← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

بأزكى صلاة للنبي مضاعف ... مع الآل والأصحاب ذي العز والفخر فدم واستقم ما عشت قامعا ... لشيعة جند النهروان ذوي الغدر ١ فرد عليه علماء نجد، منهم الشيخ: عبد الرحمن بن حسن وتقدم. ٢ وهذا جواب الشيخ: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، ﵏: على وجهها الموسوم بالشوم والغدر ... شمائل زيغ لا تزال مدى الدهر فإن سودتها كف بغي وغادر ... فأقلامنا بالرد أنهارها تجري رسالة مختال تجر ذيولها ... إلى مهمه قفر من العلم والذكر هدية عثمان إلى شر صاحب ... إلى الجسر من بغداد بالود واليسر مؤيدة حزب الضلال وشيعة ... إلى درك النيران أعمالها تسري بها من صريح الإفك أخبث مورد ... وإن ظنها الجهال من خالص التبر رأيت بها ما يستباح بمثله ... على ناظم سل المهند والسمر ٣ فتعسا لها منظومة ما أضلها ... وأبعدها عن منهج الرشد والبر أيوصف بالإيمان يا عابد الهوى ... دعاة إلى باب الجحيم وما تدري فما أحوج الإنسان في أمر دينه ... إلى ناصح والصمت أجدر بالحر أترضى بأن يدعى حسين وخالد ... وزيد وما يدعى مع الله في العسر وتنصر قوما يعدلون بربهم ... مجاهرة في كل بر وفي بحر

стр. 5602

ترى كل موتور ينادي وليجه ... ويسأل ما لا يستطاع من الأمر يرون صوابا من سفاهة رأيهم ... مناشدة الأموات من ساكني القبر إذا شب حرب لا ينادى وليدها ... ودارت على كره بقاصمة الظهر وفر على أعقابه كل فارس ... وضاقت بها في حجرها ربة الخدر وإن غشيهم موج من اليم زاخر ... وجاشت على علاتها أنة الصدر فما يرتجى في كشف ذاك وحله ... سوى مشهد بألطف في ساحة القبر وما تربة الجيلي إلا مناتهم ... ومعقلهم في كل كرب وفي يسر ينادونه سرا على بعد داره ... أغثنا أغثنا بالإجابة والنصر ويرجونه في كل أمر وحادث ... على أنه كنْز المواهب والذخر وإخوانهم في الغي أضحى مقيلهم ... ومجمعهم عند المشاهد في مصر بدف ومزمار ونغمة شادن ... مع الرقص بالأرداف في الصحو والسكر وإن شئت أصل الدين تلقاه عندهم ... لأربابهم تحت الصفائح والصخر دعاء وذبح واستغاثة عابد ... وإخبات ذي فقر وإلحاح ذي عسر وفي كل مصر مثل مصر وما الذي ... ذكرت بأقصى ما لدى القوم من كفر أما جعلوا أمر التصاريف ينتهي ... إلى سبعة جحدا لما خط في الذكر وهذا لعمري في الضلالة غاية ... ومن دونها قول المثلث في السبر فأين خطاب الأنبياء وقومهم ... وما قد جرى في معرض الأمر والنذر وأين تقارير الجهابذة الأولى ... لنا نقلوا نص الشريعة كالدر وأين إلى أين الذهاب وكلما ... على ظهرها يأتيك بالخبر الخبر حنانيك رب العرش من أن يغرني ... كما غرهم ضرب من الزور والهذر

стр. 5603

وأين تصانيف المذاهب والذي ... تقرر في أبوابها واضح السطر يعدون كفرا دون ذا ولديهم ... من الله برهان يلوح بلا نكر على الرغم من أنف المكارم والعلا ... يهاجي إمام الدين نادرة العصر فيا ويحه إن لم يباشره رحمة ... وعفوا وإلا فالمصير إلى حر تراه لأهل الحق أضحى معاديا ... على غير ذنب أحدثوه ولا غدر سوى منهج قد أوضحوه وقرروا ... أدلته بالنص والسنن الغر وقولهم للخلق نصحا ورحمة ... أنيبوا إلى رب السماوات بالشكر ولا تعبدوا غير المهيمن إنه ... مليك جليل قد تفرد بالأمر فإن كان هذا عنده الزيغ والهوى ... ودين فريق النهرواني والجبري فما صدقت تلك الدعاوى وعودها ... وقد خاب مسعاها فوا ضيعة العمر على هضبات الشعب من أيمن الحمى ... سلام مشوق لا على جانب الجسر كروض كساه الوبل وشيا ملونا ... يباكره سحا وأمطاره تجري ترى ظبيات القاع في ظل نبته ... يروعها نفح الشمال إذا تسري كأن مرور الريح من فوق زهره ... صرير سهام نبلها أبدا يفري ففي روضها والشعب أشلاء عالم ... أضاءت له الأخرى بكوكبها الدر وقد كان منهاج الشريعة طامسا ... وأعلام أصل الدين في ساحة الجر فجرد عزما لا يضاهى بمثله ... وقام قيام الليث في عزمة الصقر فزالت بهذا الشيخ عنها غياهب ... وعادت كما قد كان في سالف العصر تجر به نجد ذيول افتخارها ... إلى منهل صاف من الشرك والكفر عليه من المولى الكريم تحية ... يباشره روح الرياحين والزهر

стр. 5604

وخير صلاة الله ثم سلامه ... على سيد السادات خاتمة الشعر ورد عليه أيضا الشيخ: ابن مشرف وغيره [رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى محمد بن عمير في بيان ما تضمنه كتاب جلاء الغمة] وله أيضا ﵀: بسم الله الرحمن لرحيم من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى محمد بن عمير، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله المسؤول أن يمن علينا وعليك بمعرفة الحق بدليله، والدعوة إلى الله وإلى سبيله، وتعرف أنا رأينا من أجناس المعاندين، وأعيان المشركين خلقا كثيرا، ولم ير مثل هذا المفتون في جهله وضلالته، وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سماه "جلاء الغمة"، ورأيت حشوه من مسبة دين الله، والصد عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه، وأئمة الهدى، ما لم نر مثله للمويس، وابن فيروز، والقباني وأمثالهم ممن تجرد لعداوة الدين، ومسبة مشايخ المسلمين. فابتدأ مصنفه بمسبة الشيخ، وأن الله ابتلى به أهل نجد، وجزيرة العرب، وأنه كفر الأمة عامها وخاصها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأن قوله يتناقض، وأنه أخذ أموال المسلمين، وجعلها فيئا له ولعياله، وأن

стр. 5605

خطاب النبي ﷺ وخطاب الموتى، بطلب الشفاعة وغيرها من المطالب، ليس بشرك؛ ويستدل على ذلك بأحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة. ويزعم أن من له الشفاعة يوم القيامة، يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدنيا، ويسوغ التوجه إليه، وأن صاحب البردة قد أحسن وأصاب، ويستدل من جهله على ذلك بأنه رواها عن فلان وفلتان، وهيان بن بيان، وابن حجر وابن حيان، ونحو ذلك من طوائف الشيطان، ويرد بمثل هذا نصوص السنة والقرآن، نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان؛ وكأن الرجل من رجال الجاهلية الأولى، لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السلف الصالح والأولياء. ويحتج على بطلان دعوة شيخنا بأن بلاده بلاد مسيلمة الكذاب، ولم يدر أنه عاب بذلك أهل الإسلام، ممن سكن مصر والشام والعراق، والحرمين وسائر البلاد الإسلامية، التي سكنها من نازع الله في الربوبية والإلهية. فيا ويحه إن لم تداركه توبة ... لسوف يرى للمجرمين مرافقا وله من ركاكة القول، وفهاهة الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب، ما يوجب تشبيهه بسائمة الأنعام، وثور الدولاب وقد حررت إليك بهذه البطاقة، لتقرأها على الخاصة والجماعة، وتنذر من سمع شيئا من مقالته، أن يغتر بجهالته وضلالته؛ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤] .

стр. 5606

[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى محمد بن عمير يعاتبه فيما بلغه عنه] وله أيضا: صب الله عليه من شآبيب بره ووالى: بسم الله الرحمن الر حيم من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد الله بن عمير، سلام على عباد الله الصالحين. وبعد: فقد بلغنا ما أنت عليه، أنت ومن غرك وأغواك من مسبة مشايخ المسلمين، والقدح فيما هم عليه من العقيدة والدين، ونسبتهم إلى تكفير المؤمنين والمسلمين. وقد عرفت أني لما أتيتكم عام أربع وستين، بلغني أنك على طريقة من ينتسب إلى الأشعري، من تلامذة الجهمية الذين جحدوا علوه تعالى على خلقه، واستواءه على عرشه، وزعموا أن كتابه الكريم الذي نزل به جبرائيل، على عبده ورسوله محمد ﷺ عبارة أو حكاية عما في نفس الباري، لا أنه تكلم به حقيقة وسمع كلامه الروح الأمين، وكذلك بقية الصفات التي ذهب الأشاعرة فيها، إلى خلاف ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. ونقل عنك ما كنت تنتحله، من تصحيح العقود الباطلة في الإجارات، وشافهتك في البحث عن بعض ذلك، فاعتذرت وتنصلت وطلبت الكف عن هذه المادة، وأنك لا تعود إلى شيء من ذلك، فجريت معك بالسيرة الشرعية، في الكف عمن أظهر الخير والتزمه، وترك السرائر إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

стр. 5607

وقد بلغنا عنك، بعد ذلك أنك أبديت لأخدانك وجلسائك شيئا مما تقدمت الإشارة إليه، من السباب والقدح، لا سيما إذا خلوت بمن يعظمك، ويعتقد فيك، من أسافل الناس، وسقطهم الذين لا رغبة لهم فيما جاءت به الرسل، من معرفة الله، ومعرفة دينه وحقه، وما شرع من حقوق عباده المؤمنين. وقد عرفت يا عبد الله أن من باح بمثل هذا، وأظهر ما انطوى عليه من سوء المعتقد، وطعن في شيء من مباني الإسلام، وأصول الإيمان، فدمه هدر، وقتله حتم. وقد حكى ابن القيم رحمه الله تعالى، عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام، ومفاتيه العظام: أنهم كفروا من أنكر الاستواء، وزعم أنه بمعنى الاستيلاء، ومن جملتهم إمامك الشافعي ﵀، وجملة من أشياخه، كمالك وعبد الرحمن بن مهدي، والسفيانين، ومن أصحابه، أبو يعقوب البويطي والمزني، وبعدهم إمام الأئمة ابن خزيمة الشافعي، وابن سريج وخلق كثير. وقولنا: إمامك الشافعي مجاراة للنسبة ومجرد الدعوى، وإلا فنحن نعلم أنك بمعزل عن طريقته في الأصول، وكثير من الفروع، كما هو معروف عند أهل العلم والمعرفة. وأما تكفير من أجاز دعاء غير الله، والتوكل على سواه، واتخاذ الوسائط بين العباد وبين الله في قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، وغير ذلك من أنواع عباداتهم،

стр. 5608

فكلامهم فيه، وفي تكفير من فعله أكثر من أن يحاط به ويختصر; وقد حكى الإجماع عليه غير واحد ممن يقتدى به، ويرجع إليه من مشايخ الإسلام وأئمته الكرام. ونحن قد جرينا على سنتهم في ذلك، وسلكنا مناهجهم فيما هنالك، لم نكفر أحدا إلا من كفره الله ورسوله، وتواترت نصوص أهل العلم على تكفيره، ممن أشرك بالله وعدل به سواه ; أو عطل صفات كماله، ونعوت جلاله، أو زعم أن لأرواح المشايخ والصالحين تصرفا وتدبيرا مع الله؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقد رأيت ورقة، فيها الطعن على من دعا الناس إلى توحيد الله، وما دلت عليه كلمة الإخلاص من الإيمان به، والكفر بالطواغيت، وبعبادة سواه تعالى. وفيها ذم من قرر للناس أن دعاء مثل علي والحسين والعباس، وعبد القادر وغيرهم، ممن يدعى مع الله، هو الشرك الأكبر البواح الجلي، الذي لا يغفر إلا بالتوبة، والتزام الإسلام. وقرر أن هذا ونحوه هو ما كانت عليه العرب، في عبادتها الملائكة والأوثان والأصنام، قبل ظهور الإيمان والإسلام. وفي ورقة المشبه المبطل: أنكم كفرتم خير أمة أخرجت للناس، وقصده هؤلاء المشركون؛ وزعم أنهم هم الأمة الوسط، وأنهم صفوف أهل الجنة، وأنهم عتقاء الله في شهر الصيام، وأن من كفرهم فقد كفر أمة محمد، لأنهم يتكلمون بالشهادتين.

стр. 5609

وهذا الكلام من أوضح الأدلة وأبينها على ضلال مبديه، وسفاهة ملقيه، وأنه أضل من الأنعام ; ويكفي في رده مجرد حكايته، فإن الفطر السليمة تقضي بردّه وبطلانه، والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع: تدل على أن قائله عدو للنصوص، والفطر، والعقل، والنظر. ولا يبعد أنه تلقّاه عن مثلك، ووصل إليه من أبناء جنسك، وما أظن اجتماعك بهذا الضرب من الناس، إلا على هذا وجنسه، من الشبهات، والجهالات التى حاصلها: القدح في أصول الإيمان، وعيب أهله وذمهم، و ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٧] . وهذه الشبهة، يعرف فسادها كل من كانت له ممارسة في العلم، وإن قلت ; فإن لفظ الأمة مفرد مضاف، يقع على المستجيب المهتدي، ويقع أيضا على المكذب المعاند ; فالأول كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٣] . وقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨١] . وفي الحديث: " أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله " ١، وفيه: " إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، هذه الأمة منها ثمان ون " ٢ فهذا ونحوه يطلق، ويراد به المؤمنون والمسلمون. وقد يطلق هذا اللفظ، ويتناول المكذبين والضالين، كما

стр. 5610

في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، فأطلق الأمة على الفريقين، وتناول لفظها الحزبين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٤] ، وقع الاسم على من أجاب النذير ومن عصاه. وقوله في خصوص هذه الأمة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً?يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [سورة النساء آية: ٤١-٤٢] ؛ فالإشارة في الآية إلى هذه الأمة، وقد نص على أن منهم من كفر وعصى. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٨٤] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] ، وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الآيتين [سورة الجاثية آية: ٢٨] ؛ فانظر إلى ما دلت عليه الآيات من التقسيم، إن كنت ذا عقل سليم. وفي الحديث: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة " ١. وفي الحديث

