← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

لا يَعْقِلُونَ﴾ ١. وإذا كان كلام الشيخ، ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات، أو مسألة القرآن، أو مسألة الاستواء، أو غير ذلك، مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه، ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله ﷺ ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه؛ فكلام الشيخ في هذا النوع، يقول: إن السلف كفروا النوع، وأما المعين، فإن عرف الحق وخالف، كفر بعينه، وإلا لم يكفر. وأنا أذكر لك من كلامه ما يصدق هذا، لعلك تنتفع إن هداك الله، وتقوم عليك الحجة قياما بعد قيام، وإلا فقد قامت عليك، وعلى غيرك قبل هذا. قال ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم، في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٢: ظاهره: أن ما ذبح لغير الله حرم، سواء لفظ به أو لم يلفظ، وهذا أظهر من تحريم ما ذبح للّحم، وقال فيه باسم

стр. 4237

المسيح ونحوه، فإن عبادة الله والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور؛ فكذلك الشرك بالنسك لغيره، أعظم من الاستعانة باسمه. وعلى هذا لو ذبح لغير الله متقرب إليه، وإن قال فيه بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين، لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان; ومن هذا الباب، ما قد يفعله الجاهلون بمكة وغيرها، من الذبح للجن، انتهى كلامه بحروفه. فانظر كلامه فيمن ذبح لغير الله، وسمى الله عليه عند الذبح، أنه مرتد تحرم ذبيحته، ولو ذبحها للأكل، لكن هذه الذبيحة تحرم من جهتين: من جهة أنها مما أهل به لغير الله، وتحرم أيضا لأنها ذبيحة مرتد؛ يوضح ذلك ما ذكرته: أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم، صاروا مرتدين؛ فأين هذا من نسبتك عنه، أنه لا يكفر أحدا بعينه؟ وقال أيضا في أثناء كلامه على المتكلمين، ومن شاكلهم، لما ذكر عن أئمتهم شيئا من أنواع الردة، والكفر، قال ﵀: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة، التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة، التي يعلم المشركون واليهود والنصارى، أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها،

стр. 4238

مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من النبيين والملائكة وغيرهم؛ فإن هذا أظهر شرائع الإسلام. ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين؛ وكثير منهم، تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول مختلف الحديث؛ وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في الردة، كما صنف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين. هذا لفظه بحروفه. فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه، في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤوسهم، فلانا وفلانا بأعيانهم، وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة؛ هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المعين لا يكفر، ولو دعا عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحب عبد الله بن عون، وزعم أن دينه حسن، مع عبادته أبي حديدة، ولو أبغضك واستنجسك، مع أنك أقرب الناس إليه، لما رآك ملتفتا بعض الالتفات إلى التوحيد، مع كونك توافقهم على شيء

стр. 4239

من شركهم، وكفرهم؟! وقال الشيخ أيضا في رده على بعض المتكلمين وأشباههم: والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا لا يوجب السعادة إلا بالإيمان بالله وحده؛ وإنما قوة الذكاء بمنْزلة قوة البدن، وأهل الرأي والعلم، بمنْزلة الملك والإمارة. فكل منهم لا ينفعه ذلك، إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويتخذه إلها دون ما سواه، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ وهذا ليس في حكمتهم، ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك في العالم، إنما حدث بزي جنسهم؛ فهم الآمرون بالشرك الفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك لم ينه عنه؛ بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحا ما، فقد يرجح غيرهم من المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعا؛ فتدبر هذا فإنه نافع جدا. وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام، لا ينهون عن الشرك، ويوجبون التوحيد، بل يسوغون الشرك، ويأمرون به؛ وهم إذا ادعوا التوحيد، فإنما توحيدهم بالقول، لا بالعبادة والعمل؛ والتوحيد الذي جاءت به الرسل، لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين كله لله، وعبادته وحده

стр. 4240

لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه، إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات؛ فلو كانوا موحدين بالكلام، وهو: أن يصفوا الله بما وصفته به رسله، لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في النجاة، بل لا بد أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلها دون ما سواه؛ وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فكيف وهم في القول معطلون جاحدون، لا موحدون ولا مخلصون؟ انتهى. فتأمل كلامه، واعرضه على ما غرك به الشيطان من الفهم الفاسد، الذي كذبت به الله ورسوله، وإجماع الأمة، وتحيزت به إلى عبادة الطواغيت؛ فإن فهمت هذا، وإلا أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء، إلى من الهداية بيده، فإن الخطر عظيم؛ فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة، ما يسوى بضيعة تربح تومان أو نصف تومان. وعندنا ناس، يجيئون بعيالهم بلا مال، ولا جاعوا ولا شحذوا، وقد قال الله تعالى في هذه المسألة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢ والله أعلم.

стр. 4241

[مسألة التكفير والتصريح به للمعين] وله أيضا: أعتقه الله من النار: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن إبراهيم، هدانا الله وإياه. وبعد: ما ذكرت من مسألة التكفير، وقولك أبسط الكلام فيها، فلو بيننا اختلاف، أمكنني أبسط الكلام أو أمتنع; وأما إذا اتفقنا على الحكم الشرعي، لا أنت بمنكر الكلام الذي كتبت إليك، ولا أنا بمنكر العبارات التي كتبت إلي، وصار الخلاف في أناس معينين أقروا أن التوحيد الذي ندعو إليه دين الله ورسوله، وأن الذي ننهى عنه في الحرمين، والبصرة، والأحساء، هو الشرك بالله. ولكن هؤلاء المعينون، هل تركوا التوحيد بعد معرفته، وصدوا الناس عنه؟ أم فرحوا به وأحبوه، ودانوا به، وتبرؤوا من الشرك وأهله؟ فهذا ليس مرجعه إلى طالب العلم، مرجعه إلى علم الخاص والعام. مثال ذلك: إذا صح أن أهل الأحساء والبصرة، يشهدون: أن التوحيد الذي تقول، دين الله ورسوله، وأن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات، هو الشرك بالله، ولكن أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة. والمرجع في المسألة، إلى الحضر والبدو والنساء

стр. 4242

والرجال؛ هل أهل "قبة الزبير" و "قبة الكواز" تابوا من دينهم، وتبعوا ما أقروا به من التوحيد؟ أم هم على دينهم؟ ولو يتكلم الإنسان بالتوحيد، فسلامته على أخذ ماله؟ فإن كنت تزعم: أن الكواوزة، وأهل الزبير تابوا من دينهم، وعادَوْا من لم يتب، فتبعوا ما أقروا به، وعادَوْا من خالفه، هذا مكابرة. وإن أقررتم: أنهم بعد الإقرار، أشد عداوة ومسبة للمؤمنين والمؤمنات، كما يعرفه الخاص والعام، وصار الكلام في اتباع المويس، وصالح بن عبد الله، هل هم مع أهل التوحيد؟ أم هم مع أهل الأوثان؟ بل أهل الأوثان معهم، وهم حربة العدو، وحاملو الراية؛ فالكلام في هذا نحيله على الخاص والعام. فأود أنك تسرع بالنفور، فتتوجه إلى الله، وتنظر نظر من يؤمن بالجنة والخلود فيها، ويؤمن بالنار والخلود فيها، وتسأله بقلب حاضر أن يهديك الصراط المستقيم. هذا مع أنك تعلم ما جرى من ابن إسماعيل، وولد ابن ربيعة، سنة الحبس، لما شكونا عند أهل "قبة أبي طالب" أن يكسيه صاية، وجميع من معك، من خاص أو عام، معهم إلى الآن، وتعرف روحة المويس، وأتباعه لأهل "قبة الكواز" و "سية طالب" يوم يكسيه صاية،

стр. 4243

ويقول لهم: طالع أناس ينكرون قببكم، وقد كفروا، وحل دمهم ومالهم. وصائر هذا عندك، وعند أهل الوشم، وعند أهل سدير، والقصيم، من فضائل المويس ومناقبه، وهم على دينه إلى الآن، مع أن المكاتب التي أرسلها علماء الحرمين، مع المزيودي سنة الحبس، عندنا إلى الآن، وقد صرحوا فيها: أن من أقر بالتوحيد كفر، وحل ماله ودمه، وقتل في الحل والحرم، ويذكرون دلائل على دعاء الأولياء في قبورهم، منها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ١. فإن كانت ليست عندك، ولا صبرت إلى أن تجيء، فأرسل إلى ولد محمد بن سليمان في أشيقر، ولسيف العتيقي، ويرسلونها إليك، ويجيبون عن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ أنهم يدعون على أنهم المعطون، المانعون بالأصالة، وأما دعوتهم على أنهم شفعاء فهو الدين الصحيح، ومن أنكره قتل في الحل والحرم. وأيضا: جاءنا بعض المجلد الذي صنف القباني، واستكتبه أهل الأحساء، وأهل نجد، وفيه نقل الإجماع، على تحسين "قبة الكواز" وأمثالها، وعبادتها، وعبادة "سية طالب"؛ ويقول في تصنيفه: إنه لم يخالف في تصنيفه إلا

стр. 4244

ابن تيمية وابن القيم، وعشرة أنا عاشرهم، الجميع اثنا عشر، فإذا كان يوم القيامة، اعتزلوا وحدهم عن جميع الأمة، وأنتم إلى الآن على ما تعلم مع شهادتكم أن التوحيد دين الله ورسوله وأن الشرك باطل. وأيضا: مكاتيب أهل الأحساء موجودة، فأما ابن عبد اللطيف، وابن عفالق، وابن مطلق، فحشو بالزبيل أعني: سبابة التوحيد، واستحلال دم من صدق به، أو أنكر الشرك؛ ولكن تعرف ابن فيروز، أنه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة، ومع هذا صنف مصنفا أرسله إلينا، قرر فيه: أن هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله، هو الدين الصحيح، واستدل في تصنيفه بقول النابغة: أيا قبر النبي وصاحبيه ... ووامصيبتنا لو تعلمونا وفي مصنف ابن مطلق الاستدلال بقول الشاعر: وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب ولكن الكلام الأول، أبلغ من هذا كله، وهو شهادة البدو، والحضر، والنساء والرجال، أن هؤلاء الذين يقولون: التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، ويسبونه، ويصدون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الشرك، بالنفس والمال،

