← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، قال: ولهذا ما بينت هذه المسألة لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام; وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا، يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، انتهى. فقوله ﵀: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، أي: لم يمكن تكفيرهم بأشخاصهم وأعيانهم، بأن يقال: فلان كافر ونحوه، بل يقال: هذا كفر، ومن فعله كافر؛ كما أطلق ﵀ الكفر على فاعل هذه الأمور ونحوها في مواضع لا تحصى، وحكى إجماع المسلمين على كفر فاعل هذه الأمور الشركية. وصرح بذلك ﵀ في مواضع، كما قال في أثناء جواب له في الطائفة القدرية، قال بعد كلام كثير: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر، في الكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر مطلق، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والكفر، من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص، قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه; مثل من قال: إن الزنى والخمر حلال، لقرب

стр. 5357

عهده بالإسلام، ونشوئه ببادية بعيدة. وقال رحمه الله تعالى، في موضع آخر - في أثناء كلام له على هذه المسألة -: وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير صاحبه; فيقال: من قال كذا فهو كافر; لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، فهذا كما في نصوص الوعيد; فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [سورة النساء آية: ١٠] الآية. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد; فلا نشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط، أو ثبوت مانع؛ فقد لا يكون بلغه التحريم، وقد يتوب من فعله المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "شرح المنازل": ومن أنواعه، أي: الشرك: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا هو أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به، وسأله أن يشفع له. وقال في أثناء كلام له: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت; ويقولون: إن هذا الحجر،

стр. 5358

وهذه الشجرة، وهذه العين، تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. وقال في الهدي - في غزوة الطائف - ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها، وإبطالها يوما واحدا; فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بِمنْزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم تركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت; وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم؛ فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع؛ وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة.

стр. 5359

نشأ على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها، وهو خير الوارثين، انتهى. والأمر كما قال رحمه الله تعالى: إن سبب حدوث الشرك وظهوره: ظهور الجهل، وخفاء العلم وقلة العلماء، وغلبت السفهاء; فيتبين لطالب الحق أن من جادل عن المشركين، وسهل عليه ما ارتكبوه من الشرك، واحتج لهم بالحجج الباطلة، أنه فاقد أصل العلم وأفرضه، فيستحق أن يوصف بالجهل، وإن كان له اشتغال بأنواع من العلوم القليل نفعها، وفي هذا مصداق قول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة "١. وما أحسن ما قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ويروى: أن هلاك من كان قبلنا، كان على يد قرائهم وفقهائهم، فإنا لله وانا إليه راجعون. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستغاث به، وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداما من الشيطان له، وقال: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران

стр. 5360

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان والله ما ساووهمو بالله في ... خلق ولا رزق ولا إحسان لكنهم ساووهمو بالله في ... حب وتعظيم وفي إيمان جعلوا محبتهم مع الرحمن ما ... جعلوا المحبة قط للرحمن [قول شيخ الإسلام فيما نذر لغير الله] وقال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله، كالنذر للأصنام والشمس، والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بِمنْزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات، لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة; فإن كليهما شرك: والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد، ويقول ما قال النبي ﷺ : " من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" ١ انتهى; قوله: فهو بِمنْزلة أن يحلف بغير الله; أي: في عدم الانعقاد، لا حقيقة كحقيقته، لأن النذر عبادة بخلاف الحلف. وقال أيضا، على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] : ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذه ذبيحة لكذا; وإذا كان هذا المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ به، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقيل فيه: بسم المسيح ونحوه، لأن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا فيه: بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له

стр. 5361

والنسك، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور; فإذا حرم ما قيل فيه: بسم المسيح والزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح أو الزهرة، أو قصد به ذلك، أولى; فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا، من الاستعانة بغير الله. فعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا إليه، لحرم، وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنحر، ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال; لكن يجتمع في الذبيحة مانعان; ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة، من الذبح للجن. وقال: ولهذا كان عباد الشياطين والأصنام، يذبحون لها الذبائح، فالذبح للمعبود، غاية الذل، والخضوع، ولهذا لم يجز الذبح لغير الله. وقال في موضع آخر: والمسلم إذا ذبح لغير الله، أو ذبح بغير اسمه، لم تبح ذبيحته، وإن كان يكفر بذلك; إلى أن قال: ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علم أنه ليس من دين الإسلام، بل هو من الشرك الذي أحدثوه; قال، وقول الشيخ: انذروا لي لتقضى حاجاتكم، واستعينوا بي، إذا أصر ولم يتب قتل. قال أبو محمد البربهارى، شيخ الحنابلة في وقته، في عقيدته: ولا نخرج أحدا من أهل القبلة من الإسلام، حتى