стр. 5611

" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار " ١، وفيه: " القدرية مجوس هذه الأمة " ٢، وخرج ابن ماجه عن ابن عباس وجابر: " صنفان من أمتي، ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية " ٣. إذا عرفت هذا، فاعلم أن نفس الآية الكريمة، التي يوردها المبطل، وهي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ، فيها الدليل الكافي، والبرهان الشافي، على إبطال قول المشبه المرتاب، ورد شبهته. فإن الخطاب في هذه الآية مخصوص بأهل الإيمان، الذي أصله ورأسه معرفة الله وتوحيده، وإخلاص العبادة له، وهو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص؛ ومن عدا هؤلاء ليس بداخل في أصل الخطاب، بل هو ساقط من أول رتب الأعداد، كما لا يخفى إلا على من طبع الله على قلبه. الثاني: أنه ذكر العلة والمقتضى، بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ؛ وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة، وأحق الناس بهذا الوصف وأولاهم به: من دعا إلى توحيد الله، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة ; وقرر أن دعاء عبد القادر وأمثاله، هو الشرك الأكبر، الذي يحول بين العبد وبين الإسلام والإيمان، وأن أهله ممن عدل بالله، وسوى برب العالمين سواه. بل قد وصلوا في عبادتهم المشايخ والأولياء، إلى غاية ما

стр. 5612

وصل إليها مشركو العرب، كما يعرف ذلك من عرف الإسلام، وما كانت عليه الجاهلية قبل ظهوره؛ فمقت هؤلاء المشركين، وعيبهم، وذمهم، وتكفيرهم، والبراءة منهم، هو حقيقة الدين، والوسيلة العظمى إلى رب العالمين ; ولا طيب لحياة مسلم وعيشه، إلا بجهاد هؤلاء ومراغمتهم، وتكفيرهم، والتقرب إلى الله بذلك، واحتسابه لديه، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُون إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٨-٨٩] . فهذا المقام الشريف، والوصف المنيف، هو الذي أنكرتموه، واستحللتم به أعراض المسلمين، ورميتموهم لأجله بالعظائم؛ وإلى الله نمضي جميعا، وعنده تنكشف السرائر، وتبدو مخبآت الضمائر، ويعلم من عادى حزبه وأولياءه، ووالى حربه وأعداءه، ماذا جنى على نفسه؟ وأي الفريقين أولى به؟ وأي الدارين أليق به؟ فالمرء مع من أحب ونصر ووالى، شاء أم أبى. وهل حدث الشرك في الأرض، إلا برأي أمثال هؤلاء المخالفين، الذين يظهرون للناس في زي العلماء، وملابس الصلحاء، وهم من أبعد خلق الله عما جاءت به الرسل، من توحيده ومعرفته، والدعاء إلى سبيله؛ بل هم جند محضرون للقباب وعابديها، وقد عقدوا الهدنة والمواخاة بينهم وبين من عبد الأنبياء والمشايخ. وأوهموهم أنهم إذا أتوا بلفظ الشهادتين، واستقبلوا القبلة، لا يضرهم مع ذلك شرك ولا تعطيل، وأنهم هم

стр. 5613

المسلمون، وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم صفوف أهل الجنة؛ فاغتروا بهذا القول منهم، وغلوا في شركهم وضلالهم، حتى جعلوا لمعبوديهم التصرف، والتدبير، والتأثير، من دون الله رب العالمين. فهل ترى يا ذا العقل السليم، أضل وأجهل ممن هذا شأنه، وهذه طريقته وعقيدته؟! وإن كان في هذه المظاهر الظاهرة، والرسوم الشائعة، معدود من أهل العلم بالشرع والإسلام، فهو والله أضل من سائمة الأنعام. وأهل العلم والإيمان، لا يختلفون في أن من صدر منه قول أو فعل يقتضي كفره، أو شركه، أو فسقه، أنه يحكم عليه بمقتضى ذلك، وإن كان ممن يقر بالشهادتين، ويأتي ببعض الأركان؛ وإنما يكف عن الكافر الأصلي إذا أتى بهما، ولم يتبين منه خلافهما ومناقضتهما، وهذا لا يخفى على صغار الطلبة. وقد ذكروه في المختصرات من كل مذهب، وهو في مواضع من كتاب الروض، الذي تزعم أنك تقريه وتدري ما فيه، ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٤١] . بل قد ذكروا أن من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث البنت والجد، أنه يكفر بذلك، ولا يكون من خير أمة أخرجت للناس؛ وهذا منصوص في كتب الشافعية وغيرهم، فكيف ترى يا هذا فيمن أنكر التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد،

стр. 5614

ودان بمحض الشرك والتنديد؟ فقاتل الله الجهل، ماذا يفعل بأهله! الثالث، قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ؛ وأصل الإيمان بالله، هو عبادته وحده لا شريك له، وقد فسره النبي ﷺ بذلك في حديث وفد عبد القيس؛ هذا هو الإيمان الذي اختص به المؤمنون، وجحده المشركون، وفيه وقع النّزاع، وله شرع الجهاد وانقسم العباد. وقد ابتليت أنت بأمور، أوجبت لك الجهل بأصل الإسلام، وعدم الرغبة في البحث عن قواعده ومبانيه العظام ; من ذلك أنك تبعت مشايخ الطوائف، الذين جعلتموهم من خير أمة أخرجت للناس، في طلب العلم والأخذ به، وهم قد خفي عليهم معنى كلمة الإخلاص، التي هي أصل الدين، وما دلت عليه من وجوب عبادة الله رب العالمين، والبراءة من دين الجهلة المشركين. وأكثرهم يقر أن معناها: إثبات قدرته على الاختراع، ونفي ذلك عما سوى الله ; والإله عندهم هو القادر على الاختراع. وبعضهم يرى أن الفناء في توحيد الربوبية هو الغاية التي شمر إليها السالكون ; وبعضهم قرر أن معناها: أنه تعالى هو الغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه، كما يذكر عن السنوسي، صاحب الكبرى في العقائد المبتدعة. وهذه المعاني ليست هي المقصود بالوضع والأصالة، من

стр. 5615

هذه الكلمة الشريفة، التي هي الفارقة بين المسلم والكافر ; وأكثر الكفار لا ينازعون في قدرة الرب وغناه، وإنما المقصود بالوضع: نفي الإلهية عن غيره، واستحقاق العبادة وإثباتها له تعالى، على أكمل الوجوه وأتمها، كما يعلم من كتب اللغة والتفسير، وكلام أئمة العلم، الذين إليهم المرجع في هذا الشأن. والمعنى الأول لازم للمعنى المراد لا ينفك عنه، لأنه المقصود بالوضع والأصالة، فإن المستحق لأن يعبد ويعظم، ويقصد دون غيره، لا بد أن يكون قادرا غنيا، ومن عداه فقير محتاج لا قدرة له؛ فبهذا السبب خفي عليك ما هو واضح في نفسه، ولولا حجاب التقليد، وحسن الظن بهؤلاء الطوائف، لاتضح الحكم لديك، ولم يخف أمره عليك. ومنها: أنك رغبت عن الطريقة الشرعية، والحجة الواضحة السوية، وأخذت عن حسين النقشبندي طريقة مبتدعة وعبادة مخترعة، لا أصل لها في شريعة محمد ﷺ ، وأنت ظننتها الغاية المقصودة، والدرة المفقودة ; وهي: البدع المضلة، الخارجة عن المنهاج والملة. وقد نص العلماء الأعلام على دخولها فيما حذر عنه نبينا، عليه أفضل الصلاة والسلام، في غير ما حديث، كحديث العرباض بن سارية، وحديث ابن مسعود، وحديث حذيفة وغيرهم؛ وقد اشتملت هذه الطريقة على خلوات، ورياضات، مخالفة لواضع الأخبار والآيات.

