← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

أتاه، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه". فهذا دليل على أن النبي ﷺ دعا له، وأن الأعمى سأل ربه أن يشفعه فيه، بأن يستجيب دعاءه؛ وهذا كاف في معرفة حكم هذه المسألة. واعلم: أن التوسل بذات المخلوق، أو بجاهه غير سؤاله ودعائه; فالتوسل بذاته أو بجاهه، أن يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وأدخلني الجنة بنبيك محمد ﷺ أو بجاه نبيك محمد ﷺ ونحو ذلك، فهذا بدعة ليس بشرك. وسؤاله ودعاؤه، هو أن يقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة، وأنا في كرب شديد فرج عني، واستجرت بك من فلان فأجرنين ونحو ذلك؛ فهذا كفر وشرك أكبر، ينقل صاحبه عن الملة، لأنه صرف حق الله لغيره، لأن الدعاء عبادة لا يصلح إلا لله ; فمن دعاه فقد عبده، ومن عبد غير الله فقد أشرك. والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، وكثير من الناس لا يميز، ولا يفرق بين التوسل بالمخلوق أو بجاهه، وبين دعائه وسؤاله؛ فافهم ذلك، وفقنا الله وإياك لسلوك أحسن المسالك. وبهذا يظهر جواب المسألة الثانية، وهي: إذا وجد نحو ذلك في تصنيف بعض العلماء، هل له محمل أم لا؟ والله أعلم.

стр. 5322

[رسالة الشيخ عبد الله أبا بطين في حقيقة ما خلقنا له] وقال الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن، أبا بطين رحمه الله تعالى١: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد قال الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ؛ فلما علمنا سبحانه: أنه ما خلقنا إلا لعبادته، وجب علينا الاعتناء بما خلقنا له علما وعملا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ؛ قال ابن عباس ﵄: "كل ما في القرآن من الأمر بالعبادة، فالمراد به التوحيد". وبذلك أرسل الله جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ

стр. 5323

مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] ، وكل رسول أول ما يقرع أسماع قومه، أن يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، قال مالك وغير واحد من المفسرين: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت قال عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس ﵄: "الطاغوت الشيطان". قال ابن كثير ﵀: وهو قول قوي جدا، فإنه يتناول كل ما كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والانتصار بها، ذكره على قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] الآية. قال النووي: قال الليث وأبو عبيدة والكسائي، وجماهير أهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله ; وقال الجوهري: الطاغوت الشيطان، وكل رأس في الضلالة، انتهى. وما تضمنته هذه الآية ونحوها من آي القرآن، من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة غيره، هو معنى لا إله إلا الله; قال ابن جرير في الكلام على معنى لفظ الجلالة، قال: روي لنا عن ابن عباس، قال: "أي: هو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين". وقال الجوهري: أله بالفتح، إلهة، أي: عبد عبادة; قال: ومنه قولنا: الله، وأصله إله على وزن فعال، بمعنى

стр. 5324

مفعول، لأنه مألوه بمعنى معبود; قال: والتأليه التعبيد، والتأله التنسك والتعبد; قال رؤبة: ... سبَّحن واسترجعن من تأله، انتهى. وفي القاموس: أله إلهة وألوهة وألوهية، عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، وقال: وأصله: إله بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا، فهو إله عند متخذه; قال: والتأله التنسك والتعبد. وفي المصباح: أَلِهَ من باب تَعِبَ إلهة، بمعنى عبد عبادة، وتأله تعبد، والإله المعبود، وهو الله سبحانه; استعاره المشركون لما عبد من دون الله، انتهى. وقال: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الإله هو المعبود المطاع، فهو إله بمعنى مألوه. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا، وإنابة، وإكراما وتعظيما، وذلا وخضوعا، وخوفا ورجاء وتوكلا. وقال ابن رجب: الإله هو الذي يطاع ولا يعصى، هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا، ورجاء وتوكلا، وسؤالا منه، ودعاء له; ولا يصلح ذلك إلا لله، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي من خصائص الإلهية، كان قدحا في إخلاصه، في قوله: لا إله إلا الله، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك؛ وهذا كله من فروع الشرك. وقال ابن هبيرة في الإفصاح، قوله: شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي: أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، قال

