنة، وخفت النار، فاطلب هذه المسألة وحررها، ولا تقصر في

стр. 4111

طلبها، لأجل شدة الحاجة إليها، لأنها الإسلام والكفر، وقل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني شر نفسي، وفهمني عنك، وعلمني منك، وأعذني من مضلات الفتن ما أحييتني. وأكثر الدعاء بالذي صح عن رسول الله ﷺ أنه يدعو به في الصلاة، وهو " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". ونزيد هذه المسألة إيضاحا ودلائل، لشدة الحاجة إليها، فنقول: يتفطن العاقل لقصة واحدة، وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة؛ وهم الذين يعرفهم العامة من أهل الردة، وهم عند الناس من أقبح أهل الردة، وأعظمهم كفرا، وهم مع هذا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويؤذنون ويصلون. ومع هذا، فإن أكثرهم، يظنون أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، لأجل الشهود الذين معهم "الرجّال". والذي يعرف هذا ولا يشك فيه، يقول: من قال: لا إله إلا الله فهو المسلم، ولو لم يكن معه من الإسلام شعرة، بل تركه واستهزأ به متعمدا. فسبحان مقلب القلوب والأبصار كيف يشاء! كيف

стр. 4112

يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان أجهل الناس - أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا، مع أن حالهم ما ذكرنا، وأن البدو إسلام ولو تركوا الإسلام كله، وأنكروه واستهزؤوا به على عمد، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، لكن أشهد أن الله على كل شيء قدير. نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. الدليل الثاني: قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين، وهي: أن بقايا من بنى حنيفة، لما رجعوا إلى الإسلام، وتبرؤوا من مسيلمة، وأقروا بكذبه، كبر ذنبهم في أنفسهم، وتحملوا بأهليهم إلى الثغر، لأجل الجهاد في سبيل الله، لعل ذلك يمحو عنهم تلك الردة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٠] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [سورة طه آية: ٨٢] . فنَزلوا الكوفة، وصار لهم بها محلة معروفة، فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة، فمر بعض المسلمين على مسجدهم، ما بين المغرب والعشاء، فسمع منهم كلاما، معناه: أن مسيلمة على حق، وهم جماعة كثيرون؛ لكن الذي لم يقل لم ينكر على من قال، فرفعوا أمرهم إلى

стр. 4113

ابن مسعود، فجمع من عنده من الصحابة ﵃، واستشارهم: هل يقتلهم وإن تابوا؟ أو يستتيب؟ فأشار بعض بقتلهم من غير استتابة، وأشار بعضهم باستتابتهم. فاستتاب بعضهم، وقتل بعضهم ولم يستتبه، وقتل عالمهم ابن النواحة. فتأمل رحمك الله: إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا، لما تبرؤوا من الكفر، وعادوا إلى الإسلام، ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة، لكن سمعها بعض المسلمين، ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم كلهم، المتكلم والحاضر الذي لم ينكر، لكن اختلفوا: هل تقبل توبتهم أم لا؟ والقصة في صحيح البخاري. فأين هذا من كلام من يزعم أنه من العلماء، ويقول: البدو ما معهم من الإسلام شعرة، إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وحكم بإسلامهم بذلك؟ أين هذا مما أجمع عليه الصحابة فيمن قال تلك الكلمة، أو حضرها ولم ينكر؟ هيهات ما بين الفريقين، وبعد مسافة ما بين الطريقين: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب صم وبكم عن حقيقة دينهم ... ع عن القول المصيب الطيب قد أغرقوا في بحر شرك لجة ... في ظلمة فيها صواعق صيب

стр. 4114

ربنا إننا نعوذ بك أن نكون ممن قلت فيهم: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧] ولا ممن قلت فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٢] . الدليل الثالث: ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين، من قصة أصحاب علي ﵁ لما اعتقدوا فيه الإلهية - التي تعتقد اليوم في أناس من أكفر بني آدم، وأفسقهم - فدعاهم إلى التوبة فأبوا، فخد لهم الأخاديد، وملأها حطبا، وأضرم فيها النار، وقذفهم فيها وهم أحياء. ومعلوم: أن الكافر، مثل اليهودي والنصراني، إذا أمر الله بقتله، لا يجوز إحراقه بالنار. فاعلم: أنهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى، هذا وهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويقرؤون القرآن، آخذين له من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فلما غلوا في علي أنكر الغلو، وحرقهم بالنار وهم أحياء، وأجمع الصحابة والعلماء كلهم على كفرهم. فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة مع اعترافه بهذه القصة وأمثالها، واعترافه أن البدو كفروا بالإسلام كله، إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله؟ واعلم أن جناية هؤلاء على الإلهية، ولا علمنا فيهم جناية على النبوة،