стр. 5616

قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] . ومن المعروف، عند أهل العلم والتجربة أن المعني بهذه الخلوات والرياضات المبتدعة، يحصل له تنَزل شيطاني وخطاب شيطاني؛ وبعضهم تطير بهم الشياطين من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد ; ومن طلب التنْزيل الرحماني الإلهي الرباني، من غير طريق رسول الله ﷺ يبتلى بالتنْزيل الشيطاني. وبعض هؤلاء يقول: ذكر العامة: لا إله إلا الله، وذكر الخاصة الله الله ; وذكر خاصة الخاصة: هو هو ; وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ١. والاسم المفرد مظهرا أو مضمرا، ليس بذكر ولا كلام، ولم يرد ما يدل على مشروعيته. وعمدتهم فى ذلك طلب تفريج الخاطر من الواردات، وجمع القلب حتى تستعد النفس لما ينْزل عليها؛ وقد خفي على هؤلاء المبتدعة أن الوارد الشرعي الديني ممنوع ومحظور على من لم يأت من الباب النبوي، والطريق المحمدي، وأن السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك. وقد دل الكتاب والسنة على أن التحصن من الشيطان، لا يحصل إلا بذكر الله، وعدم فراغ الذهن والقلب من ذلك،

стр. 5617

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٣٦] ، وفي حديث يحيى بن زكريا: " وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل جد العدو في طلبه، فأوى إلى حصن حصين " ١. وبعضهم آل الأمر به إلى القول، بأن النبوة مكتسبة، وأنه قد حصل له مثل ما حصل للأنبياء وأعظم ; وهذه الكفريات سببها: الخروج عما شرعه الله ورسوله، ومن ابتلي بشيء منها، فإنه من العلم والهدى بحسب ما فيه؛ ولولا الامتحان والابتلاء، لما سارعت وهرولت إلى هذا النقشبندي، مع خلعه لربقة الإسلام، وتركه لما عليه العلماء الأعلام. ثم ابتليت بسميه، مع ما هو عليه من الريب، في هذه الدعوة الإسلامية، التي من الله بها في هذه الأزمان، التي هي أشبه بأيام الفترات، لبعد العهد، وغربة الدين ; والذباب يأبى إلا السقوط على العذرة، وقد ابتليت وابتلي صاحبك بعيب أهلها وذمهم، وموالاة أعدائهم، الذين هم ما بين جهمي، أو رافضي، أو من عباد القبور. وغرك بما يعده ويمنيه، من نيل رتبة القضاء ; ودون عليان القتادة والخرط ; المسلمون في حرج من كون مثلك يؤم في المساجد، وينتصب في المدارس، فكيف بالقضاء ونحوه؟! يأبى الله ذلك والمؤمنون، وإن مناك به الجهلة المبطلون. واعلم: أن إمامنا - وفقه الله - على طريقة أسلافه وأعمامه،

стр. 5618

في الدعوة الإسلامية، وحماية هذا الدين، وأخشى إن كثر فيك القول، وظهر له منك ما أشرنا إليه، من الجنف والعول، أن يسلك بك مسلك من سلف، من أشرار الأحساء، الذين لم يقبلوا ما من الله به من النور والهدى، فأوقع بهم الإمام سعود من بأسه، ما خمدت به نار الفتنة والجحود. كأني بكم والليت آخر قولكم ... ألا ليتنا كنا إذا الليت لا يغني فصل ١ وأما طعنكم على الشيخ المكرم، بأنه قبل جوائز ابن ثنيان، وأنه بنى بيت الشيخ من أموال محرمة، فهذا القول منكم مبني على ما في أول هذه الورقة، من الطعن في العقيدة، وأنهم كفروا خير أمة أخرجت للناس، واستباحوا دماءهم وأموالهم، وجعلوها بيت مال بغير حق شرعي، كما فعل الخوارج المعتدون؛ هذه عقيدتكم، وطريقتكم التي أنتم عليها، في أمر هذه الدعوة الإسلامية. وقد أظهره الله، وأبدى ضغينتكم، وكشف لعباده سريرتكم، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣٠] . وهذا تصريح منكم يعرفه كل عاقل ; والإمام وغيره من ذوي الألباب، يعرفون هذا من نفس خطابكم، أن تخصيص ابن ثنيان تستر، وخوف من السيف، وإلا فهم عندكم على طريقة واحدة، ومذهب واحد.

стр. 5619

فقد كنت تخفي حب سمراء حقبة ... فبح الآن منها بالذي أنت بائح ولو حقق الأمر، لم يوجد عندكم فارق بين ابن ثنيان وغيره ; إذا عرف هذا، فلو سلم تسليما صناعيا أن قصدكم الأموال المغصوبة، فوجودها في بيت المال لا يقتضي التحريم على من لم يعلم عين ذلك، ولم يميز لديه، والمسؤول عن التخليط ولي الأمر، لا من أخذ منه، إذا لم يعلم عين المغصوب ; وقد ذكر ذلك أئمتكم من الشافعية، وغيرهم من أهل العلم ; بل ذكر ابن عبد البر، إمام المالكية في وقته: أنه لا يعرف تحريم أموال السلاطين، عن أحد ممن يقتدى به من أهل العلم. وقال في رسالته - لمن أنكر عليه ذلك -: قل لمن ينكر أكلي لطعام الأمراء ... أنت من جهلك عندي بمحل السفهاء فإن الاقتداء بالسلف الماضين هو ملاك الدين. ثم قال بعد ذلك: ومن حكي عنه تركها، كأحمد وابن المبارك وسفيان وأمثالهم، فذاك من باب الزهد في المباحات، وهجر التوسعات، لا اعتقاد التحريم، إلى أن قال: وقد قال عثمان ﵁: (جوائز السلطان لحم ظبي ذكي) ، وقال ابن مسعود - لما سئل عن طعام من لا يجتنب الربا في مكسبه -: (لك المهنأ، وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراما) ، وحكي عن أحمد ﵀: جوائز السلطان أحب إلينا من صلة الإخوان، لأن الإخوان يمنون، والسلطان لا يمن، قال: وكان ابن عمر يقبل جوائز صهره المختار، وكان المختار

стр. 5620

غير المختار. حكى هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وناهيك به حفظا وأمانة، عند الكلام على حديث: " إذا دخل أحدكم بيت أخيه، فأطعمه من طعامه، وسقاه من شرابه، فليأكل من طعامه، وليشرب من شرابه ولا يسأل عنه " ١، والحديث معروف في السنن، قال الحافظ الذهبي: قيل لعبد الله بن عثمان بن خثيم: ما كان معاش عطاء؟ قال: صلة الإخوان ونيل السلطان ; وهذا مشهور بين أهل العلم ; وقد قال صالح بن أحمد لأبيه - لما ترك الأكل مما بيد ولده من أموال الخلفاء -:أحرام هي يا أبت؟ قال متى بلغك أن أباك حرمها؟ وأما إذا علم الإنسان، عين المال المحرم، لغصب أو غيره، فلا يحل له الأكل بالاتفاق؛ والمشتبه الذي ندب إلى تركه: هو ما لم يعلم حله ولا تحريمه ; وأما إذا امتاز بحال، وعرف الحكم، فهو لاحق بالبين لا الاشتباه; وفي دخول أموال السلاطين في المشتبه بحث جيد، لا يخاطب به إلا من سلمت في السلف الصالح سريرته، وحسنت في المسلمين عقيدته ; والمرتاب يصان عنه العلم، ولا يخاطب إلا بما يزجره ويردعه. وقد قبل ﷺ الهدايا من المقوقس، وصاحب دومة الجندل وغيرهما ; وهو ﷺ لا يقبل إلا طيبا، ولا يأكل إلا طيبا ; وأموال الكفار لا يبيحها الغصب لمثل المقوقس ; وإنما تباح وتملك بالقهر والغلبة والاستيلاء للمسلمين ; وهذا كله منا على

