← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

وكذلك من اقتصر على تقليد المتأخرين في الأحكام، ولم يلتفت إلى أخذ الحكم من هدي سيد الأنام، فهذا ونحوه وإن جاز لهم التقليد، فليسوا من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه الحافظ ابن عبد البر ﵀. وبالجملة: فلو عرفت حقيقة العلم، لأحجمت عن عد نفسك من أهله، ولأيقنت أن من ابتغى معرفة الله مما نصبه مشايخ اليونان، والفلاسفة من الأدلة العقلية، والموازين الكلامية، أو أخذ عن تلامذتهم الذين نشؤوا على ملتهم، ودانوا ببدعتهم، ولم يلتفت إلى ما جاء به الوحيان، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، زعما منه بأنها ظواهر لفظية، ومجازات لغوية، وأن قانون المنطق هو القواطع العقلية، والبراهين الجلية، وأن ما جاءت به الكتب، وأخبرت به الرسل، من صفات الله معدود من متشابه الكلام، مصروف عن حقيقته عند ذوي البصائر والأفهام فنفى لذلك صفات الكمال، وأغرب في سلب نعوت الجلال، وأضاف إلى ذلك تقليد مشايخه في الأحكام والفروع، فلم يأخذ من هدي الرسول العلم المتبوع، فهذا ونحوه من أضل الناس وأبعدهم عن هدي المرسلين، فضلا عن أن يكون من علماء المسلمين. وإن انضم إلى ذلك الضلال عن معرفة توحيد العبادة الذي هو فعل العبد وعمله وكسبه، فاتخذ الآلهة من دون الله

стр. 5637

أربابا، فأحبهم كحب الله، وذل وخضع، واستغاث واستعان، وذبح لغير الله القربان، وحلف تعظيما وتفخيما، ورجاء أن يكون الند له شفيعا وعوينا، فهناك تشتد الرزية وتعظم البلية، ويعلم أن هؤلاء الضرب من الناس بينهم وبين الإسلام أبعد بون، وأن الأمر كما قيل: نزلوا بمكة من قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منْزل والمقام يستدعي أكثر من هذا، ولكن العاقل يسير فينظر؛ والسلف قد أنكروا على من سماهم علماء، فما بالك فيمن سمى نفسه عالما، وتشبع بما لم يعط، نعوذ بالله من الخذلان. هذا وفي رسالتك شيء من الهمز، والتصنع، والمداهنة والغش، والحقد والمشاحنة وعدم التثبت، وأن الأولى الإسرار إليك، وترك ما كتبته، وكذلك في تسميته من خاض في هذا عواما، أهل لغو بالفضول، ما لا يخفى على أرباب العقول. ولو شئت أن أبين لك من الأولى بذلك كله، فأقيم لك البراهين على أنك متصف به لفعلت، وسجلت وحررت وحققت، ولكن سأترك ذلك ليوم تبدو فيه السرائر، ويظهر الله مكنون الضمائر؛ ولو صرحت بما في نفسك من الرد وسجلت، وناضلت لكان أليق بك، فإن من أظهر ما في نفسه حري بالرجوع إلى الحق، بخلاف من كتم وداهن، كما قيل: فلست أرى إلا عدوا محاربا ... أو آخر خير منه عند المحارب وكان قصدي منك أيها الشيخ أن تكتب ما تعتقده،

стр. 5638

وتدع التزكية والعتاب، وتطرح كل شك وارتياب، فإن ذلك أجمع للقلوب، وأقرب للاتفاق؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [رسالة إلى علي بن سليمان ووصوله إلى بلاد فارس] وله أيضا ﵀، وعفا عنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن: علي بن حمد بن سلمان، سلمه الله تعالى، وزينه بزينة الإيمان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل، وما ذكرت صار معلوما ; فأما رغبتك عن البلدة، التي تظهر فيها أعلام الكفر والشركيات، وتهدم قواعد الإسلام والتوحيد، ويرفع فيها إلى غير أحكام القرآن المجيد، فقد أحسنت فيما فعلت، والهجرة ركن من أركان الدين؛ نسأل الله أن يكتب لك أجر المخلصين الصادقين. وأما وصولك إلى بلدة فارس، فالذي رأيتهم ينتسبون إلى متابعة الشيخ محمد، رحمة الله عليه، فهم كما في خطك، لكن فيهم جهال، لا يعرفون ما كان الشيخ عليه وأمثاله، من أئمة الهدى، وفيهم من بدعة المعتزلة والخوارج، ولا معرفة لهم بالعقائد والنحل، واختلاف الناس ; والزمان زمان فترة، يشبه زمن الجاهلية، وإن كانت الكتب موجودة، فهي لا تغني ما لم يساعدهم التوفيق، وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام،

стр. 5639

من عالم رباني، كما قيل: والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني والكتب السماوية بأيدي أهل الكتاب، وقد صار منهم ما صار، وأسباب الجهل والهلاك قد توافرت جدا ; وقد قال بعض الأفاضل، منذ زمان: ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟ إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ وهؤلاء الذين ذكرتهم من أهل فارس، وذكرت عنهم العقائد الخبيثة، ليسوا بعرب يفهمون الأوضاع العربية، والحقائق الشرعية، والحدود الدينية، ولا يرجعون إلى نص من كتاب ولا سنة، وإنما هو تقليد لمن يحسنون به الظن، من غير فهم ولا بصيرة، قال الحسن البصري في أمثالهم من المعتزلة من العجم: إن عجمتهم قصرت بهم عن إدراك المعاني الشرعية، والحقائق الإيمانية. وكذلك لما ناظر عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد، من رؤوس المعتزلة، وجده لا يفرق بين الوعد والوعيد ; فقال: من العجمة أتيت ; وأما عبد الرحمن البهمني، فهو على ما نقلت عنه في غاية الجهالة والضلالة، وله من طريقة غلاة الجهمية نصيب وافر، وله من الاعتزال ومن نحلة الخوارج نصيب. وكلام أهل الإسلام وأئمة العلم، في الجهمية والمعتزلة والخوارج، مشهور ; فأما جهم بن صفوان: فطريقته في

стр. 5640

التعطيل، ونفي العلو والاستواء، والكلام وسائر الصفات، قد أخذها عن الجعد بن درهم؛ والجعد أخذها بالواسطة عن لبيد بن الأعصم اليهودي، الذي صنع السحر لرسول الله ﷺ ؛ وكانوا يخفون مقالتهم. ومن أظهر شيئا من ذلك قتل، كما صنع خالد بن عبد الله القسري أمير واسط بالجعد بن درهم، فإنه ضحى به يوم العيد ; وقال على المنبر: "أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم؛ فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه. والجهم قتل أيضا لما ظهرت مقالته. ثم لما كان في زمن الخليفة المأمون العباسي، ظهرت في الناس تلك المقالات، بواسطة بعض الوزراء والأمراء، وكثر الخوض، فصاح بهم أهل الإسلام من كل ناحية، وبدعوهم وفسقوهم وكفروهم ; وقال ابن المبارك الإمام الجليل من أكابر أهل السنة: "من لم يعرف أن الله فوق عرشه، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر أهل الذمة، لئلا يتأذى به أهل الذمة من اليهود والنصارى". وقال الفضيل بن عياض، ويوسف بن أسباط: "الجهمية ليست من الثلاث والسبعين فرقة، التي افترقت إليها هذه الأمة"، يعني أنهم لا يدخلون في أهل القبلة. وقد صنفت التصانيف،