стр. 4115

والذين قبلهم جنايتهم على النبوة، ولا علمنا لهم جناية على الإلهية ; وهذا مما يبين لك شيئا من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام. الدليل الرابع: ما وقع في زمن الصحابة، وهي قصة المختار بن أبي عبيد، وهو رجل من التابعين، مصاهر لعبد الله بن عمر، ومظهر للصلاح؛ فظهر في العراق، يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل ابن زياد ومال إليه من مال لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم. فاستولى على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة، والأئمة من أصحاب ابن مسعود، وكان هو الذي يصلي بالناس الجماعة والجمعة؛ لكن في آخر أمره، زعم أنه يوحى إليه. فسير عليه عبد الله بن الزبير جيشا، فهزم جيشه وقتلوه، وأمير الجيش مصعب بن الزبير، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت، فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها، فكتب إليه إن لم تبرأ منه فاقتلها، فامتنعت فقتلها مصعب. وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار، مع إقامته شعائر الإسلام، لما جنى على النبوة ; فإذا كان الصحابة قتلوا المرأة، التي هي من بنات الصحابة، لما امتنعت من تكفيره، فكيف بمن لم يكفر البدو، مع إقراره بحالهم؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام؟ من دعاهم إلى

стр. 4116

الإسلام أنه هو الكافر؟! يا ربنا نسألك العفو والعافية. الدليل الخامس: ما وقع في زمن التابعين، وذلك قصة الجعد بن درهم، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة، فلما جحد شيئا من صفات الله مع كونها مقالة خفية عند الأكثر، ضحى به خالد القسري يوم عيد الأضحى، فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله منكم ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. ثم نزل فذبحه، ولم نعلم أحدا من العلماء أنكر ذلك عليه، بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه، فقال: شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة، وأخذ العلم عن الصحابة، أجمعوا على استحسان قتله، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو؟. الدليل السادس: قصة بني عبيد القداح، فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي، من ذرية فاطمة، وتزيا بزي الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من أهل المغرب؛ وصار له دولة كبيرة في المغرب، ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين.

стр. 4117

لكن أظهروا أشياء من الشرك، ومخالفة الشرع، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم ; فأجمع أهل العلم على أنهم كفار، وأن دارهم دار حرب، مع إظهارهم شعائر الإسلام وشرائعه. وفي مصر من العلماء والعباد ناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوه، ومع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى إن بعض أكابر العلماء المعروفين بالصلاح، قال: لو أن معي عشرة أسهم، لرميت بواحد النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة في بني عبيد. ولما كان في زمن السلطان محمود بن زنكي، أرسل إليهم جيشا عظيما، فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم لأجل من فيها من الصالحين. فلما فتحها السلطان، فرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، وصنف ابن الجوزي كتابا في ذلك سماه "النصر على مصر"، وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم، مع ما ذكرنا من إظهار شرائع الإسلام الظاهرة. فانظر ما بين هذا، وبين ديننا الأول: البدو إسلام، مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من الإسلام كله، إلا قول لا إله إلا الله، ولا نظن أن أحدا منهم يكفر، إلا إذا انتقل يهوديا أو نصرانيا. فإذا آمنت بما ذكر الله ورسوله، وأجمع عليه العلماء، وبرئت من دين آبائك في هذه المسألة، وقلت: آمنت بالله،

стр. 4118

وبما أنزل الله، وتبرأت مما خالفه باطنا وظاهرا، مخلصا لله الدين في ذلك، وعرف الله ذلك من قلبك، فأبشر، ولكن سل الله سبحانه التثبيت، واعرف أنه مقلب القلوب: إن القلوب يد الباري تقلبها ... فسل من الله توفيقا وتثبيتا سل الهداية منه أن يمن بها ... فإن هداك فللخيرات أوتيتا فهذه غربة الإسلام أنت بها ... فكن صبورا ولو في الله أوذيتا الدليل السابع: قصة التتار، وذلك أنهم لما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا، وسكنوا بلدان المسلمين، وعرفوا دين الإسلام، واستحسنوه، وأسلموا، لكن لم يعملوا بما يجب عليهم، وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة، لكن يتكلمون بالشهادتين، ويصلون ليسوا كالبدو، ومع هذا كفرهم العلماء، وقاتلوهم وغزوهم، حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين. وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله سبحانه، وأما من أراد الله فتنته، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك، ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة، من قتل من يظهر شعائر الإسلام، إذا تكلم بكلام الكفر، وقامت عليه البينة، أنه يقتل، مع أن في هؤلاء المقتولين، من هو من أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم، مثل الحلاج وأمثاله، ومن هو من الفقهاء المصنفين، كالفقيه عمارة، فلو ذكرنا قصص هؤلاء، لاحتمل مجلدات، ولا نعرف