стр. 5621

سبيل التنَزل والمجاراة ; وإلا فنحن نعلم أنكم لا تذكرون هذا إلا على سبيل العيب، والمذمة والغيبة، لا عن ورع فيكم، ولا عن تحر للصواب وطلب للفقه لديكم. بل أنتم، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٢-٦٣] . وقد اشتهر أنكم في المزاحمة على الأموال المحرمة، أحمق من نعجة على حوض؛ وغالب ما في أيديكم من الأوقاف والريع، والمال، إنما وصل إليكم من جهة من لا يعرف الدعوة الإسلامية، وليست لهم ولاية شرعية، كرؤساء الأحساء - قبل المسلمين - من آل حميد، والأتراك وتجار البحر، الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فكيف تلمزون بأمراء المسلمين، وهذا حالكم، وهذه مآكلكم؟!. وما فرض من ذلك على الوجه الشرعي، فهو لا يباح، إلا لمن قام في وظيفة التدريس والإمامة بما شرع الله ورسوله، من دعاء الخلق إلى توحيده، ونهيهم عن الشرك، واتخاذ الأنداد معه، وقرر ما تعرف الرب به إلى عباده، من صفات كماله ونعوت جلاله، وأظهر مسبة من جحدها وألحد فيها، ونفى عن كتاب الله تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين وزيغ الزائغين، وجرد المتابعة لرسول الله ﷺ ، ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله

стр. 5622

ولا المؤمنين وليجة. ومن لم يكن هكذا، فهو غاش للمسلمين غير ناصح لهم، متشبع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور في انتصابه في المدارس والمساجد ; والعلم: معرفة الهدى بدليله، وإدراك الحكم على ما هو عليه في نفس الأمر ليس إلا. وأما التزيي بالملابس، والتحلي بالمظاهر، والانتصاب في المدارس، من غير غيرة لدين الله، ولا نصرة لأوليائه، ولا مراغمة لأعدائه، ولا دعوة إلى سبيله، فما ذاك إلا حرفة الفارغين البطالين، الذين صحبوا الأماني، وقنعوا من الخلاق بالخسيس الفاني؛ وهذا لا يفيد إيمان الرجل، فضلا عن كونه عالما، فلا يباح - والحالة هذه - لمن كان هكذا، أن يحوز أوقافا قصد بها التقرب إلى الله، والإعانة على إظهار دينه، والتماس مرضاته، والدعوة إلى سبيله. ومن أكل منها وهو مجانب لهذه الأوصاف، فقد أكل ما لا يحل له، وما لا يستحقه؛ وهذا يستفاد من قول الفقهاء: يشترط أن يكون الوقف على جهة بر، ولا يستحقه إلا من كان من أهل تلك الجهة ; وفي الحديث: " إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض في مال الله بغير حق، ليس له يوم القيامة إلا النار " ١. والأوقاف من مال الله؛ ولهذا عزل الخليفة المتوكل كل من يتهم بشيء من بدعة الجهمية، عن المساجد والقضاء،

стр. 5623

وغيره من الوظائف الدينية، وذلك بأمر من الإمام أحمد ﵀؛ فإنه ﵀ توجه إليه الفتح ابن خاقان - وزير المتوكل - بورقة فيها أسماء القضاة والأئمة، فقرأها الفتح على الإمام، فأمر بعزل من يعرف منه شيء من ذلك، أو يتهم به، فعزل خلق كثير، وهو عند المسلمين في ذلك بار راشد متبع لأمر الله ورسوله. فصل ما جاء في رؤيا الطفيل: (أنه مر على نفر من اليهود، فقال لهم: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، فقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد ; ومر على ملإ من النصارى، فقال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله ; فقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: والكعبة) . فأخبر الطفيل برؤياه رسول الله ﷺ فنهى الناس عن هذه الأقوال، وقرر حكم هذه الرؤيا ; والغرض منها هاهنا: ذكر المشابهة بينكم وبينهم في إدراك الخفي مما زعمتموه عيبا، مع العمى والجهل بما أنتم عليه، فاعجب لها من نادرة! قال حسان: تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم من ذا لو يرى الرشد راشد صدودكمو عن مسجد الله أهله ... وإخراجكم من كان لله ساجد

стр. 5624

تنبيه طول المعاشرة، وكثرة المخالطة لها تأثير ظاهر، وفعل بين في الأخلاق والطباع والشيم، والعقائد والديانات، كما هو مشاهد محسوس، حتى إن الإنسان قد يسري إليه ما جبل بعض الحيوانات عليه، كما يشير إليه قوله ﷺ : " الغلظة في الفدادين، أهل الوبر والشعر، والسكينة في أهل الغنم ". ولا يخفى ما أنتم عليه، من كثرة المعاشرة، وطول المزاولة لجيرانكم، الذين ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ وخيار هذه الأمة، حتى رموهم بما يستحى من ذكره، وكثرة ثنائهم، وموالاتهم، للزنادقة والكفار، من أعداء هذه الملة؛ ولعل ما جاء عنكم من الذم والقيل، هو من ذلك القبيل ; شعرا: لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب وأما عمى بصائركم، عما من الله به على هذا الشيخ من النعم الباطنة والظاهرة، وكونه نصب نفسه - بحمد الله ومنته - لحماية هذا الدين، والذب عنه، ومراغمة أعدائه فقام في وجوه من أجاز دعاء غير الله، والاعتماد عليه، والتوكل على غيره، وذم من حسن حالهم وذب عنهم، وتصدى للرد عليه، وتجهيله وتضليله. وقام في وجوه أهل البدع المنكرة، كالجهمية والأشاعرة، والسالمية والكرامية، وقمعهم الله به؛ وصاروا في بلدتكم

стр. 5625

يستترون، وكذلك أهل الموالد والأعياد الجاهلية، كبتهم الله بما أبداه، وقرره من عيبهم وتضليلهم. وقد من الله عليه بنشر العلم، وانتفع الناس به، بعد ما كاد أن يعدم في البلاد النجدية، بعد المحنة المصرية، فجدد الله به آثار سلفه الصالح ; وجمهور من له معرفة بالعلم، وما جاءت به الرسل، من أهل هذه البلاد النجدية، إنما تخرج عليه وسمع منه، وتربى بين يديه؛ ومن لم يحط بهذا فهو دون غيره، كما لا يخفى على عارف؛ والمنصف من الأعداء يعترف بهذا. وقد عرف العامة والخاصة مناصحته لولاة الأمور، وحثهم على ما ينتفعون به في الدنيا والآخرة، من تحكيم كتاب الله، والجهاد لأعداء كلمته، ونصحهم عن الإصغاء إلى أهل الريب والشك في الدعوة الإسلامية، والحقائق التوحيدية، الذين يبغونها عوجا، ولا يحبون ظهور هذا الدين وعلوه ; فهو قد نصح ولاة الأمر عنهم، وكبت الله بسببه وأخزى منهم عددا كثيرا. وهو قائم على قضاة تلك البلاد، في النظر في أحكامهم، يرد كثيرا مما أجمع على بطلانه منها، وينقضها بالقانون الشرعي، والمنهاج المرعي؛ وهذا مشهور لا ينكره إلا مكابر ; شعرا: وما ضر عين الشمس إن كان ناظرا ... إليها عيون لم تزل دهرها عميا وقد عرف من كان له فضل وعلم أن كلام أمثالكم، وبهت أشباهكم، مما يدل على فضله وجلالته، وهيبته وفطانته، وأن

стр. 5626

ذلك مما يزيده الله به رفعة وشرفا، في الدنيا والآخرة، ويوجب - إن شاء الله - حسن العاقبة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١١] ، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٦] . ومما يستحسن لشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، قوله شعرا: لو لم يكن لي في القلوب مهابة ... لم تكثر الأعداء في وتقدح كالليث لما هيب خط له الزبى ... وعوت لهيبته الكلاب النبح وقال أبو الطيب: يرمونني شزر العيون لأنني ... غلست في طلب العلا وتصبحوا وقال: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وقد أنطق الله ألسن المسلمين بالثناء والدعاء لهذا الشيخ، ونرجو أن الله يقبل شهادتهم، ويجيب لهم دعوتهم، ويقيل عثرته وعثرتهم ; اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيرا مما يظنون ; والمغرور من اغتر بثناء الناس عليه، ولم يعرف حقيقة ما منه وما لديه؛ لكن الغرض تعريفك أن كلامك زاده الله به رفعة وشرفا.

