← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ١. فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسالك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا الصحابة ولا عن التابعين؛ وقد نص غير واحد من العلماء، على أنه لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه; قلت: لكن بغير مستند، فكيف يقول القائل لميت: إني أستغيث بك، أو أستجير بك، أو أنا في حسبك؟! فتبين: أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيرا، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح؟ بل مفسدته راجحة على مصلحته، كأمثال من دعا غير الله; وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب، أو ميت، تتمثل لهم الشياطين؛ وربما كانت في صورة الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام؛ وهذا مما جرى لغير واحد، فينبغي أن يعرف هذا. ومن هؤلاء: من يؤذي الميت بسؤاله إياه، أعظم مما يؤذيه لو كان حيا، وربما قضيت حاجته مع ذنب يلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ﷺ أحيانا فيعطيه، ويقول:

стр. 5252

" إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج يتأبطها نارا " ١، وقال ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا "، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢. وقد قال غير واحد من السلف، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] قال: كانوا قوما صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد؛ حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت، انتهى. [قول ابن القيم في تدرج الشيطان بأصحاب القبور] وقال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أصحابها، من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب; ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره، وثنا، تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده; فإذا تقرر ذلك

стр. 5253

عندهم، نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله; فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منْزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] . وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، فعادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله; ويأبى الله ذلك، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون; انتهى. وهذا الذي قرره شيخ الإسلام، وابن القيم، وإخوانهم من أهل السنة، رحمهم الله تعالى، هو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي ذكره تعالى في كتابه عن رسله، وأنبيائه، من قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

стр. 5254

[سورة المؤمنون آية: ٣٢] . فمن لم يعرف هذا على الحقيقة، ويقبله ويدين الله به، فليس من الإسلام في شيء. وهذا التوحيد توحيد الرسل، الذي أنكره داود، وأقره على إنكاره - وقبول الشرك المنافي له - عثمان بن منصور، في كتبه الموجودة بعد موته، ونصره نظما ونثرا، وأنكر على شيخنا قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] ، ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٦] . والأصل - في خطأ هذين المذكورين، ومن تلقى عنهم شبهاتهم - إنما أخطؤوا في معنى لا إله إلا الله ; فلا ريب أن كل كلمة مستعملة في اللغة العربية، فالاستعمال يعبر بها عن مدلولها، وهو معناها الذي دلت عليه ووضعت له؛ ولا إله إلا الله خير الكلام، وأفضله، وتناولت الدين كله، ودلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما. وتضمنت أمرين هما أساس الدين: الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى نفيا عاما، وهي العبادة كما نطق به القرآن في مواضع كثيرة فـ "لا" هي أداة النفي، دخلت على المنفي بها، فانتفى إذا قاله الموحد. الأمر الثاني: المستثنى بإلا وهو الله وحده دون كل ما سواه، من قبر أو وثن أو شجر، أو حجر أو غير ذلك، فلا يقصد بشيء من أنواع العبادة شيئا سوى الله تعالى وحده. فدلت على هذين الأمرين مطابقة، وهو معنى قوله:

стр. 5255

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٢] ، وبعدها قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] . فقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ هو معنى لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ هو المستثنى في كلمة الإخلاص. وأمثال هاتين الآيتين في القرآن كثير، لا يكاد يحصر، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، ففي هذه الآية: الأمران، نفيا وإثباتا، كما في كلمة الإخلاص، وكقول يوسف ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وهذا هو الحكم الشرعي الديني، الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب. وكل شريعة فمبناها على الأصل الأصيل، فإذا قيل: لا إله إلا الله، معناها: نفي الشرك، فدلالتها عليه دلالة تضمن، أو قيل دلت على إخلاص العبادة لله تعالى، فدلالتها على ذلك دلالة تضمن؛ ومثله في القرآن قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] عرفوا على شركهم أنها دلت على ترك عبادتهم لآلهتهم. وهذه المعرفة لم تحصل من هؤلاء المجادلين في هذا

стр. 5256

الدين; بل قلبوا الحقيقة، واتخذوا الشرك المنفي بها دينا وقربة؛ والمثبت بها عندهم، هو المنكر الذي أنكروه على من دعا إليه، وقال: إن دعواه أن أرباب القبور لا يدعون، ولا يستغاث بهم، منكر; فأنكروا ما أثبتته كلمة الإخلاص، وأثبتوا ما نفته من الشرك وعبادة الأوثان; فانظر إلى هذا الجهل العظيم، والضلال المبين؛ هذا الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه، وشابهوا أهل الكتاب والفلاسفة في شبهاتهم وترهاتهم، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. وأدلة هذه الدعوة، التي قام بها شيخنا رحمه الله تعالى، من الكتاب والسنة، واعتبار الواقع، أبين من الشمس في نحر الظهيرة، ليس دونها قتر ولا غمام; وذلك أنه قام بهذا الدين وحده، لم يساعده غيره على معرفته، فدعا إليه، فما زال يزيد واحدا بعد واحد، حتى أتاح الله له أنصارا، فأنكر الجم الغفير، والخلق الكثير من أهل نجد، والقرى والأمصار، وبذلوا الجد والجهد في إطفاء هذا النور من كل ناحية، وكل قبيلة، فما ظفروا بما أرادوا؛ وأبى الله إلا أن يتم نوره. فانقلب المعادي لهم مسالما، وأقروا له بصحة ما قام به من الدين، وشهد له بصحته [أهل] نجد والحجاز وعمان، وتابعوه ودانوا بهذا الدين وقبلوه، وأيده العلماء

стр. 5257

بالتصانيف في تقرير هذه الدعوة; منهم: محمد بن إسماعيل الصنعاني، صنف "تطهير الاعتقاد في درن الإلحاد"، والشيخ حسين بن غنام، صنف "العقد الثمين"، وغيرهم؛ وبعضهم نظم ذلك في شعر أنشأه، من أهل فارس والبحرين وغيرهم; فلو ذهبنا نذكر من أقر بذلك من أهل الأمصار، لطال الجواب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. ويكفي في حق من جادل في التوحيد ما ذكره الله في كتابه، من خلود الأبد في النار، لمن أشرك بالله غيره في العبادة؛ أجارنا الله وإخواننا المسلمين من الشرك بالله، واتباع سبل الشيطان، وهي البدع والشبهات، كما فسر العلماء بذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] . والحمد لله على رؤية الحق، والبصيرة في الدين، ونسأله الثبات والاستقامة على الإخلاص والسنة، حتى نلقى الله تعالى بالإسلام الذي يحبه ويرضاه. وهذا الذي ذكرنا ظاهر بحمد الله، لا يخفى إلا على الجهلة الذين ليس لهم التفات إلى العلم، أو منكوس القلب، زين له الشيطان الباطل، فرآه في صورة الحق، وصدقه، حتى صار عنده الحق بمنْزلة الباطل، فأخذ يجادل ويماحل، ويفتري الكذب عليه ويجتري. وشيخنا ﵀ إنما أنكر ما وقع في هذه الأمة، من هذا

