إليه، إلا بعض من اعترض على إمام الدعوة.
وقوله: إنهم هاجروا ليأمنوا لا ليفتتنوا، مجرد تمويه، صدر ممن لم يعرف قدر الشرك، الذي هو أعظم هضم لجناب الربوبية، وإبطال لما دعت إليه الرسل، من توحيد الإلهية؛ فأين الأمان واستقرار الجنان، لمن يشاهد عبادة الأوثان، ومسبة الديان، في كل حال وأوان؟!
ومن استدل بقصة الهجرة على هذا، فتصوره فاسد، وذهنه كاسد، إذ كل من عقل عن الله شرعه، وسبر أحوال الصحابة وما هم عليه، من نصر الدين وزيال المشركين، علم قطعا أن هجرة الحبشة حجة عظيمة في وجوب الهجرة؛ وهو من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وإطلاق لفظ الهجرة عليها كاف في المطلوب على قدر الوسع، وإن لم يتم المقصود كله، كما أن النبي ﷺ في ابتداء دعوته أمر بالإعراض، ثم أمر بالصدع، ثم أمر بالجهاد.
وظهور الدين يطلق ويراد به ظهوره بالقهر والغلبة والجهاد، وهذا قد تأخر، ويطلق ويراد به ظهوره وشهرته، وعدم منع الداخل فيه؛ وهذا قد حصل بأرض الحبشة، وتسمى هجرة وانتقال، كما حكاه النووي في شرح الأربعين له.
وحكاه مجتهد عصره إبراهيم بن حسن الكردي، عن الحافظ بن حجر، أنه قال: وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين:
стр. 5707
الأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة، وانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا، انتهى.
وذكر عن الأسيوطي: أن الهجرة ثمانية أقسام: الهجرة الأولى: إلى الحبشة، عندما آذى الكفار الصحابة، أذن لهم النبي ﷺ فيها إلى أرض الحبشة; وأذن لهم مرة ثانية وهي الثانية الثالثة: من مكة إلى المدينة; الرابعة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى قومهم لينذروهم.
الخامسة: هجرة من أسلم من مكة، ليأتي إلى النبي ﷺ . السادسة: هجرة من كان مقيما بدار الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلد الإسلام؛ هذا لفظ الأسيوطي، في المنتهى، واقتصرنا على المقصود منه، وقد صرح بذلك أصحابنا; وقريب منه لفظ النووي في شرحه لأربعينه.
ولما قرر هذا المقام من سطعت - بحمد الله - للدين أنواره وطلعت ببرهان دعوته شموسه وأقماره، وتضاحكت في
стр. 5708
عرصات المجد كمائمه وأزهاره، اعترضه من اشترى الضلالة بالهدى، وتحول عن السلامة إلى الردى، إن لم يتداركه الله برحمته، فقال: قال محمد ابن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في مواضعه التي كتبها على السيرة: اعلم أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء.
قال المعترض: فظاهر كلامه أن النجاشي كافر، حيث لم يصرح بعداوة قومه، وكذلك جعفر وأصحابه كفار بهذه العبارة، إلى آخر كلامه، الذي لا يصدر ممن شم للعلم النافع رائحة، أو له في واديه غادية ورائحة.
وقد أجابه من أجاد وأفاد، ووفق في كلامه لنهج السداد، شيخنا العلامة: عبد اللطيف - بعد ما ساق شبهته - بما ملخصه: وقد ثبت أن النجاشي صرح بعداوتهم والبراءة من مذهبهم، وراغمهم، زيادة على التصريح بالعداوة; وقال: "وإن نخرتم" لما صرح بعبودية عيسى ﵇، حيث قرأ عليه جعفر صدر سورة مريم، وما فيها من ذكر عيسى; فقال النجاشي: والله ما زاد عيسى على هذا ... إلى آخره.
فأي عداوة؟ وأي تصريح أعظم من هذا؟ ومع ذلك نصر المهاجرين ومكنهم من بلاده; وقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، من سبكم ندم، ومن ظلمكم غرم; فصرح بأنه يعاقب من سب دينهم، وسفه رأيهم فيه، وهذا قدر زائد على التصريح
стр. 5709
بعداوتهم، ولا يقول: إن جعفر أو أصحابه يكتمون دينهم بأرض الحبشة، ولا يصرحون بعداوة الكفار المشركين إلا جاهل.
وهل ترك جعفر وأصحابه بلادهم وأرض قومهم، واختاروا بلاد الحبشة إلا لأجل التصريح بعداوة المشركين، والبراءة منهم جهارا، في المذهب والدين، ولولا ذلك لما احتاجوا للهجرة، واختاروا الغربة، ولكن ذلك في ذات الإله، والمعاداة لأجله؛ وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تقرير، لولا غلبة الجهل، انتهى باختصار.
قال الشيخ الوالد قدس الله روحه - في رد ما اعترضه: - أما قوله: ظاهر هذا أن النجاشي كافر إلى آخره. فجوابه من وجوه، الأول: أنه لا اعتراض على حكم القرآن.
الثاني: أن المهاجرين إلى أرض الحبشة هاجروا، ليأمنوا على دينهم حيث لم يوجد بلد ولا قبيلة يأمنون فيها غير الحبشة؛ قلت: وذلك بأمره ﷺ لما بلغه من حسن جوار النجاشي ما بلغه
قال الوالد، رحمه الله تعالى: ثم هذا في أول الدعوة قبل أن تفرض الفرائض، وتنَزل الآيات في بيان الأحكام، وأعظم الفرائض بعد التوحيد الصلاة، ولم تفرض إذ ذاك إلا بعد العشر، وكذلك أحكام الهجرة والجهاد، إلى أن قال:
الثالث: أن النجاشي وطائفة من قومه أسلموا، فلهم حكم الظهور، وذلك معروف في السير والتفاسير؛ فإذا ظهر
стр. 5710
الإسلام في بلد لم تحرم الإقامة بها، على من صان دينه وأظهره، وكذلك جعفر وأصحابه صانهم الله بما جرى لهم من النجاشي، فإنه قال: من سبكم غرم، فمن تبعهم في تلك البلاد قبلوا منه، وأظهروا دينهم على رغم من كرهه، فالآية لا تناولهم، فأين هذا ممن يواد المشركين، ويظهر لهم المحبة والمعاشرة؟! فهذا الذي لا يبقى معه إيمان، انتهى كلامه ﵀.
ولما ساق ﵀ في رده على صاحب الخرج، قصة النجاشي وما قال لعمرو بن العاص رسول قريش قال: وقد أنزل الله في النجاشي وأصحابه قرآنا، وأثنى عليهم، فلا يجوز أن يحتج على جواز الإقامة مع أهل الباطل وموالاتهم والطمأنينة بهجرة الصحابة، وفرارهم بدينهم، لئلا يفتنهم المشركون عنه.
وكل أحد يفهم من هذه القصة أنها حجة عظيمة على من ترك الهجرة من وجوه، لا تخفى على من له أدنى معرفة وفهم حتى البليد، ولا يقدر مكابر أن يحتج بحجة هي بعينها عليه، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم، وفساد التصور. انتهى كلامه، من خطه ﵀.
فبطلت الشبهة من أصلها لأن الإنسان إذا أظهر الإسلام ببلد، لم تحرم الإقامة بها لمن فعل، كما فعل جعفر وأصحابه، لأنهم
стр. 5711
أظهروا دينهم في بلد من يعتقد مباينة الإسلام لدينه، وهم أقرب مودة من المشركين بنص القرآن؛ أفيجعل حكمهم حكم من لو علم منك المباينة في الاعتقاد، لجعل توحيد الله عين الكفر والخروج؟ وأقل أحواله الحكم عليك بالطرد والخروج؟ فالله المستعان.