стр. 4245

خلاف ما عليه الرسل وأتباعهم، فإنهم يجاهدون ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ١. وأما قولك: أبغي أشاور إبراهيم، فلا أود أن تصير ثالثا لابن عباد، يقول: أي شيء أفعل بالعناقر، وإلا فالحق واضح، ونصحتهم وبينت لهم، وابن عيد أنت خابره، حاول إبراهيم في الدخول في الدين، وتعذر الناس أن إبراهيم ممتنع، يا سبحان الله! إذا كان أهل الوشم، وأهل سدير وغيرهم، يقطعون: أن كل مطوع في قرية، لو ينقاد شيخها، ما منهم من أحد يتوقف، كيف يكون قدر الدين عندكم؟ كيف قدر رضى الله والجنة؟ كيف قدر النار وغضب الله؟ ولكن أود أن تفكر فيما تعلم، لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم: أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عثوا في دمائهم؛ ومعلوم أن كلا من الطائفتين، أهل العراق وأهل الشام، معتقدة أنها على الحق، والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم، وقتلهم، لكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف. أترى أهل الشام، لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم، والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحدا من الصحابة، يشك في كفر من التجأ

стр. 4246

إليهم؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان؟ فتفكر في هذه القضية، فإنها لا تبقي شبهة إلا على من أراد الله فتنته. وغير ذلك قولك: أريد أمانا على كذا وكذا; فأنت مخالف، والخاص والعام يفرحون بمجيئك، مثلما فرحوا بمجيء ابن غنام، والمنقور، وابن عضيب، مع أن ابن عضيب أكثر الناس سبا لهذا الدين إلى الآن، وراحوا موقرين محشومين، كيف لو تجيء أنت؟ كيف تظن أن يجيئك ما تكره؟ فإن أردت تجديد الأمان على ما بغيت، فاكتب لي، وإن لم تأتنا فكما قال ابن القيم في النونية: يا فرقة جهلت نصوص نبيها ... وقصوده وحقائق الإيمان فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والتكفير والطغيان لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان المراد تعريفك، لما صدقتك أن لك نظرا في الحق، أن في ذلك الزمان من يكفر العلماء، إذا ذكروا التوحيد، ويظنونه تنقيصا للنبي ﷺ ، فما ظنك بزمانك هذا؟ وإذا كان المكفرون ممن يعدون من علمائهم، فما ظنك بولد المويس وفاسد وأمثالهما؟ يوضحه تسجيلهم على جواب علماء مكة، ونشره، وقراءته على جماعتهم، ودعوتهم إليه.

стр. 4247

وذكر ابن عبد الهادي، في مناقب الشيخ، لما ذكر المحنة التي نالته، بسبب الجواب في شد الرحل، فالجواب الذي كفروه بسببه، ذكر أن كلامه في هذا الكتاب أبلغ منه؛ فالعجب إذا كان الكتاب عندك، وعلماء في زمن الشيخ كفروه بكلام دونه، فكيف بالمويس وأمثاله لا يكفروننا بمحض التوحيد؟! وذكر ابن القيم في النونية ما يصدق هذا الكلام، لما قالوا له: إنك مثل الخوارج، رد عليهم بقوله: من لي بمثل خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا حسبان ثم ذكر في البيت الثاني: ان هؤلاء يكفروننا بمحض الإيمان، والخوارج يكفرون بالذنوب، وكلامي هذا تنبيه أن إنكار التوحيد متقدم، وكذلك التكفير لمن اتبعه، وأنت لا تعتقد أن الزمان صلح بعدهم، ولا تعتقد أن المويس وأمثاله أجل وأورع من أولئك الذين كفروا الشيخ وأتباعه، وعد ابن عبد الهادي من كتبه كتاب "الاستغاثة" مجلدا، وجاءنا من الشام مع مربد. وسببه: أن رجلا من فقهاء الشافعية، يقال له ابن البكري، عثر على جواب للشيخ في الاستغاثة بالموتى في الشدائد، فأنكر ذلك، وصنف مصنفا في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله فيه، وصرح بتكفير الشيخ

стр. 4248

في ذلك الكتاب، وجعله مستنقصا للأنبياء، وأورد فيه آيات وأحاديث. فصنف الشيخ كتاب "الاستغاثة"، ردا على ابن البكري، وقرر فيه مذهب الرسل وأتباعهم، وذكر أن الكفار لم يبلغ شركهم هذا، بل ذكر الله عنهم أنهم إذا مسهم الضر أخلصوا، ونسوا ما يشركون. والمقصود: أن في زمن الشيخ ممن يدعي العلم والتصنيف، من أنكر التوحيد، وجعله سبا للأنبياء والأولياء، وكفر من ذهب إليه؛ فكيف تزعم أن عبدة قبة الكواز، وأمثالها، ما أنكروه؟! بل تزعم أنهم قبلوه، ودانوا به، وتبرؤوا من الشرك، ولا أنكروا إلا تكفير من لا يكفر. وأعظم وأطم: أنكم تعرفون أن البادية، قد كفروا بالكتاب كله، وتبرؤوا من الدين كله، واستهزؤوا بالحضر الذين يصدقون بالبعث، وفضلوا حكم الطاغوت على شريعة الله، واستهزؤوا بها، مع إقرارهم بأن محمدا رسول الله، وأن كتاب الله عند الحضر، لكن كذبوا وكفروا، واستهزؤوا، عنادا؛ ومع هذا تنكرون علينا كفرهم، وتصرحون بأن من قال لا إله إلا الله لا يكفر. ثم تذكر في كتابك: أنك تشهد بكفر العالم العابد