стр. 5362

يرد آية من كتاب الله تعالى، أو يرد شيئا من آثار رسول لله ﷺ ، أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، في كلام كثير، انتهى، سمع البربهاري من المروزي وغيره. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع، إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم; قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج، وتقبيلها وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم، لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر الصديق، ومحمد، وعلي، أو لم يعقد علي قبر أبيه آزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى كلامه. فانظر إلى تكفير ابن عقيل لهم، مع إخباره بجهلهم. وقال الشيخ قاسم الحنفي في "شرح درر البحار": النذر الذي يقع من أكثر العوام، على ما هو مشاهد الآن، كأن يكون

стр. 5363

لإنسان غائب، أو مريض، أو له حاجة ضرورية، فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا؛ أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا، فهذا باطل بالإجماع، لوجوه: منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، ولأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر، إلى أن قال: إذا علمت ذلك، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء، تقربا إليهم، فحرام بإجماع المسلمين. وقال النووي في شرح مسلم، على قول النبي ﷺ : " لعن الله من ذبح لغير الله " ١، المراد به: أن يذبح بغير اسم الله، كمن يذبح للصنم، أو للصليب أو لموسى، أو لعيسى، أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة، وسواء كان الذابح مسلما، أو نصرانيا، إلى أن قال: فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله، أو العبادة له، كان كافرا; فإن كان الذابح مسلما، صار بالذبح مرتدا، انتهى. وقال الشيخ صنع الله، في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء، وأثبت الأجر في ذلك: فهذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان لغير الله، فيكون باطلا؛ وفي التنْزيل:

стр. 5364

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ، [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] ، أي: صلاتي وذبحي لله كما فسر به قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله، إلى أن قال: والنذر لغير الله، كالذبح لغير الله; وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك، الركوع والسجود، والنذر، والذبح، واليمين، قال: والحاصل: أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور؟!. وقال ابن النحاس في "كتاب الكبائر": ومنها: إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار، والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه كلها بدع، ومنكرات قبيحة، تجب إزالتها، ومحو أثرها; فإن أكثر الجهال يعتقدون: أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها، وهذا شرك، ومحادة لله ورسوله. وقال أبو محمد: عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي، المعروف بأبي شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث": ومن هذا القسم أيضا: ما قد عم الابتلاء به، مع تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة، يحكي لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية؛ فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا

стр. 5365

إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي ما بين عيون وشجر وحائط. وفي مدينة دمشق - صانها الله من ذلك - مواضع متعددة، كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمد المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها، واجتثاثها من أصلها; فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث، وذكر الحديث. ثم قال: قال أبو بكر الطرطوشي: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء منها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها; ثم قال [أبو شامة] : ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني رحمه الله تعالى، أحد الصالحين ببلاد إفريقية، في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح: أبو عبد الله، محمد بن أبي العباس المؤدب، أنه كان إلى جانبه عين تسمى "عين العافية" كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق من تعذر عليها نكاح، أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة. قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن

стр. 5366

الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا؛ فما رفع لها رأس إلى الآن، انتهى كلامه. وكان العالم: أبو محمد ابن أبي زيد، يعظم شأن أبي إسحاق، ويقول: طريقة أبي إسحاق خالية، لا يسلكها أحد في الوقت. [الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات] قال الشيخ: صنع الله الحنفي، في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى، أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات، على سبيل الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا في حياتهم، وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات; وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعة وسبعون، وأربعة وأربعون، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] إلى أن قال: الفصل الأول: فيما انتحلوه من الإفك الوخيم، والشرك العظيم، إلى أن قال:

стр. 5367

فأما قولهم: إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده، قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٠] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الشورى آية: ٤٩] ونحوه من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره فيه شيء ما بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره، تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة وخلقا، وتمدح الرب سبحانه بانفراده في ملكه بآيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر آية: ٣] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] وذكر آيات في هذا المعنى. قال: فقوله في الآيات كلها ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته، من ولي وشيطان تستمده; فإن من لم يقدر على نصر نفسه، كيف يمد غيره؟! إلى أن قال: فكيف يمكن أن يتصرف؟ إن هذا من السفاهة لقول وخيم وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أقبح، وأشنع وأبدع، من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٢] ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر آية: ٣٨] . وفي الحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " ١