وبالجملة: فالبلد إذا كانت بهذه المثابة، والإسلام بها يظهر، وواليها عضد لأهل الإسلام، يوافقهم عليه، ويقرهم، ويقول لجنده ما قال النجاشي، فلا يمنع أحد؛ فإن كان التوحيد هو أصل الأصول، وأوجب الواجبات، يجوز إخفاؤه للمصالح الدنيوية، وتسمى سائر العبادات التي هي فروعه إظهار الدين، فما فائدة العلم؟!
قال ابن القيم ﵀ في قصة هجرة الحبشة، قال السهيلي: وفيه من الفقه: الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين، وإن لم يكن إلى أرض الإسلام؛ فإن الحبشة كانوا نصارى، يعبدون المسيح، ويقولون: هو ابن الله، وسموا بهذه الهجرة مهاجرين.
وهم أصحاب الهجرتين، الذين أثنى الله عليهم، وهم قد خرجوا من بلد الله الحرام، إلى بلد الكفر، لما كان ذلك احتياطا على دينهم، وأن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين؛ وهذا حكم مستمر، متى غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجا أن يكون
стр. 5712
في بلد آخر، أي بلد كان، يبين فيه دينه، ويظهر عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه، حتم على كل مؤمن؛ وهذه الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] . انتهى كلام السهيلي.
فانظر إلى قوله: إذا كان الخروج فرارا بالدين، وقوله: فأثنى الله عليهم لما كان فعلهم احتياطا على دينهم، وقوله: يذكرونه آمنين، أي: يفردونه ظاهرا بين من لا يفرده كالنصارى، بخلاف من يوافق على التهليل كاليهود، فلا يكفي إلا التصريح بالرسالة، كما تقدم.
وقوله: هذا حكم مستمر، متى غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجا أن يكون في بلد، أي بلد كان يبين فيه دينه؟ فما هذا الدين؟ أتظنه من العام الذي أريد به الخصوص؟ كلا! ثم ما هذا الاحتياط يرحمك الله؟ أتظنه في الذهاب إلى بلد المشركين؟ لما أوذيت على الحق في بلد المسلمين؟ ورأيت الباطل قاهرا للحق؟ فما أعظم جناية المجيز لو أخذناه بلازم قوله؟ الله كبر، ماذا يفعل الجهل بأهله، مهلا عن الله مهلا!
وأما ما نقله عن شيخ الإسلام في الأسير، إذا لم يمنعوه عن واجبات دينه، فلا يدل على ما قصدوا بوجه من الوجوه، لأن كلام الشيخ ليس بظاهر في أن الدين هو مجرد العبادة فقط، وليس بظاهر أيضا في أن أهل أوثان لا يرضون منه
стр. 5713
بالتوحيد، فيحتمل أنهم نصارى، يكفي في إظهار الدين عندهم الشهادتان والصلاة.
ثانيا: أنه قد علم من حال شيخ الإسلام بالضرورة، ما يرد هذا الزعم؛ فإن لشيخ الإسلام من تعظيم النصوص، والذب عنها، ونصر الدين باليد واللسان، والحث على قطع المسالمة بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، ما هو معروف من حاله، ومقاله.
وقد نقل عنه شيخنا، العلامة عبد اللطيف: أن آيات الوعيد في موالاة المشركين، دالة على انتفاء الإيمان الواجب، عمن واد من حاد الله ورسوله، وأن معاداتهم وبغضهم والبعد عنهم، من واجبات الدين، فيحمل محتمل كلامه على صريحه; وإذا كان الحنابلة صرحوا بأنه لا يتزوج الأسير في أرض العدو، معللين بأنه ربما صار على دينهم، قالوا: وكذلك التاجر، لأنه لا يأمن أن تأتي امرأته بولد، فينشأ على دينهم؛ قالوا: فتزويجه تعريض لهذا الفساد العظيم.
وهذا كلام المغني مع المتن، قال: مسألة: ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن تغلب عليه الشهوة، فيتزوج مسلمة ويعزل عنها، قال الشارح بعد كلام: وسئل الإمام أحمد عن أسير أسرت معه امرأته، أيطؤها؟ فقال: كيف يطؤها؟ ولعلها تعلق بولد فيكون معهم؛ وإذا كان كذلك بطل ما فهموه من محتمل كلام الشيخ وغيره.
стр. 5714
وإذا كانت محتملات النصوص، وإن صحت ترد إلى صريحها، فكيف بأقوال هي مقابلة - بحمد الله - بأصرح منها من كلام السلف من أن إظهار الدين هو إظهار المعتقد، وإنكار المنكر؟ فتبقى النصوص لا معارض لها بحمد الله.
ولما احتج بعضهم بقول مالك ﵁ فيمن لم يدر: أطلق واحدة أم ثلاثا، إنها ثلاث احتياطا، قال ابن القيم: فنعم، هذا قول مالك ﵁ فكان ماذا حجته هو على الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد ﵃، وعلى كل من خالفه، في هذه المسألة، حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله؟ انتهى; وعلى التنَزل: فهذا جوابنا على كل ما احتج به المخالف.
وأما الاستدلال بقصة العباس، ونعيم بن عبد الله بن النحام، على مجرد الإقامة في بلاد المشركين، فمن الجهل الصرف؛ والقصتان حجة عليه لا له، من وجوه: منها: ما في قصة نعيم، من "أن بني عدي قالوا له، لما أراد أن يهاجر: أقم عندنا، وأنت على دينك، واكفنا ما كنت تكفينا؛ فتخلف عن الهجرة مدة من أجل ذلك، ثم هاجر; وقال للنبي ﷺ : قومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله"، وهذه تركها صاحبك، وهو من الخيانة في النقل; إذ هي ترد شبهته، لأن من المعلوم أن منعه ممن يريد أذاه، لا يكون إلا على المباينة في الدين، وإلا فمن سكت لا يؤذى.
стр. 5715
وفي بعض ألفاظ القصة: أقم عندنا على أي دين شئت، ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"، فهو ظاهر في أنه صرح بدينه، الذي هو مباينة دين قريش، لأنه قد أسلم قديما زمان إسلام عمر، وكان يخفي إسلامه، فلما أراد الهجرة التزموا له أن يمنعوه ممن يؤذيه، فأقام مظهرا لدينه، ومع ذلك فقد تأسف على التثبط عن الهجرة إلى الله ورسوله، لقوله: قومي ثبطوني عن الهجرة، فكان مثبطا عن هذا الواجب؛ لو تم لهذا المجيز الاستدلال به، فلا حجة فيه أيضا.
ثم لو كان مأذونا له من النبي ﷺ على طريق التنَزل، صار من القضايا العينية الخاصة، لأن الإذن لإنسان يدل على المنع، لولا الإذن، عند أهل المعاني، كما أذن للأعرابي، وكما أذن لأسلم بقوله: " ابدوا يا أسلم، وأنتم على هجرتكم " ١.
وللشارع أن يخص من شاء بما شاء، ومثله العباس، فإنه كان مأذونا له؛ فهو مخصوص من المنع، لأن في إقامته مصلحة للمسلمين؛ فلما ذكر ابن حجر حجة المنع قال: ويستثنى من ذلك، من كان في إقامته مصلحة للمسلمين، لأنه روي "أن العباس أسلم قديما، واستمر إسلامه إلى هجرته، يكتب بأخبارهم إلى النبي ﷺ . وكان يحب القدوم إليه، فكان يكتب له أن مقامك في مكة خير".