стр. 4249

الذي ينكر التوحيد، ولا يكفر المشركين، ويقول هؤلاء السواد الأعظم ما يتيهون؛ فإن قلتم إن الأولين وإن كانوا علماء، فلم يقصدوا مخالفة الرسول بل جهلوا، وأنتم وأمثالكم تشهدون ليلا ونهارا، أن هذا الذي أخرجنا للناس من التوحيد، وإنكار الشرك، أنه دين الله ورسوله، وأن الخلاف منا: التكفير والقتال، ولو قدرنا أن غيركم يعذر بالجهل، فأنتم مصرحون بالعلم; والله أعلم. [بيان الشرك] وله أيضا رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم إلى الأخ فايز، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: مسألة الشرك بالله، بينها الله سبحانه، وأكثر الكلام فيها، وضرب لها الأمثال; ومن أعظم ما ذكر فيها، قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، مع أن الذي طلبوا منه، ليس شرك القلب. وأما كونك تعرفه، مثل معرفة الفواحش، وتكرهه كما تكرهها، فهذا له سببان: أحدهما: اللجأ إلى الله، وكثرة الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، بحضور قلب. الثاني: الفكرة في المثل الذي ضربه الله في سورة الروم،

стр. 4250

بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. فإذا أمعنت النظر وتأملت لو أن رجلا يشرك بين رسول الله ﷺ وبين مسيلمة في الرسالة، أنها أكبر قبحا من الفواحش؛ فكيف لو يشرك بين رسول الله ﷺ وبين امرأة زانية؟! وأنت تعرف أن أهل بلد، لو يصلون على شيخهم أو إمامهم كما يصلون على النبي ﷺ ، لعد هذا من أعظم الفواحش بكثير؛ فإذا وازنت بين هذا، وبين ما يفعله أكثر الناس اليوم، من دعوة الله، ودعوة أبي طالب، أو الكواز، أو أخس الناس، أو شجرة، أو حجر، أو غير ذلك، تبين لك أن الأمر أعظم مما ذكرنا بكثير كثير. لكن الذي غير القلوب، أن هذا تعودته وألفته، وتلك الأنواع لم تعودها القلوب، فلذلك تكرهها، لأن القلوب على الفطرة، إلا أن تتغير إذا كبرت بالعادات، والسلام. [نواقض الإسلام] وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب، بعد كلام له في الإسلام: هذا كلام حسن، لكن إذا عرفه المسلم، وجب عليه أن يعرف نواقضه. فإذا كان نواقض الوضوء ثمانية، فالذي

стр. 4251

ذكر في "الإقناع" أن نواقض الإسلام أكثر من أربعمائة. ولكن من أشهرها اثنتان: الأولى: الشرك، وهي أول النواقض التي ذكرها؛ وقد عرفتم الشرك وأنواعه، وكل إنسان يحتاج إلى تعلمه. الثانية: أنه ذكر من النواقض: من أبغض ما جاء به النبي ﷺ ولو عمل به -،كفر إجماعا; وقد علمتم ما جرى من المطاوعة، ومن العامة، من بعض الذين عرفوا التوحيد، والبراءة من الشرك، حتى إنهم أبغضوا إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأبغضوا التحية بالسلام، مع أنهم يعرفون ذلك. الثالثة: من استهزأ بشيء من دين الله إذا ذكر له؛ واذكر قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١. الرابعة: إذا ذكر له ثواب الله أو عقابه، استهزأ، وهو قوله: أو سخر بوعد الله أو وعيده. الخامسة: في آخر الباب: ويحرم تعلم السحر؛ وذكر أن من فعله أو رضي به كفر، وذكر أن منه ما يحبب بين اثنين، وهو الذي يسمى في زماننا العطف. السادسة: وهي من أهمها وأكثرها خطرا -:الإعراض عن دين الله لا يتعلمه، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ

стр. 4252

مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ﴾ ١ الآية؛ ويوجد هذا فيمن هو من أورع الناس، وأكثرهم عبادة. وكل هذه الست من أوقع الأشياء. وكثير منها يقع فيها الإنسان، ولا يدري أنه كفر، بل يظنه خفيفا؛ ومرادنا الإنسان الذي يدعي معرفة التوحيد، والبراءة من الشرك; ولكن من أنفع ما يكون: القراءة عليهم فيما جرى على رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة، في ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وتعريفهم أنه عند هذه المسألة التي وقعت بيننا بعينها. فالدين الذي أرسله الله به، هو الذي يسميه مطاوعتكم ... وفعلوا في عداوته أشياء، ما فعلها أبو جهل وأمثاله; والدين الذي يزينونه للناس، هو دين أهل مكة، الذي أرسل الله رسوله ينذر عنه؛ وفعل مطاوعتكم في نصرته الفرية، وتزيينه لمن سمع منهم، أشياء ما فعلتها قريش في نصرة دينهم. فأنفع العلم وأهمه وأكبره - مع أنه أوضحه -:معرفة ما جرى من قريش على الرسول ﷺ ومن تبعه، ومعرفة أنها مسألتنا بعينها، ومعرفة ما جرى من الناس من عداوة الدين، الذي جاء به الرسول ﷺ وبغضه وبغض من عمل به، واستحلال دمه وماله، ونصرة دين عريعر وأمثاله، والنجراني وأمثاله، والله أعلم.