стр. 5368

الحديث؛ فجميع ذلك، وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته، فضلا عن غيره، بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها، من خير وشر؛ فإذا عجز عن حركته لنفسه، فكيف يتصرف لغيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده; وهؤلاء الملحدون، يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] ؟! قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة، لأن الكرامة شيء من عند الله، يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه، ولا تحد ولا قدرة، ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني. قال: وأما قولهم: ويستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله وأبدع، لمضادة قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] الآية ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٣] ، وذكر الآيات في هذا المعنى، ثم قال: فإنه جل ذكره، قرر أنه الكاشف الضر لا غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، وعلى

стр. 5369

إيصال الخير، فهو المتفرد بذلك; فإذا تعين جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي. قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية، من الأمور الحسية في قتال، وإدراك عدو، أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد! ويا لقوي! ويا للمسلمين، كما ذكروا ذلك في كتب النحو، بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص الله، فلا يطلب فيها غيره. قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات، إلى أن قال: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك، في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا أولياء الله أن يكونوا بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ؛ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣] ؛ فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع،

стр. 5370

ولا دفع الضر، من نبي وولي وغيره، على وجه الإمداد منه، إشراك مع الله إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. وأما ما قالوه أن فيهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب وهو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي، في سراج المريدين، وابن الجوزي، وابن تيمية، انتهى باختصار ; وأقوال العلماء في ذلك كثير، واكتفينا بما ذكرنا. [فصل في قول الشيخ: الشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته] وتقدم في كلام الشيخ الإشارة إلى أنه لولا أنه يخشى من الفتنة بالقبور، لما نهى عن الصلاة عندها وغير ذلك، وتأكدت الفتنة بقضاء حوائج بعض قاصديها والمشركين بها، وذكر الشيخ ﵀ من ذلك أشياء كثيرة، ذكرها في "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"، وغيره من كتبه. قال: والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها، كما يفعل أهل دعوى الكواكب، فإنه ينْزل عليه شيطان يخاطبه، ويحدثه ببعض الأمور، يسمون ذلك روحانيات الكواكب، وهو شيطان؛ وكذلك عباد الأصنام، قد تخاطبهم الشياطين؛ وكذلك من استغاث بميت أو غائب؛ وكذلك من دعا الميت أو دعا عنده، وظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد.

стр. 5371

وللنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد، يظنونها كرامات، وهي من الشيطان، مثل أن يضعوا سراويل عند القبر، فيجدونه قد عقد، أو يوضع عنده مصروع، فيبصرون شيطانه قد فارقه، فيفعل هذا الشيطان ليضلهم، ومثل: أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق، فيخرج منه إنسان، فيظنه الميت. ومن هؤلاء: من يستغيث بمخلوق حي أو ميت، سواء كان ذلك الحي مسلما أو نصرانيا أو مشركا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو أنه ملك على صورته ; وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين. ومن هؤلاء: من يتصور له الشيطان، ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه ; ومنهم: من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس، أو غيرهما ; ومنهم: من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته ; ومنهم: من كان يؤتى بمال مسروق سرقه الشيطان ويأتيه به ; ومنهم: من كانت تدله على المسروقات. قال رحمه الله تعالى: حتى إني أعرف من هؤلاء جماعات، يأتون إلى الشيخ نفسه الذي استغاثوا به، وقد رأوه أتاهم في الهواء فيذكرون ذلك له; وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ، فتارة