стр. 5325

تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] ، وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدا بها; فقد قال تعالى ما وضح به أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالما بما شهد به، فإنه غير بالغ من الصدق به مبلغ من شهد بما يعلمه، في قوله تعالى: ﴿إِِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] . قال: واسم الله مرتفع بعد إلا، من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه; قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما فيه إمارات الحدث، فإنه لا يكون إلها; فإذا قلت: لا إله إلا الله، اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فلزمك إفراده سبحانه وحده. قال: وجملة الفائدة في ذلك، أن تعلم: أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ فإنك لما نفيت الإلهية، وأثبت الإيجاب لله، كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله، انتهى. وقال أبو عبد الله: القرطبي في "التفسير": لا إله إلا هو، أي: لا معبود إلا هو; وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفاء عظيما، أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو

стр. 5326

أعظم الأذكار المنجية من أهوال الساعة؛ وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه، وإلا فهو جهل صرف، انتهى. وجميع المفسرين: يفسرون "الإله" بالمعبود; والمشركون يعرفون ذلك، لأنهم أهل اللسان، فلما طلب منهم النبي ﷺ أن يقولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] . وهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق، المدبر لجميع الأمور، رب كل شيء ومليكه، كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من كتابه. والله سبحانه فرض على عباده معرفة معنى لا إله إلا الله. وترجم البخاري على الآية، فقال: باب العلم قبل القول والعمل; إشارة إلى أن العلم بمعنى لا إله إلا الله: أول واجب، ثم بعد ذلك القول والعمل. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥٢] ، لم يقل: ليقولوا إنما هو إله واحد; وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، وقال ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" ١. واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أن أول واجب على الإنسان: معرفة الله; ودلت هذه الآية، على أن آكد

стр. 5327

الفرائض: العلم بمعنى لا إله إلا الله، وأن أعظم الجهل: نقص العلم بمعناها، إذ كان معرفه معناها آكد الواجبات، والجهل بذلك أعظم الجهل وأقبحه. ومن العجب: أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا، عاب ذلك، وقال: لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم. فيقال له: بل أنت مكلف بمعرفة التوحيد، الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وأرسل جميع الرسل يدعون إليه، ومعرفة ضده وهو الشرك الذي لا يغفره الله؛ ولا عذر لمكلف في الجهل بذلك، ولا يجوز فيه التقليد، لأنه أصل الأصول؛ فمن لم يعرف المعروف، وينكر المنكر فهو هالك، لا سيما أعظم المعروف، وهو التوحيد، وأكبر المنكر وهو الشرك. قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنه عن المنكر; فقال ابن مسعود: "هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف، وينكر المنكر"; وبمعرفة التوحيد يعرف أهله; قال علي ﵁: "اعرف الحق تعرف أهله". "" وأما الإقرار بتوحيد الربوبية، وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه ومدبره، فهذا يقر به المسلم والكافر، ولا بد منه؛ لكن لا يصير به الإنسان مسلما، حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميز المسلم من المشرك، وأهل الجنة من أهل النار.

стр. 5328

وقد أخبر الله سبحانه في مواضع من كتابه عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، ويحتج عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية، على شركهم بتوحيد الإلهية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١-٣٢] . قال البكري الشافعي في تفسيره على هذه الآية: إن قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام. قلت: كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله، والتقرب إليه، لكن بطرق مختلفة: ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت: الملائكة ذو وجاهة عند الله، فاتخذنا أصناما على هيئة الملائكة، لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة، كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت: أن لكل صنم شيطانا موكلا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله. قال ابن كثير ﵀، عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] الآية: إنما يحملهم على عبادتهم: أنهم عبدوا الأصنام، اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم؛ فعبدوا تلك الصور

стр. 5329

تنْزيلا لذلك منْزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم، ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا; قال قتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] : ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف آية: ٩] ، وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] ، قال ابن عباس وغيره: "إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله; وهم يعبدون معه غيره". ففسروا الإيمان في هذه الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك بعبادتهم غير الله، وهو إنكار توحيد الإلهية. فلما تقرر الإله وأنه المعبود، تعين علينا معرفة حقيقة العبادة وحدها؛ فعرفها بعضهم: بأنها ما أُمر به الإنسان شرعا، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي; وقال بعضهم: هي كمال الحب مع كمال الخضوع، وهذا يستلزم طاعة المحبوب والانقياد له. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله، ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة، والظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر

стр. 5330

بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء والذكر والقرآن، وأمثال ذلك من العبادة؛ فالدين كله داخل في العبادة. فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله، وأنه المعبود، وعرف حقيقة العبادة، تبين له أن من جعل شيئا من العبادة لغير الله، فقد عبده واتخذه إلها، وإن فر من تسميته معبودا وإلها، وسمى ذلك توسلا وتشفعا، والتجاء، ونحو ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبى، كما أن المرابي مراب شاء أم أبى، وإن لم يسم ما فعله ربا، وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها. وفي الحديث عن النبي ﷺ : " يأتي أناس من أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها " ١ فتغيير الاسم، لا يغير حقيقة المسمى، ولا يزيل حكمه، كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقا، وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه. ولما سمع عدي بن حاتم - وهو نصراني - قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، قال للنبي ﷺ إنا لسنا نعبدهم; قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم ". فعدي ﵁ ما كان يظن أن موافقتهم في ذلك عبادة منهم لهم، فأخبر النبي ﷺ أن ذلك عبادة منهم لهم، مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم.