стр. 4253

[الدين يكون على القلب واللسان والجوارح] وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر؛ فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد. مثال عمل القلب: أن يظن أن هذا الذي عليه أكثر الناس، من الاعتقاد في الأحياء والأموات حق، ويستدل بكون أكثر الناس عليه، فهو كافر مكذب للنبي ﷺ ، ولو لم يتكلم بلسانه، ولم يعمل إلا بالتوحيد. وكذلك إذا شك، لا يدري من الحق معه، فهذا لو لم يكذَب فهو لم يصدق النبي ﷺ ؛ فهو يقول عسى الله أن يبين الحق، فهو في شك، فهو مرتد ولو لم يتكلم إلا بالتوحيد. ومثل اللسان: أن يؤمن بالحق ويحبه ويكفر بالباطل ويبغضه، ولكنه تكلم مداراة لأهل الأحساء، ولأهل مكة أو غيرهم بوجوههم، خوفا من شرهم; وإما أن يكتب لهم كلاما يصرح لهم بمدح ما هم عليه، أو يذكر أنه ترك ما هو عليه، ويظن أنه ماكر بهم، وقلبه موقن أنه لا يضره، وهذا أيضا لغروره.

стр. 4254

وهو معنى قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ ١ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ٢ فقط لا لتغير عقائدهم. فمن عرف هذا، عرف أن الخطر خطر عظيم شديد، وعرف شدة الحاجة للتعلم والمذاكرة، وهذا معنى قوله في "الإقناع" في الردة: نطقا أو اعتقادا أو شكا أو فعلا، والله أعلم. [باب حكم المرتد] وقال أيضا، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم باب حكم المرتد، الذي يكفر بعد إسلامه، نطقا أو شكا أو اعتقادا أو فعلا، ولو مميزا، أو كان هازلا، لقوله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٣. فمن أشرك بالله تعالى كفر بعد إسلامه، ولو مكرها بحق كفر، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته كفر، أو جحد صفة من صفاته، أو ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها بعد النبي ﷺ ، أو استهزأ بالله أو رسله، أو هزل بشيء فيه ذكر الله تعالى. قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله ﷺ ، أو لما جاء

стр. 4255

به الرسول اتفاقا، كفر، أو جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، كفر إجماعا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١، أو سجد لصنم أو شمس أو قمر، أو أتى بقول أو فعل صريح، في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله تعالى، أو وجد منه امتهان القرآن، أو أنكر الإسلام كفر، لأن الدين عند الله الإسلام، أو سحر أو أتى عرافا فصدقه، أو جحد البعث كفر، أو أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني أو مجوسي، أو برئ من الإسلام أو القرآن أو النبي ﷺ ، أو يعبد الصليب. وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية. أقول: يتأمل المسلم الذي قصده اتباع أمر الله ورسوله، ما ذكره هؤلاء العلماء، وحكوا عليه إجماع المذاهب كلها، في أناس يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون، وأهل عبادة، لكنهم يعتقدون في بعض الأولياء، مثل عبد القادر، ومعروف الكرخي وغيرهما، ويتعلقون عليهم، يقولون: لهم جاه عند الله، كيف حكى العلماء إجماع المذاهب، على أن من فعل ذلك فهو كافر،

стр. 4256

ولو كان زاهدا. هذا الذي أنا طالب منهم، وأعظم من أن الرافضي إذا سب الشيخين، فقد توقف الإمام أحمد في تكفيره. وأما إذا اعتقد في علي أو الحسين فهو كافر، مع كونه يشهد أن لا إله إلا الله. أتظنون أن هذا في قوم مضوا؟ أتقولون الصحابة أراهم يكفرون أهل الإسلام؟ أم تظنون أن الذين يعتقدون في علي لا يشهدون أن لا إله إلا الله؟ فرحم الله امرأ نصح نفسه، ونصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم، والله أعلم. [نواقض الإسلام العشرة] وقال عفا الله عنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن فارس، سلام عليكم. وبعد: الواصل إليكم مسألة التكفير، من كلام العلماء، وذكر في "الإقناع" إجماع المذاهب كلها على ذلك؛ فإن كان عند أحد كلمة تخالف ما ذكروه في مذهب من المذاهب، فيذكرها وجزاه الله خيرا؛ وإن كان يبغي يعاند كلام الله، وكلام رسوله، وكلام العلماء، ولا يصغي لهذا أبدا، فاعرفوا أن هذا الرجل معاند ما هو بطلاب حق، وقد

стр. 4257

قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. والذي يدلكم على هذا: أن هؤلاء الذين يعتذرون بالتكفير، إذا تأملتهم إذا أن الموحدين أعداؤهم، يبغضونهم ويستثقلونهم، والمشركون والمنافقون هم ربعهم الذين يستأنسون إليهم؛ ولكن هذه قد جرت من رجال عندنا في الدرعية، وفي العيينة الذين ارتدوا وأبغضوا الدين. وقال أيضا: رحمه الله تعالى: اعلم: أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة: الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢؛ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن، أو القباب. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعا الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعا الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر.

стр. 4258

الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر إجماعا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١. السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢. السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٣. الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉، فهو كافر. العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ٥.