стр. 5641

وجمعت النصوص والآثار، في الرد عليهم وتكفيرهم، وأنهم خالفوا المعقول والمنقول، وأن قولهم يؤول إلى أنهم لا يثبتون ربا يعبد، ولا إلها يصلى له ويسجد، وإنما هو تعطيل محض؛ ولذلك كفروهم، قال العلامة ابن القيم، في الكافية الشافية: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان يعني: أن خمسمائة عالم أئمة مشاهير، جزموا بكفرهم ونصوا عليه ; وحججهم وشبهاتهم واهية داحضة، لا تروج على من شم رائحة الإسلام؛ قال بعض العلماء: أهل البدع لهم نصوص يدلون بها، فقد اشتبه عليهم معناها، ولم يهتدوا فيها، إلا الجهمية، فليس معهم شيء مما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب ; انتهى. والقرآن والسنة كلها رد عليهم ; قال بعض أصحاب الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى: في القرآن ألف دليل على علو الله على خلقه، وأنه فوق العرش، وذكر ابن القيم ﵀ طرفا صالحا في نونيته من ذلك ; وأما نصوص السنة، وكلام أهل العلم، فلا يحصيها ويحيط بها إلا الله. ويكفي المؤمن أن يعلم: أن كل من عرف الله بصفات جلاله، ونعوت كماله، وتبين له شيء من ربوبيته وأفعاله، يعلم ويتيقن: أنه هو العلي الأعلى الذي على عرشه استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه يدبر الأمر من السماء الى الأرض ; ولا يشك في ذلك إلا من اجتالته

стр. 5642

الشياطين عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها. والكلام يستدعي بسطا طويلا؛ فعليك بكتب أهل السنة، واحذر كتب المبتدعة، فإنهم قد سودوها بالشبهات، والجهالات التي تلقوها عن أسلافهم وشيعهم. وأما دعواهم أن النبي ﷺ حي في قبره، فإن أرادوا الحياة الدنيوية، فالنصوص والآثار والإجماع والحس يكذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٣٤] . وقد قام أبو بكر في الناس يوم مات النبي ﷺ وقال: "أما بعد: فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٤] ". وأما إن أراد الحياة البرزخية، كحياة الشهداء فللأنبياء منها أفضلها وأكملها، ولنبينا محمد ﷺ منها الحظ الوافر، والنصيب الأكمل ; ولكنها لا تنفي الموت، ولا تمنع إطلاقه على النبي والشهيد; وأمر البرزخ لا يعلمه ولا يحيط به إلا الله تعالى الذي خلقه وقدره؛ والواجب علينا: الإيمان بما جاءت به الرسل، ولا نتكلف ولا نقول بغير علم؛ والحياة الأخروية بعد البعث والنشور أكمل مما قبلها، وأتم للسعداء والأشقياء.

стр. 5643

وأما دعواه أن العبادة هي السجود فقط، فهذا ليس بغريب عن مثل هذا الملحد؛ والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، قد فصلت أنواع العبادة تفصيلا، وقسمتها تقسيما، ونوعتها تنويعا، قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١-٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٥] ؛ وهل المهتدون والمفلحون إلا خواص عباد الله. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٧] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٧] ، فخصهم بالصدق والتقوى، وحصرها فيهم، لأن ما ذكر: رأس العبادة ; والإيمان: متضمن لما لم يذكر، مستلزم له، فلهذا حسن الحصر. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [سورة البقرة آية: ٨٣] إلى قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٣] ، فبدأ بذكر العبادة المجملة، ثم خص بعض الأفراد، تنبيها على الاهتمام، وأنها من أصول الدين، ولئلا يتوهم السامع أن العبادة تخص بنوع دون ما ذكر، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٠] ؛ ومعلوم أن إقام الصلاة داخل فيما قبله، لأنه آكد الأركان الإسلامية بعد الشهادتين، وكذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ؛ والاستعانة عبادة بالإجماع، وعطفها على ما قبلها

стр. 5644

اهتماما بالوسيلة، وتنبيها على التوكل. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ [سورة النحل آية: ٩٠] إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٢] ؛ والعدل تدخل فيه، الواجبات كلها، والإحسان تدخل فيه نوافل الطاعات، وإيتاء ذي القربى يدخل فيه حقوق الأرحام، ونحوها من العبادات المتعدية، والنهي عن الفحشاء والمنكر، يدخل فيه ما نهى الله عنه، من ظاهر الإثم وباطنه، وتركه من أجل العبادات، والبغي من أكبر السيئات، وتركه من أهم الطاعات؛ فهذا كله داخل في العبادة بالإجماع. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، إلى قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٩] ، فابتدأ الآية بالأمر بعبادته وحده لا شريك له، وعطف بقية العبادة المذكورة اهتماما بها، وتنويها بشأنها؛ ولا قائل أن ما ذكر ليس بعبادة ; بل أهل اللغة، وأهل الشرع، من المفسرين وغيرهم مجمعون على أن ما أمر الله به في هذه الآيات، من أفضل ما يتقرب به العبد من القرب والعبادات، وما علمت أحدا من أهل العلم واللغة ينازع في ذلك؛ ولكن القوم - كما تقدم - عجم أو مولدون. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، فعطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على ما قبله، وإن كان يدخل فيه عند

стр. 5645

الإطلاق، تنبيها على ما تقدم من الاهتمام والحض، على ما ذكر في حديث جبرائيل المشهور في الكتب الستة وغيرها: " أن جبرئيل أتى النبي ﷺ في صورة رجل وهو جالس في أصحابه. فقال له: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره، قال: صدقت; قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... ثم قال: هذا جبرائيل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم " ١ فجعل ذلك كله هو الدين. والدين بمعنى العبادة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ٢، ومن قال: ليست هذه الشعبة عبادة، فهو من أشر الدواب، وأجهل الحيوان. وقد حصر النبي ﷺ العبادة في بعض أفرادها، كما في حديث النعمان بن بشير، أنه قال: " الدعاء هو العبادة " ٣، وفي حديث أنس " الدعاء مخ العبادة " ٤ وكقوله: " الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين "؛ وكل ما ورد من فضائل الأعمال،