قال ابن حجر بعده: ولم يثبت ذلك، فإن لم يثبت له من النبي ﷺ إذن، فلا حجة فيه أيضا، لأنه قبل الهجرة جارية
стр. 5716
عليه أحكامهم، وقد تثبط قبل بدر عن الهجرة، وخرج مع المشركين، فأسره المسلمون وافتدى، كما هو مشهور في السير، فيكون مثبطا كما ثبط نعيم ﵄؛ فلا حجة فيه، كما أنه لا حجة في خروجه، في صف المشركين يوم بدر.
والصحيح: أن العباس كان يظهر إسلامه بعد بدر، لأنه ثبت أنه "لما أخبره الحجاج بن علاط، في مقدمه على قريش: أن النبي ﷺ فتح خيبر، وكان الحجاج قد أظهر لقريش خلاف ذلك، لإذن النبي ﷺ فيه; فلما ذهب الحجاج، قام العباس في أنديتهم مصرحا: أن الله قد أعز دينه، ونصر رسوله"، وفي هذا أعظم إغاظة للمشركين؛ فبطل الاحتجاج بالقصتين على كلا التقديرين، وانحلت هذه الشبهة من أصلها.
وأما قوله عن ابن العربي: إن الهجرة فرضت في عهد النبي ﷺ واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، فجوابه من وجوه:
الأول: أنا قدمنا له، أنه حديث عن النبي ﷺ ، فالاستدلال به استدلال بالمفهوم؛ وهو ضعيف إذا خالف النص، كيف وهو محتمل عبارة لا حجة فيها; الثاني: أن عبارة النووي عنه ترد هذا، فإنه قال في شرح الأربعين له: قال ابن العربي: قسم العلماء ﵏ الذهاب في الأرض طلبا وهربا.
فالأول: ينقسم إلى ستة أقسام: الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وهي باقية إلى يوم القيامة؛ والتي
стр. 5717
انقطعت بالفتح، في قوله ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح " ١ هي القصد إلى رسول الله.
الثاني: الخروج من أرض البدع، وذكر قول ابن القاسم عن مالك المتقدم؛ فوازن بين هذا، وبين مجمل عبارة نقلت عنه، لا صراحة فيها.
الثالث: أن خوفه على نفسه مع إظهار الدين، أقرب الاحتمالين، لموافقة قول سلفه.
وأما قوله: قال الخطابي: الحكمة في وجوب الهجرة على من أسلم، ليسلم من أذى الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم، ليرجع عن دينه، فلم أقف عليه من كلام الخطابي، بل هو من قول الحافظ؛ وكلام الخطابي قبله بيسير، وهو في الفتح فراجعه.
ثم هو من تفسير الشيء ببعض أفراده، وقد علل بعضهم: أنها إنما فرضت، لتكثير سواد المسلمين; وبعضهم علل بتعليم شرائع الدين، وبعضهم بخوف الفتنة، وقد قدمنا: أن الحكم الواحد تتعد أسبابه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه: والسلف ﵃ يذكرون في تفسيرهم جنس المراد بالآية، على نوع التمثيل، ليس مرادهم تخصيص نوع دون نوع، انتهى.
وقال الصنعاني، ﵀: والعلة المنصوصة لا تقتضي الحصر قيدا فيها عند الأصوليين؛ وقد تقدم لك مررا، ما يدل
стр. 5718
على أن خوف الفتنة بالدعوة إلى الله وإظهار الدين، إذ لا فتنة تتوقع للساكت حتى في بلاد الروم; أفلا يستحي العاقل من حمل عبارات العلماء على مجرد فهمه، من أن فعل العبادات، غير المعتقد، هو إظهار الدين؟! فالله المستعان.
ولو سلم هذا لانحلت عروة شعبة الهجرة من أصلها، ولما أطلق الماوردي ما هو مسلم في الجملة، من أن من رجا دخول غيره في الإسلام جاز له ذلك، أنكر عليه هذا الإطلاق ونوزع فيه، كما تقدم.
وأما نقله عن الماوردي والحافظ، كلاهما على قول عائشة: (لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام) ، فكلام عائشة صريح في أن العلة التي من أجلها كان المؤمن يفر بدينه زالت بظهور الإسلام، ونحن نقول بموجب ذلك; ومفهوم الحافظ ليس هو مقتضى كلام عائشة، إن كان على ما زعم المجيز مع أنه لمجرد العبارة، وفي النقل تصرف مخل، لا ينبغي لطالب العلم; وأنا أسوق لك العبارة من أصلها، لتعلم أن هذا العلم دين.
قال الحافظ: إشارة عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة ربه، في أي موضع كان اتفق، لم تجب عليه الهجرة; ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار دينه، في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، انتهى كلام الحافظ.
стр. 5719
فأسقط المجيز قوله: ومن ثم، ولعله ذهول، وهي تدل: على أن عبارة الحافظ تنبني على ذلك، وأن الماوردي فهم كما فهم، لأن معنى: ومن ثم، أي: ومن هذه الحيثية، فعلم أنه لاحظ ذلك المعنى الذي قصده الماوردي من جواز الإقامة لمن أظهر دينه، ورجا إسلام غيره، مع أن كلام الحافظ يشعر بتمريض إطلاق الماوردي الأفضلية؛ وقد قدمنا لك الكلام عليه، وأنه لم يسلم للماوردي ما أطلق، فكذلك لا يسلم للحافظ لو قدر أنه يوافقه، مع أن عبارته محتملة غير صريحة؛ إذ العبادة لفظ عام، لا يحمل على ما زعموا إلا بقرينة، على ما قاله علماء البيان، ولا قرينة حينئذ؛ فحمله، وكذلك حمل ما قبله وما بعده، من مطلق عبارات العلماء، على ما يشهد له البرهان من قول الشارع، أولى، لوجوب الرد إليه عند التنازع.
وأما نقله عن الحافظ، وابن قدامة، من أن إظهار الدين أداء الواجبات، فقد تقدم لك ما يدل على أنه لا يتم له الاستدلال به على كل تقدير، لأنهم في عباراتهم غايروا بين الجملتين، فقالوا: لا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه أداء واجباته، وأعادوا الجملة ثانيا، فصار هذا الحكم مركبا من جزئين، ولا يصح بدونهما، فظهر أن إظهار الدين هو إظهار المعتقد.
قال شيخ الإسلام: والأمر المركب من أجزاء، تكون الهيئة الاجتماعية، مبنية على تلك الأجزاء، مركبة منها، لأن
стр. 5720
إعادة الأداة عند أهل المعاني، من باب التأسيس لا من باب التأكيد؛ وأظنه لا يفرق بين النوعين كما أنه لم يعرف الفرق بين العام المطلق المستغرق لأفراده، وبين العمومات المتناولة للشيء، وليس ببدع، إذ الدعاوي قد كثرت، ولو كان ثم خلاف لنبه عليه المتأخرون، لأنهم صرحوا بالمراد، كما تقدم.
وأما نقله عن الحافظ: أنه إذا لم يكن إمام وجب على المسلمين ... إلخ،
فجوابه: أن نصب الإمام حجة ظاهرة في التماس الحوزة، والحوزة لا تكون إلا تنفيذ الأمر والنهي، ومعناه أنهم يجعلون إماما وقاضيا، يقضي بحكم القرآن، فما هذا الإمام؟ وما هذه الحوزة إذا لم تنفذ شيئا؟! فما وجه المأخذ؟ وأين مطابقته للإقامة بين ظهراني المشركين، لمسلم لا يستطيع إظهار ما هو عليه من الدين؟!.
وقوله: وكلام العلماء يطول، مجرد تهويل لا يعبأ به؛ وإذا كان هذا غاية بضاعته فلو شاء لنقل مجلدات. وقد قدمنا لك أول الجواب كلام ابن القيم أنه إذا تواطأ الكتاب والسنة على حكم، فلا يمكن أن يعارض، فلعل الله أن ينفعك به، فإنه أصل يزيل عنك شبهات كثيرة، وليس الشأن في كثرة التسويد; بل الشأن كل الشأن في فهم النصوص، ورد محتملاتها إلى صريحها.
