← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

آخر. الوجه الرابع: أن عبد الرحمن الشنيفي ومن معه، لما أتوك وذاكروك، أقررت بحضرة شياطينك، أن هذا هو الحق، وشهدت أن الطواغيت كفار، وتبرأت من طالب الحمضي، وعبد الكريم، وموسى بن نوح؛ فأي شيء بان لك بعد هذا، أن هذا باطل؟ وأن الذي تبرأت منهم، وعاديتهم أنهم على حق؟ الوجه الخامس: أنك لما خرجت من عند الشيوخ، وأتيت عند الشنيفي، جحدت الكلام الذي قلت في المجلس؛ فإن كان الكلام حقا، فلأي شيء تجحده؟ وأنت وأبوك: مقران أنكما لا تعرفان كلام الله ورسوله، لكن تقولان نعرف كلام صاحب "الإقناع" وأمثاله. وأنا أذكر لك كلام صاحب الإقناع، أنه مكفرك، ومكفر أباك، في غير موضع من كتابه. الأول: أنه ذكر في أول سطر من أحكام المرتد، أن الهازل بالدين يكفر، وهذا مشهور عنك، وعن ابن أحمد بن نوح، الاستهزاء بكلام الله ورسوله، وهذا كتابكم كفركم. الثاني: أنه ذكر في أوله، أن المبغض لما جاء به الرسول، كافر بالإجماع، ولو عمل به؛ وأنت مقر أن هذا الذي أقول في التوحيد، أمر الله ورسوله; والنساء والرجال

стр. 4202

يشهدون عليكم: أنكم مبغضون لهذا الدين، مجتهدون في تنفير الناس عنه، والكذب والبهتان على أهله؛ فهذا كتابكم كفركم. الثالث: أنه ذكر من أنواع الردة، إسقاط حرمة القرآن؛ وأنتم كذلك، تستهزئون بمن يعمل به، وتزعمون أنهم جهال، وأنكم علماء. الرابع: أنه ذكر أن من ادعى في علي بن أبي طالب ألوهية، أنه كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، وهذه مسألتك التي جادلت بها في مجلس الشيوخ، وقد صرح في "الإقناع": أن من شك في كفرهم فهو كافر؛ فكيف بمن جادل عنهم، وادعى أنهم مسلمون؟ وجعلنا كفارا لما أنكرنا عليهم؟ الخامس: أنه ذكر أن السحر يكفر بتعلمه وتعليمه؛ والطلاسم من جملة السحر. فهذه خمسة مواضع في "الإقناع". في باب واحد، أن من فعلها فقد كفر، وهي دينك ودين أبيك؛ فإما أن تبرؤوا من دينكم هذا، وإلا أجيبوا عن كلام صاحب "الإقناع"، وكلامنا هذا لغيرك الذين عليهم الشرهة، مثل الشيوخ، أو من يصلي وراءك، لعل الله أن يهديهم، ويعزلوك أنت وأباك عن الصلاة بالناس، لئلا تفسد عليهم دينهم، وإلا فأنا أظنك لا تقبل، ولا يزيدك هذا الكلام إلا جهالة وكفرا.

стр. 4203

وأما الكلام الذي لبست به على الناس، فأنا أبينه إن شاء الله كلمة كلمة، وذلك أن جملة المسائل التي ذكرت أربع: الأولى: النذر لغير الله، تقول إنه حرام ليس بشرك. الثانية: أن من جعل بينه وبين الله وسائط كفر، أما الوسائط بأنفسهم فلا يكفرون. الثالثة: عبارة العلماء، أن المسلم لا يجوز تكفيره بالذنوب. الرابعة: التذكير ليلة الجمعة، لا ينبغي الأمر بتركه. هذه المسائل التي ذكرت. فأما المسألة الأولى: فدليلك قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع; فاستدللت بقولهم حرام، على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر، يا هذا الجاهل الجهل المركب! ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ ٢، هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ يا ويلك! في أي كتاب وجدته، إذا قيل لك هذا حرام أنه ليس بكفر؟ فقولك: إن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم.

стр. 4204

بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفرا، فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه: أنه صرح في الإقناع، أن النذر عبادة، ومعلوم: أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة، وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركا؟ وأيضا: مسألة الوسائط تدل على ذلك، والناس يشهدون: أن هؤلاء الناذرين يجعلونهم وسائط، وهم مقرون بذلك; وأما استدلالك بقوله: من قال: انذروا لي، أنه إذا رضي وسكت لا يكفر، فبأي دليل؟ غاية ما يقال: إنه سكت عن الآخذ الراضي، وعلم من دليل آخر. والدليل الآخر: أن الرضاء بالكفر، كفر صرح به العلماء; وموالاة الكفار كفر، وغير ذلك. هذا إذا قدر أنهم لا يقولونه، فكيف وأنت وغيرك تشهد عليهم أنهم يقولون، ويبالغون فيه، ويقصون على الناس الحكايات، التي ترسخ الشرك في قلوبهم، وتبغض إليهم التوحيد، ويكفرون أهل العارض، لما قالوا: لا يعبد إلا الله; وأما قولك: ما رأينا للترشيح معنى في كلام العلماء، فمن أنت حتى تعرف كلام العلماء؟!. وأما الثانية: وهي أن الذي يجعل الوسائط هو الكافر، وأما المجعول فلا يكفر، فهذا كلام تلبيس

стр. 4205

وجهالة; ومن قال: إن عيسى، وعزيرا، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من الصالحين، يلحقهم نقص بجعل المشركين إياهم وسائط، حاشا وكلا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. وإنا كفّرنا هؤلاء الطواغيت، أهل الخرج وغيرهم، بالأمور التي يفعلونها هم; منها: أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط، ومنها: أنهم يدعون الناس إلى الكفر، ومنها: أنهم يبغضون عند الناس دين محمد ﷺ ويزعمون: أن أهل العارض كفروا لما قالوا: لا يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر؛ وهذا أمر أوضح من الشمس، لا يحتاج إلى تقرير. ولكن أنت رجل جاهل مشرك، مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال الذين يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك ودين آبائهم; وإلا فهؤلاء الجهال، لو مرادهم اتباع الحق، عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون. وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام، أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه; وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى، أو سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر; وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك.