стр. 5372

يكون الشيخ نفسه لم يعلم بتلك القضية، فإن كان يحب الرياسة، أوهمهم أنه نفسه أتاهم وأعانهم. وإن كان فيه صدق مع جهل وضلال، قال: هذا ملك صوره الله على صورتي، وجعل هذا من كرامات الصالحين، وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين، ويتخذهم أربابا من دون الله، وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيثين بهم. ولهذا أعرف غير واحد منهم، ممن فيه صدق وزهد وعبادة، لما ظنوا أن هذا من كرامات الصالحين، صار أحدهم يوصي مريده، يقول: إذا كانت لأحدكم حاجة، فليستغث بي وليستنجد بي ; ويقول: أنا أفعل بعد موتي ما كنت أفعل في حياتي؛ وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصور على صورته، لتضله وتضل أتباعه. فيحسن لهم الإشراك بالله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وأنها قد تلقي في قلبه: أنا نفعل بأصحابك بعد موتك، ما كنا نفعل بهم في حياتك، فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي إليه، فيأمر أصحابه بذلك؛ وذكر أشياء كثيرة من هذا الجنس وأعظم منه. والمقصود: أن الإنسان إذا سمع بوقوع مثل ذلك لا يستبعده، ولا يفتتن به، إذا عرف أن مثل هذه الأمور تقع لعباد الأصنام والقبور؛ والأمر كله لله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

стр. 5373

فصل [فيما يتعين على من نصح نفسه] يتعين على من نصح نفسه، وعلم أنه مسؤول عمّا قال وفعل، ومحاسب على اعتقاده، وقوله وفعله، أن يعدّ لذلك جوابا، ويخلع ثوبي الجهل والتعصب، ويخلص القصد في طلب الحق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سورة سبأ آية: ٤٦] . وليعلم أنه لا يخلصه إلا اتباع كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٩] . ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه أنه سيقع الاختلاف بين الأمة، أمرهم وأوجب عليهم عند التنازع، الرد إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ قال العلماء: الردّ إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله: الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته. ودلت الآيات على أن من لم يرد عند التنازع، إلى كتاب الله وسنة نبيه، فليس بمؤمن، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ فهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه، ومحال أن يأمر الله الناس بالرد إلى ما لا يفصل النّزاع، لا سيما في

стр. 5374

أصول الدين، التي لا يجوز فيها التقليد عند عامة العلماء. وقال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . ولما أخبر النبي ﷺ بوقوع الاختلاف الكثير بعده بين أمته، أمرهم عند وجود الاختلاف بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فقال ﷺ : " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ١. ولم يأمرنا الله ولا رسوله بالرد عند التنازع والاختلاف إلى ما عليه أكثر الناس، ولم يقل الله ولا رسوله: لينظر كل أهل زمان إلى ما عليه أكثرهم، أي: في زمانهم فيتبعونهم، ولا إلى أهل مصر معين، أو إقليم ; وإنما الواجب على الناس: الرد إلى كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وما مضى عليه الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان. فيجب على الإنسان الالتفات إلى كتاب الله، وسنة نبيه، وطريقة أصحابه والتابعين، وأئمة الإسلام، ولا يعبأ بكثرة المخالفين بعدهم ; فإذا علم الله من العبد الصدق في طلب

стр. 5375

الحق، وترك التعصب، ورغب إلى الله في سؤال هدايته الصراط المستقيم، فهو جدير بالتوفيق ; فإن على الحق نورا، لا سيما التوحيد الذي هو أصل الأصول، الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو توحيد الإلهية؛ فإن أدلته وبراهينه في القرآن ظاهرة، وعامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم. ولا يتوحش الإنسان لقلة الموافقين، وكثرة المخالفين، فإن أهل الحق أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة، التي صار الإسلام فيها غريبا. والحق لا يُعرف بالرجال، كما قال علي ابن أبي طالب ﵁ لمن قال له: أترى أنا نرى الزبير وطلحة مخطئين، وأنت المصيب؟ فقال له علي: "ويحك يا فلان! إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله" وأيضا قال: "الحق ضالة المؤمن". وليحذر العاقل من شبهة الذين قال الله عنهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ١١] ، ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٣] . وقد قال بعض السلف: "ما ترك أحد حقا إلا لكبر في نفسه" ومصداق ذلك قول النبي ﷺ حين قال: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر " ١، ثم فسر الكبر: بأنه "بطر الحق" أي: رده، " وغمط الناس " ٢ أي: احتقارهم وازدراؤهم ; ولقد أحسن القائل: وتعر من ثوبين من يلبسهما ... يلق الردى بمذمة وهوان

стр. 5376

ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان وتحل بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... نصح الرسول فحب ذا الأمران قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وما أحسن ما قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة، في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث" حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به: لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، إلا أن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى، من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودي: "صحبت معاذا، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام. ثم صحبت من بعده أفقه الناس: عبد الله بن مسعود ﵁، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوما من الأيام، وهو يقول: سيكون عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم، فإنها لكم نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون؟! قال: وماذا؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي لك نافلة. قال يا عمرو بن ميمون: قد كنت أظن أنك من أفقه أهل