стр. 5258

الشرك الذي أخبر النبي ﷺ بوقوعه، وقد وقع بعد القرون المفضلة، وعظمت القبور ببناء المساجد عليها، وعبدت من دون الله، رغبة إليها وخوفا، ورجاء وتعظيما ومحبة، وصرفوا لها خصائص الإلهية، التي لا يصلح منها شيء لغير الله تعالى؛ وما زال العلماء من أهل السنة ينكرون هذا الشرك، كابن عقيل، وأبي شامة، وابن وضاح وغير هؤلاء مما لا يمكن حصرهم. وممن اشتهر عنه إنكاره وبيانه، والجواب عما شبه به المشركون، والرد على من اعتقد هذا الشرك، وأجازه، شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وتبعهم على هذا في عصرهم الخلق الكثير من أهل السنة؛ وبعدهم بمدة رجع أكثر الأمة على ذلك، لكثرة المخالفين للحق في تلك الأعصار، وفي أكثر الأمصار، حتى غلب الشرك، ونسي العلم الذي بعث الله به رسله، من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، فاستحكمت الغربة، وعظمت البلية. وفي حدود القرن العاشر وما بعده، لا يعرف أحد من العلماء تكلم بالتوحيد ودعا إليه، وعرف هذا الشرك ونهى عنه، حتى أظهر الله هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في آخر هذه الأمة، وهي نعمة عظيمة، فبين حقيقة التوحيد، وأنواعه، على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، لا يعدل عن طريقتهم.

стр. 5259

فأنكر كل بدعة بأدلة الكتاب والسنة، وأحيا السنن، وحمل من اتبعه وأطاعه على العمل بالتوحيد، وشرائع الإسلام، والنهي عن جميع المحارم والآثام، فأخرج الله به الكثير من الظلمات إلى النور؛ فتركوا عبادة الأشجار والأحجار، والطواغيت والقبور، والتزموا ما شرعه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . واعتمد على ما ذكره المفسرون من أهل السنة، كأبي جعفر بن جرير، والعماد بن كثير وغيرهما، كتفسير ابن أبي حاتم الرازي وغيرهما، والبغوي وغير هؤلاء، ممن سلمت عقائدهم. واعتمد كتب الحديث التي أجمعت الأمة في الجملة على قبولها، كالصحيحين، والسنن والمسانيد، ففهم من هذه الكتب، ﵀ أدلة التوحيد وبيانه، والشرك المنافي للتوحيد وبيانه، مع أن الأكثر لم يعرفوا ذلك منها تفصيلا. واعتمد ما رجحه المحققون من الفقهاء، في كتب الفقه، بالأدلة من الكتاب والسنة؛ فطريقته ﵀، لم تخرج عن هذا، وبين اختلاف الفقهاء، وصنف في ذلك المصنفات، وانتشرت مصنفاته بمضمون ما ذكرناه. إذا عرفت ذلك، فلا عبرة بما يقوله المخالف المعاند، الذي أشرب قلبه بالشرك، والبدع والضلال، ونصرة

стр. 5260

المشركين، وفتنة الجهال; فصار هؤلاء ضحكة بين الناس، فيما كذبوه وافتروه; فإذا كان الرسل لم يسلموا من الطعن فيهم، ونسبتهم إلى الجنون والضلال، فما بالك بمن هو دونهم بأضعاف. لكن بحمد الله، صار الغلبة للحق على الباطل، والصدق على الكذب، فلا يقدر مبطل أن يكذب أو يفتري، إلا وكذبه كل لسان من بعيد وقريب؛ فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.

стр. 5261

[العثور على أوراق بخط عثمان منها منظومة لداود بن جرجيس يعظمه وينصره] وقال أيضا الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. أما بعد: فإنا قد رأينا أوراقا بخط عثمان بن منصور بعد وفاته، تنبئ عن سوء اعتقاده في هذه الدعوة، التي من الله بها في آخر هذه الأزمان، وأخرج الله بها الخلق الكثير من الظلمات إلى النور، فصار يعتقد خلاف ما يعتقده المسلمون; فالمسلمون عرفوا أنه هو الحق الذي دعت إليه الرسل، فصار يعتقد خلاف ذلك. فمن ذلك: أنا وجدنا له منظومة لداود بن جرجيس، يعظمه وينصره، لكونه أنكر التوحيد، وجوز الشرك الأكبر; وفي ورقة أخرى: ذكر فيها أحاديث الخوارج، يعني بذلك أن أهل هذه الدعوة خوارج، لتكفيرهم من كفروا، وهو يرى أن هذه الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، كما هو صريح كلامه. وذكر في هذه الورقة الاعتراض على شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀، في استدلاله بقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

стр. 5262

[سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية يعني أنه لا يصدق الاستدلال بهذه الآية على أحد من هذه الأمة. فالجواب: أما تأييده لداود، فكل من سمع به أنكره واستعظمه، وقد أجبت داود عما كتبه في عدة كراريس، فليرجع إليه. وعلى هذا يصلح جوابنا لشبهات داود في الرد على عثمان، فيما أورده من الاعتراض، ومن أيده ونصره. وله الحمد على فضله وعظم منته علينا، وعلى المسلمين، في معرفة الحق والصدق، وإنكار الشرك والفساد، فالحمد له حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مكفور، ولا مودع ولا مستغنى عنه. وأما استدلاله بأحاديث الخوارج، وتنْزيله المسلمين منْزلتهم، فهم أبعد الناس شبها بالخوارج; بل رأيهم في الخوارج هو رأي الصحابة ﵃; وأما ابن منصور وشيعته: فهم أقرب الناس شبها بالخوارج، بل هم أعظم، لتكفيرهم المسلمين بالتوحيد، وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له؛ فمن كفر المسلمين بالتوحيد، فهو أعظم بدعة من الخوارج، كما قال العلامة ابن القيم، رحمة الله تعالى: من لي بمثل خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا برهان ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التحقيق والبرهان وهذا هو الذي زعم ابن منصور أنه رأي الخوارج،