стр. 4119

فيهم رجلا واحدا بلغ كفره كفر البدو، أو الذي يقول من يزعم إسلامهم: إنه ليس معهم من الإسلام شعرة، إلا قول لا إله إلا الله، ولكن (من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [سورة الكهف آية: ١٧] . والعجب: أن الكتب التي بأيديهم، ويزعمون أنهم يعرفونها، ويعملون بها، فيها مسائل الردة ; وتمام العجب أنهم يعرفون بعض ذلك، ويقرون به، ويقولون: من أنكر البعث كفر، ومن شك فيه كفر، ومن سب الشرع كفر، ومن أنكر فرعا مجمعا عليه كفر، كل هذا يقولونه بألسنتهم. فإذا كان من أنكر الأكل باليمين، أو أنكر النهي عن إسبال الثياب، أو أنكر سنة الفجر، أو أنكر الوتر، فهو كافر، ويصرحون: أن من أنكر الإسلام كله وكذب به، واستهزأ به، أو استهزأ بمن صدق به، فهو أخوك المسلم، حرام المال والدم، مع أنه ما معه من الإسلام إلا أنه يقول: لا إله إلا الله، ثم يكفروننا ويستحلون دماءنا وأموالنا، مع أنا نقول: لا إله إلا الله. إذا سئلوا عن ذلك، قالوا: من كفر مسلما فقد كفر، ثم لم يكفهم ذلك، حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله، أن ينقض العهد، وله في ذلك ثواب عظيم ; ويفتون أن الذي عنده لنا أمانة أو مال يتيم، أنه يجوز له أكل أمانته، ولو كان

стр. 4120

مال يتيم بضاعة عنده، أو وديعة. بل يرسلون الرسائل لمن حارب التوحيد، ونصر عبادة الاوثان، مثل دهام بن دواس وغيره، يقولون: أنت يا فلان، قمت مقام الأنبياء، مع إقرارهم أن التوحيد الذي قلنا، وكفروا به، وصدوا الناس عنه، هو دين الأنبياء، وأن الشرك الذي نهينا عنه الناس، ورغبوهم فيه، وأمروهم بالصبر على آلهتهم، أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء، ولكن هذه من أكبر آيات الله. فمن لم يفهمها فليبك على نفسه، فإنها قد ماتت، ولينتبه قبل حلول رمسه؛ فإن دنياه وأخراه قد فاتت، وليتدارك ما بقي من يومه بعد أمسه، فإن ركائب الموت بفنائه قد باتت، والله أعلم. اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ويا مزيل العقول والأفكار، ثبت قلوبنا على دينك، واجعلنا من القانتين لك في الأسحار، وأن تتوفانا مسلمين لك، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى على سيدنا محمد وآل محمد وأصحابه، بالعشي والإبكار، آمين والحمد لله رب العالمين وسلم تسليما. [بداية كتاب "مفيد المستفيد" في أحكام الردة] وسئل أيضا: شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لما ارتد

стр. 4121

طائفة من أهل العيينة، ولما ارتد أهل حريملاء أن يكتب كلاما ينفع الله به. فأجاب، رحمه الله تعالى: روى مسلم في صحيحة، عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: " كنت في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت رجلا بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي حتى قدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: وما أنت؟ قال: نبي قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء فقلت له: ومن معك على هذا؟ قال: حر وعبد قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فقلت: إني متبعك، قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني". قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسال الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب، فقلت: ما فعل هذا الرجل، الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد

стр. 4122

أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: أنت الذي لقيتني بمكة قال: فقلت: يا نبي الله، علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: " صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، وحتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد الكفار. ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة، فإنها حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة محضورة مشهودة، حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار " وذكر الحديث. قال أبو العباس، رحمه الله تعالى: فقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، معللا بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار، ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها، وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار تسجد لها، ثم إنه ﷺ نهى عن الصلاة في هذا الوقت، حسما لمادة المشابهة. ومن هذا الباب: أنه إذا صلى إلى عود، أو عمود،