ولما رأى بعض المغاربة كلاما أعجبه، قال: وليس الفقيه من يحفظ عددا كثيرا من العلم، وإنما الفقيه من يعرف مواقع
стр. 5721
الخطاب ومدلولات الألفاظ، ومن ظن ذلك، فقد عرض له ما يعرض لمن ظن: أن الخفاف هو الذي عنده الخفاف الكثيرة، لا الذي يقدر على عملها، فقد يأتيه إنسان بقدم ليس في خفافه ما يوافقها، فيلجأ به إلى صانع الخفاف، فيصنع له قدر ما يوافقه.
وأما احتجاجه بسفر أبي بكر، فمن أعظم الجهل، لأنه قد قام بقلوب أصحاب نبيه ﷺ من الغيرة لله ولدينه وعداوة أعدائه، وإزهاق النفوس في مرضاته، ومفارقة الآباء والإخوان والعشيرة، ما هو معروف، لا يخفى إلا على من أراد لبس الحق بالباطل. هذا سعد ﵁ لما قدم مكة كافح أمية، وتوعده بما أخبر به النبي ﷺ من قتله، وهو نازل عليه، فأغاظه ولم يبال به.
وهذه أخت عمر ﵁ لما قال لها: أريني هذا الكتاب، قالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون، ولم توافقه، وقد أدمى رأسها، ومع ذلك، قالت: كان ذلك - تعني الإسلام - على رغم أنفك; وكذلك أم حبيبة بنت أبي سفيان، طوت فراش النبي ﷺ عن أبيها، فقال: بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ قالت: (بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك، نجس، فلا أحب أن تجلس عليه) ; ومثل هذا كثير من أقوالهم وأفعالهم، ﵁ وأرضاهم.
والمقصود: أن لهم من الغيرة ما هو معلوم، ومصالح سفرهم للدين، والدعوة إليه ظاهرة، وحججهم على أعدائه
стр. 5722
قائمة قاهرة؛ ومن استدل بهذا على ما يصدر من أهل الزمان، فهو المكابر لا محالة، وهو كمن يستدل بجواز القبلة في نهار رمضان، على جواز الوطء فيه.
والحاصل: أن المسلم لا يكون مظهرا لدينه، سواء كان مسافرا أو مقيما، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، وهو الذي يفهم من كلام السلف. أما قول: يا كافر! وقولك: أوجدنا عليه دليلا، ولو من تاريخ، أو غيره، فهذا لفظ لا يقول به أحد، ولا نعلم أحدا قال باشتراطه، لأنه مما لا مصلحة فيه حتى لو الداعي إلى الدين.
فإن الله قال لموسى وهارون، في حق من ادعى الربوبية: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه آية: ٤٤] ، بل يكتفي من ذلك بإظهار التوحيد، وإنكار الشرك والبراءة منهم، والتصريح لهم بذلك؛ والله أعلم. ولا بد من عودة يقتضيها المقام، أعرج فيها على بعض عبارات أئمة هذه الدعوة، أختم بها هذا الجواب، وإن كنت قد ذكرت شيئا منها فيما تقدم، وقد يستلذ المعاد، كما قيل:
ردد كلامك ما أمللت مستمعا ... ومن يمل من الأنفاس ترديدا
وفي أجوبة أولاد الشيخ، لما سئلوا: هل يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفار، وشعائر الشرك ظاهرة، لأجل التجارة أم لا؟
الجواب عن هذه المسألة، هو الجواب عن التي قبلها
стр. 5723
سواء، ولا فرق في ذلك، بين دار الحرب والصلح، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها، لا يجوز السفر إليها.
وقال السائل أيضا: وهل يفرق بين المدة القريبة، مثل شهر أو شهرين، وبين المدة البعيدة؟
الجواب: أنه لا فرق بين المدة القريبة والبعيدة، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها ولا على عدم موالاة المشركين، لا يجوز له المقام فيها، ولا يوما واحدا، إذا كان يقدر على الخروج منها، انتهى.
وفي أجوبة أخرى لهم: ما قولكم في رجل دخل في هذا الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك؛ وأهله يصرحون بعداوة الإسلام، ويقاتلون أهله؛ ويتعذر بأن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم بهذه الأعذار، فهل يكون مسلما هذا؟ أم كافرا؟
الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل; فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم، ومما هم عليه من الدين، ويظهر لهم كفرهم وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرة، أو مال أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره.
ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر ومات بين أظهر المشركين، فنخاف أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: ﴿إِنَّ
стр. 5724
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيتين [سورة النساء آية: ٩٧] ، فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة ولم يهتد سبيلا; ولكن قل من يوجد اليوم من هو كذلك، إلى آخر المسألة؛ وهذا جواب الشيخ حسين، والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، ﵏ وعفا عنهم، وقد فهموا من إطلاق النصوص المنع من المساكنة مطلقا.
ونحن نقول بالرخصة لمن أظهر دينه، بتصريح أو امتياز يرجى به إسلام غيره، كما قدمنا لك عن السلف؛ لكن هذه الرخصة قد قيدت بأمن الفتنة، وأنت خبير بأن أكثر المسافرين في هذا الزمان، لا يعرفون ما حرم الله تعالى، من موالاة أعدائه وأقسامها، وما يكفر به المسلم، وما لا يكفر به وما يحفظ الدين؛ بل هم إلى موالاة المشركين أسرع من السيل إلى منحدره؛ فأين من يعرف أدلته ويظهره عند الخصم إذا ابتلي فيه؟ بل غالبهم - إلا من شاء الله - يفتتن عند أول شبهة تعرض له؛ وهذا كلام أئمة هذه الدعوة، ومن أنكره، فإنما أنكر في الحقيقة عليهم، وإن تعامى عنهم وجعله في معاصريه.
وإذا كان الشيخ وأتباعه إلى يومنا هذا يقولون بموجب هذه النصوص التي قدمناها، ويوالون عليها ويعادون، فالآن يسأل ضرورة: هل هم فيما قرروه، على نهج قويم وصراط مستقيم، أو هم ممن لم يفهم درك المعاني، ولم يعرف أصولها
стр. 5725
والمباني؟ فليكشف عن النقاب، وليبين وجه الخطأ بفصل الخطاب.
وأما المغالطات والتلبيس فلا حاجة لنا به، ولا نقبل لمجرد النقل الذي وضع في غير موضعه، لكن على قانون البحث بأن تكون المعارضة بمساو في الصحة، أو نص في الحكم لا يحتمل إلا مدلولا واحدا؛ وحاشا أن يجد ذلك، لأنا لو ذهبنا مع المحتملات والمجاملات، والقضايا العينية المتعلقة بالأشخاص، أو الأزمان، أو الأحوال، لم يبق في الأرض سنة يعمل بها.
ولا شك أن عقد مناظرة في مثل هذا الأصل الأصيل، ترفع إلى علماء الإسلام، ومن لهم البصيرة والعناية بهذا المقام، وتصير مثله بصاحبها على ممر الأيام، نوع جنون وبرسام؛ فاعرف أخي الحق بدليله، واترك المراء فيه، فإن المراء علامة الحرمان، قال حبر الأمة ﵁: (المراء لا تفهم حكمته، ولا تؤمن غائلته) .
قال ابن القيم ﵀: وحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعارضا بتشديد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد؛ فإن المقصود: هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله ؛ وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطتين. انتهى. وما أقرب كلا الخطتين فيمن تمكن منه الشيطان، وتولاه وطلب
стр. 5726
العلم لغير الله وما كان كذلك، فهذه عقباه.