стр. 5263

هو إنكار الشرك على من أشرك بالله في عبادته، كما قد أطبق عليه أهل الوقت الذي أنكر عليهم شيخنا، فلا تكاد تجد بلدة أو قبيلة إلا وهم يعبدون أرباب القبور، والطواغيت الذين يدعون علم الغيب، وأنهم ينفعون من أرادوا نفعه، ويضرون من أرادوا ضره، بالنية والقصد، على القرب منهم والبعد، ويعبدون الأشجار والأحجار، من غير أن ينكره منكر. ولهذا أنكروا على من أنكره، حتى العلماء وأهل الفتوى والتدريس، وهذا هو الشرك الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب بتحريمه، والنهي عنه، والوعيد عليه بالنار. فدعاهم شيخنا ﵀: إلى أن يتركوا الشرك رأسا، ويخلصوا العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] إلى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] . وقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سورة يس آية: ٦٠-٦١] ؛ فالصراط المستقيم هو عبادة الله وحده، وترك ما زينه لهم الشيطان من عبادة الأوثان، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ

стр. 5264

الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] . وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] . فكل من أنكر إخلاص العبادة لله، وأجاز الشرك بأرباب القبور وغيرهم، فهو كافر بنصوص الكتاب المتظاهرة؛ وقد حكى العلماء الإجماع على ذلك، وهذا هو أصل دين الإسلام وأساسه، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فدعاهم شيخنا ﵀ إلى معنى هذه الكلمة، وهو ترك الشرك في العبادة، وإخلاصها بجميع أنواعها لله وحده، وأمرهم بفعل ما أوجب الله عليهم من حقوق التوحيد، وأعمال الإسلام، فدعاهم إلى العمل بأركان الإسلام، والتزام أركان الشريعة والعمل بها، وترك البدع. فتناولت دعوته الناس: العمل بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من الأمر بالتوحيد، والأعمال الصالحة، والنهي عن الشرك والبدع والفساد؛ فصار لا يوجد فيمن أطاعه واتبعه شرك ولا بدعة، ولا فساد، ومن ترك شيئا من أحكام الشرع ألزمه فعله؛ وبهذا أيد الله من آواه ونصره، على من ناوأه من الملوك والدول، لما قاتلوهم عند هذه الدعوة على كثرة من المقاتل والمخالف لهم، في كل جهة وبلدة وإقليم.

стр. 5265

ومن المعلوم: أن أعداء الرسل الأكثرون، وأتباعهم هم الأقلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة هود آية: ٤٠] ، وقال في ثمانية مواضع من سورة الشعراء، عند ذكر دعوة كل رسول يدعو قومه إلى التوحيد، في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨] ، وذلك في سور كثيرة أيضا، فتدبر; فليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا! وقد أظهر الله هذه الدعوة، وأعز من قام بها، وتمسك بها، ودمر من ناوأهم وعاداهم، وأعز من أطاعهم ووالاهم؛ فما بقي لمن ينكر هذه الدعوة من مدة سنين، إلا الواحد والاثنان; وكثير من العلماء صنفوا في هذه الدعوة المصنفات المفيدة، كما لا يخفى. [اعتراض ابن منصور على شيخنا والرد عليه] فنذكر اعتراض ابن منصور على شيخنا، بجهله وضلاله عن الهدى، فإنه قال في أوراقه التي وجدنا في كتبه - وهي ينادى عليها تباع بعد موته - قال: محمد بن عبد الوهاب، في مواضعه التي تكلم بها على السيرة، إذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام، وإن وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية،

стр. 5266

قال في الاعتراض: ظاهر هذا الكلام أن النجاشي ملك الحبشة كافر، حيث لم يصرح بعداوة قومه من النصارى; وأيضا: جعفر وأصحابه كفار، حيث لم يصرحوا بعداوة الحبشة، وكذلك مؤمن آل فرعون; فيا لله العجب! ما أعمى عين الهوى عن الهدى! انتهى. فالجواب: أما اعتراضه على شيخنا في استدلاله بالآية على تحريم موادة المشركين، فخطأ بين، فشيخنا رحمه الله تعالى، إنما قال بحكم القرآن: إن من فعل الشرك الأكبر تحرم موادته؛ وكذلك أرباب المعاصي، إذا أصروا عليها تحرم موادتهم، كما هو الواقع في كثير من الأمصار. فهذا هو الحق الذي دلت عليه الآيات، لا ينازع في هذا من عرف الواقع في الأمة، بعد القرون الثلاثة المفضلة، من الشرك الأكبر. فإذا كان عبادة الأموات، بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وقع ممن كان يعبدهم، كما يفعل عند عبد القادر بالعراق، وكما يفعل بالشام ومصر، ومن نحا نحوهم من الأعاجم وغيرهم، فإن هذا هو الشرك الأكبر، الذي الأدلة عليه، وعلى تحريمه أكثر من أن تحصر؛ فإنه هو الذي دلت عليه الآية من تحريم موادة المشركين، وصح الاستدلال بها، كما عليه عمل الصحابة فيمن عبد اللات، والعزى، ومناة، والأصنام وغيرها، من قريش وغيرهم سواء بسواء.

стр. 5267

فإن شرك هؤلاء أغلظ من شرك أولئك المشركين، من وجوه لا تخفى على ذوي البصائر; فإذا كان يعتقد أن هذا الذي يفعل عند القبور والمشاهد ليس بشرك، فقد وافق على هذا الاعتقاد، من كان يعبد اللات والعزى، ومناة وهبل، سواء من قريش وغيرهم، فإنهم نصبوا العداوة للنبي ﷺ لما نهاهم عن عبادة هذه الأوثان. فهذا أصل عظيم يتبين به المسلم من الكافر، والمخلص من المشرك، ولا عبرة بمن زين الشرك ورضيه، وهم الأكثرون عددا في السالفين والخالفين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] إلى قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] . وأما قوله: ظاهر هذا الكلام أن النجاشي ملك الحبشة كافر، حيث لم يصرح بعداوة قومه من النصارى. فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أنه لا اعتراض على حكم القرآن بتحريم موادة المشركين. الوجه الثاني: أن المهاجرين إلى الحبشة هاجروا ليأمنوا على دينهم، حيث لم يجدوا عن ذلك بدا، إذ لم يجدوا بلدا ولا قبيلة يأمنوا فيها غير الحبشة، وهذا في أول الدعوة قبل أن تفرض الفرائض، وتنْزل الآيات في الأحكام، وبيان الحلال من الحرام، وأعظم الفرائض بعد التوحيد الصلاة،

стр. 5268

وأخذوا عشرا بمكة لم تفرض عليهم صلاة ولا زكاة، ولا صوم ولا حج، وكذلك أحكام الهجرة والجهاد؛ كل هذا إنما نزل بعد ذلك بعد البعثة. الوجه الثالث: أن النجاشي أسلم، وطائفة من قومه كذلك أسلموا، فلهم حكم الظهور، وذلك معروف في السير والتفسير؛ فإذا ظهر الإسلام في بلد، لم تحرم الإقامة بها على من صان دينه، وأظهره. وكذلك جعفر وأصحابه، صان الله دينهم بما جرى لهم من النجاشي، قال: من سبكم غرم; فمن تابعهم في تلك البلاد قبلوا منه، ومن لم يتابعهم لم يتبعوه، ولم يلتفتوا إليه، فأظهروا دينهم على رغم من كره. والآية لا تتناول مثل هؤلاء - بحمد الله - بحيث لم تحصل منهم موادة لمشرك، ولا موافقة لهم؛ فأين هذا ممن يواد المشركين، ويظهر لهم محبتهم ومعاشرتهم؟ فهذا الذي لا يبقى معه إيمان. وأما مؤمن آل فرعون، فحذر وأنذر، ودعاهم بالترغيب والترهيب، وخوفهم من الكفر والتكذيب، قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [سورة غافر آية: ٤٥] الآية؛ فأخرجه الله منهم، ونجا مع بني إسرائيل لما أغرق آل فرعون، فسبحان الله! أين ذهب عقل هذا الرجل؟ فلا يدري ما يقول، ففاته من العلم المعقول والمنقول.