стр. 5646

وأنواع الذكر داخل في مسمى العبادة ; وقد جمع ابن السني، والنسائي في عمل اليوم والليلة من ذلك طرفا، يبين أن العبادة في أصل اللغة بمعنى الذل والخضوع، كما قال بعضهم ١: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مَوْر معبّد أي: طريق مذلل قد ذللته الأقدام، مأخوذ من معنى الذل والخضوع، يقال: دنته فدان، أي: ذللته فذل؛ وفي الاصطلاح الشرعي يدخل فيه كل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الباطنة والظاهرة، الخاصة والمتعدية، البدنية والمالية ; ولذلك عرفها الفقهاء بأنها: ما أمر الله به شرعا، من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. إذا عرف هذا، فالتقوى والعبادة والدين، إذا أفردت ولم تقترن بغيرها، دخل فيها مجموع الدين وسائر العبادات، وإذا اقترنت بغيرها، فسر كل واحد بما يخصه، كالإيمان والعمل الصالح، والإسلام والإيمان، وصدق الحديث، وكالإيمان والصبر، وكالعبادة والاستعانة، وكالتقوى وابتغاء الوسيلة. فيفسر كل بما يناسبه ويخصه، كما في سورة الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ

стр. 5647

وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٥] ، ففسر كل اسم بما يخصه مع الاقتران. وإذا أطلق اسم العبادة، كما في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [سورة الفرقان آية: ٦٣] ، واسم الأبرار، واسم الإيمان، واسم الإسلام، في مقام المدح والثناء، دخل فيه الدين كله؛ فمن عرف هذا، تبين له اصطلاح القرآن والسنة، وعرف أن هؤلاء المبتدعة، من أجهل الناس، بحدود ما أنزل الله على رسوله. والصلاة نفسها تشتمل على أقوال وأفعال غير السجود، وكلها عبادة بإجماع المسلمين، فالقراءة عبادة، والقيام عبادة، والركوع عبادة، والرفع منه عبادة، والسجود عبادة، والجلوس عبادة، والأذكار المشروعة في تلك المواطن عبادة، والتكبير عبادة، والتسليم عبادة. وأما قوله: إن قبر الولي أفضل من الحجر الأسود، فهذا من جنس ما قبله في الفساد والضلال، فالحجر الأسود يمين الله في أرضه، من صافحه واستلمه فكأنما بايع ربه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٦-٩٧] ؛ ولم يرد في قبور الأولياء، ما يدل على مثل ذلك، فضلا عن أن يكون أفضل منه. والحج ركن من أركان الإسلام، والطواف بالبيت أحد أركان الحج، والركن الذي فيه الحجر الأسود أفضل أركان

стр. 5648

البيت، والطواف به من أفضل العبادات وأوجبها. والطواف بالقبور واستلامها، والعكوف عندها، من أوضاع المشركين والجاهلية، وفيه مضاهاة لما يفعله اليهود والنصارى، عند قبور أحبارهم ورهبانهم؛ وأفضل القبور على الإطلاق قبره ﷺ ، ولا يشرع تقبيله واستلامه بالإجماع ; بل ولا يشرع الدعاء عنده، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، وبيت العبد ببيت الرب. وبالجملة: فهذا القول قول شنيع، لا مستند له ولا دليل عليه، وتقبيل الحجر الأسود مشروع، وكذا استلامه باليد، فإن استلمه بالمحجن ونحوه لعذر، فقد صح "أن النبي ﷺ أشار إلى الحجر الأسود واستلمه بمحجن كان في يده " ١. وأما قوله: إنكم تعتقدون العلو، فنعم نعتقده، ونشهد الله عليه، وكل مسلم عرف الله بأسمائه وصفاته يعتقد أنه هو العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، هذا نص القرآن ; وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [سورة هود آية: ١٧] . وأول من أنكر العلو فرعون، إذ قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ?أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة غافر آية: ٣٦-٣٧] ؛كذب موسى فيما جاء به من الله، أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق عباده مستو على عرشه.

стр. 5649

وأما الآية الكريمة التي احتج بها هذا الضال، فلم يعرف معناها، ولم يدر المراد منها؛ وأهل التفسير متفقون على أن المراد، بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] ، أنه معبود في السماء، ومعبود في الأرض، لأنه الإله المعبود، كما في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] . والحلولية من غلاة الجهمية يرون أنه حال بذاته في كل مكان، لم ينَزهوه عن شيء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وأما حديث: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ١ فهو حديث صحيح جليل، مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، فالقرب في هذا ونحوه، أضيف إلى العبد; والقلب إذا أناب إلى الله وأخلص في عبادته، وصدق في معاملته، كان له من القرب بحسب صدقه وإخلاصه، ورتبته من الإيمان، فترتفع عنه حجب الشهوات والشبهات، وينقشع عنه ليلها وظلامها، وهذا المعنى حق لا يشك فيه. ويضاف القرب إلى الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية:

стр. 5650

١٨٦] ؛ فهذا قرب خاص للسائلين والداعين؛ وقد يقرب من عباده، ومن القلوب الطيبة كيف يشاء، لكنه قرب خاص، ليس كما يظنه الجهمي، من أن ذاته تحل في المخلوقات. فهو سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته، وكمال عظمته وقدرته، ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، وهو مستو على عرشه، عال فوق خلقه، لا تحيط به المخلوقات، ولا تحتوي عليه الكائنات، ويدنو عشية عرفة، فيباهي ملائكته بأهل الموقف؛ ومع ذلك، فصفة العلو والاستواء ثابتة في تلك الحال، لا يخلو العرش منه، ولا يعلم قدر عظمته إلا هو جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه. وقد يكون المؤمن المخلص القريب من الله في مكان، معه من هو ملعون مطرود عن رحمة الله، وهما في مكان واحد، كما جرى لموسى وفرعون؛ فالقرب الذي وردت به الأحاديث، وصرحت به النصوص، حجة على الجهمي المعطل، القائل: بأن الله في كل مكان، تعالى الله وتقدس. فهؤلاء الجهال خاضوا فيما قصرت عقولهم وأفهاههم عن إدراك معناه وما يراد به، فصاروا في بحر الشبهات غرقى، لا يعرفون لهم ربا، ولا يستدلون بصفة من صفاته على معرفة كماله وجلاله. وقد بلغ الرسول ﷺ ما أنزل إليه من ربه، قراءة على الناس، وأكثره في معرفة الرب وصفاته، وربوبيته وتوحيده ;