стр. 4259

ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل والجاد، والخائف، إلا المكره؛ وكلها من أعظم ما يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا؛ فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على محمد. [الشك في تكفير المعين الذي قامت عليه الحجة] وله أيضا، أسكنه الله الفردوس الأعلى: بسم الله الرحمن الر حيم إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: ما ذكرتم من قول الشيخ: كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة؟ فهذا من العجب، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا؟! فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة؛ ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من

стр. 4260

المسلمين، لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١. وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر; وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ٢،وقوله: " شر قتلى تحت أديم السماء " ٣، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد؛ وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها. وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف: على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؛ ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا. إذا علمتم ذلك، فإن هذا الذي أنتم فيه كفر: الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة

стр. 4261

، لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين. وأظهر مما تقدم: الذين حرقهم علي، فإنه يشابه هذا. وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم، فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم، فإن كان معكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم، والسلام. [الدليل على كفر من يأخذ النذور] وله أيضا، قدس الله روحه: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن سلطان، سلمه الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: لا يخفاك أنه ذكر لنا عنك كلام حسن، ويذكر أيضا كلام ما هو بزين، وننتظر قدومك إلينا ونبين لك، عسى الله أن يهدينا وإياك الصراط المستقيم. وجاءنا عنك أنك تقول: أبغيكم تكتبون لي الدليل، من قول الله، وقول رسوله، وكلام العلماء، على كفر الذين ينصبون أنفسهم للنذور، والنخي في الشدائد، ويرضون بذلك، وينكرون على من زعم أنه شرك. ويذكرون عنك أنك تقول: أبغي أعرضه على العلماء في الخرج، وفي الأحساء، ولكم علي أني ما أقبل منهم

стр. 4262

الطفايس والكلام الفاسد؛ فإن بينوا حجة صحيحة عن الله ورسوله، أو عن العلماء تفسد كلامكم، وإلا تبعت أمر الله ورسوله، واعتقدت كفر الطاغوت ومن عبدهم، وتبرأت منهم. فإن كنت قلت هذا، فهو كلام حسن، وفقك الله لطاعته. ولا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الأحساء وغيرهم، وأقول: كل إنسان أجادله بمذهبه، إن كان شافعيا فبكلام الشافعية، وإن كان مالكيا فبكلام المالكية، أو حنبليا أو حنفيا فكذلك، فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب، لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل، وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ ١. وأنا أذكر لك الدليل على هذا الأمر، وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه، وأحذرك عن الهوى والتعصب؛ بل اقصد وجه الله واطلب منه، وتضرع إليه أن يهديك للحق، وكن على حذر من أهل الأحساء أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة، أو يشبهوا عليك بكلام باطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ

стр. 4263

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأنا أشهد الله وملائكته إن أتاني منهم حق لأقبلنه على الرأس والعين؛ ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيناته. واعلم أرشدك الله: أن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، لمسألة واحدة، وهي: توحيد الله وحده، والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. والطاغوت هو الذي يسمى السيد، الذي ينخى وينذر له، ويطلب منه تفريج الكربات، غير الله تعالى؛ وهذا يتبين بأمرين عظيمين: الأول: توحيد الربوبية، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمور إلا هو، وهذا حق. ولكن أعظم الكفار كفرا، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون به، ولم يدخلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.

стр. 4264

فإذا تدبرت هذا الأمر العظيم، وعرفت أن الكفار يقرون بهذا كله، لله وحده لا شريك له، وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة، والتقرب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١،وفي الآية الأخرى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، فإذا تبين لك هذا، وعرفته معرفة جيدة، بقي للمشركين حجة أخرى، وهي أنهم يقولون: هذا حق، ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام; فالجواب القاطع، أن يقال لهم: إن الكفار في زمانه ﷺ منهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح، مثل اللات، ومنهم من يعتقد في الصالحين، وهم الذين ذكر الله في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٣، يقول تعالى: هؤلاء الذين يدعونهم الكفار، ويدعون محبتهم، قوم صالحون يفعلون طاعة الله، ومع هذا راجون خائفون. فإذا تحققت أن العلي الأعلى ﵎، ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين، وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله، والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين،

стр. 4265

وعرفت أن محمدا ﷺ لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام، ومن اعتقد في الصالحين، بل قاتلهم كلهم، وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام. وعرفت الأمر الثاني وهو توحيد الآلهية وهو أنه لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا يعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء، فقد أشرك بالله; وذلك النبي، أو الرجل الصالح، بريء ممن أشرك به، كتبرؤ عيسى من النصارى، وموسى من اليهود، وعلي من الرافضة، وعبد القادر من الفقراء. وعرفت أن الألوهية، هي التي تسمى في زماننا "السيد"، لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١.فتأمل قول بني إسرائيل - مع كونهم إذ ذاك أفضل العالمين – لنبيهم: اجعل لنا إلها، يتبين لك معنى الإله، ويزيدك بصيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢. فيا سبحان الله! إذا كان الله يذكر عن أولئك الكفار أنهم يخلصون لله في الشدائد، لا يدعون نبيا ولا وليا;

стр. 4266

وأنت تعلم ما في زمانك أن أكثر ما بهم الكفر والشرك، ودعاء غير الله عند الشدائد، فهل بعد هذا البيان بيان؟! وأما كلام أهل العلم: فقد ذكر في "الإقناع" في باب حكم المرتد، إجماع المذاهب كلهم، على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر مرتد، حلال المال والدم; وذكر فيه أن الرافضي إذا شتم الصحابة، فقد توقف الإمام في تكفيره، فإن ادعى أن عليا يدعى في الشدائد والرخاء، فلا شك في كفره؛ هذا معنى كلامه في "الإقناع". وهذا علي بن أبي طالب ﵁ لما اعتقد فيه النفع والضر أناس في زمانه، حرقهم بالنار، مع عبادتهم؛ فكذلك الذين يدعون شمسان وأمثاله وأجناسه، لا شك في كفرهم. واعلم: أن هذه المسألة، مسألة عظيمة جدا، وهي التي خلق الله الجن والإنس لأجلها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فأنت؛ اعرض هذا الكلام على كل من يدعي العلم، وأنا أعيذك بالله وجميع المسلمين، من التكبر والعناد، الذي يرد صاحبه الحق بعدما تبين؛ واعلم أن أكثر القرآن في هذه المسألة، وتقريرها وضرب الأمثال لها، والله أعلم.