стр. 5377

هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا ; قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك. وفي طريق آخر: فضرب على فخذي، وقال: ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ". قال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ" ذكره البيهقي وغيره. وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن البصري، قال: "لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم، ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرى، ولم يدرك هذا السلف الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوّض أجرا عظيما، فكذلك فكونوا إن شاء الله". وروى محمد بن وضاح، عن أبي الطفيل: أن حذيفة بن اليمان، أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفه، ثم قال: "إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفا من تراب، فجعل يذره على الحصاة حتى وارها، ثم قال: والذي نفسي

стр. 5378

بيده، ليجيئن أقوام يدفنون الدين، كما دفنت هذه الحصاة. ولتسلكن طريق الذين كانوا قبلكم، حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل". وقال محمد بن وضاح: الخير بعد الأنبياء ينقص، والشر يزيد، قال ابن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل على يد قرائهم، وروى ابن وضاح، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان ابن أبي جبلة عن أبي الدرداء، قال: "لو خرج رسول الله ﷺ عليكم اليوم، ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟! قال عيسى ابن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان"؟! وروى ابن وضاح عن الأوزاعي، قال: "قال لي شقيق أبو وائل: يا سليمان ما شبهت قراء زمانك إلا غنما رعت حمضا، فمن رآها ظن أنها سمينة، وإذا ذبحها لم يجد فيها شاة سمينة". وروى ابن وضاح عن "أبي الدرداء، قال: لو أن رجلا تعلم الإسلام وأتمه، ثم تفقده ما عرف منه شيئا". وروى ابن وضاح عن عبد الله بن المبارك، قال: "اعلم أي أخي، أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة" فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكوا عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة، وظهور البدع، انتهى.

стр. 5379

فكيف لو رأى من تقدم ذكرهم هذه الأزمنة، التي ظهر فيها الشرك الأكبر، والأصغر، والبدع التي لا تعد ولا تحصى في الاعتقادات، والأقوال والأعمال، وظهرت جميع الفواحش في أكثر أمصار المسلمين، وضيعت الصلاة واتبعت الشهوات، وظهر مصداق قول حذيفة: "ليجيئن أقوام يدفنون الدين، كما دفنت هذه الحصاة". وأبلغ من ذلك قول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة القذة قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١ وقال: "لتأخذن هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع. قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك" وظهر مصداق قول النبي ﷺ حقيقة: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء " ٢. واعتبر هذا بما عاب به سبحانه اليهود من تبديلهم، برجم الثيب الزاني بالجلد والتحميم، فال في شأنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [سورة المائدة آية: ٤١] ، يقولون: إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوا. وقال سبحانه عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٤١] ، وقال النبي ﷺ لما رجم الزاني: " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " ٣. فكيف حال الذين عطلوا الحدود بالكلية؟ ثم زاد الشر إلى أن آل الأمر ببعض الولاة أنهم يضربون على البغايا الخراج، وتعدوا

стр. 5380

حدود الله في السارق، بالصلب، والقتل، صيانة لأموالهم، ولم يعبؤوا بانتهاك حرمات مولاهم؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون. وليجتهد المسلم في تحقيق العلم والإيمان، وليتخذ ربه هاديا ونصيرا، وحاكما ووليا، فإنه ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٠] ، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] . وينبغي أن يكثر الدعاء بما رواه مسلم وغيره، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي من الليل يقول: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.

стр. 5381

[جواب الشيخ أبا بطين عما يورده بعضهم أن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون] قال الشيخ العالم المبجل عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان، أن أكتب له جوابا عما يورده بعض الناس، من قوله ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب " ١، ويستدلون به على استحالة وقوع شيء من الشرك في جزيرة العرب، والحديث المروي " يا عباد الله احبسوا".وعما يورده بعضهم من قوله ﷺ لأسامة: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " ٢، وقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ٣؛ ويستدل بذلك على أن من قال: لا إله إلا الله لا يجوز قتاله. الجواب: أما قوله ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب " ٤، فيقال أولا: من المعلوم بالضرورة، أن الله بعث محمدا ﷺ يدعو إلى التوحيد، وهو توحيد الألوهية، وينهى عن الشرك، وهو عبادة غير الله. وأما الشرك في الربوبية، فمن المعلوم بنصوص الكتاب أن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله، وقاتلهم، يقرون بتوحيد الربوبية، وأن شركهم إنما هو في توحيد العبادة، وهو