стр. 5651

سمعه منهم قرويهم وبدويهم، خاصهم وعامهم، عربهم وعجمهم، ولم يشكل على أحد منهم ذلك، ولا يشك فيه. بل آمنوا به وعرفوا المراد منه، ومضت القرون الثلاثة على إثبات ذلك والإيمان به، وتلقي معناه عن الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإن جحد بعض المنافقين، فهو مدحور مقهور، حتى حدث ما حدث في آخر القرن الثالث وما بعده. وأما دعواه أن الأولياء يقدرون على خلق ولد من غير أب، فهذه طامة كبرى، وردة صريحة، وتكذيب لجميع الكتب السماوية، ورد على كل رسول، ومخالفة لإجماع الأمم المنتسبين إلى الرسل والكتب السماوية، فإنهم مجمعون على أن الله هو الخالق وحده، وغيره مخلوق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٩١] ؛ ولو كان لغير الله شركة فى الخلق والتأثير، لكان له شركة في الربوبية والإلهية. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا

стр. 5652

مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . فنفى سبحانه عن غيره أن يكون له ملك في السماوات والأرض، ولو قل، كمثقال ذرة ; ونفى الشركة أيضا في القليل والكثير ; ونفى أن يكون له ظهير وعوين يعاونه في خلق أو تدبير؛ فإنه الغني بذاته عن كل ما سواه، والخلق بأسرهم فقراء إليه؛ ثم نفى الشفاعة إلا لمن أذن له ; قال بعض السلف: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك من أصلها. ومعلوم: أن من يخلق له ملك ما خلقه، فلو كان ثم خالق غير الله تعددت الأرباب والآلهة، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] . فعيسى داخل في عموم هذه الآيات، ولم يخالف في ذلك إلا من ضل من النصارى، قال تعالى في خصوص عيسى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٩] ، فكان عيسى بكن كما كان آدم. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ

стр. 5653

لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] ؛ فاعترف أن الله ربه وخالقه ومعبوده. فكفى بهذه النصوص ردا على من أشرك بالله، وجعل معه خالقا آخر. وما احتج به الملحد، من قوله تعالى حاكيا عن جبرئيل، أنه (قال) لمريم: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ١٩] ، فيقال: قراءة البصريين (ليهب لك) بالياء، وهي: تفسير للقراءة الأخرى، وعلى القراءة الأخرى نسب الهبة إليه، بسبب نفخ الروح في درعها؛ والسبب يضاف إليه الفعل، كما جزم به البيضاوي وغيره في هذه الآية، والله : ينفذ أمره الكوني على يد من يشاء من ملائكته. وربما نسب الفعل إليهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [سورة الزمر آية: ٤٢] ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٠] ، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦١] ، فأضافه إليهم لأنهم موكلون بقبض الأرواح ; ولما كانوا لا يستقلون بشيء من دونه، ولا يفعلون إلا بمشيئته وحوله وقوته، صرح بهذا المعنى في الآية الأولى، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [سورة الزمر آية: ٤٢] ، وأبلغ من هذا: أنه نسب إليهم التدبير، في قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [سورة النازعات آية: ٥] لأنهم رسل بأمره الكوني.

стр. 5654

وأخبر بأنه المدبر الفاعل المختار، في غير آية من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [سورة السجدة آية: ٥] ، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس آية: ٣] ، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالات على اختصاصه تعالى بالتدبير والإيجاد. وفي الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة" وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [سورة الحج آية: ٧٣] . وأكابر الخلق كالملائكة والأنبياء لم يدع أحد منهم أنه إله، وأنه يخلق، كما قال تعالى في حق الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٦-٢٧-٢٨-٢٩] ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ

стр. 5655

إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩-٨٠] ، فأخبر أن اتخاذهم أربابا كفر بعد الإسلام. وأيضا: فآخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ [سورة مريم آية: ٢١] ، وهو الذي قدره وقضاه؛ كل هذا يرد على المبطل. فتفطن - هداك الله - للأدلة على تفرده سبحانه بالخلق والإيجاد والتدبير، لا يحيط بها إلا الله سبحانه، وله في كل شيء آية تدل على أنه واحد. وأما كونهم لا يشهدون الجمعة والجماعة، ولا يسلمون ولا يردون السلام، فهم بذلك مخالفون لأهل السنة والجماعة من سلف الأمة وأئمتها ; ولو وجد في الإمام من الفجور ما لا يخرجه عن الإسلام، فأهل السنة يصلون خلف أهل الأهواء، إذا تعذرت الجمعة خلف غيرهم؛ وإن كانوا يرون كفر من لا يوافقهم على أهوائهم، فهم من جنس الخوارج الذين وردت فيهم الأحاديث الصحيحة، بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأنهم كلاب أهل النار. وصلى الله على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، آمين، والحمد لله على التمام وحسن الختام.

стр. 5656

وقال الشيخ: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، ردا على البولاقي: تبسم وجه النصر في طالع السعد ... وأشرق نور الحق من كوكب الرشد وأيد نظم للأمير محمد ... فأدبر نحس للطوالع بالصد وخر على الأذقان من صنع ماهر ... بناء بناه الناكبون عن القصد وولى على الأعقاب أفجر عائب ... يرى نفسه فردا أشد من الأسد جهول ببولاق المعرة جهله ... صريح ينادي بالتهافت في العقد يحوم مع الغربان يطلب رشده ... وقد ضل من كان الغراب له يهدي وقد جئت من رد عليه بمنطق ... عميم فخذ بالعلم عن كل مستهد وألق سماعا للجواب ولا تكن ... جهولا يروم الباب من جانب السد فأما تمني الشيخ في النظم قربهم ... على أنه كفؤ المخالف والضد فتلك أماني الجبان فإنه ... إذا ما خلا سل المهند عن غمد وإن كشفت عن ساقها الحرب خلته ... نعامة طير تحذر الصوت من بعد ووالله لو أن الديار تقاربت ... عرفت قصورا أمنك في العلم والرشد وعدت حسير الطرف عودة خاسئ ... يرى مغنما أن لا يقاد إلى القد ومنعك إنكار الطوائف قوله ... مكابرة لو يعلم الحق من يبدي فكم لامهم في نصرة الدين لائم ... كمثلك جهلا بالمحجة والقصد ودعواك أن القوم قالوا لمذنب ... بشيء من المكروه أسلم كمرتد وتكفيرهم من لا يجيب دعاءهم ... وإطلاق كفر المذنبين مع الصد فذا فرية لا يمتري فيه عاقل ... ولكنه الإفلاس يدعوك للجحد