стр. 4267

[معنى قوله تعالى لنبيه: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) ] وله أيضا، صب الله عليه من شآبيب بره، ووالى: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب، إلى ثنيان بن سعود، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: سألتم عن معنى قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١، وكونها نزلت بعد الهجرة، فهذا مصداق كلامي لكم مرارا عديدة، أن الفهم الذي يقع في القلب، غير فهم اللسان، وذلك: أن هذه المسألة من أكثر ما يكون تكرارا عليكم، وهى التي بوب لها الباب الثاني، في كتاب التوحيد، وذلك: أن العلم لا يسمى علما إلا إذا أثمر، وإن لم يثمر فهو جهل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢، وكما قال عن يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٣.والكلام في تقرير هذا ظاهر. والعلم هو الذي يستلزم العمل، ومعلوم تفاضل الناس في الأعمال تفاضلا لا ينضبط، وكل ذلك بسبب تفاضلهم في العلم؛ فيكفيك في هذا استدلال الصديق على عمر، في قصة أبي جندل، مع كونها من أشكل المسائل التي وقعت، في الأولين والآخرين، شهادة أن محمدا رسول الله. وسر المسألة: العلم بلا إله إلا الله ; ومن هذا قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ

стр. 4268

تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١. فإن العلم بهذه الأصول الكبار، يتفاضل فيه الأنبياء فضلا عن غيرهم; ولما نهى نوح بنيه عن الشرك، أمرهم بلا إله إلا الله، فليس هذا تكرارا. بل هذان أصلان مستقلان كبيران، وإن كانا متلازمين، فالنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت، ولا إله إلا الله الإيمان بالله، وهذا وإن كان متلازما، فنوضح لكم الواقع، وهو: أن كثيرا من الناس يقول: لا أعبد إلا الله، وأنا أشهد بكذا، وأقر بكذا، ويكثر الكلام، فإذا قيل له: ما تقول في فلان وفلان، إذا عبدا أو عبدا من دون الله؟ قال: ما علي من الناس، الله أعلم بحالهم، ويظن بباطنه أن ذلك لا يجب عليه. فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت، فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة، والإكثار منها، ويتبين عظم قدرها، كما بين ﷺ فضل سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ على غيرها من السور، ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها، وكذلك حديث موسى ﵇، فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة، كما في الحديث " أفضل الذكر: لا إله إلا الله " ٣ والسلام.

стр. 4269

[معنى قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) ] وسئل رحمه الله تعالى، عن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى آخر السؤال. فقال: الجواب والله الموفق للصواب، قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ١ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢، الآيتان لا اختلاف في حكمهن بين أحد، آيتان من كتاب الله؛ ولكن الكلام في حكم الذابح، هل هو مسلم، فيدخل حكمه في حكم الآية إذا ذبح وسمى الله عليها؟ فلو ترك التسمية نسيانا حلت ذبيحته، وكانت من الطيبات، بخلاف من ترك التسمية عمدا، فلا تحل ذبيحته. وكذلك أهل الكتاب، أعني اليهود والنصارى، ذبيحتهم ومناكحتهم حلال، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ٣ الآية، وأما المرتد فلا تحل ذبيحته، وإن قال فيها بسم الله، لأن المانع لذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية، لأن المرتد شر عند الله من اليهود والنصارى من وجوه: أحدها: أن ذبيحته من الخبائث. الثانية. أنها لا تحل مناكحته، بخلاف أهل الكتاب. الثالثة. أنه لا يقر في بلد المسلمين، لا بجزية ولا بغيرها. الرابعة: أن حكمه يضرب عنقه بالسيف، لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " ٤،

стр. 4270

بخلاف أهل الكتاب. فإذا تقرر هذا عندك، فاعرف أن الكلام في تحريم ذبيحة المرتد، لا في أن الله أمر بأكل ما سمي عليه، ولا تحليل طعام أهل الكتاب; وقولكم: لم تكفّرون من يعمل بفرائض الإسلام الخمس؟ فقد كان في زمن الرسول ﷺ من انتسب إلى الإسلام ثم مرق من الدين، كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث البراء بن عازب معه الراية، إلى رجل تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله، وقد انتسب إلى الإسلام وعمل به. ومثل: قتال الصديق والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، وتسميتهم مرتدين بعدما عملوا بشرائع الإسلام; ومثل إجماع التابعين على قتل الجعد بن درهم، وهو مشتهر بالعلم والدين، إلى غير ذلك، جرى وقائع لا تعد ولا تحصى. ومثل: بني عبيد الذين ملكوا مصر والشام وغيرها، مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة، ونصب القضاة والمفتين، لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا، ولم يتوقف أحد من أهل العلم والدين عن قتالهم، مع ادعائهم الملة، ومع قولهم لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعنا منكم.