стр. 5627

كم كان في نكث أسباب العهود بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب وأما من بهته فقد أصبح بين أهل الإسلام والكمال، كقبر أبي رغال، مرجوما بشهب المذمة والمقال، معدودا في زمرة أهل الغي والضلال. ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه عجيبة: عبتم على الشيخ حرثه، وطلبه الرزق باتخاذه النخيل والزروع، مع أن هذا هو حرفة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، جمهورهم أهل نخيل وحروث؛ ولما فتح الله خيبر اقتسموها وعاملوا أهلها عليها، وصار لرسول الله ﷺ سهمه المعروف. ولما أجلى عمر ﵁ اليهود، تولى المسلمون العمل فيها بأنفسهم، وهذا معدود من مناقبهم. لم يذهبوا إلى ما ذهبت إليه اليهود والنصارى، ومن شابههم من هذه الأمة، من الأكل بدينهم، وجعله آلة يكتسب بها الدنيا، ويحتال بها على أكل الحبوس والأوقاف؛ وكثير من علمائكم جزم بأن الحرث أفضل المكاسب ; ونصوصهم موجودة عندكم ; ولكن الهوى والعداوة أدياكم إلى أن جعلتم المناقب مثالب. ولا ذنب للشيخ عندكم يقتضي هذا ويوجبه، لم يحل بينكم وبين مآكلكم ورياساتكم، ولكن يدعوكم إلى الرغبة في الدين،

стр. 5628

ونشره في بلاد المسلمين، وترك شبه المرتابين والضالين، والرغبة عن تقليد المشايخ الماضين، شعرا: أصبحت بين معاشر هجروا الهدى ... وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم قوم أحاول رشدهم وكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم فصل بلغنا عن خدنك ومن يلوذ بك أنهم انكروا على الإمام بناء المسجد الجامع ; فقيل لهم: إنه قد بناه سعود ﵀ أولا ; فقالوا: هذا من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] ، وقالوا: ومن يصلي في هذا، وقد بني من مال حاله كيت وكيت ; وهذا يدل على ما قلناه: أن اعتقادكم في الإمام، مثل اعتقادكم في ابن ثنيان، سواء بسواء. ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وهذا ثابت بنقل العدد الكثير من أهل نجد وأهل الأحساء، وإنكاره مكابرة ورد للواضحات ; وقد علم: أن الاقتداء بأهل الدين، في البر والخير، والعمل الصالح، كبناء المساجد، ورفع شأنها، من آكد ما شرع، ومن أفضل ما سعي فيه ووضع ; والاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩٠] أقرب للصواب. والله أسأل أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحسن العاقبة

стр. 5629

لعباده المؤمنين، وأوليائه المتقين، إنه ولي ذلك كله، وهو القادر على كل شيء، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. [جوابا من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى أبي بكر بن محمد لرسالة أساء فيها بذكر أمور يحصل منها نفور] وقال أيضا الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه، ما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي افترض تغيير المنكر باليد واللسان والجنان، وأخذ الميثاق على ورثة الرسل بالبلاغ والبيان، وأن لا يداهنوا في دين الله مغرورا بحبائل الشيطان، وأن لا يركنوا إلى مفتون بزخارف الهذيان، وإن ظن أنه من أهل البصيرة والإيمان، والصلاة والسلام على سيد من جاهد في ذات الله، وإمام من حارب كل من استعبده صنمه أو جاهه أو هواه. من الفقير إلى الله سبحانه: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الشيخ أبي بكر بن محمد، جمعنا الله وإياه على الطاعة، وجنبنا سبل الفتنة والشناعة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد وصلت إلي رسالتك إلى شيخنا الوالد حفظه الله، ومتعنا والمسلمين بحياته، وقد أحسنت فيها بذكر المعتقد وبيانه، وأنك اقتديت فيه بكلام أئمة الدين، كالإمام أبي حنيفة وغيره من السلف الماضين؛ وهذا هو القصد منكم، وقد أشرت به إليك وقت اجتماعنا. إذ بذكرك معتقدك وتقريره، والتبري من أهل البدع،

стр. 5630

كالجهمية والمعتزلة، والأشعرية والكرامية، والماتريدية، يحصل لنا نحن وإياك اتفاق الكلمة، وصلاح الطوية، نسأل الله أن يمن بذلك ; لكنك أسأت بذكر أمور، يحصل لنا منها نفور واشمئزاز؛ وهذه معاكسة ظاهرة، لما أشرت به إليك شفاها، ومتابعة لغرض نفسي شيطاني، لا لقصد شرعي إيماني. من ذلك: أنك لما ذكرت أن الرسالة ليست لك، بل لبعض أسلافك من علماء الأحساء، وأنه كان أشعري الاعتقاد، اعترفت، وصرحت بأنك نقلتها لبعض الإخوان بخطك; وهذا فيه ما لا يخفى من التهمة القوية، حيث أثبتها بخطك، وأشعتها في قومك ورهطك، غير ملتفت لرد ما فيها من الزور والبهتان، والمخالفة لصريح السنة والقرآن. وقوله فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وإن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه، وغير ذلك مما ساق من خرافاته، وما نمق من غلطاته ووهلاته; وأنت مع ذلك لم تتحاش من نقلها وإهدائها إلى الإخوان؛ وكذلك سميت هذا الرجل وعددته - مع ما ارتكبه - من علماء المسلمين؛ وما هكذا المعروف من هدى أهل العلم والإيمان، فإنهم لا يكتبون الضلال والباطل والزور، إلا لرده، ودفعه في نفس ذلك المزبور؛ وأنت قد خالفت هديهم، وخرجت عن طريقتهم، ومن سلك مسالك التهم، فلا يلومن من أساء به الظن. ثم إن خط الرجل حجة عليه; ودعواه أنه ناقل، دعوى