стр. 5269

وأما قوله: ما أعمى عين الهوى عن الهدى! هذا وصف القائل بعينه؛ فإنه أجاز الشرك ونصره، وخاصم أهل التوحيد في حق ربهم ﵎; وشيخنا رحمه الله تعالى، يقول: لا يدعى إلا الله، ولا يعبد سواه; وهذا يقول: يدعى ويستغاث بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة هود آية: ٢٤] . ثم قال في هذه الورقة، ثانيا: من هؤلاء المشركون الذين يطلب عداوتهم، وهم يبنون المساجد والمدارس، ويدعون بداعي الفلاح؟! فالجواب: هذا هو الذي حوله يدندن تارة، ويصرح، وتارة يلوح بأن الأمة في زمانه وما قبله ليس فيهم من تحرم موادته; بل كلهم لهم حكم الإسلام في زعمه، وهذا غاية الضلال. أما علم ما يقع عند قبور أهل البيت من الشرك العظيم، وغيرها من القبور التي بنيت عليها المساجد، وبنيت بأسمائهم المشاهد، وكثر عبادها بسؤالهم من الأموات قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم؟ وما ينحر لهم وما ينذر لهم، وغير ذلك مما لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل، والتفات إلى ما وقع؟ وقد عمت البلوى بهذا الشرك العظيم، فكيف يخفى هذا ويجحد؟!

стр. 5270

لكن لما لم يفهموا التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ولم يفهموا الشرك الذي نهى الله عنه في الآيات المحكمات، ولم يلتفتوا إلى ما بينه النبي ﷺ وأخبر به أنه يقع في الأمة من التفرق والاختلاف في الدين، ومشابهة أهل الكتاب، وأن الدين يعود وغريبا كما بدأ، فخفي على هذا وأمثاله هذا الشرك الجلي. فليس لهؤلاء من العلم ما يهديهم ولا ينجيهم؛ نعوذ بالله من موت القلوب، ورين الذنوب، وقد قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٧٣] الآية. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] ، ونحو هذه الآيات، وهي في القرآن أكثر من أن تحصر، في بيان الشرك، وأنواع العبادة التي وقع الشرك بها، في الأولين والآخرين، بدعاء الأموات الغائبين، ممن لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجيب، ولا يحبه منه ولا يرضاه. وأما قوله: وهم يبنون المساجد والمدارس، ويدعون بداع الفلاح، فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن اليهود والنصارى بنوا الكنائس والبيع والصوامع، ويتعبدون

стр. 5271

فيها، فلم يتركوا دينهم رأسا، ويقرؤون التوراة والإنجيل، ويحكمون بكثير من الأحكام الشرعية، مع ما وقع منهم من الكفر والشرك؛ وقد قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨] الآيات. وقال قبلها في حق عيسى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] ، وذكرهم في صدر سورة البقرة لما وقع منهم من عظائم الذنوب. الوجه الثاني: أن الشرك مبطل للأعمال، فلا ينفع معه عمل لامرئ، وإن قام ليله وصام نهاره؛ فصورة العمل لا تنفع إلا بالإخلاص والمتابعة. وكثير من الجهال اغتروا بصورة الأعمال، ولم يأتوا بشرطها وهو التوحيد، فصارت كسراب بقيعة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [سورة النور آية: ٣٩] الآية؛ فهذه حال الأعمال مع الشرك، كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. قال الفضيل بن عياض، في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، قال: "أخلصه وأصوبه; قيل له: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا".

стр. 5272

فالخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على سنة رسول الله ﷺ . وأيضا: فقد ذكر الفقهاء، في حكم المرتد: أن الرجل قد يكفر بقول يقوله، أو عمل يعمله، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ويصلي، ويصوم، ويتصدق، فيكون مرتدا تحبط أعماله ما قال أو فعل، خصوصا إن مات على ذلك، فيكون حبوط أعماله إجماعا، بخلاف ما إذا تاب قبل الموت، ففيه الخلاف. والمقصود: أن الأعمال لا ينفع منها شيء مع الشرك، ولهذا ذكر الفقهاء أن الردة تنقض الوضوء، لفوات النية بالردة، فيفوت استصحابها؛ وكل هذا بين لا يخفى إلا على البلداء الأغبياء. فبهذه الأمور يبطل ما احتج به، من أن الصلاة والأذان ينفع مع الشرك، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكه من عقل، والله أعلم. نسأل الله الثبات على الإسلام والسنة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء الحادي عشر من الدرر السنية، ويليه الجزء الثاني عشر، وأوله: وله أيضا ... إلخ.

стр. 5273

المجلد الثاني عشر: (القسم الثاني من كتاب مختصرات الردود) تابع كتاب مختصرات الردود ... [جواب الشيخ عبد الرحمن بن حسن على ابن منصور] وله أيضا: أي الشيخ عبد الرحمن بن حسن، صب الله عليه من شآبيب بره، ووالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. أما بعد: فليعلم أن هذا الذي علقته في هذه الورقات، قد اقتصدت فيه، واقتصرت على ما تحصل به الفائدة، ويحصل به الثواب من الكريم الوهاب، لأنه من أفضل الجهاد في الدين، والنصيحة لعامة المسلمين، ولمن يصل إليه ممن له رغبة في معرفة حقيقة الدين، الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين. فأقول - قبل الشروع في تحرير الجواب -: إن عثمان بن منصور اعترض على شيخنا ﵀، فيما دعا إليه من توحيد الله تعالى من الحنيفية ملة إبراهيم، وما بعث به محمد النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليهما، وعلى جميع المرسلين. فقال: إنه لم يتخرج على أشياخ في العلم، وهذا مما افتراه واختلقه، عمن استند إليه من شيوخه الثلاثة: ابن سند، وابن جديد، وابن سلوم؛ وهذا من جهلهم بحال شيخنا، وشدة عداوتهم له; فتلقى عن هؤلاء الثلاثة ما زعموه، من الكذب والبهتان. والجواب عن هذا: أنه لا يعرف شيخنا، ولا حيث نشأ،