стр. 5331

وكذلك: ما يفعله عباد القبور، من دعاء أصحابها، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالذبائح والنذور، عبادة منهم للمقبورين، وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة. وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، وإن كانوا يظنون أن هذا من التأله لغير الله، الذي تنفيه لا إله إلا الله، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ويعرفون معناها لأنهم العرب، لكن خفيت عليهم هذه المسألة، لحداثة عهدهم بالكفر، حتى قال النبي ﷺ : " الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١ لتركبن سنن من كان قبلكم ". فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يكفرهم بذلك. قلنا: هذا يدل على أن من تكلم بكلمة كفر جاهلا بمعناها، ثم نبه فانتبه، أنه لا يكفر; ولا شك أن هؤلاء لو اتخذوا ذات أنواط بعد إنكار النبي ﷺ لكفروا. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ راجع لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] ؛ قال مجاهد وقتادة: هي شهادة أن لا إله إلا الله،

стр. 5332

فلا يزال في ذرية إبراهيم من يعبد الله وحده. ففي الآية والحديثين قبلها، بيان لمعنى لا إله إلا الله، وأن المراد منها البراءة من التألة والعبادة لغير الله، وإفراده بالعبادة. ومن أعظم المصائب: إعراض أكثر الناس عن النظر في معنى هذه الكلمة العظيمة، حتى صار كثير منهم يقول: من قال لا إله إلا الله، لا نقول فيه شيئا، وإن فعل ما فعل، لعدم معرفتهم بمعنى هذه الكلمة نفيا وإثباتا، مع أن قائل ذلك لا بد أن يتناقض. فلو قيل له: ما تقول فيمن قال لا إله إلا الله، ولا يقر برسالة محمد بن عبد الله؟ لم يتوقف في تكفيره، أو أقر بالشهادتين وأنكر البعث، لم يتوقف في تكفيره، أو استحل الزنى واللواط ونحوه، أو قال: إن الصلوات الخمس ليست بفرض، فلا بد أن يقول بكفر من قال ذلك; فكيف لا تنفعه لا إله إلا الله إذاً، ولا تحول بينه وبين الكفر؟! فإذا ارتكب ما يناقضها، وهو عبادة غير الله، وهو الشرك الأكبر الذي هو أكبر الذنوب، قيل: هو يقول لا إله إلا الله، ولا يجوز تكفيره، لأنه يتكلم بكلمة التوحيد! لكن آفة الجهل والتقليد أوجبت ذلك، وهؤلاء ونحوهم إذا سمعوا من يقرر التوحيد، ويذكر الشرك، استهزؤوا به وعابوه. قال شيخ الإسلام - في أثناء كلامه -: والضالون مستخفون

стр. 5333

بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [سورة الفرقان آية: ٤١-٤٢] . فاستهزؤوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك، وما زال المشركون يسبون الأنبياء، ويصفونهم بالسفاهة والضلالة، والجنون، إذا دعوهم إلى التوحيد، لما في أنفسهم من تعظيم الشرك؛ وكذلك من فيه شبه منهم، إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد، استهزؤوا بذلك، لما عندهم من الشرك. ومن كيد الشيطان لمبتدعة هذه الأمة، من المشركين بالبشر، من المقبورين وغيرهم، لما علم عدو الله أن كل من قرأ القرآن وسمعه، يفر من الشرك، ومن عبادة غير الله، ألقى في قلوب الجهال أن هذا الذي يفعلونه مع المقبورين وغيرهم، ليس هو عبادة لهم، وإنما هو توسل وتشفع بهم، والتجاء إليهم ونحو ذلك. فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم، وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب؛ ثم ازداد اغترارهم، وعظمت الفتنة بأن صار بعض من ينسب إلى علم ودين، يسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك، ويحتج لهم بالحجج الباطلة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 5334