стр. 5631

تفتقر إلى إثبات ودليل، فلا غرو أن حكم شيخنا الوالد بخطك عليك، وأشار برد أباطيله إليك؛ وقد ذكرت أنك كنت متأسيا حال النقل، بما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، في العقيدة السليمة الحميدة، وعسى الله أن يحقق ذلك. وعلى تسليمه، كيف ساغ لك أن تكتب ضدها، ولا تبين ما فيه؟ ولو أخذت بواجب أمر الفرقان، وتخلقت بخلق أهل الإيمان، المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٢] لما وجه الوالد ولا غيره إليك ردا ولا ملاما، ولكن عرضت نفسك للبلاء فاستهدف. ومن ذلك قولك: قد تمادى بنا الكلام، حتى خرجنا عن المقام، تشبيها لأولي الأفهام، ودفعا للكثير من الأوهام، وهذا تصريح منك: بأن أخذك بخطك من باب الوهم؛ ومن المعلوم: أنه لم يكن مما يفيد اليقين والثبوت، فأقل أحواله تنْزيلا: أن يكون من باب الفراسة، والحكم بالقرائن القوية. ومن زعم أن الحكم بها من باب الأوهام، فسفسطته وجدله مما لا يحتاج برهانه وتقريره بسط كلام. ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل أن من اعتنى بنسخ كتب الزندقة والتعطيل، والتجهم، مع دعواه أنه لا يعتقدها، فهو مخبول العقل، ليس عنده من وازع الدين ما يقتضي تركها؛ هذا لو سلمنا هذه الدعوى، وتركنا الأدلة والقرائن على

стр. 5632

استحسانها واعتقادها. وأدهى من هذا وأمر، وأوضح منه: من نظر في خطك، واعتبر أنك تقول: إنه لم يظهر لك في حال نقلك لتلك الرسالة، من نفي إثبات الصفات، المؤدي إلى التعطيل، ما فهمه شيخنا الوالد حفظه الله، فإن كنت لا تفهم من قول هذا الرجل في ربه: إنه لا داخل العالم، ولا خارجه ولا فوقه، وأن ما دل على حقائق صفات الله سبحانه، ونعوت جلاله، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، معدود عند السلف من المتشابه، ونحو ذلك من كلامه. فإن كنت لا تفهم من هذا نفيا ولا تعطيلا، فلتبك عقلك النوائح ; أين أولو البصائر والأفهام؟ أين المناضلون عن ملة الإسلام؟ ما هذه إلا مكابرة جلية، وسفسطة جدليه ; فإن صبيان المكاتب، فضلا عن أولي العلم والمراتب، يعلمون أن هذه العبارة صريحة في التعطيل، غير محتملة للتصحيح والتأويل. وقد كنت أظن بك دون هذه المكابرة، وأحسب أنك ترعوي عند المحاقة والمخابرة، لا سيما بعد اطلاعك على هذا الرد النفيس، وما تضمنه من براهين الإثبات والتقديس، فخلت أن همتك ترتفع به إلى فوق، وأنك لا ترضى سبيل الميل والعوق، وأن أفراخ اليونان لا تعوقك عن الوصول، وأن أسلاف القوم لا يصدونك عن سنن الرسول، لكن كما قيل: خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم

стр. 5633

وقولك إن المفاهيم تتفق وتختلف، جوابه: أن الاتفاق والاختلاف، إنما يقع عند ذوي البصيرة والعقول، والأفهام السليمة، في غير صرائح العبارات، ومنطوقها، وفي غير الدلالة المطابقة ; ولا يمتري عاقل فضلا عن عالم أن الذي خالف فهمك فهم شيخنا فيه، صريحه ومنطوقه يرد زعمك وينافيه. ثم إنك ادعيت أولا أنك سليم العقيدة، موافق لما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، ولما عليه الأئمة الذين حكيت أقوالهم، وهذا حسن جيد، لكن يعكر عليك ويناقضه، قولك بعد: لكني وقفت بعد ذلك على كلام لبعض العلماء، ينافي بعض ما فيها، فملت إليه، وعولت عليه، لكونه أقرب للسلامة، وأشبه بهدى أهل الاستقامة؛ وهذا تصريح منك بالميل إلى خلافها، والتعويل على سواها بعد اعتقادها، وهو مخالف ومناقض لكلامك الأول، حيث زعمت أنك كنت في حال نقلها، متأسيا بما في الفقه الأكبر. ثم يا هذا، قد استدللت على رجوعك بقضية عمر في المشتركة، وبما صح من رجوع كثير من أئمة الاجتهاد عن أقوال ظهر لهم الحق في خلافها، والرجوع إلى الحق أولى وأحق، لكن لا يخفى أن رجوعهم من اجتهاد إلى اجتهاد، بخلاف من رجع من ذنب يأثم به، ولا يؤجر عليه ; بل غايته بعد التوبة أن يغفر ; ولذلك قالوا بصحة الاجتهاد الأول. فإن قلت: الشبه ليس من كل الوجوه، بل من حيث

стр. 5634

الرجوع إلى الحق، قلت: لأي شيء عدلت عن قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٥٣] ؟؛ والعدول عن الدليل الصريح المطابق من كل الوجوه، يقدح في فهم الرجل وتأليفه. ثم إنك تقول: اعلم أني بحمد الله غير مستنكف عن قبول الحق، ولا مستكبر، ولا مستحقر ; وأقول: أي كبر أعظم وأدهى من أنفة الرجل أن يدعى إلى الله ظاهرا، ويرد قوله الذي قد شاع ونسخ جهارا؟! ويعد هو ذنوبه وخطاياه من باب الاجتهاد؟! وقد أعرضنا عن غير ذلك من علامات بطر الحق. وأما كون شيخنا الوالد صرح باسمك في الرياض، فهو منه اهتمام بالواجب الشرعي، فإن الرجل إذا خيف أن يفتن به الجهال، ومن لا تمييز عندهم في نقد أقاويل الرجال، فحينئذ يتعين الإعلان بالإنكار، والدعوة إلى الله في السر والجهار، ليعرف الباطل فيجتنب، وتهجر مواقع التهم والريب ; ولو طالعت كتب الجرح والتعديل، وما قاله أئمة التحقيق والتأصيل، فيمن اتهم بشيء يقدح فيه، أو يحط من رتبة ما يحدث به ويرويه، لرأيت من ذلك عجبا، ولعرفت أن سعي الشيخ محمود قولا وسببا. ثم إنك تذكر أن الرد صار للعوام والطغام، سلما للوقيعة في أعراض علماء الإسلام، وفي هذا من تزكية نفسك، والتنويه بذكرها ما لا يخفى، وما أظن عالما يقول: أنا عالم; وقد قال

стр. 5635

عمر ﵁: "من قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن قال: أنا مؤمن فهو كافر ; ومن قال: أنا في الجنة فهو في النار". انتهى. والعالم من يخشى الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٨] ؛ فإن الآية تقتضي حصر العلماء في أهل الخشية، كما تقتضي حصر الخشية في العلماء. وحقيقة العلم: هو ما جاءت به الرسل، من معرفة الله سبحانه بصفات الكمال، ونعوت الجلال، إثباتا لا تعطيلا، وتنْزيها لا تمثيلا؛ وذلك يقتضي من إسلام الوجه له، والتبتل إليه وحده لا شريك له، حبا وإجلالا وتعظيما، وذلا وإخلاصا وانقيادا، وهو محسن في ذلك بعدم الانحراف عما جاءت به الرسل، طاعة لهم وتكريما; وهذا أيضا يقتضي العلم بالأوامر الشرعية، لأن الجاهل لا يحسن السير؛ ولا بد في العلم بهذا من النفوذ إلى ما جاءت به الرسل، فيعرف الحكم من دليله. وأما غير ذلك من أنواع العلوم، التي أحدثت بعد خير القرون، في العقائد والعبادة بما لم يشرع، كما عليه كثير ممن يدعي العلم، في باب معرفة الله ، فإنهم أخذوا العقيدة في هذا الباب، عن أهل القوانين الكلامية، كالجهمية وغيرهم، ممن خرج عن العقائد السلفية، وكما عليه كثير من أهل الطرق والتصوف، فإنهم أحدثوا من التعبد بالذوق والهوى، ما لم ترد به هذه الشريعة.