стр. 5382

توحيد الألوهية، الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، فعبدوا من عبدوه من دون الله، ليشفعوا لهم عنده، في نصرهم، ورزقهم وغير ذلك، كما قال تعالى إخبارا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . فبعث الله رسوله محمدا ﷺ ينهاهم عن هذا الشرك، ويدعوهم إلى توحيد العبادة؛ وهذه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وهذا الأصل هو الذي خلق الله جميع الجن والإنس لأجله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . فإذا تبين أن هذا الأصل هو أصل الأصول، علمنا يقينا أن الله لم يترك هذا الأمر ملتبسا؛ بل لا بد من أن يكون بينا واضحا لا لبس فيه، ولا اشتباه، لأنه أصل الدين، ومعرفته فرض على كل مكلف، ولا يجوز فيه التقليد. وحقيقة ذلك: أن الشرك هو عبادة غير الله، والعبادة هي الطاعة بفعل ما أمر الله به ورسوله، من واجب ومندوب؛ فمن أخلص ذلك لله فهو الموحد، ومن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ

стр. 5383

شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] أي: في العبادة، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . فإذا علم الإنسان حقيقة الشرك، عرف يقينا أن الشرك وقع في الجزيرة كثيرا، عند مشاهد وقبور، يمنا وحجازا، من دعاء الأموات والغائبين، والاستغاثة بهم من سؤال الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، وكذلك الذبح للجن والاستعاذة بهم؛ وهذا معلوم بالتواتر عند من لم يشاهد ذلك. فإذا تحقق الإنسان ذلك، علم أن قوله ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب " ١ ليس فيه معارضة لهذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول، وليس فيه دلالة على استحالة وجود الشرك في أرض العرب. فمن استدل بهذا الحديث على استحالة وجود الشرك في أرض العرب، يقال له: بيِّن لنا الشرك الذي حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره فإن فسره بالشرك في توحيد الربوبية، فنصوص القرآن تبطل قوله، لأن الله سبحانه أخبر عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف آية: ٩] ؛ والآيات في ذلك كثيرة. وإن فسر الشرك ببعض أنواع العبادة دون بعض، فهو مكابر، ويخاف على مثله أن يكون من الذين في قلوبهم زيغ،

стр. 5384

يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، مع أنه ليس في الحديث حجة لهم ولا شبهة ; وإنما معنى الحديث: أنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر. قال ابن رجب على هذا الحديث، المراد: أنه يئس أن تجتمع الأمة كلها على الكفر، وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ [سورة المائدة آية: ٣] قال ابن عباس: يعني يئسوا أن تراجعوا دينهم، وكذا قال عطاء والسدي، ومقاتل. قال: وعلى هذا يرد الحديث الصحيح: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب " ١، فأشار إلى أن معنى الحديث موافق لمعنى الآية، وأن معنى الحديث: أنه يئس أن يرجع المسلمون عن دينهم إلى الكفر. قال غير واحد من المفسرين: إن المشركين كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم، فلما قوي الإسلام وانتشر، يئسوا من رجوعهم عن الإسلام إلى الكفر؛ وكذا معنى إياس الشيطان، لما رأى من ظهور الإسلام وانتشاره، وتمكنه من القلوب ورسوخه فيها ; وعلى هذا: فلا يدل الحديث على أن الشيطان يئس من وجود الشرك، في جزيرة العرب أبد الآبدين. ويدل لما ذكرناه: ما رواه الإمام أحمد، عن ابن عباس ﵁ قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، رنّ إبليس رنة اجتمعت إليه جنوده، فقال: ايئسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك

стр. 5385

بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم في دينهم فأفشوا فيهم النوح". وأيضا: ففي الحديث نسبة الإياس إلى الشيطان مبنيا للفاعل، لم يقل أُيس بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في أرض العرب إياسا مستمرا، فإنما ذلك ظن منه وتخمين لا عن علم، لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة الجن آية: ٢٦-٢٧] فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] أي: ما تكسب غدا من خير وشر؛ وهذا من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، " لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله " ١ الحديث. وكانت الشياطين والجن، في زمن سليمان بن داود ﵉، يدعون علم الغيب، فلما مات سليمان، لم يعلموا بموته إلا بعد سنة، وهم في تلك السنة دائبون في التسخير والأعمال الشاقة، فلما علموا بموته؛ تبين لهم أنهم لا يعلمون الغيب. وعلمت الإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سورة سبأ آية: ١٤] .