ولفقيه زمانه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، في رسالته إلى آل سليم، كلام يناسب ذكره هنا; قال: وقد أخبر الله عن اليهود أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: يتأولون كتاب الله على غير ما أراد، قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٥] .
وأخبر عنهم أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥١] ، ولا بد أن يوجد من هذه الأمة، من يتابعهم على ما ذمهم الله به. والإنسان إذا عرف الحق وضده، لم يبال بمخالفة من خالف، كائنا من كان، ولا يكبر في صدره مخالفة عالم، ولا عابد; وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها.
ثم ذكر الشرك، وذكر ما ابتلي به شيخ الإسلام من علماء وقته; قال: وأكثر الناس اليوم - خصوصا طلبة العلم - خفي عليهم الشرك، انتهى من رسالته المشهورة. والفائدة: معرفة أن هذا الإمام له اليد الطولى في معرفة أصول الدين وفروعه، والحمية الإيمانية لله ولرسوله، وصدق الفراسة في التواء غصن الدين وذبوله.
وهذا آخر ما أوردناه زائدا على السؤال، حملني عليه النصح للمسلمين، والشفقة بأهل الدين، لما اشتدت غربة الإسلام،
стр. 5727
وأعرض المنتسب عما يجب عليه من القيام، ومال إلى ما مالت إليه العوام، منشدا ما قاله بعض العلماء الأعلام:
قدمت لله ما قدمت من عمل ... وما عليك بهم ذموك أو شكروا
وأسأل الله العظيم أن يثبتنا على الدين القويم، والصراط المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين.
[تقريظات علماء عصر الشيخ إسحاق]
تقريظات علماء عصره: قال الشيخ حمد بن عبد العزيز:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مبطل كيد الكائدين، ومقيم حجته على الطغاة والمعاندين، الذي وهب ما يشاء لمن يشاء من نصر الحق والدين، وتحقيق ما أخبر به ﷺ حيث يقول: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
هذا وما ضمنه الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن هذه الأوراق وأملاه، هو الحق في هذه المسائل المهمة، التي ظاهر من ألقاها الاسترشاد، وحقيقته المشاقة والمراء والجدال والعناد؛ فأفاد وأجاد في تقرير الحق ونفي ما يضاده، مما تفوه به هؤلاء الحمقى والجهال، الذين حقيقة أمرهم الترويج والتلبيس على العامة والجهال، فلهم حظ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ
стр. 5728
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] .
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
وصح عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ١. فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر الإخوان صراطه المستقيم، وأن يجنبنا وإياهم طريق المغضوب عليهم والضالين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وممن قرظ على هذا الكتاب أيضا: إمام عصره، الشيخ العالم العلامة: عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ العلامة: حسن بن حسين، والشيخ عبد العزيز بن محمد، والشيخ محمد بن محمود، والشيخ إبراهيم بن عبد الملك، والشيخ سعد بن عتيق رحمهم الله تعالى، وعفا عنا وعنهم بمنه وكرمه، إنه قريب مجيب.
وقال أيضا الشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى:
نصول بالله في نحر امرئ دانا ... بالشرك أبدى لدين الله كفرانا
رجس ببغداد أملى من زخارفه ... سفاسطا قد حوت زورا وبهتانا
مخلطا ليس يدري حين أنشدها ... ماذا بمرصدها إذ كان وسنانا
أبدى معارضة الأكفاء من سفه ... ما كان كفوًا لهم فازداد خذلانا
جاءت سهام ذوي الإسلام نافذة ... فهدمت لذوي الإشراك بنيانا
стр. 5729
كم من صريع غدا من وقع أسهمهم ... تحت الحضيض ينادي الويل خسرانا
فالحمد لله جاءتكم كتائبهم ... تشفي العليل وتهدي الحق حيرانا
فيها حتوفكمو يا شيعة ألفت ... دين ابن جرجيس عدوانا وطغيانا
وحكمة الله يا أعمى البصيرة في ... خلق الخليقة تكفي فيه بطلانا
فالحق ما وافق النص الصريح ولن ... يعلوه باطلكم لو صيغ أوزانا
لكن من ضعفت أنوار فطرته ... يبقى على الريب سل مولاك إيقانا
واحذر أولي الزيغ إن الله بينهم ... في صدر سورة ذكرى آل عمرانا
واسأل خؤونا يسمى بالأمين وقد ... عادى الأمين ووالى عنه شيطانا
قل ما تحاول والإسلام قد ثبتت ... أطنابه وقتام الشرك قد بانا
يا رافلا في ثياب الجهل مفتخرا ... وشاربا من كؤوس الغي نشوانا
نصرت والله أعداء الرسول وقد ... عاديت من أسسوا للدين أركانا
فأبرزوا للعدى مزبور زخرفه ... وقرروا أنه قد كان فتانا
لو كان متبعا أقوالهم لرأى ... جعل الوسائط إشراكا وكفرانا
لأنهم قد حكوا إجماع مذهبهم ... في كفر من جعل الأنداد أعوانا
ومنهم من حكى الإجماع قاطبة ... فأين تذهب يا من كان سكرانا
من قال ما يشتهي لا يكذبن على ... أئمة بينوا الأحكام تبيانا
فأخسأ أمين فإن الحق أسهمه ... قد غادرت قبلك المخذول دحلانا
لا بد من عصبة بالحق ظاهرة ... ينفون عن سنة المعصوم ما شانا
غضبت من حجة لله قد ظهرت ... من عصبة ثابتي الأقدام إيمانا
هلا غضبت لشرع الله إذ طمست ... أعلامه في بلاد الله أزمانا
стр. 5730
قد بدلوا واجب التأذين تصدية ... وبدلوا الوحي بالقانون كفرانا
يا أمة خالفوا نص الرسول لقد ... أغويتمو همجا في الناس عميانا
لقبتمو عندهم أهل الرشاد بما ... نفرتموهم به زورا وبهتانا
حذرتموهم وقلتم إنهم نفر ... تنقصوا أولياء الله عدوانا
وأنكروا للكرامات التي جعلت ... فيهم وقد عمموا بالكفر من كانا
صلى إلى قبلة الله التي نصبت ... فكنتمو لهمو في الشر أعوانا
والله ما كفروا يا من قضى شططا ... إلا الذي بصريح الشرك قد دانا
إن كان قد عرف التوحيد ثم أتى ... بضده لو يصلي الخمس إدمانا
وقلتمو يهنكم أن النداء أتى ... إباحة والدعا قد كان كفرانا
حتى غدا كلهم يدعو وليجته ... وهو الندا كان عند القوم ديدانا
هذا لعمري صريح الشرك غايته ... والله إنهما في النهي سيانا
قد جاء في مريم والأنبياء وفي ... ص الذي يكشف التلبيس تبيانا
وفي الحديث أخي ذي النون دعوته ... أن الإله سوى من عم إحسانا
وكنت شددت إنكارا عليه به ... أين الدراية ما أعماك إنسانا