стр. 5657

وأن من ملوك القوم من صد فرقة ... عن البيت روما للصيانة عن جهدي فقد قام أهل العلم بالغزو جهرة ... وما صدهم أخذ الجوائز كالضد وقولك في شرك المشاهد آية ... على الجهل ذي التركيب بالحق والرشد وها هو ما قد قال فيكم مشاهد ... وقيدك بالأرباب في الشرك لا يجدي ففي لفظة الرب اشتراك مقرر ... فسل عنه أهلا للإصابة من نجد فمنه مليك خالق ومدبر ... كذا السيد المعبود والمنعم المسدي فأي المعاني قد أردت فإنني ... مشوق بتوضيح الأدلة من مهدي فإن كنت تنفي نوع ذلك كله ... لغير إله الحق في سائر البلد ولكنكم عند القبور دعاكم ... تحري بقاع الصالحين ذوي المجد فذا ظاهر البطلان يعلم رده ... على أنه زور من الفعل في النقد فما شرع الله العبادة عندها ... ولكن بيوت الله من كل مسجد أما صرح المختار عند مماته ... بلعن البغاة الساجدين لدى اللحد وإن كان معنى القيد أن دعاءها ... لمعتقد التأثير للواحد الفرد وذبحا ونذرا عندها واستغاثة ... تسوغ لمطلوب من الميت للرفد وهذا الذي تعني وخدنك قاله ... كأشياعه حرب الرسول ذوي الجحد تبصر تجد قبل الحواميم رده ... وبعد الطوال السبع والحق مستبد وأين أبو جهل وأجلاف قومه ... من القول بالتأثير يا شيخ للند ولكنهم ضلوا بوهم شفاعة ... دهاك بها أشقى البرية ذو الطرد وما قيل في المختار من بعد بعثه ... وفعل مع العباس وابن الأسود

стр. 5658

فذاك دليل صادم لمقالكم ... ولكنكم عن فهم ذا الحق في بعد فأين سؤال العبد ما لا يطيقه ... من السؤال في الميسور من طاقة العبد ولو كان ما قد قيل حقا وجائزا ... لما عدل الفاروق للعم في الجهد ولكن ذا ينفي الذي قد زعمتم ... وبالعلم حزنا رتبة الفضل والمجد وزعمك أنه ليس يقضي بهدمها ... لديك غلو الزائغين عن الرشد وقيدك منع الرفع في الوقف زلة ... لشيخ مضى من قبل في غابر العهد وأغرب من ذا في الضلالة قائس ... على خوخة الصديق ذي السبق للحمد تروم به رفع القباب معمما ... بوقف وملك في المقابر واللحد فأبد موازين الأصول وزن بها ... إذا رمت تحقيق المسائل في الرد وأظهر لنا شرط القياس لديهم ... لتعرف بالمقياس يا واحد البلد فخوخة صديق سبيل لمسجد ... به اختص أولى الصحب بالفخر والمجد وأما قباب السوء فهي ذرائع ... إلى الشرك بالمعبود والجعل للند فهل يستوي حكم القباب وخوخة ... وما اشتركا في جامع عندهم مجد وفي مسلم أن الرسول مصرح ... بهدم القبور المشرفات وبالهد وذا مبطل حكم القياس وإن جرى ... على شرطه المعروف والمنع مستبد وإطلاق ذم المحدثات حديثه ... شهير لدى أهل الدراية والرشد وقد قلت فيه إنه لضلالة ... جزاؤك في ذا الصفع بالنعل والجلد وما قلت في المفعول بعد نبينا ... من القتل للزنديق والزيد في الحد وإرث ذوي الأرحام مع جمع مصحف ... وعول بميراث وكالحكم بالرد

стр. 5659

فذا داخل في الدين ليس بمحدث ... بنص رسول الله أفصح من يهدي وترغيبنا في الاجتهاد هداية ... عن السلف الأعلام من كل مستهد فأحمد والنعمان قالا ومالك ... وقول ابن إدريس يقرره المهدي وإيجاب تقليد الأئمة ما له ... دليل يفيد الحق صرفا لدى النقد وكم رد أصحاب الأئمة عنهم ... مذاهب يدريها الخبير بما أبدي وما قال في حق الإمام ابن ثابت ... مقالا يبيح العيب فضلا عن الهندي ولكنه يحكى الذي شاع عندهم ... من القول في المنبوذ فاعلمه للفرد وما فاه في حب سواه بسوءة ... سوى أنهم كالناس في الحل والعقد وفي المنع للتقليد فاعلمه للذي ... تمكن في المنقول والأخذ والرد وهذا مقال ليس فيه قباحة ... ولكنكم في الزور أول من يبدي وما قال في حرق الدلائل قولة ... تقابل بالتصفيق والرقص كالقرد سوى أنه لما رأى أن جلها ... أحاديث وضع تستبين لذي النقد رأى حرقها خوفا على أهل درسها ... من الكذب الموعود مبديه بالصفد وقد صح في شأن الصلاة كفاية ... من الآي والأخبار في خير مسند وأعجب شيء أن عددت لقهوة ... مع الحرب بالبارود في بدع الضد وقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البلد فما بدع في الدين تلك وإنما ... يراد بها الأحداث من قرب العبد وبعد فما مقدار شخص سوى الذي ... يفيد من التحقيق في ساحة الرد

стр. 5660

وها ما نهى عنه النبي وذمه ... وحقا من الدين الحنيفي في بعد لديكم شهير في الأصول وغيرها ... كمذهب جهم والمريسي والجعد وذبك عن منشي الفصوص جهالة ... بما قرر الأعلام واسطة العقد أليس الذي قد قال شر مقالة ... تزيد على قول المثلث في العد وما هكذا شطح التصوف والتي ... تقال من الزلات للعالم المهدي ولكنه كفر الفلاسفة الأولى ... أباحوا حمى التوحيد في وحدة الجحد وهبه كما قد قلت أن مقاله ... تجارى عليه الملحدون ذوو الطرد فنحن أردنا قائل الزور والذي ... على أثره يسعى ويغرب في اللد وهل عالم يخشى الإله منبها ... على زيغها أهل الجهالة في الجد ولستم بجمهور لأمة أحمد ... ولكن غثاء زائغون عن الورد وقولك في الأخرى مقالة غابر ... من الناس نحن الهود في جنة الخلد وما تلك بالدعوى وبالشطح والمنى ... ولكن بفضل الله تقسم للجند فخذها نبالا من حنيف موحد ... تمزق من سوء العقيدة ما يردي منزهة عن ذكر ليلى وقدها ... وعن وصل هند والرباب وعن دعد وعن وصف آرام نشرن ذوائبا ... مطيبة الأطراف بالمسك والورد ولكنها تحمي حمى خير معشر ... شموس الهدى أهل الإصابة من نجد ذوائب مجد من كرام قبائل ... مطهرة الأنساب عالية المجد وصل إلهي كل آن وساعة ... على السيد المختار من كل مستهد مع الآل والأصحاب والتابع الذي ... على نهجهم يسعى إلى الله بالحمد