стр. 4206

ونحن ما كفّرنا الطواغيت وأتباعهم، إلا بالشرك; وأنت رجل من أجهل الناس، تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر؛ فإذا كنت تعتقد ذلك، فما تقول في المنافقين، الذين يصلون ويصومون ويجاهدون، قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١. وما تقول في الخوارج، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ٢؟ أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟ ما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب ﵁ مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره، فأضرم لهم علي بن أبي طالب ﵁ نارا، فأحرقهم بها؟ وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس أنكر تحريقهم بالنار، وقال: يُقتلون بالسيف; أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع، وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه؟ أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة، قال أبو بكر: لا نقبل توبتكم، حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار؛ أتظن أن أبا بكر وأصحابه، لا يفهمون، وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ يا ويلك أيها الجاهل المركب! إذا كنت تعتقد

стр. 4207

هذا، أن من أم القبلة لا يكفر، فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة، التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد، التي كثير منها في أناس، أهل زهد وعبادة عظيمة؟ ومنهم طوائف، ذكر العلماء: أن من شك في كفرهم، فهو كافر. ولو كان الأمر على زعمك، بطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة، وهي: الذي يصرح بتكذيب الرسول، وينتقل يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا ونحوهم، هذا هو الكفر عندك، يا ويلك! ما تصنع بقوله: ﷺ " لا تقوم الساعة، حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان "؟ وكيف تقول هذا، وأنت تقر: أن من جعل الوسائط كفر؟ فإذا كان أهل العلم في زمانهم، حكموا على كثير من أهل زمانهم، بالكفر والشرك، أتظن أنكم صلحتم بعدهم؟ يا ويلك! وأما مسألة التذكير، فكلامك فيها من أعجب العجاب، أنت تقول بدعة حسنة، والنبي ﷺ يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ١، ولم يستثن شيئا. تشير علينا نصدقك أنت وأباك، لأنكم علماء! ونكذب رسول الله! والعجب من نقلك الإجماع، فتجمع مع الجهالة المركبة، الكذب الصريح والبهتان؛ فإذا كان في "الإقناع" في باب الأذان، قد ذكر كراهيته في مواضع متعددة، أتظن أنك أعلم من صاحب "الإقناع"؟ أم تظنه مخالفا للإجماع؟ وأيضا

стр. 4208

لما جاءك عبد الرحمن الشنيفي، أقررت لهم أن التذكير بدعة مكروهة، فمتى هذا العلم جاءك؟! وأما قولك: أمر الله بالصلاة على نبيه على الإطلاق، فأيضا أمر الله بالسجود على الإطلاق، في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ١، أفيدل هذا على السجود للأصنام؟ أو يدل على الصلاة في أوقات النهي؟ فإن قلت ذاك قد نهى عنه النبي ﷺ ، قلنا: وكذلك هذا، نهى النبي ﷺ عن البدع، وذكر أن " كل بدعة ضلالة " ٢؛ ومعلوم أن هذا حادث من زمن طويل، وأنكره أهل العلم، منهم صاحب "الإقناع". وقد ذكر السيوطي في كتاب "الأوائل" أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة، ليتهيأ الناس لصلاتها، بعد السبعمائة، في زمن الناصر بن قلاوون؛ فأرنا كلام واحد من العلماء أرخص فيه، وجعله بدعة حسنة؛ فليس عندك إلا الجهل المركب، والبهتان والكذب. وأما استدلالك بالأحايث التي فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، وقول: " من شذ شذ في النار " ٣ و " يد الله على الجماعة " ٤ وأمثال هذا، فهذا أيضا من أعظم ما تلبس به على الجهال، وليس هذا معنى الأحاديث، بإجماع أهل العلم كلهم، فإن النبي ﷺ أخبر أن الإسلام سيعود غريبا، فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس؟! وكذلك الأحاديث الكثيرة، منها قوله: " يأتي على الناس زمان، لا يبقى من

стр. 4209

الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه ". وأحاديث عظيمة كثيرة، يبين ﷺ أن الباطل يصير أكثر من الحق، وأن الدين يصير غريبا، ولو لم يكن في ذلك، إلا قوله ﷺ : "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". هل بعد هذا البيان بيان؟ يا ويلك! كيف تأمر بعد هذا باتباع أكثر الناس؟! ومعلوم: أن أهل أرضنا، وأرض الحجاز، الذي ينكر البعث منهم أكثر ممن يقر به، والذي يعرف الدين أقل ممن لا يعرفه، والذي يضيع الصلاة أكثر من الذي يحافظ عليها، والذي يمنع الزكاة أكثر ممن يؤديها؛ فإن كان الصواب عندك: اتباع هؤلاء، فبين لنا، وإن كان عنزة، وآل ظفير، وأشباههم من البوادي، هو السواد الأعظم، ولقيت في علمك وعلم أبيك: أن اتباعهم حسن، فاذكروا لنا، ونحن نذكر كلام أهل العلم، في معنى تلك الأحاديث، ليتبين للجهال الذين موهت عليهم. قال ابن القيم ﵀، في "إعلام الموقعين" واعلم أن الإجماع والحجة، والسواد الأعظم، هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض; وقال عمرو بن ميمون، سمعت ابن مسعود، يقول: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة،" وسمعته يقول: "سيلي عليكم ولاة، يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصل الصلاة