стр. 5274

كما يعرفه الخبير بحاله، ممن يقول الحق ويقصده، ويتحرى الصدق ويؤثره ; فلا ريب أنه لما قدم جده سليمان بن علي، من الروضة، ونزل العيينة، كان أفقه من نزل نجدا في وقته، فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد، منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم. وكان المتولي للقضاء في العارض: أبوه عبد الوهاب; وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد، لحاجتهم إليه في الإفتاء، وما يقع بينهم من بيع العقارات، وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته؛ وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب. فظهر شيخنا بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير. وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي، وهمة عالية في طلب العلم، فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل بالدليل، على بعض الروايات عن الإمام أحمد، والوجوه عن الأصحاب، فتخرج عليهما في الفقه، وناظرهما في مسائل، قرأها في الشرح الكبير والمغني، والإنصاف، لما فيهما من مخالفة ما في متن المنتهى والإقناع. وعلت همته إلى طلب التفسير والحديث، فسافر إلى البصرة غير مرة، كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء، فأظهر الله له من أصول الدين، ما خفي على غيره، وكذلك ما كان عليه أهل السنة، في توحيد الأسماء والصفات والإيمان. فيقال في الجواب: أنت يا ابن منصور، إنما افتخرت

стр. 5275

برحلتك إلى البصرة والزبير، وأقمت بين أشياخك الثلاثة، فما الذي خصك بأخذ العلم منها دونه؟ إذا كان الكل قد سافر إليها، وجالس العلماء، وتميز عنك بالأخذ عما لا يتهم في حقه بالكذب والزور، وأنت قبلت فيه قول أهل الريب والفجور. فصنف في البصرة كتاب التوحيد، الذي شهد له بفضله بتصنيفه القريب والبعيد، أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث. وأما أنت يا ابن منصور فأي علم جئت به من رحلتك؟ ضيعت زمانك، وأخملت شأنك، وصرت ضحكة عند من أخذ عمن أخذ عن هذا الشيخ، وقد عدوا عليك من الغلطات ما لا فائدة في عدها هنا، وأنت لم تنقل عنهم واحدة غلطوا فيها، وذلك ببركة ما حصلوه ممن أخذ عن شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب ﵀، فكيف حالك لو رأيت من أخذ عنه؟ لكنت في نفسك أحقر; ومن الدليل على ما ذكرته هنا: أنه طلب الإجازة مني على هذا الكلام، فأجزته بمروياتي في الحديث وغيره، ظنا مني أنه على هدى، وأنه بأهل العلم قد اقتدى. ثم إن شيخنا رحمه الله تعالى، بعد رحلته إلى البصرة، وتحصيل ما حصل بنجد وهناك، رحل إلى الأحساء، وفيها فحول العلماء، منهم عبد الله بن فيروز، أبو محمد الكفيف، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم ما سر به، وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.

стр. 5276

وحضر مشائخ الأحساء، ومن أعظمهم: عبد الله بن عبد اللطيف القاضي، فطلب منه أن يحضر الأول من فتح الباري على البخاري، ويبين له ما غلط فيه الحافظ في مسألة الإيمان، وبين أن الأشاعرة خالفوا ما صدر به البخاري كتابه، من الأحاديث والآثار، وبحث معهم في مسائل وناظر؛ وهذا أمر مشهور يعرفه أهل الأحساء، وغيرهم من أهل نجد، فإذا خفي عليك يا ابن منصور، أو جحدته، فغير مستغرب، والعدو يجحد فضائل عدوه. كل العداوة قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين ثم إن شيخنا ﵀ رجع من الأحساء إلى البصرة، وخرج منها إلى نجد قاصدا الحج، فحج رحمه الله تعالى، وقد تبين له بما فتح الله تعالى عليه، ضلال من ضل، باتخاذ الأنداد، وعبادتها من دون الله، في كل قطر وقرية، إلا من شاء الله. فلما قضى الحج وقف في الملتزم، وسأل الله تعالى أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدا المدينة مع الحاج يريد الشام، فعرض له بعض سراق الحجيج، فضربوه وسلبوه، وأخذوا ما معه وشجوا رأسه، وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج. فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها، فأقام بها، وحضر عند العلماء إذ ذاك، منهم محمد حياة السندي، وأخذ عنه كتب الحديث إجازة في جميعها، وقراءة لبعضها، ووجد فيها بعض

стр. 5277

الحنابلة، فكتب كتاب الهدي لابن القيم بيده، وكتب متن البخاري، وحضر في النحو، وحفظ ألفية ابن مالك، حدثني بذلك حماد بن حمد عنه رحمهما الله. ثم رجع إلى نجد وهم على الحالة التي لا يحبها الله ولا يرضاها، من الشرك بعبادة الأموات، والأشجار، والأحجار، والجن، فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد، وأن يخلصوا العبادة بجميع أنواعها لله، وأن يتركوا ما كانوا يعبدونه من قبر أو طاغوت، أو شجر أو حجر؛ والناس يتبعه منهم الواحد والإثنان. فصاح به الأكثرون، وحذروا منه الملوك، وأغروهم بعداوته، حتى إن ابن حميد ملك الأحساء والقطيف والبادية، أرسل إلى ابن معمر أمير العيينة أن يقتله، أو ينفيه، فنفاه إلى الدرعية. وتلقاه محمد بن سعود ﵀، وأولاده، وإخوته، فصبروا على حرب القريب والبعيد، حتى أظهر الله هذا الدين، فنجا بدعوته من أنجاه الله من الشرك والضلال، وهلك بدعوته من هلك ممن بغى وطغى، واستكبر وحسد؛ وكل من دعا إلى ما دعت إليه الرسل، لا بد أن يقع له من الناس ما وقع لهم. والمقصود: ذكر نعمة الله تعالى على شيخنا رحمه الله تعالى، وبيان كذب المفتري، وأنه نشأ في طلب العلم، وتخرج على أهله في سن الصبا، ثم رحل لطلب العلم للبصرة مرارا وللأحساء، ثم إلى المدينة؛ والمعول على ما وهبه الله من الفهم والحفظ،

стр. 5278

وتمييز الحق من الباطل، ومعرفة حقيقة التوحيد، وما ينافيه من الشرك الأكبر، وسبيل أهل السنة، ومعرفة ما خالف السنة من البدع؛ أعطاه الله في ذلك علما عظيما، فصار بذلك يشبه أكابر علماء السنة، وما كان عليه السلف الصالح، فصار آية في العلوم، ونفع الله بدعوته الخلق الكثير، والجم الغفير، وبقيت علومه في الناس، يعرفها العام والخاص، من أهل نجد وغيره. وما أنكر هذه الدعوة الإسلامية، بعد ظهورها في نجد وما والاه، إلا جاهل معاند، لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري؛ فدحضت - بحمد الله - حجة كل مجادل ومعاند، ومما حل، فأتم الله نعمته على من قبل هذه الدعوة الإسلامية. وقد قال بعض العلماء، ﵏: الإخلاص سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان; فالحمد لله على تمام هذه النعمة العظيمة، التي لا نعمة أكبر منها، فلا أعظم منها ولا أنفع. إذا عرف مما تقدم ما افتراه ابن منصور على شيخنا، وأنه صدر عن غير علم ولا معرفة بحاله في نشأته وطلبه، فينبغي أن نزيد ما تقدم من الانتصار لإمام الدعوة الإسلامية النبوية رحمة الله عليه، فنقول: ما أدراه عن حال شيخنا رحمة الله عليه؟ وقد تقدم أنه لا دراية له ولا عناية له بحاله، يعرف ذلك مما قدمناه. ومن المعلوم أنه لا يعتني بمعرفة حال مثله، إلا من أحبه وأحب ما قام به، ودعا إليه، وأما من انحرف عنه، وعن

стр. 5279

دعوته في مبدأ نشأته، وتوجه برحلته إلى من اشتدت عداوته له في دينه، كابن سند، وابن جديد، وابن سلوم، فهؤلاء الثلاثة المذكورون قد أشربوا عداوة التوحيد ومن دعا إليه فصار أهل التوحيد هم أعداؤهم، بما أشربوه من كراهته، وكراهة من دان به. فلعله أخذ عنهم ما وضعه في كتبه من الزور، والكذب والفجور، وانتصر فيها لعباد القبور، وزعم أنهم مسلمون، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ويصلون; والعدو لا يرى محاسن عدوه، خصوصا إذا عاداه في الدين، وصاروا أعداء لكل موحد، ونصرة لكل مشرك ملحد، فأخذ عنهم هذه البضاعة، وشنع على إمام المسلمين بما أودعه كتبه غاية الشناعة؛ ولا ريب أن شره إنما يعود عليه، ويرجع وبال ذلك كله عليه. والمقصود: أن يعلم أن هؤلاء الثلاثة هم أشياخه، الذين تخرج عليهم بالانحراف عن الدين، وتضليل الموحدين، ولولا أنه شحن كتبه بذلك، لما ذكرناه، وهذا هو المحصول الذي حصله، والأساس الذي أسسه وأصله. فقدم بنجد بعد طول المقام، عند أولئك الملحدين المنحرفين عن الدين، فصار حظه جمع الكتب، من غير رواية لها ولا دراية، ولم ير للعلم عليه أثر. مع أن هؤلاء مع ما فيهم من العداوة، صاروا أعقل منه، فلم يكتبوا شيئا من هذه الأكاذيب، والزندقة، والتخليطات الفاسدة، وهذا لقلة عقله وفساد قصده جرى منه ما جرى.

стр. 5280

وبالجملة: فقد قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: فالحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته، والسعي في أذاه بكل ممكن، مع علمه بفضله وعلمه، وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته، إلا محاسنه وفضائله ; ولهذا قيل للحاسد: عدو النعم والمكارم. فالحاسد لم يحمله على معاداة المحسود، جهله بفضله أو كماله; وإنما حمله على ذلك: فساد قصده وإرادته، كما هي حال أعداء الرسل مع الرسل، انتهى. وقال العماد بن كثير في تفسيره، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٠] ؛ والآيات في هذا المعنى كثيرة، دلت على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر. ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم بكلماته، وبآياته التي أنزلها على نبيه ﷺ لهداية عباده أن يجعل ما كتبنا في هذا وغيره نصرة لهذا الدين، الذي أكرم به عباده المؤمنين، وأن لا يجعله انتصارا لأنفسنا، ولا لسلفنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم قال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: وقد أخبر شيخنا، رحمه الله تعالى أنه كان في ابتداء طلبه للعلم، وتحصيله في فن الفقه وغيره، لم يتبين له الضلال،

стр. 5281

الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله، من جن أو غائب، أو طاغوت أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك. ثم إن الله جعل له نهمة، في مطالعة كتب التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس، من هذا الشرك: أنه الشرك الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه. فبحث في هذا الأمر مع أهله، وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله، الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، فأعلن بالدعوة إليه، وبذل نفسه لذلك على كثرة المخالفين، وصبر على ما ناله من الأذى العظيم في ابتداء دعوته. فلما اشتهر أمره أجلبوا عليه بالعداوة، خصوصا العلماء والرؤساء، وحرصوا على قتله؛ فأتاح الله له من ينصره على قلة منهم وحاجة، وتصدى لحربهم القريب والبعيد، واستجلبوا على حربهم الدول. ونذكر بعض ما جرى عليهم ممن عاداهم، وتأييد الله لهم ونصره على قلة منهم وضعف، وقوة من عدوهم وكثرة، لما فيه من العبرة، والشهادة لهم أنهم على الحق، وعدوهم على الباطل، فأخذت من حفظي بعض الوقائع، التي جرت عليهم من عدوهم في الدين، وفيها شبه بما جرى لنبينا ﷺ من عدوه، ونصر الله له، فأقول:

стр. 5282

المقام الأول: أن شيخنا شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لما ألهمه الله رشده وفتح بصيرته في تمييز الحق من الضلال، وأنكر ما عليه الناس من الشرك فبادروه بالعداوة والإنكار لمخالفتهم ما قد اعتادوه ونشؤوا عليه هم وأسلافهم من الشرك والبدع; وأعظم من عاداه ونفر الناس من دعوته العلماء والرؤساء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة غافر آية: ٨٣] ، وفيه مشابهة لنبينا ﷺ فيما ناله من الرؤساء، والأحبار في الابتداء; فإن شيخنا رحمه الله تعالى أظهر هذه الدعوة في بلد العيينة - وهي في أعلى وادى حنيفة -، فاستحسن دعوته من استحسنها، وقبلها من قبلها، وأنكرها من أنكرها. ثم إن أهل الأحساء، لما استصرخوا شيخهم سليمان آل محمد، شيخ بني خالد، وأرسل إلى ابن معمر شيخ العيينة، بأن يقتله، فهاجر إلى الدرعية بلد محمد بن سعود، فتلقاه هو وأولاده بالقبول، وتابعهم على ذلك أكثر أهل بلده وقبيلته، على قلة منهم، وضعف، كما قدمناه. فصبروا على مخالفة الناس، والملوك ممن حولهم، والبعيد عنهم؛ وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب؛ ولهذا تحمل هذا الرجل وأتباعه، عداوة كل من عادى هذا الدين، قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٥] . وقد قال هرقل لأبي سفيان: وسألتك هل

стр. 5283

يرتد أحد سخطه لدينه، فذكرت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. فأشبه أمر هذا الشيخ، رحمه الله تعالى ما جرى لخاتم النبيين، حتى في مهاجره، وأنصاره، وكثرة من عاداه وناوأه في الابتداء، كما هو حال الحق في المبادي، يرده الكثير وينكرونه، ويقبله القليل وينصرونه; فأول من عاداهم: أقرب الناس إليهم بلدا، وأقواه كثرة ومالا، بلاد دهام بن داوس. وهو أول من شن الغارة عليهم على غفلة وغرة، وعدم الاحتساب منهم، فخرجوا إليه على فشل، فقتل منهم رجالا، منهم فيصل بن سعود، وسعود بن محمد بن سعود، فسبحان من قوى جأش هذا الرجل على نصرة هذا الدين، حين قتل ابناه; ثم سطا عليهم مرة ثانية، فقتل كثيرا ممن سطا بهم، فأخذ المسلمون الثأر منهم. ثم بعد ذلك استمر الحرب بينهم وبينه، أكثر من ثلاثين سنة، وفي تلك الثلاثين السنة أو أكثر، أعانه على حربهم أهل نجران، وابن حميد شيخ بني خالد، مرارا، فيأتونهم بأنواع الكيد والكثرة، فينصرهم الله عليهم، وفي ذلك أعظم عبرة. وبعد هذه المدة وقع بينه وبين المسلمين وقعة بين البلدين، فقتل فيها ابناه "دواس" و "سعدون" فانتهى أمره، فخرج من بلده هاربا في يوم صيف شديد الحر، وتبعه من تبعه؛ فصارت بلده فيئا للمسلمين، ولم يبق لآل دواس بعد ذلك عين تطرف،

стр. 5284

فاعتبروا يا أولي الأبصار! المقام الثاني: ما في دعوة هذا الشيخ ﵀ ابتداء، من المشابهة لما جرى للنبي ﷺ : في أول دعوته قريشا والعرب، إلى التوحيد، والإيمان بالقرآن، وقد قال ﷺ " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" ١. وفي حديث عمرو بن عبسة، الذي رواه مسلم وغيره، "أنه قدم مكة فاجتمع بالنبي ﷺ في أول بعثته، فأخبره أن الله بعثه بأن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا"، وغير ذلك مما هو مذكور في الحديث، من نفي عبادة الأوثان، والأمر بمكارم الأخلاق; فقال له عمرو: " من معك على هذا؟ قال: حر وعبد; ومعه يومئذ أبو بكر وبلال " ٢. فما زال الحق يزيد بزيادة من قبله، ودخل فيه، حتى أكمل الله لهذه الأمة الدين، وأتم عليهم النعمة. وقد قال هرقل لأبي سفيان، لما سأله عن أتباع النبي ﷺ : أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون، قال هرقل: وكذلك أتباع الرسل. وبهذه المشابهة يتحقق المنصف أن هذا الدين الذي دعا إليه هو الحق، وأنه هو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ كما دلت عليه الآيات المحكمات، التي لا يخفى معناها إلا على من عميت بصيرته، وفسدت سريرته. فتأمل حماية الله ونصره لمن قبل هذه الدعوة، ونصرها، على ضعف منهم في الحال، وقلة من العدد والرجال، مع كثرة

стр. 5285

من خالفهم من قريب وبعيد، وكثير وقليل مع الكيد الشديد، فأبطل الله كيدهم، وصارت الغلبة للحق وأهله، ومحق الله الباطل وأهله. المقام الثالث: وفيه حجة أيضا ومعتبر، ودليل على صحة هذا الدين، ومدكر لمن عقل وافتكر، وذلك أن الذين أنكروا هذه الدعوة، من الدول الكبار، والشيوخ وأتباعهم من أهل القرى والأمصار، أجلبوا على عداوة هذا العدد القليل، في حال تخلف الأسباب عنهم وفقرهم، فرموهم عن قوس العداوة. من أهل نجد: دهام بن داوس المتقدم ذكره، وابن زامل، وآل بجاد أهل الخرج، ومحمد بن راشد صاحب الحوطة، وتركي الهزاني، وزيد، ومن والاهم من الأعراب والبوادي، كذلك العنقري في الوشم ومن تبعه، وشيوخ قرى سدير والقصيم، وبوادي نجد، وابن حميد ملك الأحساء، ومن تبعه من حاضر وباد. كلهم مجمعون لحرب المسلمين، مرارا عديدة مع عريعر، وأولاده. منها: نزولهم على الدرعية، وهي شعاب لا يمكن تحصينها بالأبواب والبناء؛ وقد أشار إلى ذلك العلامة: حسين بن غنام ﵀، حيث يقول شعرا: وجاؤوا بأسباب من الكيد مزعج ... مدافعهم يزجي الوحوش رنينها فنَزلوا البلاد، واجتمع من أهل نجد حتى من يدعي أنه

стр. 5286

من العلماء؛ ولما قيل لرجل منهم، وهو من أمثل علمائهم وعقلائهم: كيف أشكل عليكم عريعر وفساده، وظلمه، وأنتم تعينونه وتقاتلون معه؟ فقال: لو أن الذي حربكم إبليس لكنا معه. والمقصود: أن الله تعالى ردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وحمى الله تلك القرية، فلم يشربوا من آبارها. وأما وزير العراق، فسار مرارا عديدة بما يقدر عليه من الجنود والكيد الشديد، وأجرى الله عليهم من الذل ما لا يخطر ببال، قبل أن يقع بهم ما وقع. من ذلك: أن ثويني في مرة من المرار، مشى بجنوده إلى الأحساء بعد ما دخل أهلها في الإسلام، في حال حداثتهم بالشرك والضلال، فلما قرب من تلك البلاد، أتاه رجل مسكين لا يعرف، من غير ممالأة لأحد من المسلمين، فقتله فمات؛ فنصر الله هذا الدين برجل لا يعرف، وذلك مما به يعتبر، فانفلّت تلك الجنود، وتركوا ما معهم من المواشي والأموال، خوفا من المسلمين ورعبا، فغنمها من حضر; وقد قال الشيخ حسين بن غنام في ذلك: تقاسمتم الأحساء قبل منالها ... فللروم شطر والبوادي لهم شطر ثم جددوا أسبابا لحرب المسلمين، وساروا بدول عظيمة يتبع بعضها بعضا، وكيد عظيم، فنَزلوا الأحساء، وقائدهم

стр. 5287

"علي كيخيا" فتحصن من ثبت على دينه في "الكوت" و "ثغر صاهود" فنَزل بهم، وصار يضربهم بالمدافع والقنابل، وحفر اللغوب؛ فأعجزه الله، ومن معه ممن ارتد عن الإسلام، فولى مدبرا بجنوده. فاجتمع بسعود بن عبد العزيز في "تاج" وغزوه الذين معه ﵀; والذين معه من المسلمين أقل من "المنتفق" و "آل ظفير" الذين مع الكيخيا، فألقى الله الرعب في قلوبهم على كثرتهم، وقوتهم، فصارت عبرة عظيمة؛ فطلبوا الصلح على أن يدعهم سعود يرجعون إلى بلادهم، فأعطاهم أمانا على الرجوع، فذهبوا في ذل عظيم; فلما قدم كل منهم مكانه، مات سليمان باشا؛ وذلك من نصر الله لهذا الدين، فأهلك الله من أنشأ هذه الدولة. تم قام علي كيخيا فصار هو الباشا، فأخذ يجدد آلة الحرب، فجمع من الكيد والأسباب، أعظم مما كان معه في تلك الكرة. فلما كملت أسبابه، وجمع الجموع، فلم يبق إلا خروجه لحرب المسلمين، لينتقم من أهل هذا الدين، سلط الله عليه صبيين مملوكين عنده يبيتونه، فقتلوه آخر الليل؛ فخمدت تلك النيران، وتفرقت تلك الأعوان، فما قام لهم قائمة حتى الآن. فيا لها من عبرة ما أظهرها لمن له أدنى بصيرة! فاعتبروا يا أولي الأبصار! فأين ذهب عقل من أنكر هذا الدين وجادل، وكابر في دفع الأدلة على التوحيد وماحل؟!

стр. 5288

المقام الرابع: ما جرى من العبر في حرب أشراف مكة، لهذه الدعوة الإسلامية، والطريقة المحمدية، وذلك أنهم من أول من بدأ المسلمين بالعداوة، فحبسوا حاجهم، فمات في الحبس منهم عدد كثير، ومنعوا المسلمين من الحج أكثر من ستين سنة؛ وفي هذه المدة سار إليهم غالب الشريف، بعسكر كثيف، وكيد عنيف، فقدم أخاه عبد العزيز قبله بالخروج، فنَزل على قصر بسام، فأقام مدة يضرب بالمدافع والقنابل، وجر عليه الزحافات؛ فأبطل الله كيده على هذا القصر، الضعيف بناؤه، القليل رجاله، فرحل منه. ووافى غالبا ومعه أكثر الجنود، ومعه من الكيد مثل ما كان مع أخيه أو يزيد، فنَزلوا جميعا "بالشعرى"، فأخذ في حربهم بكل كيد، فأعجزه الله، هو ومن معه، عن ذلك البناء الضعيف، الذي لم يتأهب أهله للحرب بالبناء، ولا بالسلاح، فأبطل الله كيده، ورده عنهم بعد الإياس والإفلاس. فسلط الله المسلمين على من كان معه من الأعراب، خصوصا "مطير" فأوقع الله بهم في العداوة ومعهم مطلق الجربا، فهزمهم الله تعالى، وغنم المسلمون جميع ما كان معهم من الإبل والخيل، وسائر المواشي؛ فصار ما ذكرناه من نصر الله، وتأييده لأهل هذا الدين، عبرة عظيمة، وفي جملة قتلاهم حصان إبليس. وبعد ما ذكرناه، جد غالب في الحرب، واجتهد، لكن صار حربه للأعراب، ولم يتعد النير، فيعدو على من استضعف

стр. 5289

ويغير، فأعطى الله أعراب المسلمين الظفر عليه في عدة وقعات، من أعظمها وقعة الخرمة على يد ربيع، وغزوه من أهل الوادي وقحطان، فهزمه الله تعالى، واشتد القتل في عسكره، فأخذوا جميع ما كان معه من المواشي وغيرها، فصار بعد ذلك في ذل وهوان. وفتح الله الطائف للمسلمين، وصار أميره عثمان بن عبد الرحمن، فاجتمع فيه دولة للمسلمين، وساروا لحرب الشريف، ومعهم عبد الوهاب أبو نقطة أمير عسير، وسالم بن شكبان أمير أكعل بيشة، فنَزلوا دون الحرم. فخرج إليهم عسكر من مكة فقتلوهم، فطلب الشريف المذكور منهم الأمان، فلم يقبلوا منه إلا الدخول في الإسلام، والبيعة للإمام سعود، فأعطاهم البيعة على يد رجال بعثوهم إليه، هذا بعد وقعات تركنا ذكرها كراهة الإطالة، لأن القصد بهذا الموضع: الاعتبار بما جرى لأهل هذه الدعوة، من النصر والتأييد، والظهور على قلة أسبابهم، وكثرة عدوهم وقوته، وذلك من آيات الله وبيناته على أن ما قام به هذا الشيخ في حال فساد الزمان، أنه الدين الذي بعث الله به رسله؛ وتبين أن هذه الطائفة في هذه الأزمنة، هي الطائفة المذكورة في قوله ﷺ : "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ﵎ وهم على ذلك ".

стр. 5290

وقد كانت هذه الطائفة قبل ظهور الشيخ فيما تقدم، موجودة في الشام، والعراق ومصر وغيرها، بوجود السنة وأهلها، وأهل الحديث في القرون المفضلة وبعدها، فلما اشتدت غربة الإسلام، وقل أهل السنة، واشتد النكير عليهم، وسعى أهل البدع في إيصال المكر إليهم، من الله بهذه الدعوة، فقامت بها الحجة، واستبانت بها المحجة؛ فيا سعادة من قبلها وأحبها ونصرها و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الجمعة آية: ٤] . وأهل العلم من أتباع السلف، والأئمة، لهم المصنفات المفيدة في بيان التوحيد، توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، والكثير منها موجود بأيدي علماء المسلمين؛ وما علمنا أحدا بعد القرن الثامن في حال اشتداد غربة الإسلام، يذكر، بمعرفة ما عليه أهل السنة في أنواع التوحيد، أو يلتفت إلى كتبهم، ولا عرفوا الشرك الذي لا يغفره الله. فلذلك لم ينكر منهم منكر، ولا أخبر بوقوعه من علمائهم مخبر، حتى أظهر الله هذا النور، وشفى الله به الصدور، وظهرت كتب أهل السنة، وعظمت بمعرفتها والدعوة إليها المنة؛ يعرف ذلك من عرفه، وشكره وأحبه وقبله، فلا عبرة بمن أخلد إلى الأرض، والغفلة والإعراض والجهل. المقام الخامس: أن كل من ذكرنا ممن عاداهم، من أهل نجد والأحساء، وغيرهم من البوادي، أهلكهم الله، ولحقتهم
следующие страницы →