стр. 5636

وكذلك من اقتصر على تقليد المتأخرين في الأحكام، ولم يلتفت إلى أخذ الحكم من هدي سيد الأنام، فهذا ونحوه وإن جاز لهم التقليد، فليسوا من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه الحافظ ابن عبد البر ﵀. وبالجملة: فلو عرفت حقيقة العلم، لأحجمت عن عد نفسك من أهله، ولأيقنت أن من ابتغى معرفة الله مما نصبه مشايخ اليونان، والفلاسفة من الأدلة العقلية، والموازين الكلامية، أو أخذ عن تلامذتهم الذين نشؤوا على ملتهم، ودانوا ببدعتهم، ولم يلتفت إلى ما جاء به الوحيان، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، زعما منه بأنها ظواهر لفظية، ومجازات لغوية، وأن قانون المنطق هو القواطع العقلية، والبراهين الجلية، وأن ما جاءت به الكتب، وأخبرت به الرسل، من صفات الله معدود من متشابه الكلام، مصروف عن حقيقته عند ذوي البصائر والأفهام فنفى لذلك صفات الكمال، وأغرب في سلب نعوت الجلال، وأضاف إلى ذلك تقليد مشايخه في الأحكام والفروع، فلم يأخذ من هدي الرسول العلم المتبوع، فهذا ونحوه من أضل الناس وأبعدهم عن هدي المرسلين، فضلا عن أن يكون من علماء المسلمين. وإن انضم إلى ذلك الضلال عن معرفة توحيد العبادة الذي هو فعل العبد وعمله وكسبه، فاتخذ الآلهة من دون الله

стр. 5637

أربابا، فأحبهم كحب الله، وذل وخضع، واستغاث واستعان، وذبح لغير الله القربان، وحلف تعظيما وتفخيما، ورجاء أن يكون الند له شفيعا وعوينا، فهناك تشتد الرزية وتعظم البلية، ويعلم أن هؤلاء الضرب من الناس بينهم وبين الإسلام أبعد بون، وأن الأمر كما قيل: نزلوا بمكة من قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منْزل والمقام يستدعي أكثر من هذا، ولكن العاقل يسير فينظر؛ والسلف قد أنكروا على من سماهم علماء، فما بالك فيمن سمى نفسه عالما، وتشبع بما لم يعط، نعوذ بالله من الخذلان. هذا وفي رسالتك شيء من الهمز، والتصنع، والمداهنة والغش، والحقد والمشاحنة وعدم التثبت، وأن الأولى الإسرار إليك، وترك ما كتبته، وكذلك في تسميته من خاض في هذا عواما، أهل لغو بالفضول، ما لا يخفى على أرباب العقول. ولو شئت أن أبين لك من الأولى بذلك كله، فأقيم لك البراهين على أنك متصف به لفعلت، وسجلت وحررت وحققت، ولكن سأترك ذلك ليوم تبدو فيه السرائر، ويظهر الله مكنون الضمائر؛ ولو صرحت بما في نفسك من الرد وسجلت، وناضلت لكان أليق بك، فإن من أظهر ما في نفسه حري بالرجوع إلى الحق، بخلاف من كتم وداهن، كما قيل: فلست أرى إلا عدوا محاربا ... أو آخر خير منه عند المحارب وكان قصدي منك أيها الشيخ أن تكتب ما تعتقده،

стр. 5638

وتدع التزكية والعتاب، وتطرح كل شك وارتياب، فإن ذلك أجمع للقلوب، وأقرب للاتفاق؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [رسالة إلى علي بن سليمان ووصوله إلى بلاد فارس] وله أيضا ﵀، وعفا عنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن: علي بن حمد بن سلمان، سلمه الله تعالى، وزينه بزينة الإيمان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل، وما ذكرت صار معلوما ; فأما رغبتك عن البلدة، التي تظهر فيها أعلام الكفر والشركيات، وتهدم قواعد الإسلام والتوحيد، ويرفع فيها إلى غير أحكام القرآن المجيد، فقد أحسنت فيما فعلت، والهجرة ركن من أركان الدين؛ نسأل الله أن يكتب لك أجر المخلصين الصادقين. وأما وصولك إلى بلدة فارس، فالذي رأيتهم ينتسبون إلى متابعة الشيخ محمد، رحمة الله عليه، فهم كما في خطك، لكن فيهم جهال، لا يعرفون ما كان الشيخ عليه وأمثاله، من أئمة الهدى، وفيهم من بدعة المعتزلة والخوارج، ولا معرفة لهم بالعقائد والنحل، واختلاف الناس ; والزمان زمان فترة، يشبه زمن الجاهلية، وإن كانت الكتب موجودة، فهي لا تغني ما لم يساعدهم التوفيق، وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام،

стр. 5639

من عالم رباني، كما قيل: والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني والكتب السماوية بأيدي أهل الكتاب، وقد صار منهم ما صار، وأسباب الجهل والهلاك قد توافرت جدا ; وقد قال بعض الأفاضل، منذ زمان: ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟ إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ وهؤلاء الذين ذكرتهم من أهل فارس، وذكرت عنهم العقائد الخبيثة، ليسوا بعرب يفهمون الأوضاع العربية، والحقائق الشرعية، والحدود الدينية، ولا يرجعون إلى نص من كتاب ولا سنة، وإنما هو تقليد لمن يحسنون به الظن، من غير فهم ولا بصيرة، قال الحسن البصري في أمثالهم من المعتزلة من العجم: إن عجمتهم قصرت بهم عن إدراك المعاني الشرعية، والحقائق الإيمانية. وكذلك لما ناظر عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد، من رؤوس المعتزلة، وجده لا يفرق بين الوعد والوعيد ; فقال: من العجمة أتيت ; وأما عبد الرحمن البهمني، فهو على ما نقلت عنه في غاية الجهالة والضلالة، وله من طريقة غلاة الجهمية نصيب وافر، وله من الاعتزال ومن نحلة الخوارج نصيب. وكلام أهل الإسلام وأئمة العلم، في الجهمية والمعتزلة والخوارج، مشهور ; فأما جهم بن صفوان: فطريقته في

стр. 5640

التعطيل، ونفي العلو والاستواء، والكلام وسائر الصفات، قد أخذها عن الجعد بن درهم؛ والجعد أخذها بالواسطة عن لبيد بن الأعصم اليهودي، الذي صنع السحر لرسول الله ﷺ ؛ وكانوا يخفون مقالتهم. ومن أظهر شيئا من ذلك قتل، كما صنع خالد بن عبد الله القسري أمير واسط بالجعد بن درهم، فإنه ضحى به يوم العيد ; وقال على المنبر: "أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم؛ فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه. والجهم قتل أيضا لما ظهرت مقالته. ثم لما كان في زمن الخليفة المأمون العباسي، ظهرت في الناس تلك المقالات، بواسطة بعض الوزراء والأمراء، وكثر الخوض، فصاح بهم أهل الإسلام من كل ناحية، وبدعوهم وفسقوهم وكفروهم ; وقال ابن المبارك الإمام الجليل من أكابر أهل السنة: "من لم يعرف أن الله فوق عرشه، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر أهل الذمة، لئلا يتأذى به أهل الذمة من اليهود والنصارى". وقال الفضيل بن عياض، ويوسف بن أسباط: "الجهمية ليست من الثلاث والسبعين فرقة، التي افترقت إليها هذه الأمة"، يعني أنهم لا يدخلون في أهل القبلة. وقد صنفت التصانيف،
следующие страницы →