стр. 5386

ونبينا صلوات الله وسلامه عليه أخبر أنه يجاء برجال من أمته يوم القيامة، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، فيقول: أصحابي أصحابي ; فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ; فيكف يقال: إن الشيطان يعلم ما تستمر عليه الأمة من خير وشر، وكفر وإسلام، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله، ومن يطلعه عليه من رسله؟ فتبين بما ذكرنا أنه لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك، في جزيرة العرب ; ويوضح ذلك أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره. ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع الشرك، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة يس آية: ٦٠] ، أي: لا تطيعوه فعبادته طاعته. يوضح ذلك تفسير النبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية، أنه طاعتهم في التحريم والتحليل، فسمى الله ذلك شركا، وعبادة منهم للأحبار والرهبان. وأيضا: فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى " ١، وقال: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة " ٢، وهو

стр. 5387

صنم كان لهم في الجاهلية، بعث النبي ﷺ جرير بن عبد الله ليهدمها ; فتبين أن عبادة الشيطان وجدت بعد موته ﷺ في جزيرة العرب، وتوجد آخر الزمان، بهذه النصوص الثابتة. وقال: ﷺ "ل تتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١، وقال: " لتأخذن هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع. قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك ". فأخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تفعل كما فعلت الأمم قبلها، اليهود والنصارى، وفارس والروم، وأن هذه الأمة لا تقصر عما فعلت الأمم قبلها، وقال: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ﵎ وهم على ذلك "٢. نسأل الله أن يجعلنا منهم بفضله ورحمته آمين، والله أعلم. وأما الجواب عن الحديث المروي، فيمن انفلتت دابته في السفر، أنه يقول: "يا عباد الله احبسوا! " فأجيب بأنه غير صحيح، لأنه من رواية معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، قاله ابن عدي ; ومن المعلوم - إن كان الحديث صحيحا - أن النبي ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن يطلب ردها، وينادي من لا يسمع ولا يقدر على ردها، بل نقطع أنه إنما أمره أن ينادي من يسمعه، وله قدرة على ذلك، كما ينادي الإنسان أصحابه

стр. 5388

الذين معه في سفر، ليردوا دابته. فهذا يدل - إن صح - أن لله جنودا يسمعون ويقدرون ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] . وروى زيادة لفظة في الحديث: "فإن لله حاضرا"، فهذا صريح في أنه إنما ينادى حاضرا يسمع؛ فكيف يستدل بذلك على جواز الاستغاثة بأهل القبور الغائبين؟! فمن استدل بهذا الحديث على دعاء الأموات، لزمه أن يقول: إن دعاء الأموات ونحوهم، إما مستحب أو مباح، لأن لفظ الحديث فليناد، وهذا أمر أقل أحواله الاستحباب والإباحة ; ومن ادعى أن الاستغاثة بالأموات والغائبين مستحب أو مباح، فقد مرق من الإسلام، والله أعلم. فإذا تحققت أن رسول الله ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن ينادي من لا يسمعه، ولا قدرة له على ذلك، ودل عليه قوله: "فإن لله حاضرا"، تبين لك ضلال من استدل به على دعاء الغائبين والأموات، الذين لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون. وهل هذا إلا مضادة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] الآية. وقولة تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ

стр. 5389

لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] . وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية. فهذه الآيات وأضعاف أضعافها نص في تضليل من دعا من لا يسمع دعاءه، ولا قدرة له على نفعه ولا ضره، ولو قدر سماعه فإنه عاجز؛ فكيف تترك نصوص القرآن الواضحة، وترد لقوله: "يا عباد الله احبسوا! "، مع أنه ليس في ذلك معارضة لما دل عليه القرآن، ولا شبهة معارضة - ولله الحمد -، والله أعلم. وأما من ادعى أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه لا يجوز قتله وإن فعل أي ذنب، ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة، والإجماع؛ ولو طرد هذا القائل أصله، لكان كافرا بلا شك. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [سورة التوبة آية: ٥] أي: عن الشرك، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ؛ فجعل قتالهم ممدودا إلى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، بعد الإتيان بالتوحيد ; وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] أي: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .

стр. 5390

وأما السنة فكثيرة جدا، منها: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها " ١. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: "لما توفي رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال: رسول الله ﷺ : أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها. فقال أبو بكر: لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ فوالله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها ; فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"؛ فقد جعل الصديق ﵁ المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقال النووي في شرح مسلم: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، وأن من أتى بذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله، وقتال مانعي الزكاة وغيرها من حقوق الإسلام

стр. 5391

واهتمام الإمام بشرائع الإسلام، ثم ساق الحديث، قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاما حسنا، لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد. قال ﵀، مما يجب تقديمه: أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة، وعادوا لكفرهم، وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب. والصنف الآخر: فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين، من لا يكاد يسمح بالزكاة، ولا يمنعهما، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة عند عمر ﵁ فراجع أبا بكر وناظره، واحتج عليه بقوله ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم نفسه وماله "١. وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام، قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه. فقال له أبو بكر: "الزكاة حق المال"، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال، معلقة بإيفاء شرائطها؛ والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايسه

стр. 5392

بالصلاة ورد الزكاة إليها؛ وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة ﵃، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر ﵁، وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله شرح صدر أيي بكر للقتال، عرفت أنه الحق"، يريد انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة، انتهى والله أعلم. وقال النووي أيضا: قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر، أن عبد الله بن عمر وأنسا، روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة، ففي حديث ابن عمر، عن رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين " ١ انتهى. قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب، من رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله لا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢. وفي استدلال أبي بكر، واعتراض عمر ﵄

стр. 5393

دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما حفظه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكان هؤلاء الثلاثة: سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس واحد؛ فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة بها حجة عليه؛ ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم ; انتهى كلام النووي. وقال النووي في شرح مسلم أيضا: قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله " ١. قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف ; قال: ومعنى حسابهم على الله أي: فيما يسرونه ويخفونه ; قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر؛ وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل، هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب وأهل الأوثان، ومن لا يوحِّد، وهم أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في

стр. 5394

عصمته بقول: لا إله إلا الله، إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: " وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " ١. هذا كلام القاضي. قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى، عن أبي هريرة ﵁: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به " ٢ انتهى كلام النووي. ولازم قول من قال: إنه لا يجوز قتال من قال: لا إله إلا الله، تخطئة أصحاب رسول الله ﷺ في قتالهم مانعي الزكاة، وإجماعهم على قتال من لا يصلي إذا كانوا طائفة ممتنعين ; بل يلزم من ذلك تخطئة جميع الصحابة في قتال بني حنيفة، وتخطئة علي بن أبي طالب ﵁ في قتال الخوارج. بل لازم ذلك رد نصوص رسول الله ﷺ ، بل رد نصوص القرآن، كما قدمنا التي لا تحصى، ويلزم صاحب هذه المقالة الفاسدة أنه لا يجوز قتال اليهود لأنهم يقولون: لا إله إلا الله؛ فتبين بما قررناه أن صاحب هذا القول مخالف للكتاب والسنة والإجماع. ونذكر بعض ما اطلعنا عليه، من كلام فقهاء المذاهب: ٣ قال الشيخ علي الأجهوري المالكي: من ترك فرضا أخره لبقاء ركعة بسجدتها من غير الضرورة، قتل بالسيف حدًّا على المشهور.

стр. 5395

وقال ابن حبيب وجماعة: ظاهر المذهب: كفره، واختاره ابن عبد السلام. وقال في فضل الأذان: قال المازري: في الأذان معنيان، أحدهما: إظهار شعائر الإسلام، والتعريف بأن الدار دار إسلام، وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، إن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال ; والثاني: الدعاء إلى الصلاة والإعلام بوقتها. وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام؛ فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع أذانا أغار وإلا أمسك ; وقول المصنف: يقاتلون عليه، ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب، لأنه نص عن عياض في قول المصنف: والوتر غير واجب، لأنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن، هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم، لأن في التمالي على تركها إماتتها، انتهى. وقال في فضل صلاة الجماعة: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه، فرض كفاية في الجملة، يعني على أهل المصر ; قال: ولو تركوها قوتلوا، كما تقدم، انتهى. وقال الشيخ: أحمد بن حمدان الأذرعي الشافعي، في "كتاب قوت المحتاج، في شرح المنهاج": من ترك الصلاة جاحدا وجوبها، كفر بالإجماع؛ وذلك جار في أي جحود كان مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة، فإن تركها كسلا قتل
следующие страницы →