فصل [فيما أورده بعض المجادلين عن شيخ الإسلام من قوله في دعاء الأموات] وقد أورد بعضهم: أن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى ذكر كلاما وحكايات، تدل على أن دعاء الأموات ليس بشرك، كما ذكر أنه روى أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي إلى عمر بن الخطاب، فيأمره أن يستسقي بالناس، وغير ذلك من الحكايات. قال بعض المجادلين: ولو سلم لكم في بعض الأمور أنها شرك وكفر، فإن الشيخ ذكر في اقتضاء الصراط المستقيم، أن المتأول والمجتهد والمخطئ والمقلد، مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك، والكفر; فهذا تلبيس من الناقل، وكذب على الشيخ رحمه الله تعالى، لأنه إنما قال ذلك في سياق الكلام في بعض البدع، كتحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وغيره. فقال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه؛ وهذا باب واسع، وعامة العبادة المبتدعة المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة؛ ثم العامل قد يكون متأولا، أو مخطئا مجتهدا، أو مقلدا، فيغفر خطؤه ويثاب على فعله من الخير المشروع، المقرون بغير المشروع. قال: والحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهية شرعية، بمنْزلة سائر العبادات; وقد علم أن العبادة المشتملة

стр. 5335

على وصف مكروه، قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده، أو تقليده، أو حسناته، أو غير ذلك؛ تم ذلك لا يمنع أن يكون ذلك مكروها منهيا عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه. قال: فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع، قد قضيت حاجة صاحبها، فكثيرا ما يكون من هذا الباب; ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم سوغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة، أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا; وفرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله والمحبة له. وإنما استحباب الأفعال واتخاذها دينا، بكتاب الله وسنة نبيه، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذا من الأمور المحدثة، فلا تستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها. ولما قرر ﵀: أن تحري الدعاء عند القبور منهي عنه، قال: ولا يدخل في هذا الباب: أن أقواما سمعوا السلام من قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم. قال وكذلك أيضا: ما روي أن رجلا جاء إلى قبر النبي

стр. 5336

صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فيأمره أن يخرج فيستسقي بالناس، فإن هذا ليس من هذا الباب. وكذلك سؤال بعضهم عند قبر النبي ﷺ حاجته فتقضى، فإن هذا قد وقع كثير، وليس هو مما نحن فيه، إلى أن قال: وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة عند القبور، ولا قصد الدعاء والنسك عندها، لما في قصد العبادة عندها من المفاسد التي علمها الشرع. ثم قال رحمه الله تعالى: فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم أنها معارضة لما قدمنا، وليس كذلك، فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد، استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الافتتان; وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به، لما نهى الناس عن ذلك، انتهى. فانظر قوله: وليس هو مما نحن فيه، وليس فيه معارضة لما ذكرنا، لأنه قرر أن قصد القبور لدعاء الله عندها بدعة منهي عنها; وكذلك قرر: أن دعاء الأموات والغائبين، والاستغاثة بهم شرك، وذكر أنه ليس فيما ذكره معارضة لما قرره، دفعا لما قد يتوهم. واحتج بعض من يجادل عن المشركين بقصة الذي قد أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته، على أن من ارتكب الكفر

стр. 5337

جاهلا لا يكفر، ولا يكفر إلا المعاند. والجواب عن ذلك كله: أن الله أرسل رسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ وأعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره؛ فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهل، فمن الذي لا يعذر؟! ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند، مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله، بل لا بد أن يتناقض، فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ أو شك في البعث، أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل؛ والفقهاء يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد: أنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، نطقا أو فعلا أو شكا أو اعتقادا، وسبب الشك الجهل. ولازم هذا: أنا لا نكفر جهلة اليهود والنصارى، والذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم، ولا الذين حرقهم علي ابن أبي طالب ﵁ بالنار، لأنا نقطع أنهم جهال؛ وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال. [قول الشيخ تقي الدين فيمن سب الصحابة] وقال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: من سب الصحابة رضوان الله عليهم، أو واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا،

стр. 5338

بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر. قال: ومن ظن أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] بمعنى قدر، وأن الله سبحانه ما قدر شيئا إلا وقع، وجعل عبدة الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب كلها، انتهى. ولا ريب أن أصحاب هذه المقالة، أهل علم وزهد وعبادة، وأن سبب دعواهم هذه، الجهل. وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار: أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل، وأنهم في شك من البعث، وقالوا لرسلهم: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٩] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [سورة هود آية:١١٠] ، وقال تعالى اخبارا عنهم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ٣٢] . وقال تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] .