стр. 5661

[رسالة للشيخ إسحاق لما سأله عبد الله آل أحمد عن حكم بلدان المشركين والسفر إليها] قال الشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله ; الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب الأدلة على صحته وبينها تبيينا، وأعان من أراد هدايته على طاعته، وكفى بربك هاديا ومعينا. من إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: عبد الله آل أحمد، وفقنا الله وإياه لسلوك الطريق الأحمد. أما بعد: فقد كتبت تسألني عن الصواب عندنا، في حكم بلدان المشركين، وهل يجوز السفر إليها لمن أظهر دينه؟ وما إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة؟ وأرسلت إلي بما أملاه بعض المنتسبين في إباحة ذلك، وأنه صار عندكم مانع ومجيز، ونعوذ بالله من التفرق والاختلاف. وليس هذا بمستغرب في هذا الزمان، الذى ضعف فيه الإسلام والإيمان، وعظمت فيه الفتنة بعباد الأوثان، ومن على سبيلهم من كل منافق شيطان، حتى بلغت الشبهات من أكثر الناس كل مبلغ، فهم كما قال علي بن أبي طالب ﵁ لكميل بن زياد: "والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق،

стр. 5662

أو حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة بمن فتن به" إلى آخر كلامه هذا. والمسألة المذكورة ظاهرة - بحمد الله -، لا تخفى على من عرف أصل دين الإسلام ومبانيه، وما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله، أو تقتضيه ; ولأئمة هذه الدعوة في ذلك ما يشفي العليل، ويروي الغليل، مستدلين له من السمع، بما لو جمع لقارب حد التواتر المعنوي ; وهو ما حصل العلم عنده، مع ما علمتم من حالهم لما ابتلى الله بتلك العساكر المصرية. فمن حاد عن طريقهم وتخلف عن رفيقهم، فلسوء حظه في الدين، ولجناية منه على نفسه; والعجب ممن التمس الترجيح منا، وكلام هؤلاء الأئمة موجود بين يديه؛ ونحن لم نصل إلى ساحل ما حققوه وقرروه، ولم نبلغ شأوهم في ميدان ما وضحوه وحرروه، بل نحن معهم كما قيل: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها ولمثلي خاصة أن يتوقى الأجوبة عن المسائل، اكتفاء بمشائخي الأفاضل، وإخواني الأماثل; لكني لحسن ظني، وبعد السائل، أسعفك بمطلوبك، لأن للسائل حقا وإن جاء على فرس ;وإني أتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجمعنا على كلمة الإسلام، ويلم بها شعثنا، ويجودها

стр. 5663

في قلوبنا حتى نلاقي الحمام. هذا واعلم: أنه بعد التسليم لحكم السنة والقرآن، ووجوب الرد إليهما على كل فرد من أفراد نوع هذا الإنسان، فقد أجمع علماء السنة أنه إذا تواطأ الكتاب والسنة وصريح العقل على إثبات حكم، فلا يمكن أن يعارض ثبوته بدليل صحيح صريح البتة. بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا قطعا، أو كان المعارض به أخطأ في فهمه، أو عقليا فكذلك. إذا تقرر هذا الأصل، فالسؤال عن حكم الدار، ليترتب عليه ما زعم المجيز فاسد الاعتبار، من وجهين. الأول: أن أهل العلم رتبوا حكم الهجرة، على وجود الشرك، والبدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها. ومن المعلوم بالضرورة: أن الشرك بالأموات والغائبين، والتعلق على الأنبياء والصالحين، بل: على المجاذيب والمجانين، قد ظهر في ديارهم شعاره، وتطاير فيها شراره، وثار فيها قتامه وغباره، وعدم فيها للتوحيد أعوانه وأنصاره، مع ما هم عليه من البدع في العبادات والاعتقادات، وأصناف المعاصي التي تشيب اللمم والنواصي. فالسؤال عن الدار: هل هي دار إسلام أم لا؟ بمعنى أن المقيم فيها، كالمقيم في بلد سالمة من ذلك، خطأ ظاهر ; وقد تقرر في عبارات أئمتنا الحنابلة وغيرهم: أنهم يوجبون الهجرة

стр. 5664

بمشاهدة ما هو دون ذلك، حتى من بلد تظهر فيها عقائد أهل البدع، كالمعتزلة والخوارج والروافض. وقد حكى ابن العربي المالكي، عن ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسب فيها السلف ; وقال في "الإقناع وشرحه" - لما ذكرها -: فيخرج منها وجوبا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، فعلق الحكم بالوصف الذي هو وجود البدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها، لا بالدار. وإذا كان من المعلوم: أن مصر دار إسلام، فتحها عمرو بن العاص، زمن الخليفة الراشد عمر ﵁، فأين إجماع الناس على أنها دار حرب، أيام بني عبيد القداح؟! وكذلك جزيرة العرب أيام الردة، مع أن الدار دار إسلام، لا دار كافر أصلي بالإجماع. لكن لما قام بهم الوصف الذي يبيح الدم والمال، لم يكن لتسميتها دار إسلام حكم ; وصار الحكم لهذا الوصف الطارئ، تعريف على محل طاهر تلوث به المحل؛ وللشيء حكم نظيره، فكيف بما هو أقبح وأشد؟! فبطل ما طرده المجيز من التعلق باسم الدار. أما تعريف الدار من حيثية الأحكام المرتبة عليها، فإن كان المستولى عليها هو الكافر الأصلي، فيتعلق به أحكام يخالف فيها المرتد، كحكم اللقيط والأموال وغيرهما؛ وعلى هذا تفاريع

стр. 5665

ذكرها الفقهاء، وجعل بعضهم الدار ضابطا لأشياء نوزع في بعضها. قال في التنقيح: فإن وجد اللقيط في بلد كفار حرب، لا مسلم فيه، أو فيه مسلم، كتاجر وأسير، فكافر رقيق، أي: اللقيط; فإن كثر المسلمون فمسلم؛ ومثله ما صرح به الحنابلة وغيرهم: أن البلدة التي تجري عليها أحكام الكفر، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر. وما حكاه ابن مفلح، عن الشيخ تقي الدين: أن البلدة التي تظهر فيها أحكام الكفر وأحكام الإسلام، لا تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه؛ وهو الذي عنى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. فإنه لما سأله الوالد - قدس الله روحه - عن حكم ما باعوه، أو وهبوه، مما استولوا عليه في نجد؟ أجاب: بأنهم مرتدون، دارهم دار إسلام، والمرتد لا يملك عند جمهور العلماء ; ونص كلامه: فهؤلاء العدو الذين استولوا على نجد، من حكمنا بكفره منهم، فحكمه حكم المرتدين، لا الأصليين، لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها ; هذا حاصل كلامه، وهو عندنا بخطه. ومعناه: أن الإسلام غالب عليها، بمعنى: أنا نغلب جانب الإسلام فيما استولوا عليه، فلا يملكون والحالة هذه لأنهم مرتدون، والمرتد لا يملك مال المسلم؛ فأخذ الناقل