أما الزيارة فالتحقيق أنهمو ... قد أنكروا ما فشا في الناس ذا الآنا
وهي التي القصد منها أن يزور لكي ... يأتي النبي والولي يدعوه لهفانا
يقول يا سيدي اشفع لي وخذ بيدي ... يوم الجزاء وقد يدعون شيطانا
كم قد تمثل والله الخبيث لهم ... في صورة الصالح المقبور أحيانا
فنال مقصوده منهم وطلبته ... حتى امتلت مدن الإسلام أوثانا
стр. 5731
وقد نهى المصطفى عن ذا وبينه ... نهيا تأكد منه اللعن قد كانا
عند السياق وقد والله شدده ... يا ويل من خالف المعصوم عدوانا
ما صح أن الذي يأتيه يسأله ... بل يقصدون صلاة ثم إتيانا
إلى الضريح لتسليم عليه وذا ... فعل الصحابة أزكى الناس إيمانا
في قولك الحق ما أفتى الإمام به ... بئس الإمام إذًا ذاك الذي هانا
والباطل المحض ما أفتى الخبيث به ... عقلا وشرعا وإجماعا وقرآنا
وذاك من وضر الشرك الذي استعرت ... نيرانه فيك يا من صد حرمانا
نصرت خبا لئيما قد خسرت به ... إن لم تتب تصل يوم الحشر نيرانا
والله ما كان ذا علم فتنسبه ... للعلم بل كان في بغداد فتانا
قد كان داعية للشرك مبتدعا ... محرفا قصده إطفاء ما بانا
من دعوة ظهرت في الأرض واشتهرت ... بها اضمحلت رسوم الشرك إعلانا
لما علته سيوف الحق حين جنى ... على الشريعة في صلح به خانا
وعارض البينات الواضحات بما ... يمجه سمع عبد حاز عرفانا
منتك نفسك إقداما لنصرته ... فابرز تجد من ذوي الإسلام شجعانا
مثل الضياغم في غيل الغياظ لها ... صولات صدق تذيق الذعر من دانا
كالعالم الفاضل النحرير قدوتنا ... عبد اللطيف حباه الله رضوانا
والسيدين الألوسيين من هجرا ... في الله من عبد الأنداد إيمانا
في الانتصار وفي ردي أبي حسن ... ما يجعل الراسخ الإيمان جذلانا
فإنهم حين ما بانت زخارفه ... جالوا عليه بوحي الله فرسانا
فأبطلوا كل ما أبداه من شبه ... ظل الجهول به في الأرض حيرانا
стр. 5732
قد قال إني وآبائي حنابلة ... بحور علم وما بغداد لولانا
ما زان داود بغدادا وساكنها ... إن لم يشن ساكني بغداد ما زانا
لما رأوه انتمى في زور باطله ... إلى الحنابلة اختاروه ميزانا
فألزموه الذي كان ادعاه إذًا ... فكان ما يدعي الزنديق بهتانا
هذا الذي قاله عبد اللطيف فإن ... أبدى الذي خالف المنصوص عرفانا
فإنما طاعة الوحيين مذهبنا ... بحمد من أنزل القرآن تبيانا
رجوتمو بالأحاديث التي وضعت ... بوضعها صرح الحفاظ إتقانا
فاسأل أمين فما الشرك الذي تركوا ... إن كان هذا مباحا عندهم زانا
وإن ذا الرد أخطا حين أنكره ... على المبهرج داود بن سلمانا
فإن يقل سبب قلنا نعم سبب ... يهدي إلى النار هاتوا فيه برهانا
بأنه كان في شرع الرسول وعن ... خير القرون فما يهدون سلطانا
وأنه ما نهى عن ذاك سيدنا ... إلا الذي قصد التأثير إتيانا
من جهله أنه ظن الكرامة لا ... تكون في صالح إلا وقد كانا
في المستغاث به من دون خالقه ... هذا الذي نده قد جاء عصيانا
أهلا لأن يرتجى أو يستغاث به ... من دون خالقه سبحان مولانا
إلهنا خالق الأكوان من عدم ... مسدي الفضائل إنعاما وإحسانا
وهذه حجج والله واهية ... ما أنزل الله بالإشراك سلطانا
تبا له من وضيع قبثر فلقد ... والله أصخى عن الإيمان آذانا
لقد تربى رضيع الشرك من صغر ... فأنكر الأخنع التوحيد خذلانا
стр. 5733
إن الصحابة أخفوا قبر من عرفوا ... خوفا على الناس من أمر وقد هانا
على النفوس وزادوا الشر واقترفوا ... من بعد خير الورى في الأرض أديانا
وذاك مصداق ما قال الرسول فلا ... تعجب فما خافه المعصوم قد آنا
عليه منا صلاة الله دائمة ... ما رجَّع الطير عالي الدوح ألحانا
وما همى المزن أو هب النسيم وما ... هدت عصابة أهل الدين أوثانا
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... من أسسوا للهدى في الأرض أركانا
وقال الشيخ العلامة: إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏، ذبا عن الدين المتين أن يضام، وحمية لجناب الإسلام والمسلمين أن يعروه اهتضام، مجيبا لمن لا يطابق اسمه مسماه، المتكلم بالقحة والزور، فيما نماه: أمين بن حنش البغدادي، لا زال ممقوتا فيما تقول، في كل مجمع ونادي.
الحمد لله حمدا أستزيد به ... فضل الإله وأرجو منه رضوانا
وأستعين به في رد خاطئة ... من العراق أتت بغيا وعدوانا
من جاهل عارض الحق المتين بما ... هدى به سفها تيها وطغيانا
فدم ببغداد وغد لا خلاق له ... خب لئيم حليف الشر مذ كانا
قد عاب أهل الهدى من غير ما سبب ... وقام يعمر للإشراك بنيانا
وظل يمدح ما أبداه طاغية ... مؤسسا لصريح الكفر أركانا
بقوله الحق ما أفتى الإمام به ... يعني بذلك داود الذي خانا
والشرك لا شك ما أفتى اللئيم به ... أعني به الفدم داود بن سلمانا
стр. 5734
الجاهل المارق المغبون صفقته ... والمغوي الناقص المملوء طغيانا
من الأراذل ممن ليس يردعهم ... عن حومة الكفر والإشراك من كانا
من الدعاة إلى طرق الضلال وذا ... لا شك فيه لدى من حاز عرفانا
من الطغام وشر الناس قاطبة ... هداهم لسبيل الكفر طغيانا
والسائرين على نهج الردى وعلى ... طرائق الشر إخوانا وأعوانا
قد كان والله لا علم ولا ورع ... بل كان أجهل خلق الله إنسانا
فضل من بقريظ الشعر يمدحه ... مصوبا للذي أبداه طغيانا
كخائن ابن حنيش حين قرر ما ... أبدى من الكفر في صلح به خانا
فليس بالعالم المرضي مقالته ... ولا الأصيل ولا من نال إتقانا
حتى يقرر ما جاء الخبيث به ... من السفاسف إشراكا وكفرانا
إن كان إلا غويا خالعا عفنا ... وزائغا حائدا بل كان ديصانا
يا من تهور فيما قد أتى سفها ... ولم يبال بقول الزور مجانا
بشراك بالخزي يا أشقى الورى فلقد ... أبديت عمري من الكفران ألوانا
وفهت بالزور فيما قلت مجتريا ... فما أمين ولكن كنت خوانا
فيما تقولته يا ذا الخؤون على ... شمس الهدى كذبا بغيا وعدوانا
والشيخ منه برئ لم يقله ولم ... يفه به أبدا بل كان بهتانا
والله ما كان عن جهل عبارته ... لكنه العلم إيضاحا وتبيانا
وقد غدا قاطع الإجماع حجته ... والراجحات من الأقوال برهانا
فما يكفر كل الناس قاطبة ... ولا يجهلهم يا شر من كانا
ولا يكفر أهل القبلة الفضلا ... لا بل يكفر من بالشرك قد دانا
стр. 5735
من كان يصرف للمخلوق دعوته ... وكان يندب للأموات أحيانا