стр. 5339

ووصفهم الله سبحانه بغاية الجهل، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] . وقد ذم الله المقلدين، بقوله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] الآيتين، ومع ذلك كفّرهم; واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة، وحجة الله سبحانه قائمة بإرساله الرسل، وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته. [قول ابن قدامة لما سئل هل كل مجتهد مصيب؟] قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة، رحمه الله تعالى لما انجر كلامه: هل كل مجتهد مصيب؟ ورجح قول الجمهور، أنه ليس كل مجتهد مصيب، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين. قال: وزعم الجاحظ أن من خالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله ورد عليه وعلى رسوله، فنعلم قطعا: أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على الإصرار، وقاتلهم جميعهم، يقتل البالغ منهم; ونعلم: أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه.

стр. 5340

والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة ص آية: ٢٧] الآية، وقوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٣] الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٨] وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [سورة المجادلة آية: ١٨] وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] الآية. وفي الجملة: ذم المكذبين للرسول مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، انتهى. والعلماء يذكرون أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها إنها سنة لا واجبة، أو جحد حل الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر ونحوه، أو شك في ذلك، ومثله لا يجهله، كفر؛ وإن كان مثله يجهله عرف، فإن أصر بعد التعريف كفر، وقتل; ولم يقولوا: فإذا تبين له الحق وعاند كفر. وأيضا: فنحن لا نعرف أنه معاند، حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، ولا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد. وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب، أشياء كثيرة لا يمكن حصرها، من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند؛ فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا، أو مجتهدا أو مخطئا، أو مقلدا أو جاهلا، معذور،

стр. 5341

مخالف للكتاب والسنة، والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ونحو ذلك. وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب ﵎، فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له، كذلك قال غير واحد من العلماء; ولهذا قال الشيخ تقي الدين: من شك في صفة من صفات الرب تعالى، ومثله لا يجهله، كفر، وإن كان مثله يجهله لم يكفر; قال: ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله تعالى، لأنه لا يكفر إلا بعد بلوغ الرسالة؛ وكذلك قال ابن عقيل، وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة. واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه فلا، كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله تعالى؛ وقد قدمنا بعض كلامه في الاتحادية وغيرهم، وتكفيره من شك في كفرهم. قال صاحب اختياراته: والمرتد من أشرك بالله، أو كان مبغضا لرسول الله ﷺ أو لما جاء به، أو ترك إنكار كل منكر بقلبه، أو توهم أن من الصحابة من قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك، أو أنكر فرعا مجمعا عليه إجماعا قطعيا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، كفر إجماعا. ومن شك في صفة من صفات الله تعالى، ومثله لا يجهلها

стр. 5342

فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله، فأطلق فيما تقدم من المكفرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره، مع أن رأي الشيخ أن التوقف في تكفير الجهمية ونحوهم، خلاف نصوص أحمد وغيره من أئمة الإسلام. قال المجد رحمه الله تعالى: كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول: بخلق القرآن، أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة ﵃ تدينا، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه، ويناظر عليه، محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع، انتهى. فانظر كيف حكم بكفرهم مع جهلهم. [فصل فيما يتعين الاعتناء به معرفة ما أنزل الله على رسوله] ومما يتعين الاعتناء به، معرفة ما أنزل الله على رسوله، لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، فقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٧] . قال شيخ الإسلام: ومعرفة حدود الأسماء واجبة، لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء، كالخمر والربا؛ فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى، وما

стр. 5343

يدل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك، وقد ذم الله سبحانه من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، انتهى. ففرض على المكلف معرفة حد العبادة، وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها، ومعرفة حد الشرك، وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر; وتجد كثيرا ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الأكبر، وإن قال: إنه الشرك في العبادة، لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وقوله ﷺ : "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ١؛ فإنه مع اعترافه بأن الشرك الذي حرمه الله، هو الشرك في العبادة، لا يعرف حد العبادة وحقيقتها. وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك، الصلاة والسجود؛ فإذا طلب منه الدليل على أن الله يسمي الصلاة لغيره، والسجود لغيره شركا، لم يجده، وربما قال: لأن ذلك خضوع والخضوع لغير الله شرك، فيقال له: هل تجد في القرآن والسنة تسمية هذا الخضوع شركا؟ فلا يجده; فيلزمه أن يقول إنه عبادة; فيقال: وكذلك الدعاء والذبح والنذر عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب، من الذل، والخضوع، والحب والتعظيم، والتوكل والخوف والرجاء، وغير ذلك; وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة " ٢. وقد قرن الله بين الصلاة والذبح، في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ

стр. 5344

وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] أي: أخلص له صلاتك، ﴿وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] أي: ذبيحتك. فكما أن الصلاة لغير الله شرك، فكذلك قرين الصلاة، وهو الذبح لغير الله شرك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] . ومن العجب، قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات إنهم لا يرجون منهم قضاء حاجاتهم من الميت ونحوه. فنقول: هذا مكابرة ومغالطة، لأن من المعلوم عند كل ذي عقل أنهم ما دعوهم، وتذللوا، وخضعوا لهم، وبذلوا أموالهم بالنذور، والذبائح، إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم، وقضاء حاجاتهم من جهتهم؛ فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت والغائب حاجة، بأن يقول: أعطني كذا وأنا في حسبك، أو يستغيث به لدفع عدو، أو كشف ضر، ويتذلل ويخضع له، ثم يقول: إنه لا يرجو حصول مطلوبه، ودفع مرهوبه من جهته؟! وكيف يتصور: أن يبذل ماله بالنذور والذبائح - مع أن المال عزيز عند أهله - لمن يرجوه، ويعتقد أنه لا يحصل له من جهته نفع ولا دفع ضر؟! فهذا من أبين المحال، وأبطل الباطل; كيف وهم يفتخرون بقضاء حاجاتهم، وكشف كرباتهم من جهتهم؟! فبعض هؤلاء، منهم من يعتقد أن الميت ونحوه يفعل ذلك أصالة.

стр. 5345

وبعضهم يقول: هم وسيلتنا إلى الله، يعنون واسطة بينهم وبين الله تعالى، كما عليه المشركون الأولون، لأنه سبحانه أخبر عن المشركين، الموجودين حين نزول القرآن أنهم يخلصون لله الدعاء في حال الشدة، وينسون آلهتهم. وكثير من غلاة أهل هذا الزمان يخلصون الدعاء عند هذه الأمور المهمة والشدائد لولائجهم، كما هو مستفيض عنهم; قال الله تعالى إخبارا عن المشركين الأولين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٧] الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٣] . ومن العجب، قول من ينسب إلى علم ودين: إن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم، بل هو نداء!! أفلا يستحي هذا القائل من الناس، إذا لم يستح من الله من هذه الدعوى الفاسدة السامجة، التي يروج بها على رعاع الناس؟! والله سبحانه قد سمى الدعاء نداء، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٣] ، وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ؛ وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجته، وبين ما إذا طلبها من غيره، من ميت أو غائب، بأن الأول يسمى دعاء، والثاني يسمى

стр. 5346

نداء؟! ما أسمج هذا القول وأقبحه، وهو قول يستحى من حكايته لولا أنه يروج على الجهال، لا سيما إذا سمعوه ممن يعتقدون علمه ودينه. وأي فرق بين سؤال الميت حاجته، وبين سؤالها من صنم ونحوه، بأن الثاني يسمى دعاء، والأول نداء؟! فإن قال: الكل نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن، ومحادة لله ورسوله، ولا يحتاج في بطلانه إلى أكثر من حكايته؛ وما أظن أن عاقلا يحيك هذا في نفسه، وإنما هو عناد ومكابرة، وإنما يروج على أشباه البهائم. أما يخاف هذا أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [سورة غافر آية: ٥] ؛ والله سمى سؤال غيره دعاء في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] ؛ والدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة، ودعاء المسألة. [فصل فيما يقال لمن ادعى أن الشرك هو الصلاة والسجود لغير الله] ويقال لمن ادعى أن الشرك هو الصلاة والسجود لغير الله، مع أن هذا مكابرة من مدعيه؛ فكما أن السجود عبادة، فكذلك الدعاء والنذر، والذبح وغيرهما، كما تقدم تعريفه. وقد نهى الله عن دعاء غيره، وذم فاعل ذلك، وأمر بإخلاص الدعاء له أكثر مما ذكر في خصوصية السجود،

стр. 5347

مع أن الدعاء في القرآن يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة الذي يدخل فيه السجود، وغيره من أنواع العبادة. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية:١٨] ، وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٥] وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] الآية، وفي القرآن من ذلك ما لا يحصى. [قول الشيخ في الكلام على دعوة ذي النون] قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في الكلام على دعوة ذي النون: لفظ الدعاء والدعوة في القرآن، يتناول دعاء العبادة، ودعاء المسألة، وفسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] بالوجهين، وفي حديث النُزول " من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " ١. والمستغفر سائل، والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر للخير، وذكرهما بعد الدعاء الذي يتناولهما وغيرهما، من عطف الخاص على العام، وسماها دعوة لتضمنها النوعين. فقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] اعترافا بتوحيد الإلهية، وهو يتضمن النوعين؛ فإن الإله هو المستحق لأن