стр. 5666

بمطلق كلامه، ولم يفهم أصل المأخذ، فأين حكم الهجرة وفراق المشركين، المنوط بسماع الشرك والبدع، والمعاصي، ممن لا يستطيع تغييرها، من هذا، لو كانوا يعلمون؟! يوضحه: أن متأخري الشافعية، صرحوا به; قال ابن حجر، في شرح المنهاج: والظاهر أن بلد الإسلام التي استولوا عليها، لها حكم بلد الكفر، انتهى؛ فسماها دار إسلام نظرا إلى الأصل، وأعطى الطارئ حكمه. الوجه الثاني: أن المجيز علق حكم إباحة الإقامة فيما نقلت عنه، بما إذا لم يمنعوك عن واجبات دينك، مصرحا بأنها هي النطق بالشهادتين، والصلاة، والعبادات البدنية، التي يوافقك عليها المشرك في هذا الزمان; فإذا كان كذلك فالمدعى أوسع من الدليل. إذ عدم المنع من العبادات البدنية، والدعاء بداعي الفلاح موجود في أكثر أقطار الأرض، فالسؤال مطرح من أصله؛ ولعل السائل جعله بئرا في الطريق، وعلى نفسها تجني براقش، وعلينا أن نقول الحق، لا تأخذنا في الله لومة لائم، وهذا جوابنا على المسألة الأولى. وأما المسألة الثانية، وهي: ما إظهار الدين؟ فالجواب - وبالله التوفيق -: أن إظهار الدين على الوجه المطلوب شرعا، تباح به الإقامة بقيد أمن الفتنة، ولا تعارض نصوص الهجرة المنوطة بمجرد المساكنة، إذ هي الأصل;

стр. 5667

وإبطال دليل الإباحة، ودليل التحريم، ممتنع قطعا ; فيتعين الجمع بما تقرر في الأصول، من أن العام يبنى على الخاص ولا يعارضه. وإذا كان كذلك، فلا بد من ذكر طرف منها قبل الكلام عليها. فأقول: قد دل الكتاب والسنة والإجماع، مع صريح العقل، وأصل الوضع على وجوب الهجرة من دار الشرك والمعاصي، وتحريم الإقامة فيها. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيتين [سورة النساء آية: ٩٧] ، وهذه الآية نص في وجوب الهجرة، بإجماع المفسرين ; وفيها ترتب الوعيد على مجرد المقام مع المشرك ; والقرآن إذا أناط الحكم بعلة أو وصف، فصرفه عنه من التأويل الذي رده السلف ; وقد ذم الله من أعرض عنه، فكيف بمن عارضه؟! وقد قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، قال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى للمؤمنين من عباده: يا عبادي الذين وحدوني، وآمنوا برسولي، إن أرضي واسعة، لم تضق عليكم، فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه؛ ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله، فلم تقدروا على تغييره، فاهربوا منه. وساق بسنده عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 5668

أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها ; وساق من طريق وكيع عن سعيد بن جبير مثله أيضا ; وعن عطاء: "إذا مررتم بالمعاصي، فاهربوا"، وعنه: مجانبة أهل المعاصي; وعن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، قال: فهاجروا وجاهدوا، وذكر عن آخرين إن ما خرج: من أرضي من الرزق واسع لكم، ورجح الأول. وقال محيي السنة البغوي ﵀، في تفسيره: وهذه الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة؛ وساق كلام سعيد بن جبير وغيره، ثم قال: "ويجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها، الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة،". انتهى. فسمى تغيير المعاصي عبادة، يجب على المسلم الهجرة إذا لم تتهيأ له، وأطلق العبادة عليها من إطلاق الشيء وإرادة معظمه؛ والمعصية إذا أطلقت وأفردت لا في مقابلة ما هو أعلى، فهي عامة كما قرره شيخ الإسلام في "كتاب الإيمان"، وقرره غيره. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٠٠] ، ومعنى الآية: أن المهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مكانا يسكن فيه، على رغم أنف قومه الذين هاجرهم، ويجد سعة في البلاد وقيل: في الرزق، وقيل:

стр. 5669

في إظهار الدين، أو في تبديل الخوف بالأمن، أو من الضلال إلى الهدى; فهذا تفسير التابعين ومن بعدهم، وهو الذي فهم علماء التفسير. فمن غلب الحقائق وجعلها نصا في عدم وجوب الهجرة، على من لم يمنع من عبادة ربه، التي هي فى زعمه: الصلاة، وما يتعلق بالبدن، وحمل إظهار الدين على ذلك، وفهم من قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٦] ، أي: في كل مكان من دار إسلام أو كفر، فقد عكس القضية وأخطا في فهمه. والحق: أن الحكم فيها منوط بمجرد المقام مع المشركين ومشاهدة المحرمات، قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسيره على قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] : وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم، في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم؛ فحينئذ هربوا إلى الكهف. وقال في تفسير آية النساء، لما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، أي: لم مكثتم ها هنا، وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٧] . انتهى. وقال الحنفي، في تفسيره: وأمر الهجرة حتم، ولا توسعة

стр. 5670

في تركها، حتى إن من تبين اضطراراه - يعني من هو مستضعف - حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره؟ انتهى ملخصا. قلت: واستثناء المستضعفين في هذه الآية، يبطل دعوى من قصر إظهار الدين على مجرد العبادة، لأنه إذا حمل على ذلك، فقد تساوى المستثنى والمستنى منه، إذ هو مناط الرخصة في زعم المجيز؛ ولا يتصور في المستضعف أنه يترك عبادة ربه، فما فائدة تعلق الوعيد بالقادر على الهجرة، دون من لم يقدر؟ وقد علم أن الاستثناء معيار العموم. فإن قلت: الفائدة فيه أمن الفتنة، وتكثير سواد المسلمين، والجهاد معهم، قلنا: هذا من فوائد الهجرة، لكن قصرها عليه من القصور، لأن مثل هذا، وإن كان مأمورا به، فلا يحتمل هذا الوعيد الشديد. وقد تكون أسباب الحكم الواحد متعددة، وبعضها أعظم من بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٩١] ، فهذه أسباب المنع، وكل سبب منها مستقل بالحكم. وقد تحتم المنع من هذا المحرم إلى قيام الساعة، وإن لم توجد الأسباب؛ فلو ادعى أحد أن الخمر لا يسكره، ولا يصده عن طاعة الله، ولا يوقع عداوة، فإنه لا يسلم له ذلك; فعلم