стр. 4210

وحدك، وهي الفريضة، ثم صل معهم، فإنها لك نافلة. قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، ثم تقول صل الصلاة وحدك; قال: يا عمرو بن ميمون، لقد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة: ما وافق الحق، وإن كنت وحدك". وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كان عليه الجماعة، قبل أن تفسد الجماعة; وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ" وقال بعض الأئمة - وقد ذكر له السواد الأعظم -: أتدري ما السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه، الذين جعلوا السواد الأعظم، والحجة والجمهور والجماعة؛ فجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، وجعلوا المعروف منكرا، لقلة أهله، وتفردهم في الأقطار والأمصار، وقالوا: من شذ شذ في النار; وعرف المتخلفون: أن الشاذ ما خالف الحق، وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحدا، فهم الشاذون. وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرا يسيرا، فكانوا هم الجماعة؛ وكان القضاة يومئذ، والمفتون والخليفة وأتباعهم، كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد

стр. 4211

وحده، هو الجماعة؛ ولما لم تحمل ذلك عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين، أتكون أنت وقضاتك، وولاتك، والفقهاء والمفتون، على الباطل؟ وأحمد وحده على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة، بعد الحبس الطويل; فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، انتهى كلام ابن القيم، رحمه الله تعالى. يا سلامة ولد أم سلامة، هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف، وكلام المتأخرين، حتى ابن مسعود ذكر في زمانه: أن أكثر الناس فارقوا الجماعة; وأبلغ من هذه: الأحاديث المذكورة عن رسول الله ﷺ من غربة الدين، وتفرق هذه الأمة أكثر من سبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة؛ فإن كنت وجدت في علمك، وعلم أبيك، ما يرد على رسول الله ﷺ والعلماء، وأن عنزة، وآل ظفير، والبوادي، يجب علينا اتباعهم، فأخبرونا؛ وصلى الله على محمد.

стр. 4212

[رد ما صنفه ابن سحيم من الكفر والسب والتهورات] وله أيضا، حشره الله في زمرة النبيين والصديقين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يعلم من يقف عليه: أني وقفت على أوراق، بخط ولد ابن سحيم، صنفها يريد أن يصد بها الناس عن دين الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، فأردت أن أنبه على ما فيها، من الكفر الصريح، وسب دين الإسلام، وما فيها من الجهالة التي يعرفها العامة. فأما تناقض كلامه، فمن وجوه: الأول: أنه صنف الأوراق يسبنا، ويرد علينا في تكفير كل من قال لا إله إلا الله، وهذا عمدة ما يشبه به على الجهال وعقولها؛ فصار في أوراقه يقول: أما من قال لا إله إلا الله لا يكفر ومن أم القبلة لا يكفر، فإذا ذكرنا لهم الآيات التي فيها كفره وكفر أبيه، وكفر الطواغيت، يقول: نزلت في النصارى، نزلت في الفلاني. ثم رجع في أوراقه يكذب نفسه، ويوافقنا، ويقول: من قال إن النبي ﷺ أملس الكف كفر، ومن قال كذا كفر; تارة يقول: ما يوجد الكفر فينا، وتارة يقرر الكفر، أعجب لبانيه يخربه؟ الثاني: أنه ذكر في أوراقه، أنه لا يجوز الخروج عن كلام العلماء، وصادق في ذلك; ثم ذكر فيها كفر القدرية،

стр. 4213

والعلماء لا يكفرونهم، فكفر ناسا لم يكفروا، وأنكر علينا تكفير أهل الشرك. الثالث: أنه ذكر معنى التوحيد: أن تصرف جميع العبادات، من الأقوال والأفعال لله وحده، لا يجعل فيها شيء، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل; وهذا حق. ثم يرجع يكذب نفسه، ويقول: إن دعاء شمسان وأمثاله في الشدائد، والنذر لهم، ليبرؤوا المريض، ويفرجوا عن المكروب، الذي لم يصل إليه عبدة الأوثان، بل يخلصون في الشدائد لله، ويجعل هذا ليس من الشرك، ويستدل على كفره الباطل، بالحديث الذي فيه: (إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب) . الرابع: أنه قسم التوحيد إلى نوعين، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية; ويقول: إن الشيخ بين ذلك; ثم يرجع يرد علينا في تكفير طالب الحمضي، وأمثاله، الذين يشركون بالله في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، ويزعمون أن حسينا، وإدريس، ينفعون ويضرون، وهذه الربوبية; ويزعم أنهم ينخون ويندبون، وهذا توحيد الألوهية. الخامس: أنه ذكر في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ أنها كافية في التوحيد؛ فوحد نفسه في الأفعال، فلا خالق إلا الله، وفي الألوهية، فلا يعبد إلا إياه، وبالأمر والنهي، فلا حكم إلا لله؛ فيقرر هذه الأنواع الثلاثة، ثم يكفر بها كلها، ويرد