стр. 5348

يدعى بالنوعين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، في "البدائع" بعد آيات ذكرها; قال: وهذا في القرآن كثير، يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفا دعاء العبادة; فعلم أن النوعين متلازمان. فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، إلى أن قال: وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، واستعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه; بل هذا استعماله في حقيقته الواحدة، المتضمنة للأمرين جميعا، انتهى; فعلى هذا يكون النهي عن دعاء غيره سبحانه نصا في دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهو نهي عن كل منهما حقيقة. [فصل في قول ابن تيمية فيمن ترجى له المغفرة] فصل وقد ذكرنا: أن الشيخ تقي الدين، قال: إنما ترجى المغفرة لمن فعل بعض البدع مجتهدا أو جاهلا؛ لم يقل ذلك فيمن ارتكب الشرك الأكبر، والكفر الظاهر، بل قد قال رحمه الله تعالى: إن الشرك لا يغفره الله، وإن كان أصغر؛ وقد قدمنا بعض كلامه في ذلك، ونذكر هنا بعض ما اطلعنا عليه من كلامه، وكلام غيره من العلماء. قال رحمه الله تعالى - في أثناء كلام له في ذم أصحاب

стр. 5349

الكلام -: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، لكن هو مسرف فيه، له نهمة في التشكيك; والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده; لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق; وتوجد الردة منهم كثيرا كالنفاق; وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. لكن يقع في ذلك طوائف منهم، في أمور يعلم الخاصة والعامة، بل اليهود والنصارى، يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وتعظيم شأنها، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش والربا والميسر ونحو ذلك، إلى أن قال: وصنف الرازي كتابا في عبادة الأصنام والكواكب، وأقام الأدلة على حسنه، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام إجماعا، انتهى. فقوله رحمه الله تعالى: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، هو كما قال؛ فقد سمعنا غير واحد من اليهود: أنهم يعيبون على المسلمين ما يفعل عند هذه المشاهد، يقولون: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه; فسبحان الله ما أعجب هذا؟! اليهود ينكرون هذه الأمور الشركية، ويقولون: ما يأتي بها نبي، وكثير من علماء هذه

стр. 5350

الأزمان يجوزون ذلك، ويوردون الشبه الباطلة عليه، وينكرون على من أنكره!! وانظر قول الشيخ: لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع; وقوله أيضا: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. وقال الشيخ، في الرسالة السنية - لما ذكر حديث الخوارج -: فإذا كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه من مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان، قد يمرق أيضا، وذلك بأمور: منها: الغلو الذي ذمه الله سبحانه كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي، بل الغلو في علي ابن أبي طالب، بل الغلو في المسيح. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو اجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل; فإن الله تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إلها آخر. والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة والمسيح وعزير، والصالحين وقبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند

стр. 5351

الله، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. قال ﵀ أيضا: وقد سئل عن رجلين تنازعا; فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك. فأجاب بقوله: إن أراد بذلك أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما يأمرهم به وينهاهم عنه، إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده؛ وهذا مما أجمع عليه أهل الملل، من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل، الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج آية: ٧٥] ، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم، وهداهم، يسألونهم ذلك ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك، الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دونه أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار، إلى أن قال: فمن جعل الأنبياء والملائكة وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم

стр. 5352

غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين، إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحُجّاب الذين بين الملك وبين رعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده وينصرهم ويرزقهم، بتوسطهم; بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، وأن الناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملوك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملوك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا; وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى; فإن هذا دين المشركين عبدة الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] انتهى. فقد جزم رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة، بكفر من فعل ما ذكرنا من أنواع الشرك، وحكى إجماع المسلمين على ذلك، ولم

стр. 5353

يستثن الجاهل ونحوه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] الآية، وقال تعالى عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط، وأخرج الجاهل والمتأول والمقلد، فقد شاق الله ورسوله، وخرج عن سبيل المؤمنين; والفقهاء يصدرون "باب حكم المرتد" بمن أشرك بالله، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند، وهذا أمر واضح - ولله الحمد - فقد قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] . [الأمور المبتدعة عند القبور أنواع] وقال الشيخ أيضا: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع، أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، والغائب، كما يتمثل لعباد الأصنام. ومن تقريره رحمه الله تعالى، في هذا الأصل: ما ذكره في "اقتضاء الصراط المستقيم" حيث قال: إن الدعاء المتضمن شركا، كدعاء غير الله أن يفعل، أو دعائه أن يدعو ونحو ذلك، لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة، إلا في الأمور الحقيرة; وأما الأمور العظيمة: كإنزال الغيث عند القحط، وكشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ

стр. 5354

السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٧] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] الآية، فكون هذه المطالب العظيمة، لا يستجيب فيها إلا هو ، دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به. وعلم بذلك: أن ما دون هذا أيضا من الإجابات، إنما فعلها له سبحانه وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والسحاب والرياح، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق كل شيء، وأن ما دون هذا بأن يكون خلقا له أولى، إذ هو منفصل عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة. وجماع ذلك: أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته، بأن يجعل لغيره معه تدبيرا، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، فمن لم يكن مالكا،

стр. 5355

ولا شريكا، ولا عوينا، فقد انقطعت علاقته. وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] . فكما أن إثبات المخلوقات أسبابا، لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة، أو دعاء استعانة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة، من شرك أو غيره أسبابا، لا يقدح في توحيد الإلهية، ولا تمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخطه ذلك، ويعاقب العبد عليه. وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا به، وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه، فذكر ﵀ آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: القرآن عامتة إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول. وقال ﵀، في موضع آخر: ونحن نعلم بالضرورة، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء والأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة في حال الشدة، ولا بلفظ الاستعانة، ولا بغيرهما، كما لم يشرع الله السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك; بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله،

стр. 5356

وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، قال: ولهذا ما بينت هذه المسألة لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام; وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا، يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، انتهى. فقوله ﵀: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، أي: لم يمكن تكفيرهم بأشخاصهم وأعيانهم، بأن يقال: فلان كافر ونحوه، بل يقال: هذا كفر، ومن فعله كافر؛ كما أطلق ﵀ الكفر على فاعل هذه الأمور ونحوها في مواضع لا تحصى، وحكى إجماع المسلمين على كفر فاعل هذه الأمور الشركية. وصرح بذلك ﵀ في مواضع، كما قال في أثناء جواب له في الطائفة القدرية، قال بعد كلام كثير: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر، في الكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر مطلق، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والكفر، من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص، قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه; مثل من قال: إن الزنى والخمر حلال، لقرب

стр. 5357

عهده بالإسلام، ونشوئه ببادية بعيدة. وقال رحمه الله تعالى، في موضع آخر - في أثناء كلام له على هذه المسألة -: وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير صاحبه; فيقال: من قال كذا فهو كافر; لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، فهذا كما في نصوص الوعيد; فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [سورة النساء آية: ١٠] الآية. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد; فلا نشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط، أو ثبوت مانع؛ فقد لا يكون بلغه التحريم، وقد يتوب من فعله المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "شرح المنازل": ومن أنواعه، أي: الشرك: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا هو أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به، وسأله أن يشفع له. وقال في أثناء كلام له: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت; ويقولون: إن هذا الحجر،

стр. 5358

وهذه الشجرة، وهذه العين، تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. وقال في الهدي - في غزوة الطائف - ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها، وإبطالها يوما واحدا; فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بِمنْزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم تركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت; وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم؛ فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع؛ وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة.

стр. 5359

نشأ على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها، وهو خير الوارثين، انتهى. والأمر كما قال رحمه الله تعالى: إن سبب حدوث الشرك وظهوره: ظهور الجهل، وخفاء العلم وقلة العلماء، وغلبت السفهاء; فيتبين لطالب الحق أن من جادل عن المشركين، وسهل عليه ما ارتكبوه من الشرك، واحتج لهم بالحجج الباطلة، أنه فاقد أصل العلم وأفرضه، فيستحق أن يوصف بالجهل، وإن كان له اشتغال بأنواع من العلوم القليل نفعها، وفي هذا مصداق قول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة "١. وما أحسن ما قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ويروى: أن هلاك من كان قبلنا، كان على يد قرائهم وفقهائهم، فإنا لله وانا إليه راجعون. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستغاث به، وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداما من الشيطان له، وقال: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران

стр. 5360

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان والله ما ساووهمو بالله في ... خلق ولا رزق ولا إحسان لكنهم ساووهمو بالله في ... حب وتعظيم وفي إيمان جعلوا محبتهم مع الرحمن ما ... جعلوا المحبة قط للرحمن [قول شيخ الإسلام فيما نذر لغير الله] وقال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله، كالنذر للأصنام والشمس، والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بِمنْزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات، لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة; فإن كليهما شرك: والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد، ويقول ما قال النبي ﷺ : " من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" ١ انتهى; قوله: فهو بِمنْزلة أن يحلف بغير الله; أي: في عدم الانعقاد، لا حقيقة كحقيقته، لأن النذر عبادة بخلاف الحلف. وقال أيضا، على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] : ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذه ذبيحة لكذا; وإذا كان هذا المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ به، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقيل فيه: بسم المسيح ونحوه، لأن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا فيه: بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له
следующие страницы →