يدعوهمو باعتقاد منه أنهمو ... يفرجون عن المكروب أحزانا
وما تنقص خير المرسلين ولم ... يبح له حرمة ترجى ولا شانا
بل كان يرعى حقوق المصطفى وكذا ... للأمر منه والنهي الذي بانا
يرعى لحرمته يقضي بسنته ... يدعو لأمته بالخير إحسانا
لكنه لا يرى أن تجعلوه له ... شركا مع الله جل الله مولانا
ما ذاك حق له والله حذرنا ... عن ذا يقينا بذكرى آل عمرانا
كذا الشفاعة منه ليس يحرمها ... إلا جهول بمحض الشرك قد دانا
كمثلكم يا ذوي داود إنكمو ... جعلتمو أولياء الله أوثانا
تنسون خالقكم في كل حادثة ... وتذهبون إلى الأموات سرعانا
هذا لديكم شهيرا ليس ينكره ... يا أغلف القلب إلا جاحدا بانا
هذا هو الشرك قد أعليت ذروته ... وسوف تصبح يوم الدين ندمانا
كذا النداء عبادات أما لك من ... وقف على واضح القرآن إمعانا
فيه الدعا والندا لا فرق بينهما ... حقا بهذا كتاب الله أنبانا
في الأنبياء كذا في مريم ذكرا ... وجاء لفظ الدعا في آل عمرانا
في تلو ياسين نادى نوح مرسله ... كذاك في اقتربت منه الدعا كانا
كذاك ذو النون نادى عند شدته ... سماه طه دعاء جاء تبيانا
وآية هي في الكفار قد نزلت ... تأتي يقينا على من جاء كفرانا
من كان يقصر آيات الكتاب على ... أسباب إنزالها قد نال خسرانا
فالاعتبار عموم اللفظ قال بذا ... من شاد للملة السمحاء أركانا
стр. 5736
همو الهداة الأولى نص الرسول على ... تفضيلهم زمنا علما وعرفانا
كذاك متبع طرق الهداة على ... قواعد الشرع إسلاما وإيمانا
فهو المراد بآيات مبشرة ... من الإله أتت عفوا وغفرانا
والمشرك الكافر الزنديق إن له ... عند الإله غداة الحشر نيرانا
وليس ننكر أسبابا مؤثرة ... والله خالقها سبحان مولانا
والاعتماد على الأسباب منقصة ... لأنه من قسيم الشرك قد بانا
فمن يلاحظ للأسباب يفردها ... من دون خالقها قد نال خذلانا
ومن يعطل أسبابا وينكرها ... قد خالف الشرع والمعقول طغيانا
أما الخوارق للعادات فهي إذا ... لا تقتضي الفضل إطلاقا لمن كانا
أكل من أحدث الله الحكيم له ... كرامة منه إنعاما وإحسانا
أهل بأن يرتجى أو يستعان به ... أو يطلب القطر عند الجدب أحيانا
هذا ضلال مبين واضح أبدا ... لا بل هو الشرك بالمعبود عدوانا
كذا الزيارة تحقيق فما شرعت ... إلا لتذكير إخوان لإخوانا
نص الرسول على هذا وبينه ... ونسأل الله للمقبول غفرانا
وفي زيارة خير الخلق قد ذكرت ... آثار أبطلها من حاز عرفانا
وليس فيها صحيح مسندا أبدا ... حتى نسلم للمنصوص إذعانا
لكنما عندنا حقا زيارته ... من غير ما شد رحل للنبي كانا
إلا لمسجده حالا فذا وردت ... به الأحاديث لكن كنت سكرانا
وما سوى ذاك من فعل الذين عصوا ... فليس حقا ولكن كان عصيانا
هذا الذي قاله عبد اللطيف إذًا ... ولم يكن يمنع المشروع بل كانا
стр. 5737
مستمسكا بصحيح النقل متبعا ... خير القرون الأولى دانوا بما دانا
ينفي عن الحق ما أبداه مبتدع ... أضحى بما قاله في الدين جذلانا
يرديه تحت حضيض الأرض يطرحه ... بأسهم الحق إيضاحا وتبيانا
يحمي طريق رسول الله عن شبه ... وعن ضلال بذا التأسيس أتيانا
عن ذاك أفصح مصباح له ولقد ... أعلى بذلك للتوحيد بنيانا
إذا تأمل ذو الإنصاف أسطره ... يقضي له عجبا حفظا وإتقانا
يرى أدلته في ذاك واضحة ... من الصحاح أحاديثا وقرآنا
يهتز منها ذوو الإسلام من طرب ... وتترك المشرك الزنديق حيرانا
لا غرو مما هذى هذا الغبى به ... إن كان غيظا على الإسلام ملآنا
فمفرط الحسد المردي دعاك إلى ... ما قلته كذبا بغيا وطغيانا
لما رأيت سيوف الحق بارقة ... في سوح بغداد أبديت الذي كانا
فالحمد لله لا والله ما أحد ... يرى الذي قلته إلا وقد هانا
هذا وقد قال فيما قال مقتديا ... وأقبح القول ما قد قيل عدوانا
لو كان كفوا له أو من يقارنه ... أو من يقاربه يا ليت لو كانا
لكنت أبرز ما قد كنت أكتمه ... ولا أبالي بمن قد عز أو هانا
فليت شعري أكان الوغد يظهر ما ... أجنه من خبيث القول كتمانا
إذا نعد له والله أجوبة ... مثل الصواعق آيات وقرآنا
من كل أروع شهم القلب فكرته ... تريك فصلا وإيضاحا وتبيانا
حتى نغادره في قعر مظلمة ... يهوي حسيرا كسيرا نال خذلانا
ما ضر أفق السما نبح الكلاب كذا ... ما ضر أهل الهدى من سب أو شانا
стр. 5738
فالحمد لله حمدا لا انقطاع له ... جار على مرّ ما يبقى وما كانا
لا فاز بالأمن عبد مشركا أبدا ... وسوف يجني غداة الحشر خسرانا
ولا غدا بجزيل الأمن مبتهجا ... عن الإله ولا أعطاه رضوانا
هذا جوابك يا هذا موازنة ... فالحر ما دين إنصافا به دانا
ثم الصلاة على المعصوم سيدنا ... أزكى البرية بل أعلاهمو شانا
والآل والصحب ما هب النسيم وما ... مس الحجيج لبيت الله أركانا
[رسالة الشيخ حمد بن عتيق إلى حسين المخضوب جوابا لما ذكره من فقدان الإخوان]
وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن عتيق إلى الأخ المكرم، الشيخ عبد الله بن حسين المخضوب، وفقني الله وإياه للعلم والعمل، بالسنة والكتاب، وأزال عنا وعنه الحجب والارتياب، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من فقد الإخوان، فهو وصمة على الدين والإيمان، ويدل على أن ما أخبر به الصادق قد آن؛ وقد قال ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " ١، وقال ﷺ "لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويوضع الجهل " ٢، في أحاديث كثيرة في هذا المعنى، وقد أخبر به الصادق المصدوق.
وبعد ذلك قد بلغني عنك ما أساءني، وعسى أن يكون كذبا، وهو أنك تنكر على من اشترى من أموال أهل الأحساء
стр. 5739
التي تؤخذ منهم قهرا، فإن كان صدقا، فلا أدري ما الذي عرض لك؟ والذي عندنا: أنه لا ينكر مثل هذا، إلا من يعتقد معتقد أهل الضلال القائلين: إن من قال: لا إله إلا الله، لا يكفر، وأن ما عليه أكثر الخلق من فعل الشرك وتوابعه، والرضى بذلك وعدم إنكاره، لا يخرج من الإسلام.
وبذلك عارضوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في أصل هذه الدعوة؛ ومن له مشاركة فيما قرره المحققون، قد اطلع على أن البلد، إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرمات، وعطلت فيها معالم الدين، تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم.