стр. 4123

جعله على حاجبه الأيمن، ولم يصمد له صمدا، ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، ولهذا نهى عن السجود بين يدي الرجل، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، انتهى كلامه. فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه، ما في هذا الحديث من العبر، فإن الله سبحانه يقص علينا أخبار الأنبياء وأتباعهم، ليكون للمؤمن من المتأخرين عبرة، فيقيس حاله بحالهم; وقص قصص الكفار والمنافقين، لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضا. فمما فيه من الاعتبار: أن هذا الأعرابي الجاهلي، لما ذكر له أن رجلا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس، لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه، وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير، وهذا فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٣] أي حرصا على تعلم الدين ﴿لأسمعهم﴾ أي: لأفهمهم؛ فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم، عدل منه سبحانه، لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين. فتبين: أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب، هو عدم الحرص على التعلم، فإذا كان هذا الجاهل يطلب هذا الطلب، فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء، وبلغه عنهم ما بلغه، وعنده من يعرض عليه التعليم،

стр. 4124

ولا يرفع بذلك رأسا، فإن حضر أو سمع فكما قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢] . وفيه من العبر أيضا: أنه لما قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا وكذا، فتبين: أن زبدة الرسالة الإلهية، والدعوة النبوية، هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وكسر الأوثان، ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة، وتجريد السيف، فتأمل زبدة الرسالة. وفيه أيضا: أنه فهم المراد من التوحيد، وفهم أنه أمر كبير غريب، ولأجل هذا قال: من معك؟ قال: (حر وعبد) فأجابه: أنه جميع العلماء والعباد والملوك والعامة، مخالفون له، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر، فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل، وأن الباطل قد يملأ الأرض، ولله در الفضيل بن عياض، حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٠] وفي الصحيحين " أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون " ١ ولما بكوا من هذا لما سمعوه، قال ﷺ " إنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من

стр. 4125

الجاهلية، فإن تمت وإلا تم من المنافقين " ١. قال الترمذي: حسن صحيح. فإذا تأمل الإنسان ما في هذا الحديث، من صفة بدو الإسلام، ومن اتبع الرسول ﷺ إذ ذاك، ثم ضم إليه الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم، أنه ﷺ قال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ٢، تبين له الأمر إن هداه الله، وانزاحت عنه الحجة الفرعونية: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [سورة طه آية: ٥١] والحجة القرشية ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [سورة ص آية: ٧] الآية. وقال أبو العباس، في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ : ظاهره: أن ما ذبح لغير الله، سواء لفظ به أو لم يلفظ حرام، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن

стр. 4126

هذا ما يفعل بمكة وغيرها، من الذبح للجن، انتهى كلام الشيخ، وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين، أنه لا يكفر المعين. فانظر أرشدك الله إلى تكفيره، من ذبح لغير الله من هذه الأمة، وتصريحه أن المنافق يصير مرتدا لذلك، وهذا في المعين، إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين. وقال أيضا في الكتاب المذكور: وكانت الطواغيت الكبار، التي تشد إليها الرحال ثلاثة، اللات والعزى ومناة، وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب. فكانت اللات لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره. وأما العزى فكانت لأهل مكة، قريبا من عرفات؛ وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون. وأما مناة فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال: " الله أكبر إنها

стр. 4127

السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم " ١. فأنكر ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار، في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها أسلحتهم. فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ إلى أن قال: فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق، مثل مسجد يقال له: "مسجد الكف"، فيه تمثال كف علي بن أبي طالب، حتى هدم الله ذلك الوثن; وهذه الأمكنة كثيرة، موجودة في أكثر البلاد، وفي الحجاز منها مواضع. [تكفير المعين] ثم ذكر كلاما طويلا في نهيه ﷺ عن الصلاة عند القبور، فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك، ذكر ذلك الشافعي وغيره، وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد، كأبي بكر الأثرم، عللوا بهذه العلة، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] الآية ذكر ابن عباس وغيره من السلف: أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم; ذكر هذا البخاري في صحيحه، وأهل التفسير، كابن جرير وغيره. ومما يبين صحة هذه العلة: أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسا، وقال عن نفسه: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٢.