стр. 4271

فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب؟ وهو: "باب حكم المرتد"، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعا كثيرة، كل نوع منها يكفّر الإنسان، ويحل دمه وماله؛ حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. والذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ ١ الآية، أسمعت الله كفّرهم بكلمة؟ مع كونهم في زمن النبي ﷺ يجاهدون معه، ويصلون ويزكون، ويصومون ويحجون، ويوحدون الله سبحانه، وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢ الآية؛ قالوا كلمة على وجه المزح واللعب، فصرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. فتأمل أرشدك الله، من انتسب إلى الإسلام، مرق من الإسلام لما أظهر خلاف ذلك، فكيف بما هو أطم من ذلك; فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام من مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق من الإسلام.

стр. 4272

وقولكم: هل تعلمون للنبي ﷺ دينا إلا الإسلام الذي جاء به جبرائيل؟ فمعلوم: أن رسول الله ﷺ قام يدعو الناس إلى التوحيد سنين عديدة، قبل أن يدعوهم إلى أركان الإسلام; ومعلوم: أن التوحيد الذي جاء به جبرائيل، أعظم فريضة، وهو أعظم من الصلاة والزكاة، والصوم والحج. فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من أركان الإسلام كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، واذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل، من نوح إلى محمد ﷺ ، لا يكفر لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يفعل كذا وكذا؟! فما الذي فرق بين رسول الله ﷺ وبين قريش؟ هل هو عند الممالك والرياسة والتطاول، أو عند لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فتفرقوا عند ذلك، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١. أتظن أن قريشا لو يعلمون أن هذا الكلام مجرد قول بلا عمل، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وينشؤون على دينهم، ولا يضرهم، وأن النبي ﷺ يرضى منهم بذلك، وأنه ما يحاربهم، ولا يكفرهم، ولا يقاتلهم، أتراهم يتركون التلفظ بلا إله إلا الله، كما هو اعتقادكم، أو دين الإسلام لفظ لا إله إلا الله، وأن من قالها فهو المسلم؟ وتؤثرون عليها حديث جبرائيل، وحديث: " بني الإسلام على

стр. 4273

خمسة أركان " ١‘ وحديث "أمرت أن أقاتل الناس"‘ وحديث أسامة، وحديث: " من صلى صلاتنا "،وحديث أنه إذا أغار كمن عند القرية، فإن سمع أذانا وإلا أثار الغارة عليها. ولكن الأمر كما قال عمر ﵁: (إنها لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة، حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) ، فذلك أنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن، وما ذمه، وقع فيه وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو فوقه، أو دونه، أو آثر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فإن كان سؤالك مسترشدا، فاسأل عن قول الله في إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ٢. قال شيخ الإسلام: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله; فتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم، ولو لم يفعله. وأسأل عن معنى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤،

стр. 4274

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٢ الآية. وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣، الآية وما أشبه ذلك; واسأل عن سبب نزول الآية، وما معناها، وإن كان غير ذلك فلا آسى على الهالكين، وصلى الله على محمد. [من رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب لمطوع ثرمدا] وقال أيضا قدس الله روحه، في رسالته لمطوع ثرمدا العاشرة ٤: قولك: إن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قد أقروا بتوحيد الربوبية، ثم أوردت الأدلة الواضحة على ذلك؛ وإنما قاتلهم رسول الله ﷺ عند توحيد الألوهية، ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية، إلا إذا انضم إليه توحيد الألوهية. فهذا كلام من أحسن الكلام وأبينه تفصيلا. ولكن عام أول، لما واجهنا إبراهيم، كتب له علماء سدير مكاتبة وبعثها لنا، وهي عندنا الآن، ولم يذكروا فيها إلا توحيد الربوبية؛ فإذا كنت تعرف هذا، فلأي شيء ما أخبرت إبراهيم ونصحته أن هؤلاء ما عرفوا التوحيد، وأنهم منكرون دين الإسلام؟

стр. 4275

وكذلك أحمد بن يحيى ساكن رغبة، عداوته لتوحيد الألوهية، والاستهزاء بأهل العارض، لما عرفوه - وإن كان يقرئه أحيانا - عداوة ظاهرة، لا يمكن أنها لا تبلغك; وكذلك ابن إسماعيل أنه نقض ما أبرمت في التوحيد. وتعرف أن عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة، كله من أوله إلى آخره، في إنكار توحيد الإلهية، وأتاكم به ولد محمد بن سليمان ساكن أثيثية، وقرأه عندكم، وجادل به جماعتنا; وهذا الكتاب مشهور عند المويس وأتباعه، مثل ابن سحيم وابن عبيد، يحتجون به علينا، ويدعون الناس إليه، ويقولون: هذا كلام العلماء. فإذا كنت تعرف أن النبي ﷺ ما قاتل الناس إلا عند توحيد الألوهية، وتعلم أن هؤلاء قاموا وقعدوا، ودخلوا وخرجوا، وجاهدوا ليلا ونهارا، في صد الناس عن التوحيد، يقرؤون عليهم مصنفات أهل الشرك، لأي شيء لم تظهر عداوتهم، وأنهم كفار مرتدون؟ فإن كان ظاهر لكأن أحدا من العلماء، لا يكفر من أنكر التوحيد، أو أنه يشك في كفره، فاذكره لنا وأفدنا; وإن كنت تزعم أن هؤلاء فرحوا بهذا الدين، وأحبوه، ودعوا الناس إليه، ولما أتاهم تصنيف أهل البصرة في إنكار التوحيد كفروه، وكفروا من عمل به.
следующие страницы →