وقد زاد أهل هذا البلد، في إظهار المسبة له ولدينه، ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه؛ وقد علمت أن هذه كافية وحدها، في إخراج من أتى بها من الإسلام; هذا ونحن نقول: قد يوجد فيها من لا يحكم بكفره في الباطن، من مستضعف ونحوه، وأما في الظاهر فالأمر - ولله الحمد - واضح.
ويكفيك ما فعله النبي ﷺ في مكة، مع أن فيهم مستضعفين، وكذلك ما فعله أصحابه بكثير ممن ارتد عن الإسلام، من استباحة الدم والمال والسبي؛ وكل عاقل وعالم يعلم أن ما أتى به هؤلاء، من الكفر والردة، أقبح وأفحش، وأكثر مما فعله أولئك؛ فارجع البصر في نصوص الكتاب والسنة، وفي
стр. 5740
سيرة الرسول ﷺ وأصحابه، تجدها بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك؛ تحر فيما ذكر العلماء، وارغب إلى الله في هداية القلب، وإزالة الشبهة، وما كنت أظن أن هذا يصدر من مثلك، ولا تغتر بما عليه الجهال، وما يقوله أهل الشبهات.
فإنه قد بلغني أن بعض الناس يقول: إن في الأحساء من هو مظهر دينه، لأنه لا يرد عن المساجد والصلاة، وأن هذا عندهم هو إظهار الدين، وهذه زلة فاحشة، غايتها: أن أهل بغداد وأهل بنبي وأهل مصر، قد أظهر من هو عندهم دينه، فإنهم لا يمنعون من صلى، ولا يردون عن المساجد.
فيا عباد الله أين عقولكم؟ فإن النّزاع بيننا وبين هؤلاء، ليس هو في الصلاة، وإنما هو في تقرير التوحيد والأمر به، وتقبيح الشرك والنهي عنه، والتصريح بذلك، كما قال إمام الدعوة النجدية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأمر الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
الأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. هذا هو إظهار الدين يا عبد الله بن حسين.
تأمل أرشدك الله، مثل قوله في السورة المكية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١-٢] ، إلى آخر السورة، فهل وصل إلى قلبك أن الله أمره أن يخاطبهم بأنهم كافرون، ويخبرهم
стр. 5741
بأنه لا يعبد ما يعبدون، أي: أنه بريء من دينهم، ويخبرهم أنهم لا يعبدون ما يعبد، أي: أنهم بريئون من التوحيد، ولهذا ختمها بقوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون آية: ٦] ، فهذا يتضمن براءته من دينهم وبراءتهم من دينه.
وتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] ؛ فهل سمعت الله أمره أن يقول لهم: إني بريء من دينهم؟ وأنه أمره أن يكون من المؤمنين الذين هم أعداؤهم؟ ونهاه أن يكون من المشركين الذين هم أولياؤهم وحزبهم؟!
وفي القرآن آيات كثيرة مثل ما ذكر الله عن خليله إبراهيم إمام الحنفاء ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الآيتين [سورة الممتحنة آية: ٤] ؛ فأمرنا الله بالتأسي بهم قولا وفعلا. والقصد تنبيهك، خوفا من الوفاة على غير طائل من الدين؛ أعاذنا الله وإياك من مضلات الفتن؛ والله أعلم، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم.
стр. 5742
[ورود رسالة من فارس فيها أربع مسائل والجواب عنها]
وقال بعضهم وقيل: إنه الشيخ محمد بن سلطان، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله عظيم الشأن، دائم الإحسان، الغني القوي السلطان، الأول ولا زمان، الآخر الباقي فليس بعده إنس ولا جان، الذي كتب آيات التوحيد والإيمان، بقلوب أهل التصديق، لما أوقد مصابيح التوفيق، فردا وإجمالا. لا يمثل للعيان، ولا يخيل للجنان، أخرج ذرية آدم بقدرته وحكمته، فقسمهم إلى ذي حظ وحرمان؛ فكم من حقير رفع، وكم من عزيز هان، صفى أسرار قوم، وكدر أسرار آخرين وأشان.
فأهل الكدر يتعارفون، وأهل الصفا يتهادون، ويتداعون كالإخوان، ويحذر بعضهم بعضا مواطن الغفلة والخسران، كما أمرهم بذلك خالق الخلق ومكون الأكوان، فقال في محكم القرآن: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] ، فسبحان من أظهر أسرار البيان، في تعليم تعظيم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن آية: ١-٢-٣-٤] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أحقق بها حقائق الإيمان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه داعيا إلى الله، وأرسله بالدين القويم ليظهره على سائر الأديان، ﷺ وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فورد على بعض إخواننا من فارس "ورقة" فيها
стр. 5743
كلام طويل، كل عاقل يرى الإعراض عنه، لأن أكثره لغو وهذيان، وتخليط أباطيل، يموه صاحبه بباطله على العميان؛ فرد أخونا على هذا المبطل ردا بسيطا، جزاه الله بالإحسان؛ ولكن أحببنا إعانة أخينا، امتثالا لقوله: " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " ١. وإن كنا لسنا من أهل هذا الشأن.
فقال هذا المبطل كلاما، كما قدمنا: أنه لغو وهذيان، ولكن ملخصه، وحاصله أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعطيل صفات ربنا الديان، وذاته تعالى وتقدس عظيم الشأن.
المسألة الثانية: تحليل الشرك وعبادة الأوثان، وجواز صرف الدعاء للأحياء والأموات، من الإنس والجان ; ويستدل هذا الجاهل المغرور، بعمومات كالسراب الذي بقيعة يحسبه ماء الظمآن.
المسألة الثالثة: إثبات الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن.
المسألة الرابعة: استحسان البدع المضلة، والمحدثات التي حذر منها النبي ﷺ في آخر الزمان.
فالجواب، نقول: يا معلم إبراهيم علمني، وإلى طريق الحق فهمني، أوجب الله على عباده اتباع ما أنزل عليهم في كتابه، وما جاءهم به رسوله، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [سورة طه آية: ١٢٣] .
стр. 5744
وذم الله من أعرض عن كتابه وما جاء به رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية [سورة السجدة آية: ٢٢] .
وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [سورة النجم آية: ٢٩-٣٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية [سورة الكهف آية: ٥٧] . والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
فإذا فهمت أن الله أوجب على عباده اتباع كتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وطاعة رسوله الذي بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٢] .
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ٨٠] .
وقال ﷺ " لو كان موسى حيا، ما وسعه إلا اتباعي " ١ الحديث.
فإذا عرفت وجوب ذلك، فأوجب الله أيضا على العباد: أن يردوا ما تنازعوا فيه واختلفوا فيه، إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] .
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، [سورة البقرة آية: ٢١٣] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي
стр. 5745
اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٦٤] .
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٦٥] .
وقال ﷺ لأصحابه: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله " ١ وقال ﷺ " تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ".
فإذا عرفت هذه المقدمة - وهي الأصول الثلاثة - الاتباع، وتحريم الإعراض، ووجوب رد ما تنازعوا فيه، إلى ما أنزل إليهم من ربهم، وما جاء به نبيهم من السنة، وما عليه سلف الأمة.
فالجواب: أن هذه البدعة بدعة الجهمية، ومقالتهم في الصفات، إنما حدثت في أواخر عصر التابعين، ومأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين؛ وأول من حفظت عنه هذه المقالة: الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ هذه المقالة عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت - وما اختلفوا فيه -، وطالوت عن لبيد اليهودي، الذي سحر النبي ﷺ ؛ ومستندهم في ذلك قول الأخطل، كافر نصراني; فإذا عرفت: أن أصل هذه المقالة - التحريف التعطيل - مأخوذة عمن ذكرنا: تلامذة الصابئين، والمشركين، واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدع