وقد أخبر الله تعالى أن المدعو دونه لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجب له، وأن المدعو ينكر ذلك، وأن ذلك شرك عظيم، وضلال مبين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] . فتدبر هذه الآيات وما فيها من البيان، ومعرفة الحق من الضلال؛ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. وفي هذا كفاية لمن أراد الله به خيرا، وبالله التوفيق.
فصل
[فصل قد ابتلي أهل الجدل بقلب الحقائق]
وقد ابتلي أهل الجدل بقلب الحقائق، من ذلك قوله: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لم يعرف من معنى لا إله إلا الله، ما عرفه أبو جهل.
قلت: وهذا هو وصف القائل، كما في المثل: رمتني بدائها وانسلت; ومن المعلوم عند القريب والبعيد، والموافق والمخالف أن شيخ الإسلام هو الذي بين للناس ما جهلوه من معنى لا إله إلا الله، فأرشدهم إلى أن هذه الكلمة دلت على أمرين: الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله، نفيا عاما بقوله: لا إله، وأوجبت الإلهية لله وحده، بقوله: إلا الله، وهذا الثاني دلالتها عليه دلالة
стр. 5217
مطابقة؛ وهذا هو الإخلاص الذي هو دين الله، الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] الآية. فكل ما تعبد الله به عباده، من الأعمال الباطنة والظاهرة، فهو من الدين; فأوجب الله على عباده أن تكون أقوالهم وأعمالهم لله وحده، وحرم عليهم أن يصرفوا منها شيئا لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] .
فالذي لم يعرف معنى لا إله إلا الله، هو الذي يعتقد أن عبادة أرباب القبور دين يدان الله به، والله تعالى لم يشرع ذلك، بل حرمه أشد التحريم، ونهى عنه بقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥١] الآية؛ فحرم الشرك ونهى عنه. فسبحان من طبع على قلوب المشركين؛ نسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به هؤلاء الجهلة الضلال، الذين صادموا الحق بالزور والمحال، والله المستعان.
وقد بين الله تعالى معنى لا إله إلا الله في آيات كثيرة من القرآن، أصرح شيء وأبينه، لا يخفى إلا على من امتلأ
стр. 5218
قلبه بمحبة الشرك، وعبادة الأوثان، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [سورة الإسراء آية: ٢٣] فيه معنى: إلا الله.
وأمثال هذه الآية كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ؛ فمن لم يوفق لمعرفة هذه الآيات، فلا حيلة فيه.
قال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، في تفسيره، في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] على قراءة الإفراد، ذكر مجاهد عن ابن عباس: أنه فسرها بالإسلام; وقال مجاهد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] قال: "لا إله إلا الله، قال: وعن ابن عباس أيضا: أنها لا إله إلا الله".
وقوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾ يقول: ظاهرة على الألسن قولا، وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملا; قوله: ﴿وَبَاطِنَةً﴾ في القلوب اعتقادا ومعرفة.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً﴾ [سورة الحج آية: ٨] ، يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له بغير علم عنده بما يخاصم، ﴿وَلا هُدًى﴾ يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول، ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [سورة الحج آية: ٨] ، يقول: ولا بتنْزيل من
стр. 5219
الله تعالى جاء بما يدعي، يبين حقيقة دعواه، وصلى الله على محمد.
[في كتب عثمان بن منصور أمورا تتضمن الطعن على المسلمين وتضليل إمامهم]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.
أما بعد: فإنا قد وجدنا في كتب عثمان بن منصور بخطوطه، أمورا تتضمن الطعن على المسلمين، وتضليل إمامهم شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، فيما دعا إليه من التوحيد، وإظهار ما يعتقده في أهل هذه الدعوة، من أنهم خوارج، تنزل الأحاديث التي وردت في الخوارج عليهم.
وساق جملة من الأحاديث التي وردت في الحث على قتال الخوارج، منها حديث: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم" ١، وما في معناه من الأحاديث التي صحت عنه ﷺ فيهم.
فنذكر أولا سبب هذه الفتنة التي وقع فيها وأسرها في نفسه، وظهرت على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وفي خطوطه، لمن يظن أنه يرى رأيه، أو يسمع منه.
стр. 5220
وذلك أنه لما ظهر هذا الدين بنجد، وانتشر في البادية والحاضرة، طلبت نفسه السفر إلى بلاد الزبير، وفيها أناس كثير من أهل نجد قد أجلاهم عنه كراهة هذا الدين وعداوته، منهم محمد بن سلوم، جلا من سدير بسبب كراهة الإسلام والمسلمين، فاجتمع به وقرأ عليه، وأقام عنده مدة من السنين، فصار معظما عنده.
ثم إنه تردد إلى البصرة، واجتمع بابن سند وقرأ عليه، واتخذه له شيخا، وهو من أشد الناس عداوة لهذا الدين ومن دعا إليه، يصرح بسبهم وعداوتهم.
ثم إن عثمان بعد ذلك قدم الفرعة من بلد الوشم، فأخرجه أهلها من الصف الأول كراهة له، ولما كان عليه في تلك الحال التي ذكرنا، فهو حقيق بأن يمقت ويهان.
ثم إنه سكن سديرا في حال اختلاف أهل نجد، لما ابتلوا به من عساكر مصر، فصارت حالهم، وحال أهل الزبير والشمال واحدا، في الموالاة والمحبة، والإكرام، وصاروا يزوجونهم نساءهم، فصار فيهم قاضيا إلى أن ظهر ما كان يعتقده في أهل الإسلام، لكنه بين مصدق ومكذب؛ فمن كانت له غيرة في الدين، عرف حاله وكرهه، ومن لم يكن كذلك غره جهله.
فخذ الجواب عما وجدنا له في كتبه بخطه، فقد تضمنت ورقتة التي وجدناها له ثلاثة أمور:
стр. 5221
الأول: سياقه أحاديث الخوارج، وتنْزيله تلك الأحاديث على المسلمين، وأنهم خوارج. فالجواب: من وجوه:
الأول: أن الخوارج الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ قد خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب، منصرفه من قتال صفين، فأظهروا تكفير الصحابة بما جرى بينهم من القتال، كفروا عليا ﵁ بذلك، فدعاهم إلى الرجوع إلى الحق.
واستدل عليهم ابن عباس ﵁ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات آية: ٩] ، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. وأنكروا التحكيم، وقالوا: لا حكم إلا لله، فناظرهم ابن عباس في ذلك أيضا، واستدل بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء آية: ٣٥] ، إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الحديث والسير. وأجمع الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة أن هؤلاء هم الذين عنى رسول الله ﷺ في الأحاديث، وأمر بقتالهم، وعرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنهم هم المعنيون، وظهرت العلامة التي أخبر النبي ﷺ أنها توجد فيهم، وهو المخدج الذي له ثدي كثدي المرأة، فوجد في القتلى، فسر بذلك علي ﵁.
وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية، التي أظهرها الله
стр. 5222
بنجد، وانتشرت، واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله أبعد الناس عن مشابهة الخوارج وغيرهم من أهل البدع: ودينهم هو الحق، يدعون إلى ما بعث الله به رسله، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وينهون عن دعوة الأموات والغائبين، وطلب الشفاعة منهم.
وأنكروا ما يعتقده المشركون، من أن الأموات والغائبين، يملكون الضر والنفع، والتصرف والتدبير; فإن جماع الدين: ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرع ; فخالفوا من خرج عن هذا الدين، وجاهدوا من قدروا على جهاده، حتى أظهر الله هذا الدين، وأبطل كيد الكائدين، وشبه المشبهين.
ولم يكفروا أحدا من الصحابة، ﵃; بل أحبوهم ووالوهم، وأعرضوا عما شجر بينهم، وعلموا أن لهم حسنات عظيمة، يمحو الله بها السيئات، وتضاعف بها الحسنات. وهذه الطائفة - بحمد الله - على منهج الصحابة، في أصول الدين وفروعه، والحجة عندهم فيما قاله الله ورسوله، وما كان عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام، وفارقوا أهل الشرك وعبادة الأوثان، وأظهروا عداوتهم في الجملة.
стр. 5223
وخالفوا أهل كل بدعة في بدعتهم، كالجهمية والمعتزلة والمرجئة، وغيرهم من أهل البدع، كالباطنية، والفلاسفة وغيرهم؛ فما ناظرهم صاحب بدعة إلا وألجؤوه المضائق، وأدحضوا حجته بالكتاب والسنة؛ فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ولكن السبب في تنْزيله لهم منْزلة الخوارج: أنهم ينهون عن دعوة غير الله، وعبادته من الأموات والغائبين، ويقولون: العبادة حق الله، لا يصلح منها شيء لملك مقرب، ولا نبي مرسل، وينكرون ما وقع في كثير من البلاد، من دعوة أرباب القبور، والتذلل لهم والرغبة إليهم، وإنزال الحوائج بهم، والتقرب إليهم بالنحر والذبح لهم، وغير ذلك مما يطول عده.
فمن أنكر هذا الشرك سماه خارجيا، لاعتقاده أن هذا الشرك لا يضر، ولا يناقض الإسلام; والإسلام عنده: بناء المساجد والمدارس، والنداء إلى الصلاة وفعلها، والصدقة، وغير ذلك، فهذا عنده هو الدين الذي لا يضر معه اعتقاد ولا عمل؛ وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى.
فبسبب محبته لأهل الشرك، وموالاتهم، والرضى عنهم، اعتقد في المسلمين ما اعتقد; يبين ذلك نظمه لداود بن جرجيس، وثناؤه عليه فيما ألقاه من الشبهات
стр. 5224
الواهية، في مصادمة الآيات المحكمات، وصحيح الأحاديث في بيان التوحيد; وهو يقرر أن الاستغاثة بالأموات جائزة، فأطنب بالثناء عليه برده على المسلمين، بما كذب فيه وشبه، وماحل وعاند، فصار هذا عند عثمان هو الحق الذي يمدح صاحبه ويمجد، وشعره هذا لم نجده إلا في كتبه، وقد قدم على ما قدم؛ فهذا ما ظهر منه في حياته، وأما الخاتمة فعلمها عند الله، نسأل الله الثبات والاستقامة.
لكن نذكر ما يلزمه على ما اعتقده في المسلمين، من أنهم خوارج، وأن من قاتلهم من أهل بغداد ونواحيه، ومن قاتلهم من أهل مصر، وقتل منهم، أن لهم أجرا في قتالهم، وهذا اللازم لا محيد له عنه؛ فتدبر ما أوجبه هذا القول من الضلال البعيد.
المسألة الثانية. اعتراضه على شيخنا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، فإنه قال بعد ذلك: قال محمد بن عبد الوهاب، في مواضعه التي تكلم بها على السيرة: إذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام، وإن وحد الله، وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية،
стр. 5225
فالجواب قبل ذكر الاعتراض، أن نقول: هذا الذي أنكره على شيخنا ﵀، هو الذي نطق به القرآن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ؛ ونظائر هذه الآيات كثيرة في القرآن، فمن أنكر هذا القول فقد أنكر ما في الكتاب والسنة. إذا عرفت ذلك فإنه قال في الاعتراض: ظاهر هذا الكلام: أن النجاشي ملك الحبشة كافر، حيث لم يصرح بعداوة قومه من النصارى، وأيضا جعفر وأصحابه كفار، حيث لم يصرحوا بعداوة الحبشة، وكذلك مؤمن آل فرعون; فيا لله العجب ما أعمى عين الهوى عن الهدى! فنقول: تأمل كيف جعل ما تضمنه الكتاب والسنة عمى عن الهدى؟! وأما الجواب عن الاعتراض، فأقول: لقد عميت بصيرته عن فهم كلام شيخنا ﵀، فإنه ﵀ أراد: أنه لا يستقيم إسلام أحد، حتى يصرح بعداوة المشركين وبغضهم، وهذا صريح كلامه ومراده ﵀، أن من لحق بالمشركين في بلادهم، وحصل لهم منه موادة ومداهنة، وموالاة فعل ذلك باختياره، أنه قد عرض نفسه
стр. 5226
للوعيد الشديد، وفعل ما ينافي إسلامه; ولهذا المعنى استدل ﵀، بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية، فعلم: أن كلامه فيمن أظهر الموادة لأهل الشرك، والمداهنة لهم. وأما النجاشي: فإنه أظهر المخالفة لهم، والإيمان بالنبى ﷺ وبالقرآن، لما قرأ عليه جعفر ﵁ صدر سورة مريم، أذعن وصدق، وقبل، وشهد بأن هذا هو الحق، وشهد بأن هذا هو الذي يعتقده في عيسى ﵇، بمحضر من بطارقته. وذكر بعض المفسرين: أنه بكى حتى أخضل لحيته. وبعث الوفد من الحبشة إلى رسول الله ﷺ ، قال بعض المفسرون: إنهم خمسون، وبعضهم قال: أكثر، وبعضهم قال: دون ذلك، أقوال ثلاثة: فلما قرأ عليهم النبي ﷺ القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم، فانقلبوا مؤمنين مصدقين، وأنزل الله فيهم ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ
стр. 5227
الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٢-٨٥] ، فأثبت لهم الإيمان في
الآية، فلهم أجران على الإيمان بنبيهم، والإيمان بمحمد ﷺ . وأيضا: فإن قريشا لما بعثوا عمرو بن العاص إلى النجاشي، ليرد إليهم من هاجر إليه، فغضب غضبا شديدا، خاف عمرو أن يقع به، ورد هداياهم إليهم، وحضر جعفر وأصحابه ﵃، فتكلم بالحق الذي بعث الله به محمدا ﷺ كما هو مذكور في السير والتفسير. وقال لهم النجاشي، مخاطبا لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، من سبكم غرم. فأظهروا دينهم، ووحدوا ربهم لا يمنعهم منه مانع، ولا يعارضهم معارض؛ فما حصل منهم لمن كان هناك من النصارى موالاة، ولا ركون إليهم، ولا شيء مما يكرهه الله; وإنما صاروا دعاة إلى الله، وصاروا سببا لإسلام من أسلم من الحبشة. فأين هذا ممن داهن وركن، وأظهر الموافقة للمشركين في شركهم، كحال المعترض؟ فإنه ينادي في رسائله بموادة أهل الشرك ومحبتهم، والثناء عليهم، وتعظيمهم بانتصابهم لمعاداة الإسلام، وأهله. فمثلك أيها المعترض، هو الذي عناه شيخنا; لأن من فعل هذا الفعل الذي فعلته، لم يكن مسلما، لمحبة الشرك
стр. 5228
وأهله، وبغضه التوحيد وأهله؛ وهذا ينافي حقيقة الإسلام، نعوذ بالله من سوء الخاتمة. فأي فائدة حصلت له من الكتب التي جمعها، إذا كان حاله ما ترى وتسمع. وأما مؤمن آل فرعون، فقد قام على فرعون وملئه مقاما عظيما، فنصحهم وحذرهم، وأنذرهم وخوفهم عقاب الدنيا والآخرة، وأبدى وأعاد في نصحهم ودعوتهم، وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [سورة غافر آية: ٣٨] ؛ فأظهر لهم إيمانه، ودعاهم إليه؛ وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [سورة غافر آية: ٤٥] وقد قام على آل فرعون مقام أنبيائهم، فما داهن في دينه، ولا كتمه، بل أظهر المخالفة لفرعون وقومه، فما حصل منه إلا ما يحبه الله ويرضاه، ولهذا ذكره الله في كتابه وأثنى عليه. فأين هذا ممن قال للمشركين، الذين اتخذوا الأنداد، وجعلوهم شركاء لله في عبادته، فتقربوا إليهم بمدحهم وتعظيمهم، وتهنئتهم بعداوة الإسلام وأهله، فشرح لهم صدره وأحبهم، لما بدر منهم من نصرة الشرك وإنكار التوحيد؟!.
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
المسألة الثالثة: قوله: ثانيا، من هم هؤلاء المشركون الذين يطلب عداوتهم، وهم يعمرون المدارس والمساجد، ويدعون بداعي الفلاح على
رؤوس المنابر، ما هذا العمى؟!
стр. 5229
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٨] . انتهى كلامه. فالجواب: أن هذا هو محط رحله الذي عليه اعتماده، وأن ما يقع في مصر والشام والعراق من تعظيم الأموات وعبادتهم، وبناء المساجد على قبورهم والرغبة إليهم، وسؤالهم قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم، وكثير منهم يعتقد أنهم أسرع فرجا من الله إذا دعي في كشف كربة، وكل هذا عنده جائز لا ينقض إسلامهم، لأنهم يعمرون المدارس والمساجد.
ولا ريب أن هذا المعتقد لا يقوله إلا من هو من أجهل خلق الله، وأبعدهم عن دين الله; وقد عرفت أن دين الله الذي بعث به رسله، هو أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، كما تقرر في الآيات، وبينه تعالى في دعوة الرسل؛ فإنه أرسلهم بالإنذار عن هذا الشرك، ونفيه وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] . وهؤلاء الذين ذكرنا، قد ألهوا أرباب القبور بقلوبهم، وألسنتهم وأعمالهم، ليجلبوا لهم المنافع، ويدفعوا عنهم المضار؛ وقد أخبر تعالى أنهم ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ
стр. 5230
وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] ؛ وقد نزلت هذه الآية فيمن عبد
المسيح وأمه، والعزير والملائكة بالدعاء رجاء ورغبة، وغير ذلك مما كان يقصده عباد القبور.
فإذا كانت هذه الآية نزلت فيمن ذكر، فكيف بمن دونهم؟! ومن المعلوم أن هؤلاء قد جاوزوا ما كان عليه مشركو العرب؛ فإن أولئك أشركوا بالله في العبادة، وأقروا له بالربوبية، وهؤلاء بلغ من شركهم أنهم جعلوا التدبير والتصرف في الكون للأموات، الذين كانوا يعبدونهم من دون الله؛ وهذا الأصل مقرر في كتب هذا الذي جمعها; فإن فيها من كتب شيخ الإسلام، وابن القيم وأمثالهما من أهل السنة، وفيها بيان هذا الشرك الذي وقع في هذه الأمة في زمانهم وقبله، وبعده بأحسن بيان. فليت شعري، ما الذي صده عن محكم القرآن، وصريح السنة، وتقرير العلماء والأئمة؟! فسبحان المتصرف في القلوب بعلمه وحكمته وعدله، كيف جاز في عقل من يدعي العلم جعل الشرك إسلاما، ويجعل الانتصار لهذا الشرك والدعوة إليه دينا؟! ويعظم عند ذلك ويثنى عليه; أليس يدعي أنه حنبلي، وكتب الحنابلة عنده، وفيها حكم المرتد، وحكاية الإجماع على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم كفر إجماعا؟! قاله شيخ الإسلام، وتلقاه العلماء عنه بالقبول ورضوه.
стр. 5231
ويقال أيضا: عمارة المدارس والمساجد، والدعاء إلى الصلاة على المنابر، لا تصح إلا بشرط الإسلام، فسبحان الله كيف يذكر العمل، ويترك شرطه الذي لا تصح الأعمال إلا به؟! وهذا الشرط مذكور في مذهبه، ومذهب غيره من العلماء، لما ذكروا الصلاة، قالوا: تصح بشروط، أولها: الإسلام؛ وكذلك ذكروه في الصيام والزكاة، والحج وغير ذلك من العبادات.
[عبادة أرباب القبور]
وعبادة أرباب القبور تنافي الإسلام، فإن أساسه التوحيد والإخلاص؛ ولا يقوم الإخلاص إلا بنفي الشرك، والبراءة منه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] . وهذه الأعمال مع الشرك تكون ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ١٨] ، وتكون هباء منثورا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [سورة النور آية: ٣٩] الآية.
فلا إله إلا الله، كيف خفي على هذا الشرك، حتى اتخذه دينا تجب نصرته؟! وأجمع العلماء سلفا وخلفا، من الصحابة والتابعين، والأئمة، وجميع أهل السنة أن المرء لا يكون مسلما إلا بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة، والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله، كما في حديث معاذ الذي في الصحيحين: " فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ١.
стр. 5232
والقرآن كله في بيان هذا التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد. وفي حديث "ابن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١. ولقد أحسن ابن القيم ﵀ في قوله:
والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان
ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالخذلان
وقال شيخنا: أبو بكر بن غنام رحمه الله تعالى:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها
وصدق رحمه الله تعالى، فلقد جعلوا عبادة القبور دينا؛ وكم فتن بهذه الشبهات والجهالات من الخلق، ما لا يحصيهم إلا الله، الذين هم كالأنعام السائمة، يطيرون مع كل ريح، ولم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. اللهم إنا نسألك الثبات على الإسلام، والاستقامة، والاعتصام بحبلك، والاهتداء بهداك، واتباع نبيك محمد ﷺ .
стр. 5233
[رسالة كتبها عثمان بن منصور ثم أنكرها]
وله أيضا قدس الله روحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
وبعد: فإنه قد بلغنا عمن لا نتهم، عن عثمان بن منصور أنه قد كتب له نسخة، نال فيها من إمام الدعوة الإسلامية، محمد بن عبد الوهاب، ومن تابعه على ملة الإسلام، أنهم كالخوارج، يكفرون المسلمين، وذكرت ذلك للإمام فيصل بن تركي، فاستبعد هذا، واتهم القائل.
فلما حضر ابن منصور، حلف بالله جهد أيمانه أنه لم يقل، ولم يكتب ذلك؛ ولعله تأول للإمام، وكنت لا أبعده عن ذلك وإن حلف، لما قد استبان لي من أحواله، مع شهادة من هو أصدق منه.
فلما استقضاه الامام على أهل سدير، لكونهم طلبوه، أظهر ذلك تنفيرا لهم عن جماعة المسلمين، وتغييرا للأمر الذي قد عرفوه من الدين، ليصدفهم عنه، وعن متابعة أهل الإسلام والدخول في جماعتهم، فوقعت تلك النسخة في يد بعض من أنكرها من المسلمين، فبعث بها إلينا، فإذا هي تشتمل على أمور:
стр. 5234
أحدها: أن المسلمين القائمين بهذا الدين بعد غربته ودروس معالمه، قد زعم أنهم أهل بدعة، كالخوارج الذين يكفرون بالذنوب، لاعتقاده أن ما يفعل عند القبور من عبادة الأموات، ليس بشرك يكفر فاعله، وأنهم وإن فعلوا ذلك فهم مجتهدون مخطئون، وأن أولئك الذين يقع فيهم مثل ذلك، هم الجماعة الذين وردت الأحاديث في وعيد من فارقهم، وساق الأحاديث الواردة في الخوارج، وفيمن فارق الجماعة.
وجعل هذه الطائفة الذين يأمرون بالتوحيد، ويدعون إليه، وينهون عن الشرك، ويقاتلون عليه، كالخوارج الذين يكفرون الصحابة، وأنهم فارقوا الجماعة، وذكر من كلام العلماء في رسالته كلاما يتناقض بقوله: إنهم لا يكفرون المعين ولم يفرق بين ... ١.
إن الكبائر على نوعين: نوع يكفر فاعله، كما ذكر العلماء في حكم المرتد، وذكر في الإقناع وغيره عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه قال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا، انتهى.
وما ذكر العلماء سلفا وخلفا أن الشرك يسوغ فيه
стр. 5235
الاجتهاد، ويعذر فاعله باجتهاده؛ وهذا كذب على الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة; بل المعاصي كلها لا يعذر أحد ارتكبها بدعوى أنه مجتهد، والوعيد من الله لفاعلها.
ولو قدر أن لبعضهم تأويلا، فكل ما يخالف حكم الله ودينه لا يسوغ، ولو ساغ ذلك لتعطلت الشرائع والحدود؛ وليس مع ما بينه الله من دينه الذي دعت إليه رسله، من أولهم إلى آخرهم عذر لأحد.
والقرآن حجة الله على الأمة، مشركهم وكتابيهم، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥٢] ، ولم يستثن أحدا من الناس.
وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٢] ؛ فالبيان عام، والهدى والرحمة خاص، فذلك عدله وحجته، وهذا فضله ورحمته. وهذا القرآن ينادي بدعوة كل رسول إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، ويذكر ما ردوا به على من جحده، وذكر تعالى ما وعد على ذلك من عذاب الاستئصال.
والاجتهاد إنما هو مختص بأهل العلم والدين، وله شروط لا توجد تامة إلا في خواص من المتقدمين; فإذا كنت
стр. 5236
يا هذا لا تعرف هذا، فما هذا العلم الذي تدعي معرفته؟!
الأمر الثاني: أن من الذنوب ما لا يكفر فاعله، عند أهل السنة والجماعة ... ١. ما كان من أعظم الكبائر من المعاصي، كالزنا والسرقة، وشرب الخمر; والخوارج كفّروا أصحاب رسول الله ﷺ بتأويل غير سائغ، وقد اجتهدوا ولكنهم لم يحسنوا، ولم يوفقوا بين الأدلة، فما نفعهم اجتهادهم، واستدلالهم بالكتاب والسنة.
ومن المعلوم أن لله حججا، وما عذرهم النبي ﷺ بذلك الاجتهاد والاستدلال حتى أمر بقتلهم؛ ومن حجة أهل الحق عليهم، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات آية: ٩] ، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال؛ ولأهل الحق أدلة أخر، ليس هذا موضع ذكرها، إذ الغرض التنبيه على ضلال هذا الضال الملبس.
وشيخنا ﵀ ينكر على الخوارج، وعلى من قال بقولهم، ويعتقد بطلانه؛ أما علمت ان رسول الله ﷺ قتل أناسا بأعيانهم لكفرهم، كالنضر وعقبة بن أبي معيط؟! والحاصل: أن هذه الطائفة لم يعاملوا المسلمين إلا بمعاملة ... ٢.
стр. 5237
ولو بسطنا القول في هذا، وبيان نقضه من الكتاب والسنة، وأقوال السلف والعلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم ... ١ وقد اكتفيت بما ذكره شيخنا، في رده على سليمان بن عبد الوهاب، الذي صدره بحديث عمرو بن عبسة.
[فضل العلم وأهميته وذكر بعض من أعرض عن الحق]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي رفع بالعلم أقواما، ووضع به آخرين، وذم من لم يرفع رأسا بما بعث به رسله، وصرف علمه إلى الأفكار الرديئة، وزبالة الأذهان ووساوس الشياطين، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٥] ، ومدح من عمل بما علم، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٨] العاملين.
أما بعد: فإن العلم النافع أعظم ما صرفت إليه الهمم، ونشر بساطه في محافل أولي النجابة والكرم، إذ من عدمه فقد عدمت حياته، وجانبه الرشد أو فاته، كما قال صلاح الدين الأخفش، واسمه: عمرو بن مسعده:
стр. 5238
وبعد فالعلم أفضل مطلب ... وأحسن ما في كسبه العمر ينفق
ويخفق سعي الطالبين لغيره ... وسعي امرئ في كسبه ليس يخفق
ولا سيما علم الشريعة إنه ... من العلم مقصود إذا هو يطلق
فإن فنون العلم أجمع وصلة ... بهن إلى تحصيله يتسلق
هو المقصد المطلوب بالذات دونها ... ومن أجلها قد دونوها ودققوا
ولكنه صعب على من لنفسه ... مريح وللذات ليس يطلق
فمن خطب الحسناء وفَّى صداقها ... وما هي إلا بالمشيئة تصدق
وقد مر في بعض الأوقات، في مجلس من مجالس الإخوان - وفقهم الله للصالحات - ذكر علماء الوقت، الذين أعرضوا عن الحق، فباؤوا بالغضب والمقت، وما عارضوا به شيخنا محيي الدين، أبو الحسن محمد بن عبد الوهاب، نضر الله وجهه في جنته يوم المآب، حتى أظهره الله تعالى، ونفع بدعوته جميع من بلغته فعمل بها.
فانجر الكلام إلى ذكر عثمان بن سند، الكائن بالبصرة، فذكره بعض الإخوان، ومدحه بما له به شهرة; فقلت له: إنه اشتهر بالأشعار الخبيثة، ومدح الطريقة النقشبندية، ووضعها، ومدح الظلمة والفجار.
ومقامه مع أهل القباب، واللواط، وشرب الخمور، والأشرار، حاكم بمعرفة حاله; إذ بالولاء والبراء يكون الاعتبار؛ ومصنفه في مدح خالد الخبيث، الذي أحدث الطريقة، يطلعك على حاله بالحقيقة.
стр. 5239
فأقول: اعلم أن زكى الإنسان وطهارته في أصلين: الأصل الأول: أن لا يعبد إلا الله تعالى. الثاني: أن لا يعبده إلا بما شرع على لسان محمد ﷺ ؛ ذلك هو تحقيق قول: لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] الآية.
ولها أربع مراتب: أولها: العلم والمعرفة، واعتقاد صحة المشهود به وثبوته. الثاني: نطقه بذلك. الثالث: أن يعلم غيره بما شهد به، ويبينه له بالقول تارة، وبالفعل أخرى. رابعها: أن يلتزم بمضمون هذه الشهادة، ويأمر غيره أن يعمل بذلك. ولا تتم الشهادة إلا بهذه المراتب الأربع، قاله ابن القيم قدس الله روحه.
وهذا الرجل المذكور، عن هذه المراتب في بون بعيد، كما هو غير خفي على من عرف الولاء والبراء، واعتنى بالتوحيد؛ وهذا هو الذي بيننا وبين الناس كلهم، وهو الحنيفية ملة إبراهيم؛ وهذا يكفي في معرفته واعتقاده مع الألفاظ الشركية ومباحثه واعتقاده، وأنه من التقوى عار من اللباس، هادما لأصل التوحيد والأساس.
стр. 5240
[عثمان بن منصور ابتلي بكراهة الدعوة الإسلامية]
وقال أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاعلم أيها الناظر إلى هذا التعليق: أن عثمان بن منصور، ابتلي بكراهة هذه الدعوة الإسلامية، التي قام بها شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، مجدد الدين بعد اندراسه وذهابه، فأطنب في الكذب والزور والبهتان، على من تصدى لهذا الشأن العظيم، والخطب الجسيم؛ فحسيبه الله تعالى فيما قال فيه، مما هو ليس له بأهل. وكان يخفي أمره هذا، وربما ظهر لأناس من فلتات لسانه، ما يتبين من حاله بعد وفاته، وخطوطه ومؤلفاته.
وهو في الحقيقة إنما جنى على نفسه، فبنى ما زوره على أصلين فاسدين، ينقض أحدهما الآخر: الأول: أن هذه الأمة كلها صالحة، من أولها إلى آخرها، ليس فيها شرك ينافي التوحيد; فنذكر من حال الأمة ما يبين جهله وضلاله فيما زعمه. الثاني: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، كفّر الأمة، وليس فيها كافر; فنبين ما يبطل هذين الأصلين الضالين الباطلين، إن شاء الله تعالى.
стр. 5241
فأقول وبالله التوفيق: أما الأمة ففيها أصحاب رسول الله ﷺ الذين توفى فيهم، وهم على التوحيد الذي دعاهم إليه، وجاهدوا عليه، فجاهدوا أهل الردة، الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من قبائل العرب، حتى دخلوا من الباب الذي خرجوا منه، فاجتمعوا كلهم على الإسلام، وجاهدوا فارس والروم، ففتح الله عليهم الشام ومصر، والعراق.
وما زالوا كذلك في زمن الخلفاء الراشدين، وولاية بني أمية، وصدرا من بني العباس؛ وكل من ظهرت بدعته إذ ذاك، قمع وحمل على السيف، وفيهم الأئمة الأعلام، الذين أخذ عنهم العلم، كعلماء التفسير، والحديث، والفقه، من غير تكلف ولا تعسف. فما زال الحال كذلك في زمن الأئمة الأربعة، وأمثالهم من المحدثين والفقهاء.
وقد ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن، عن النبي ﷺ أنه قال: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ١ فأخبر النبي ﷺ أن الأمة لا بد أن يقع فيها ما يوجب الجهاد، بحسب قدرة المؤمن.
стр. 5242
وأخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كما افترقت اليهود والنصارى، وكلها في النار إلا واحدة؛ قال العماد بن كثير، رحمه الله تعالى: والحديث له طرق كثيرة، وكل هذا سيقع في الأمة، بخبر الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وأول ما ظهر من البدع: بدعة الجهمية والمعتزلة، فأنكرها العلماء من الفقهاء، وأهل الحديث، وكفرهم أكثر أهل الحديث، حتى استخلف المأمون بن الرشيد، فعرب كتب اليونان. واستماله أهل البدع والضلال، من الجهمية والمعطلة، فامتحن أهل الحديث، وألزمهم أن يقولوا بخلق القرآن؛ فعظمت الفتنة، وظهرت، وامتحن الإمام أحمد ﵀، بالضرب بالسياط، في ولاية المعتصم والواثق.
قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى:
فلقد رأيتم ما جرى لأئمة الإسـ ... لام من محن على الأزمان
لا سيما لما استمالوا جاهلا ... ذا قدرة للناس مع سلطان
وسعوا إليه بكل إفك بين ... بل قاسموهم بأغلظ الأيمان
أن النصيحة قصدهمكنصيحة الشيـ ... طان حين خلا به الأبوان
فيرى عمائم ذات أذناب على ... تلك القشور طويلة الأردان
ويرى هيولا لا تهول لمبصر ... وتهول أعمى في ثياب جبان
стр. 5243
وبعد ذلك تفرقت الأمة على بني العباس، فظهر بنو بويه في المشرق، وغلوا في أهل البيت وبنوا المساجد على القبور، وعبدوها من دون الله، وظهرت دولة القرامطة، وأنكروا الشرائع، وزعموا أن لها باطنا غير ظاهرها.
ولما استولى بنو عبيد القداح على مصر، فعلوا مثل ما فعل بنو بويه، من الغلو، لزعمهم أنهم من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فبعثوا ركبا إلى عسقلان، في زعمهم أن رأس الحسين بن علي بن أبي طالب مدفونا هناك، وقد كذبوا في ذلك، فدفنوا في القاهرة ما جاؤوا به، وبنوا عليه مسجدا يعظم، وصاروا يعبدون هذا الوثن ويعظمونه.
وحدث في وقتهم أوثان كثيرة، بنيت عليها المساجد؛ وفي أيامهم ظهرت الإسماعيلية، والنصيرية، والفلاسفة، وأهل الوحدة، والمتكلمون، كل أعلن بمذهبه وطريقته، ودعا إليها، كالمعتزلة، والأشاعرة؛ ومذاهبهم مذكورة في كتب أهل العلم.
والسنة موجودة في أهلها، لكنهم يقلون تارة ويكثرون أخرى، كلما تقادم عهد النبوة اشتدت الكربة، وعظمت الغربة، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير؛ وفي ذلك يقول الشاطبي:
стр. 5244
وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا
وقال يحيى الصرصري:.-
لم يبق إلا حاكم هو مرتش ... أو عالم تخش الرعية ظلمه
لولا بقايا سنة ورجالها ... لم يبق نهج واضح نأتمه
قال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع، إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت حكم غيرهم; قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم هذه القبور، وإكرامها مما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبدت اللات والعزى.
والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ويتمسح بآجرة المسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازتة: الصديق أبو بكر، ومحمد، أو علي، أو لم يعقد على قبر أبيه الجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى.
وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل،
стр. 5245
المعروف: بأبي شامة، في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث": ومن هذا القسم: ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة، من تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح، والولاية، ويفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك.
ثم يتجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من عيون وشجر وحائط وحجرة وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعوينة الحمى خارج باب توماء، والعمود المخلق خارج باب الصغير، والشجرة الملعونة في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها، واجتثاثها من أصلها؛ فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث! انتهى.
فما حدث في هذه الأمة، من الأمور الشركية، هو الذي أنكره شيخنا ﵀، على أهل زمانه، لما استعظم، وعمت به البلوى؛ وكلام العلماء فيما حدث من ذلك كثير، فنذكر منه ما تحصل به الفائدة، ورد شبهات المشبهين، كهذا الذي نحن بصدد الرد عليه وأمثاله.
стр. 5246
وما زال الشر يزيد بعد من ذكرت كلامه، إلى أن ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية، فوجد الشرك والبدع قد طم وعم في الأمة، فرد على كل طائفة من المبتدعة: رد على الرافضة في مجلدات، فما أبقى لهم حجة، ولا شبهة إلا أبطلها، ورد على الفلاسفة في مجلد ضخم.
ورد على أهل الوحدة ابن عربي، ومن وافقه على بدعته، ورد على أهل المنطق اليونان; وذكر أن الصحيح منه موجود، في أصول الفقه، وأبطل باطله. ورد على ابن الأخنائى بمجلد.
ورد على من اعتقد في المشائخ أن لهم كرامات توجب الغلو فيهم، وتعظيمهم، كما في الرسالة السنية له. ورد على ابن البكري، وأبطل ما زخرفه من الشبهات، وما جوزه من الاستغاثة بالغائبين والأموات. ورد على أهل الحيل من فقهاء المتأخرين، وغير ذلك مما لا يمكن عده، من الكتب والرسائل. ولتلميذه العلامة ابن القيم مثل ذلك، وكذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي؛ فأحيا الله بهم وبأصحابهم، ما درست آثاره من السنة في ذلك الوقت.
وحصل على شيخ الإسلام، من المحن من القضاة والولاة، ما هو مذكور في ترجمته رحمه الله تعالى، أعظم مما
стр. 5247
جرى على الإمام أحمد، وحبس بمصر والشام، ومات بالحبس; وعزر ابن القيم ﵀، وما ذاك إلا لظهور البدع، وغربة الحق، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم
وهذا ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١. ثم بعد طبقة الشيخ وأصحابه، ومن وافقه على ما قام به، عادت الغربة أعظم مما كان، حتى إن بعض المصنفين من متأخري الحنابلة، ظنوا أن عقيدة الأشاعرة عقيدة الإمام أحمد، ونسبوها إليه.
وأما الشرك بعبادة القبور والطواغيت، والجن والأشجار والأحجار، فعم وطم، حتى لا ينكره منكر، ممن له عقل يميز به الصدق من الكذب، وصار العلماء فيه ما بين مستحسن، أو مجيز لفعله، حتى أظهر الله شيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى.
فقام بهذا الدين الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فبين للناس من التوحيد ما جهلوه، وأنكر من الشرك ما ألفوه، فلم يوجد عند من اتبعه شرك ولا بدعة، ولا منكر، فطهر الله به نجدا من كل خبيث، من الشرك والمنكرات، فلم يوجد فيها شرك، حتى عم ذلك نجدا
стр. 5248
وأكثر الحجاز، وعمان، وشهد له الخاص والعام، بحسن هذا المقام، وأنه هو حقيقة دين الإسلام.
وصنف بعض العلماء في البلاد البعيدة، على منوال ما دعا إليه من التوحيد; وفضائله في العلم والرأي، وحسن البيان، والزهد في الدنيا، مما يشهد به القريب والبعيد، لا ينازع فيه منازع، إلا من استحوذ عليه الشيطان، واختار الكفر على الإيمان، بغيا وعنادا، وجهلا وفسادا.
ونذكر من كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، ما يبين الحق من الباطل، وما كان ينكره من ذلك، على كل معاند أو جاهل؛ وشيخنا ﵀، حذا حذوه، لأنه إمام عظيم، به الأسوة والقدوة، ولا يقول قولا إلا مؤيدا بالدليل، مستقيمًا على سواء السبيل.
قال شيخ الإسلام، ﵀: والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام؛ وقد ثبت بالطرق المتعددة ما يشرك به من دون الله، من صنم، ووثن أو قبر، قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين يقضون بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منهم الشرك والمعاصي.
ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد، وقد ينهاه عما أمره الله به، من التوحيد والإخلاص، والصلوات الخمس، وقراءة القرآن ونحو ذلك؛ وقد وقع في هذا النوع
стр. 5249
كثير من الشيوخ، الذين لهم نصيب من الدين والزهد، والعبادة، لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسله؛ طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة.
وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشائخ، يستغيث بأحدهم أحد أصحابهم، فيرى الشيخ جاء في اليقظة، وإنما هو الشياطين تتمثل للذين يدعون غير الله، فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل، انتهى.
وقال أيضا - بعد كلام له سبق -: الوجه السادس: أن سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين؛ فإن أحدا منهم ما كان يقول - إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة - لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقوله هؤلاء المشركون، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.
ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها; بل ولا أقسموا بمخلوق على الله تعالى أصلا، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا عند غير قبور الأنبياء.
стр. 5250
وقد كره العلماء، كمالك وغيره: أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف.
وأما ما يروى عن بعضهم، أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب; وقول بعضهم: فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى، فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع في كثير من المتأخرين وأتباعهم. وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته، وربما قضى بعض حاجته، فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور على صورته، وأن هذا من كرامته؛ ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعباد الأوثان، بحيث تتراءى أحيانا لمن يعبدها، وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبات، وتقضي لهم بعض الطلبات; ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام، بعد القرون الثلاثة المفضلة.
وكذلك المساجد المبنية على القبور، التي تسمى "المشاهد" محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام، لم يكن شيء من ذلك في القرون المفضلة; بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، يحذر ما فعلوا، الحديث; وفي الصحيح عنه أنه قال، قبل أن يموت
стр. 5251
بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ١.
فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسالك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا الصحابة ولا عن التابعين؛ وقد نص غير واحد من العلماء، على أنه لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه; قلت: لكن بغير مستند، فكيف يقول القائل لميت: إني أستغيث بك، أو أستجير بك، أو أنا في حسبك؟!
فتبين: أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيرا، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح؟ بل مفسدته راجحة على مصلحته، كأمثال من دعا غير الله; وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب، أو ميت، تتمثل لهم الشياطين؛ وربما كانت في صورة الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام؛ وهذا مما جرى لغير واحد، فينبغي أن يعرف هذا.
ومن هؤلاء: من يؤذي الميت بسؤاله إياه، أعظم مما يؤذيه لو كان حيا، وربما قضيت حاجته مع ذنب يلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ﷺ أحيانا فيعطيه، ويقول:
стр. 5252
" إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج يتأبطها نارا " ١، وقال ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا "، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢.
وقد قال غير واحد من السلف، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] قال: كانوا قوما صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد؛ حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت، انتهى.
[قول ابن القيم في تدرج الشيطان بأصحاب القبور]
وقال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أصحابها، من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب; ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره، وثنا، تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده; فإذا تقرر ذلك
стр. 5253
عندهم، نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع في دنياهم وأخراهم.
وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله; فإذا تقرر ذلك
عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منْزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] .
وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، فعادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله; ويأبى الله ذلك، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون; انتهى.
وهذا الذي قرره شيخ الإسلام، وابن القيم، وإخوانهم من أهل السنة، رحمهم الله تعالى، هو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي ذكره تعالى في كتابه عن رسله، وأنبيائه، من قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
стр. 5254
[سورة المؤمنون آية: ٣٢] .
فمن لم يعرف هذا على الحقيقة، ويقبله ويدين الله به، فليس من الإسلام في شيء.
وهذا التوحيد توحيد الرسل، الذي أنكره داود، وأقره على إنكاره - وقبول الشرك المنافي له - عثمان بن منصور، في كتبه الموجودة بعد موته، ونصره نظما ونثرا، وأنكر على شيخنا قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] ، ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٦] . والأصل - في خطأ هذين المذكورين، ومن تلقى عنهم شبهاتهم - إنما أخطؤوا في معنى لا إله إلا الله ; فلا ريب أن كل كلمة مستعملة في اللغة العربية، فالاستعمال يعبر بها عن مدلولها، وهو معناها الذي دلت عليه ووضعت له؛ ولا إله إلا الله خير الكلام، وأفضله، وتناولت الدين كله، ودلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما.
وتضمنت أمرين هما أساس الدين:
الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى نفيا عاما، وهي العبادة كما نطق به القرآن في مواضع كثيرة فـ "لا" هي أداة النفي، دخلت على المنفي بها، فانتفى إذا قاله الموحد.
الأمر الثاني: المستثنى بإلا وهو الله وحده دون كل ما سواه، من قبر أو وثن أو شجر، أو حجر أو غير ذلك، فلا يقصد بشيء من أنواع العبادة شيئا سوى الله تعالى وحده.
فدلت على هذين الأمرين مطابقة، وهو معنى قوله:
стр. 5255
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٢] ، وبعدها قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] . فقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ هو معنى لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ هو المستثنى في كلمة الإخلاص.
وأمثال هاتين الآيتين في القرآن كثير، لا يكاد يحصر، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، ففي هذه الآية: الأمران، نفيا وإثباتا، كما في كلمة الإخلاص، وكقول يوسف ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وهذا هو الحكم الشرعي الديني، الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب.
وكل شريعة فمبناها على الأصل الأصيل، فإذا قيل: لا إله إلا الله، معناها: نفي الشرك، فدلالتها عليه دلالة تضمن، أو قيل دلت على إخلاص العبادة لله تعالى، فدلالتها على ذلك دلالة تضمن؛ ومثله في القرآن قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] عرفوا على شركهم أنها دلت على ترك عبادتهم لآلهتهم.
وهذه المعرفة لم تحصل من هؤلاء المجادلين في هذا