стр. 4214

علينا; فإذا كفّرنا من قال: إن عبد القادر، والأولياء، ينفعون ويضرون، قال: كفّرتم أهل الإسلام، وإذا كفّرنا من يدعو شمسان، وتاجا، وحطابا، قال: كفرتم أهل الإسلام; والعجب: أنه يقول: إن من التوحيد توحيد الله بالأمر والنهي، فلا حكم إلا لله، ثم يرد علينا إذا عملنا بحكم الله، ويقول: من عمل بالقرآن كفر، والقرآن ما يفسر. السادس: أنه ينهى عن تفسير القرآن، ويقول: ما يعرف، ثم يرجع يفسره في تصنيفه، ويقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ فيها كفاية، فلما فسرها كفر بها. السابع: أنه ذكر أن التوحيد له تعلق بالصفات، وتعلق بالذات؛ وقبل ذلك قد كتب إلينا: أن التوحيد في ثلاث كلمات: إن الله ليس على شيء، وليس في شيء، ولا من شيء؛ فتارة يذكر: أن التوحيد إثبات الصفات، وتارة يذكر ذلك، ويقول: التوحيد نفي الصفات. الثامن: أنه ذكر آيات في الأمر بالتوحيد، وآيات في النهي عن الشرك، ثم قال: المراد بهذا الشرك، في هذه الآيات والأحاديث. الشرك الجلي، كشرك عباد الشمس، لا على العموم، كما يتوهمه بعض الجهال، فصرح: بأن مراد الله، ومراد النبي ﷺ لا يدخل فيه إلا عبادة الأوثان، وأن الشرك الأصغر لا يدخل فيه، ويسمى الذين أدخلوه فيه الجهال، ثم في آخر الصفح بعينه، قال: وقد

стр. 4215

يطلق الشرك بعبارات أخر؛ وكل ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١؛ فرد علينا في أول الصفح، وكذب على الله ورسوله، في أن معنى ذلك بعض الشرك، ثم رجع يقرر ما أنكره، ويقول: إن الشرك الأكبر والأصغر، داخل في قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢. التاسع: أنه ذكر أن الشرك أربعة أنواع: شرك الألوهية، وشرك الربوبية، وشرك العبادة، وشرك الملك; وهذا كلام من لا يفهم ما يقول، فإن شرك العبادة هو شرك الإلهية، وشرك الربوبية هو شرك الملك. العاشر: أنه قال في مسألة الذبح والنذر، ومن قال: إن النذر والذبح عبادة، فهو منه دليل على الجهل، لأن العبادة ما أمر به شرعا، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي؛ لكن البهيم لا يفهم معنى العبادة، فاستدل على النفي بدليل الإثبات. الحادي عشر: بعد أربعة أسطر، كذب نفسه في كلامه هذا، فقال: من ذبح لمخلوق يقصد به التقرب، أو لرجاء نفع، أو دفع ضر من دون الله، فهذا كفر; فتارة يرد علينا إذا قلنا إنه عبادة، وتارة يكفّر من فعله. الثاني عشر: أنه قرر أن من ذبح لمخلوق، لدفع ضر، أنه يكفر، ثم قرر أن الذبح للجن ليس بكفر. الثالث عشر: أنه رد علينا في الاستدلال، بقوله:

стр. 4216

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١،ثم رجع يقرر ما قلنا بكلام البغوي: كان ناس يذبحون لغير الله، فنَزلت فيهم الآية; فياسبحان الله! ما من عقول تفهم أن هذا الرجل من البقر التي لا تميز بين التين والعنب! والحمد لله رب العالمين. [التحذير من شياطين الإنس الذين يصدون عن سبيل الله] وله أيضا قدس الله سره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢،وذلك أن الله أرسل محمدا ﷺ ليبين للناس الحق من الباطل، فبين ﷺ للناس جميع ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، بيانا تاما، وما مات ﷺ حتى ترك الناس على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها. فإذا عرفت ذلك، فهؤلاء الشياطين، من مردة الإنس، الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له، إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمدا، من شهادة أن لا إله إلا الله، وما نهاهم عنه، مثل الاعتقاد في المخلوقين

стр. 4217

الصالحين، وغيرهم، قاموا يجادلون، ويلبسون على الناس; ويقولون: كيف تكفرون المسلمين؟ كيف تسبون الأموات؟ آل فلان، أهل ضيف، آل فلان أهل كذا وكذا. ومرادهم بهذا، لئلا يتبين معنى لا إله إلا الله، ويتبين: أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضر، ودعاءهم، كفر ينقل عن الملة; فيقول الناس لهم: إنكم قبل ذلك جهال، لأي شيء لم تأمرونا بهذا؟! وأنا أخبركم عن نفسي والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت، لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام، قبل هذا الخير الذي من الله به؛ وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك. فمن زعم من علماء العارض: أنه عرف معنى لا إله إلا الله، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم من مشايخه أن أحدا عرف ذلك، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه; وشاهد هذا: أن عبد الله بن عيسى، ما نعرف في علماء نجد، لا علماء العارض، ولا غيره، أجل منه، وهذا كلامه يصل إليكم إن شاء الله. فاتقوا الله عباد الله، ولا تكبروا على ربكم، ولا نبيكم، واحمدوه سبحانه، الذي من عليكم، ويسر لكم من

стр. 4218

يعرفكم، بدين نبيكم ﷺ ، ولا تكونوا من ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ١. إذا عرفتم ذلك، فاعلموا: أن قول الرجل لا إله إلا الله، نفي وإثبات: إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء والصالحين وغيرهم؛ وليس معنى الألوهية أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا يدبر، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، فإن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يقرون بهذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. فتفكروا عباد الله، فيما ذكر الله عن الكفار، أنهم مقرون بهذا كله، لله وحده لا شريك له، وإنما كان شركهم: أنهم يدعون الأنبياء والصالحين، ويندبونهم، وينذرون لهم، ويتوكلون عليهم، يريدون منهم أنهم يقربونهم إلى الله، كما ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣. إذا عرفتم ذلك، فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم، من أهل الخرج وغيرهم، مشهورون عند