стр. 4128

فعلم: أن نهيه عن ذلك، كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، فسد الذريعة لئلا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي ذلك إلى دعائها، والصلاة لها، وكلا الأمرين قد وقع: فإن من الناس من يسجد للشمس، وغيرها من الكواكب، ويدعوها بأنواع الأدعية، وهذا من أعظم أسباب الشرك، الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام؛ وصنف بعض المشهورين فيه كتابا، على مذهب المشركين، مثل: أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما ممن دخل في الشرك، وآمن بالطاغوت والجبت، وهم ينتسبون إلى الكتاب، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] . انتهى كلام الشيخ ﵀. فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام، الذي ينسب عنه - من أزاغ الله قلبه - عدم تكفير المعين، كيف ذكر مثل الفخر الرازي، وهو من أكابر أئمة الشافعية، ومثل أبي معشر، وهو من أكابر المشهورين من المصنفين وغيرهم، أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام، والفخر هو الذي ذكره الشيخ، في الرد على المتكلمين، لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا، قال: وهذه

стр. 4129

ردة صريحة باتفاق المسلمين، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى. وتأمل أيضا: ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها، هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط؛ هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟ وأنا أذكر لك لفظه، الذي احتجوا به على زيغهم. قال ﵀: أنا من أعظم الناس نهيا، عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تبديع، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، انتهى كلامه. وهذا صفة كلامه في المسألة، في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال، أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة، من تكفير أو تفسيق أو معصية. وصرح ﵁ أيضا: أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا، قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم

стр. 4130

تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين، أن رسول الله ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلامـ ومثل إيجابه للصلوات الخمس، وتعظيم شأنها; ومثل تحريم الفواحش، والزنى والخمر والميسر; ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا فيها، فكانوا مرتدين; وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في دين المشركين، كما فعل أبو عبد الله الرازي، قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين، انتهى كلامه. فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة، التي يذكر أعداء الله، لكن ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [سورة المائدة آية: ٤١] ، على أن الذي نعتقده وندين الله به، ونرجو أن يثبتا عليه: أنه لو غلط هو، أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة: المسلم إذا أشرك بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، وغير ذلك من الكفر الصريح الظاهر، الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره، ولو غلط من غلط، فكيف والحمد لله، ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ

стр. 4131

الأُولَى﴾ أو حجة قريش ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [سورة ص آية: ٧] الآية. [المنتسب إلى الإسلام قد يمرق] وقال الشيخ ﵀، في "الرسالة السنية"، لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام، من مرق منه مع عبادته العظيمة، حتى أمر ﷺ بقتالهم. فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام والسنة، قد يمرق أيضا من الإسلام في هذه الأزمان، وذلك بأسباب; منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٧] وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس، كان مذهبه: أن يقتلوا بالسيف بلا تحريف، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا

стр. 4132

شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده لا شريك له، لا يجعل معه إله آخر; والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا معتقدين أنها تخلق الخلائق، أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبعث الله رسوله ﷺ ينهى أن يدعى أحد من دونة، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة. [عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين] ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات، ثم قال: وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وكان ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له

стр. 4133

رجل: ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده "، ونهى عن الحلف بغير الله، فقال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشر ك " ١ وقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢ يحذر ما صنعوا; وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "، وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٣. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأنه من أكبر أسباب عبادة الأوثان، وتعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء، على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين، ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] الآية. ولهذا كانت كلمة التوحيد، أفضل الكلام، وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٤ والإله هو الذي تألهه القلوب، عبادة

стр. 4134

له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية، وإجلالا، انتهى كلامه ﵀. فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان; وتأمل كلامه في اللات والعزّى ومناة، وما ذكر بعده، يتبين لك الأمر، إن شاء الله تعالى. [أنواع الشرك] وقال ابن القيم ﵀ في "شرح المنازل"، في باب التوبة: وأما الشرك: فهو نوعان، أكبر وأصغر; فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله؛ بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون إذا انتقص معبودهم من المشائخ، أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه، إن قام وإن قعد، وأن عثر وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون، بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ

стр. 4135

دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . الآية. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له. ثم ذكر الشيخ ﵀، فصلا طويلا، في تقرير هذا الشرك الأكبر، ولكن تأمل قوله: وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره; يتبين لك بطلان الشبهة، التي أدلى بها الملحد، وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر هذا الفصل، أعني الفصل الأول، في الشرك الأكبر، الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] إلى قوله: ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وتكلم عليها ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب، ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ".
следующие страницы →