стр. 5671

أنه لا مفهوم للفظ "الفتنة" لتحتم المنع المنوط بسماع الشرك، في الآيات المحكمات، وفي حديث من لا ينطق عن الهوى. فمن حمل الآيات والأحاديث، على من فتنه المشركون خاصة، فقد قصر; بل أمن الفتنة قيد إباحة الإقامة لمن أظهر دينه، وصرح بمخالفة ما هم عليه؛ والتنصيص على بعض أفراد العام، معروف في تفسير السلف، لا يقتصر عليه إلا جاهل. ولما ذكر الحافظ بن حجر، خصوص السبب، قال: وكذلك المفارقة بسبب فيه صالحه، كالفرار من دار الكفر، وساق كلاما حسنا، ورد على الطيبي قوله: فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، حماية لجناب النصوص. وقال الحافظ بن رجب، في شرح الأربعين: فمن هاجر إلى دار الإسلام، حماية لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهارا لدينه، حيث يعجز عنه في دار الشرك، فهو المهاجر حقا، انتهى كلامه. والدين كلمة جامعة لخصال الخير، أعلاها وأغلاها التوحيد ولوازمه; فمن قصره على العبادات التي يوافق فيها المشرك، بل يواليك عليها، فقد أخطأ. وأما الأحاديث فكثيرة جدا، منها: ما رواه أبو داود والحاكم، عن سمرة مرفوعا: " من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله "١، ولفظ الحاكم "وساكنهم أو جامعهم فليس منا" وقال: صحيح على شرط البخاري.

стр. 5672

ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، والترمذي عن جرير بن عبد الله مرفوعا: " أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تراءى ناراهما " ١ رواه ابن ماجه أيضا، ورجال إسناده ثقات، وهو إن صح مرسلا، فهو حجة من وجوه متعدده، يعرفها علماء أصول الحديث; منها: أن المرسل إذا اعتضد بشاهد واحد، فهو حجة. وقد اعتضد هذا الحديث بأكثر من عشرين شاهدا، وتشهد له الآيات المحكمات، مع الكليات من الشرع، وأصول يسلمها أهل العلم; ومنها: حديث جرير الذي رواه النسائي وغيره: (أنه بايع النبي ﷺ أن يعبد الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويفارق المشركين) ; وفي لفظ: (وعلى فراق المشركين) ; ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى، لتأخر إسلام جرير. ومنها: ما روى الطبراني والبيهقي، عن جرير موفوعا: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة"، قال المناوي: حديث حسن، يقصر عن رتبة الصحيح، وصححه بعضهم. ومنها: ما رواه النسائي وغيره، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده مرفوعا: " لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين " ٢. ومنها: ما رواه النسائي وغيره، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: " لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار " ٣، وفي معناه حديث معاوية: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة " ٤ الحديث،

стр. 5673

وما رواه سعيد بن منصور وغيره: " لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد " ١. ففي هذه الأحاديث مع تباين مخارجها، واختلاف طرقها، هيئة اجتماعية يقطع معها بهذا الحكم العظيم، الذي هو من أعظم مصالح الشريعة. قال أبو عبد الله الحليمي في المجالس، وهو من أجل علماء الشافعية، وأئمة الحديث في وقته، وهو في طبقة الحاكم، لما ذكر بقاء الهجرة، قال: إنها انتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن السيئات إلى الحسنات، وهذه الأشياء باقية ما بقى التكليف. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد أفصح ابن عمر بالمراد، فيما ذكره الإسماعيلي، بلفظ: (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ولا تنقطع ما قوتل الكفار) ، أي: ما دام في الدنيا دار كفر، انتهى. وكلام أئمة المذهب في ذلك في غاية الوضوح والقوة، قال في الشرح الكبير: وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة، لحديث معاوية، وما رواه سعيد بن منصور وغيره، مع إطلاق الآيات، والأخبار الدالة عليها، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان ومكان. وأما الإجماع على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، فحكاه الحافظ بن كثير، ولم ينازع في ذلك أحد فيما نعلم، وقد

стр. 5674

تقدم، وقال ابن هبيرة في الإفصاح: واتفقوا، يعني: الأربعة على وجوب الهجرة من ديار الكفار إن قدر على ذلك. وأما ما يدل على ذلك لغة ووضعا، فأصل الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال من غيره إليه، ويؤخذ من لفظ العداوة، لأنها وضعت للمجانبة والمباينة; لأن أصل العداوة: أن تكون في عدوة، والعدو في أخرى; وأصل البراءة: الفراق والمباينة أيضا، مأخوذ من براه إذا قطعه; قال الحافظ في الفتح: والعداوة تجر إلى البغضاء، انتهى. فعلم: أن العداوة سبب للبغضاء ووسيلة; وبغض الكافر مشروط في الإيمان، محبوب إلى الرحمن، فكانت مطلوبة، لأن وسيلة المطلوب المحبوب مطلوبة محبوبة، فاتفق الشرع والوضع على هذه الشعبة، التي هي من أعظم شعب الإيمان. وأما وجوب الهجرة، وفراق المشركين عقلا، فلأن الحب أصل كل عمل من حق وباطل؛ ومن علامة صدق المحبة: موافقة المحبوب فيما أحب وكره، ولا تتحقق المحبة إلا بذلك؛ ومحال أن توجد المحبة مع ملاءمة أعداء المحبوب، هذا مما لا تقتضيه المحبة؛ فكيف إذا كان قد حذرك من عدوه الذي قد طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه، واشترطه عليك في عهده إليك، هذا والله مما لا يسمح به المحب، ولا يتصوره العاقل. متى صدقت محبة من يراني ... من الأعداء في أمر فظيع فتسمح أذنه بسماع شتمي ... وتسمح عينه لي بالدموع

стр. 5675

إذا تقرر ذلك، فالكلام على إظهار الدين الذي هو مقصود السؤال، والذي قد وقع فيه الإشكال في مقامين: الأول: وهو أعلاها، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وقد تقدم بعض التنبيه عليه، فيما نقله ابن جرير وغيره من السلف، ويأتيك له مزيد بسط، في كلام الحنابلة والشافعية وغيرهم، وإليه يومئ كلام الماوردي ﵀. الثاني: الامتياز عن عبادة الأوثان والأصنام، وتصريح المسلم بما هو عليه من دين الإسلام، والبعد عن الشرك ووسائله، وهو دون الأول. فاصغ سمعك لبرهان هذين المقامين، لعل الله أن ينفعك به. واعلم: أن الدين كلمة جامعة لخصال الخير، وأعلاها التوحيد، كما تقدم؛ وهو على القلب بالاعتقاد، والصدق والمحبة، وعلى اللسان بتقريره وتحقيقه والدعوة إليه واللهجة به، وعلى الجوارح بالعمل بمقتضاه، والسعي في وسائله والبعد عن مضاده. قال الوالد ﵀، في رسالته لأهل الأحساء: فإن الإنسان لا يصلح له إسلام ولا إيمان، إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه، وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا وقولا وطلبا ورغبة; انتهى بحروفه. وقد أوضح ذلك القرآن أي إيضاح، وضمن لمن قام به ودعا إليه، وصبر عليه، السعادة والفلاح; قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ
следующие страницы →