стр. 4219

الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام؛ ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا، لو كان باطلا فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل، أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه. بل لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١.ومصداق هذا: أنكم إذا رأيتم من يخالف هذا الكلام، وينكره، فلا يخلو، إما أن يدعى أنه عارف; فقولوا له: هذا الأمر العظيم لا يغفل عنه، فبين لنا ما يصدقك من كلام العلماء، إذا لم تعرف كلام الله ورسوله؛ فإن زعم أن عنده دليلا فقولوا له يكتبه، حتى نعرضه على أهل المعرفة، ويتبين لنا أنك على الصواب، ونتبعك، فإن نبينا ﷺ قد بين لنا الحق من الباطل. وإن كان المجادل يقر بالجهل، ولا يدعي المعرفة، فيا عباد الله: كيف ترضون بالأفعال والأقوال التي تغضب الله ورسوله، وتخرجكم عن الإسلام؟ اتباعا لرجل يقول: إني عارف؛ فإذا طالبتموه بالدليل، عرفتم أنه لا علم عنده، أو اتباعا لرجل جاهل، وتعرضون عن طاعة ربكم،

стр. 4220

وما بينه نبيكم ﷺ وأهل العلم بعده. واذكروا ما قص الله عليكم في كتابه، لعلكم تعتبرون، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ١. وهؤلاء أهلكهم الله بالصيحة، وأنتم الآن، إذا جاءكم من يخبركم بأمر رسول الله ﷺ إذا أنكم فريقان تختصمون، أفلا تخافون أن يصيبكم من العذاب ما أصابهم؟ والحاصل: أن مسائل التوحيد، ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة خاصة، بل البحث عنها وتعلمها فرض لازم على العالم والجاهل والمحرم والمحل، والذكر والأنثى؛ وأنا لا أقول لكم: أطيعوني، ولكن الذي أقول: إذا عرفتم أن الله أنعم عليكم، وتفضل عليكم بمحمد ﷺ ، والعلماء بعده، فلا ينبغي لكم معاندة محمد ﷺ ، وقول: تكفّرون المسلمين، كيف تفعلون كذا؟ كيف تفعلون كذا؟ فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين. وكذلك أيضا: من أعظم الناس ضلالا، متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي، وابن الفارض؛ وقد ذكر أهل العلم: أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى، فكل من

стр. 4221

لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته. والعجب، العجب: أن الذي يدعي المعرفة، يزعم أنه لا يعرف كلام الله ولا كلام رسوله، بل يدعي أنه عرف كلام المتأخرين، مثل "الإقناع" وغيره، وصاحب "الإقناع"، قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة، والمشايخ فهو كافر، سبحان الله! كيف يفعلون أشياء في كتابهم، أن من فعلها كفر؟ ومع هذا يقولون: نحن أهل المعرفة، وأهل الصواب، وغيرنا صبيان جهال; والصبيان يقولون: أظهروا لنا كتابكم، ويأبون عن إظهاره. أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم، إذا رأوا من يعلم الشيوخ، وصبيانهم أو البدو، شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: لو قالوا لهم يتركون الحرام; وهذا من أعظم جهلهم، فإنهم لا يعرفون إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفونه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت، أو جادل عنهم، خرج من الإسلام، ولو كان صائما قائما؟ من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام؟ بل: إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص، وإما أن

стр. 4222

يغفره الله، فبين الموضعين فرق عظيم. وبالجملة - رحمكم الله - إذا عرفتم ما تقدم أن نبيكم ﷺ قد بين الدين كله، فاعلموا: أن هؤلاء الشياطين، قد أحلوا كثيرا من الحرام، في الربا والبيع، وغير ذلك، وحرموا عليكم كثيرا من الحلال، وضيقوا ما وسعه الله; فإذا رأيتم الاختلاف، فاسألوا عما أمركم الله به ورسوله، ولا تطيعوني ولا غيري، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. [بيان الإشكال في الفتيا بكفر أولاد شمسان وأولاد إدريس] وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الله بن عيسى، وابنه عبد الوهاب، وعبد الله بن عبد الرحمن، حفظهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: ذكر لي أحمد، أنه مشكل عليكم الفتيا بكفر هؤلاء الطواغيت، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، والذين يعبدونهم، مثل طالب وأمثاله، فيقال: أولا: دين الله تعالى، ليس لي دونكم، فإذا أفتيت، أو عملت بشيء، وعلمتم أني مخطئ، وجب عليلكم تبيين الحق لأخيكم المسلم.

стр. 4223

وإن لم تعلموا وكانت المسألة من الواجبات، مثل التوحيد، فالواجب عليكم: أن تطلبوا وتحرصوا، حتى تفهموا حكم الله ورسوله في تلك المسألة، وما ذكر أهل العلم قبلكم؛ فإذا تبين حكم الله ورسوله بيانا كالشمس، فلا ينبغي لرجل يومن بالله واليوم الآخر، أن يرده، لكونه مخالفا لهواه، أو لما عليه أهل وقته ومشايخه، فإن الكفر كما قال ابن القيم ﵀ في نونيته: فالكفر ليس سوى العناد ورد ما ... جاء الرسول به لقول فلان فانظر لعلك هكذا دون التي ... قد قالها فتبوء بالخسران ومتى لم تتبين لكم المسألة، لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل، حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف؛ فإذا تحققتم الخطأ، بينتموه ولم تهدروا جميع المحاسن، لأجل مسألة، أو مائة، أو مائتين، أخطأت فيهن، فإني لا أدعي العصمة. وأنتم تقرون: أن الكلام الذي بينته، في معنى لا إله إلا الله، هو الحق الذي لا ريب فيه، فيا سبحان الله! إذا كنتم تقرون بهذا، فرجل بين الله به دين الإسلام، وأنتم ومشايخكم ومشايخهم لم يفهموه، ولم يميزوا بين دين محمد ﷺ ودين عمرو بن لحي، الذي وضعه للعرب، بل دين عمرو عندهم دين صحيح، ويسمونه رقة القلب،

стр. 4224

والاعتقاد في الأولياء، ومن لم يفعل فهو متوقف لا يدري ما هذا، ولا يفرق بينه وبين دين محمد ﷺ . فالرجل الذي هداكم الله به لهذا إن كنتم صادقين، لو يكون أحب إليكم من أموالكم وأولادكم، لم يكن كثيرا، فكيف يقال: أفتى في مسألة الوقف، أفتى في كذا، أفتى في كذا؟! كلها - ولله الحمد - على الحق، إلا أنها مخالفة لعادة الزمان، ودين الآباء. وأنا إلى الآن: أطلب الدليل من كل من خالفني؛ فإذا قيل له: استدل، أو اكتب، أو ذاكر، حاد عن ذلك، وتبين عجزه، لكن يجتهدون الليل والنهار، في صد الجهال عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، اللهم إلا إن كنتم تعتقدون، أن كلامي باطل وبدعة، مثل ما قال غيركم، وأن الاعتقاد، في الزاهد، وشمسان، والمطيوية، والاعتماد عليهم، هو الدين الصحيح، وكل ما خالفه بدعة وضلالة، فتلك مسألة أخرى. إذا ثبت هذا، فتكفير هؤلاء المرتدين، انظروا في كتاب الله من أوله إلى آخره، والمرجع في ذلك إلى ما قاله المفسرون والأئمة، فإن جادل منافق، بكون الآية نزلت في الكفار، فقولوا له: هل قال أحد من أهل العلم، أولهم وآخرهم: إن هذه الآيات لا تعم من عمل بها من المسلمين؟ من قال هذا قبلك؟!

стр. 4225

وأيضا فقولوا له: هذا رد على إجماع الأمة؛ فإن استدلالهم بالآيات النازلة في الكفار، على من عمل بها، ممن انتسب إلى الإسلام، أكثر من أن تذكر. وهذا أيضا كلام رسول الله ﷺ فيمن فعل مثل هذه الأفاعيل، مثل الخوارج العباد الزهاد، الذين يحقر الإنسان الصحابة عندهم؛ وهم بالإجماع لم يفعلوا ما فعلوا، إلا باجتهاد، وتقرب إلى الله. وهذه سيرة أصحاب رسول الله ﷺ فيمن خالف الدين، ممن له عبادة واجتهاد، مثل: "تحريق علي ﵁ من اعتقد فيه بالنار، وأجمع الصحابة على قتلهم وتحريقهم، إلا ابن عباس ﵄، خالفهم في التحريق، فقال: يقتلون بالسيف". وهؤلاء الفقهاء، من أولهم إلى آخرهم، عقدوا باب: حكم المرتد للمسلم إذا فعل كذا وكذا، ومصداق ذلك في هذه الكتب، الذي يقول المخالف: جمعوا فيها الثمر، وهم أعلم منا، وهم، وهم; انظروا في متن "الإقناع"، في باب حكم المرتد، هل صرح أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر بإجماع الأمة؟ وذكر فيمن اعتقد في علي بن أبي طالب، دون ما يعتقد طالب، في حسين وإدريس، أنه لا شك في كفره.

стр. 4226

وأنا ألزم عليكم: أنكم تحققون النظر، في عبارات "الإقناع"، وتقرؤونها قراءة تفهم، وتعرفون ما ذكر في هذا، وما ذكر في التشنيع علي من الأصدقاء؛ وإذا عرفتم ذلك، عرفتم شيئا من مذاهب الآباء، وفتنة الأهواء، وإذا تحققتم ذلك، وطالعتم الشروح والحواشي، فإذا أنا لم أفهمه، وله معنى آخر، فأرشدوني؛ وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا، لما يحب ويرضى؛ ولا يدخل خواطركم غلظة هذا الكلام، فالله سبحانه يعلم قصدي به، والسلام. [رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى عبد الرحمن بن ربيعة في معنى التوحيد] وله أيضا رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم السلام على رسول الله ﷺ من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الرحمن بن ربيعة، سلمه الله تعالى. وبعد: وصل كتابك، تسأل عن مسائل كثيرة، وتذكر أن مرادك اتباع الحق; منها: مسألة التوحيد، ولا يخفاك أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: " إن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله؛ فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات " ١ إلى آخره، فإذا كان الرجل لا يدعى إلى الصلوات الخمس، إلا بعدما يعرف التوحيد، وينقاد له، فكيف بمسائل جزئية، اختلف

стр. 4227

فيها العلماء؟ فاعلم: أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم: إفراد الله بالعبادة كلها، ليس فيها حق لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهم، فمن ذلك لا يدعي إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١. فمن عبد الله ليلا ونهارا، ثم دعا نبيا، أو وليا عند قبره، فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير، أو عبد القادر، أو غيرهما، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره. ومن ذبح لله ألف أضحية، ثم ذبح لنبي أو غيره، فقد جعل إلهين اثنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ الآيتين، والنسك هو الذبح؛ وعلى هذا فقس. فمن أخلص العبادات كلها لله، ولم يشرك فيها غيره، فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله. ومن جعل فيها مع الله غيره، فهو المشرك الجاحد لقوله لا إله إلا الله؛ وهذا الشرك الذي ذكره الله، قد طبق اليوم مشارق الأرض ومغاربها، إلا الغرباء المذكورين في

стр. 4228

الحديث، وقليل ما هم؛ وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم، من كل المذاهب. فإذا أردت مصداق هذا، فتأمل "باب حكم المرتد" في كل كتاب، وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتدا يحل دمه وماله; منها: من جعل بينه وبين الله وسائط، كيف حكى الإجماع في "الإقناع" على ردته; ثم تأمل ما ذكروه في سائر الكتب. فإن عرفت أن في المسألة خلافا، ولو في بعض المذاهب، فنبهني; وإن صح عندك الإجماع على تكفير من فعل هذا، أو رضيه، أو جادل فيه، فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى، عندنا، في إنكار هذا الدين، والبراءة منه، ومن أهله؛ وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه. فإن استقمت على التوحيد، وتبينت فيه، ودعوت الناس إليه بعداوة هؤلاء، خصوصا ابن يحيى، لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرا، وصبرت على الأذى في ذلك، فأنت أخونا وحبيبنا؛ وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت، فإن بان الصواب معك، وجب علينا الرجوع إليك، وإن لم تستقم على التوحيد، علما وعملا ومجاهدة، فليس هذا محل المراجعة في المسائل، والله أعلم.

стр. 4229

[بيان غلط من زعم أن من عبد الأوثان لا يكفر بعينه] وله أيضا عفا الله عنه: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. أما بعد: وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالا تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام. وعلى أي شيء يدل كلامه، من أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه. بل العبارة صريحة واضحة، في تكفيره مثل ابن فيروز، وصالح بن عبد الله، وأمثالهما، كفرا ظاهرا ينقل عن الملة، فضلا عن غيرهما؛ هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال، في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعدما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها.

стр. 4230

وليس في كلامي هذا مجازفة، بل أنت تشهد به عليهم؛ ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه، وأنا أخاف عليك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١. والشبهة التي دخلت عليك، هذه البضيعة التي في يدك، تخاف تضيع أنت وعيالك، إذا تركت بلد المشركين، وشاك في رزق الله، وأيضا قرناء السوء، أضلوك كما هي عادتهم. وأنت - والعياذ بالله - تنْزل درجة درجة، أول مرة في الشك، وبلد الشرك وموالاتهم، والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين، من غير إكراه، لكن خوفا ومداراة. وغاب عنك قوله تعالى، في عمار بن ياسر وأشباهه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ٣، فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول

стр. 4231

والفعل، فقد صرح بأن من قال المكفر، أو فعله، فقد كفر، إلا المكره بالشرط المذكور، وذلك: أن ذلك بسبب إيثار الدنيا، لا بسبب العقيدة. فتفكر في نفسك، هل أكرهوك، وعرضوك على السيف، مثل عمار، أم لا؟ وتفكر: هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت، أم بسبب إيثار الدنيا؟ ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة، وهي: أنك تصرح مثل ابن رفيع، تصريحا بمسبة دين الأنبياء، وترجع إلى عبادة العيدروس، وأبي حديدة، وأمثالهما؛ ولكن الأمر بيد مقلب القلوب. فأول ما أنصحك به: أنك تفكر، هل هذا الشرك الذي عندكم، هو الشرك الذي ظهر نبيك ﷺ ينهى عنه أهل مكة؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه؟ أم هذا أغلظ؟ فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات، وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأقر به، وقال: أشهد أن هذا هو الحق، ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق، ويصرح بحسن الشرك واتباعه، وعدم البراءة من أهله.

стр. 4232

فتفكر، هل هذه مسألة مشكلة؟ أو مسألة الردة الصريحة؟ التي ذكرها أهل العلم في الردة؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت، كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر. أما استدلالك بترك النبي ﷺ ومن بعده، تكفير المنافقين وقتلهم، فقد صرح الخاص والعام ببديهة العقل لو يظهرون كلمة واحدة، أو فعلا واحدا من عبادة الأوثان، أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ، أنهم يقتلون أشر قتلة. فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين الرسول ﷺ وتبرؤوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفية، تظهر على صفحات الوجه أو فلتات اللسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله ﷺ أكبر من هذا، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفر، ولو أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء وسماه دين أهل العارض، وأفتى بقتل

стр. 4233

من أخلص لله الدين، وإحراقه، وحل ماله؛ فهذه مسألتك وقد قررتها، وذكرت: أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، لم يقتلوا أحدا، ولم يكفروه من أهل الملة. أما ذكرت: قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ١ إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ ٢،واذكر قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ ٣ إلى قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٤ الآية؛ واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. واذكر ما صح عن رسول الله ﷺ أنه شخص رجلا معه الراية، إلى من تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله; فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب؟ أو سب دين الأنبياء بحد معرفته؟ واذكر أنه قد هم بغزو بني المصطلق، لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة، وأشدهم اجتهادا: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد؛ أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة".واذكر قتال الصديق وأصحابه، مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم.

стр. 4234

واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا؛ والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة. واذكر إجماع الصحابة لما "استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص، مستدلا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ١"مع كونه من أهل بدر. وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي، مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم، وقتلهم، "فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف"، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة; واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم، على قتل الجعد بن درهم، وأمثاله، قال ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء، مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردته وقتله، لطال الكلام؛ لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد، ملوك مصر وطائفتهم، وهم يدعون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة

стр. 4235

والمفتين، وأجمع العلماء على كفرهم، وردتهم، وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين، مبغضين لهم. واذكر كلامه في "الإقناع" وشرحه، في الردة، كيف ذكروا أنواعا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية؛ هذا لفظه بحروفه; ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله، هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور: إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟ وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرا من المشاهير بأعيانهم؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فإن كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام الله ورسوله، مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أكنةأن يفقهوه﴾ الأنعام ٢٥وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ

стр. 4236

لا يَعْقِلُونَ﴾ ١. وإذا كان كلام الشيخ، ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات، أو مسألة القرآن، أو مسألة الاستواء، أو غير ذلك، مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه، ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله ﷺ ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه؛ فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفروا النوع، وأما المعين، فإن عرف الحق وخالف، كفر بعينه، وإلا لم يكفر. وأنا أذكر لك من كلامه ما يصدق هذا، لعلك تنتفع إن هداك الله، وتقوم عليك الحجة قياما بعد قيام، وإلا فقد قامت عليك، وعلى غيرك قبل هذا. قال ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم، في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٢: ظاهره: أن ما ذبح لغير الله حرم، سواء لفظ به أو لم يلفظ، وهذا أظهر من تحريم ما ذبح للّحم، وقال فيه باسم

стр. 4237

المسيح ونحوه، فإن عبادة الله والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور؛ فكذلك الشرك بالنسك لغيره، أعظم من الاستعانة باسمه. وعلى هذا لو ذبح لغير الله متقرب إليه، وإن قال فيه بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين، لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان; ومن هذا الباب، ما قد يفعله الجاهلون بمكة وغيرها، من الذبح للجن، انتهى كلامه بحروفه. فانظر كلامه فيمن ذبح لغير الله، وسمى الله عليه عند الذبح، أنه مرتد تحرم ذبيحته، ولو ذبحها للأكل، لكن هذه الذبيحة تحرم من جهتين: من جهة أنها مما أهل به لغير الله، وتحرم أيضا لأنها ذبيحة مرتد؛ يوضح ذلك ما ذكرته: أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم، صاروا مرتدين؛ فأين هذا من نسبتك عنه، أنه لا يكفر أحدا بعينه؟ وقال أيضا في أثناء كلامه على المتكلمين، ومن شاكلهم، لما ذكر عن أئمتهم شيئا من أنواع الردة، والكفر، قال ﵀: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة، التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة، التي يعلم المشركون واليهود والنصارى، أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها،

стр. 4238

مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من النبيين والملائكة وغيرهم؛ فإن هذا أظهر شرائع الإسلام. ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين؛ وكثير منهم، تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول مختلف الحديث؛ وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في الردة، كما صنف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين. هذا لفظه بحروفه. فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه، في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤوسهم، فلانا وفلانا بأعيانهم، وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة؛ هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المعين لا يكفر، ولو دعا عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحب عبد الله بن عون، وزعم أن دينه حسن، مع عبادته أبي حديدة، ولو أبغضك واستنجسك، مع أنك أقرب الناس إليه، لما رآك ملتفتا بعض الالتفات إلى التوحيد، مع كونك توافقهم على شيء

стр. 4239

من شركهم، وكفرهم؟! وقال الشيخ أيضا في رده على بعض المتكلمين وأشباههم: والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا لا يوجب السعادة إلا بالإيمان بالله وحده؛ وإنما قوة الذكاء بمنْزلة قوة البدن، وأهل الرأي والعلم، بمنْزلة الملك والإمارة. فكل منهم لا ينفعه ذلك، إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويتخذه إلها دون ما سواه، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ وهذا ليس في حكمتهم، ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك في العالم، إنما حدث بزي جنسهم؛ فهم الآمرون بالشرك الفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك لم ينه عنه؛ بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحا ما، فقد يرجح غيرهم من المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعا؛ فتدبر هذا فإنه نافع جدا. وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام، لا ينهون عن الشرك، ويوجبون التوحيد، بل يسوغون الشرك، ويأمرون به؛ وهم إذا ادعوا التوحيد، فإنما توحيدهم بالقول، لا بالعبادة والعمل؛ والتوحيد الذي جاءت به الرسل، لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين كله لله، وعبادته وحده

стр. 4240

لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه، إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات؛ فلو كانوا موحدين بالكلام، وهو: أن يصفوا الله بما وصفته به رسله، لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في النجاة، بل لا بد أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلها دون ما سواه؛ وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فكيف وهم في القول معطلون جاحدون، لا موحدون ولا مخلصون؟ انتهى. فتأمل كلامه، واعرضه على ما غرك به الشيطان من الفهم الفاسد، الذي كذبت به الله ورسوله، وإجماع الأمة، وتحيزت به إلى عبادة الطواغيت؛ فإن فهمت هذا، وإلا أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء، إلى من الهداية بيده، فإن الخطر عظيم؛ فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة، ما يسوى بضيعة تربح تومان أو نصف تومان. وعندنا ناس، يجيئون بعيالهم بلا مال، ولا جاعوا ولا شحذوا، وقد قال الله تعالى في هذه المسألة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢ والله أعلم.
следующие страницы →