بأنه لا يعبد ما يعبدون، أي: أنه بريء من دينهم، ويخبرهم أنهم لا يعبدون ما يعبد، أي: أنهم بريئون من التوحيد، ولهذا ختمها بقوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون آية: ٦] ، فهذا يتضمن براءته من دينهم وبراءتهم من دينه.
وتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] ؛ فهل سمعت الله أمره أن يقول لهم: إني بريء من دينهم؟ وأنه أمره أن يكون من المؤمنين الذين هم أعداؤهم؟ ونهاه أن يكون من المشركين الذين هم أولياؤهم وحزبهم؟!
وفي القرآن آيات كثيرة مثل ما ذكر الله عن خليله إبراهيم إمام الحنفاء ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الآيتين [سورة الممتحنة آية: ٤] ؛ فأمرنا الله بالتأسي بهم قولا وفعلا. والقصد تنبيهك، خوفا من الوفاة على غير طائل من الدين؛ أعاذنا الله وإياك من مضلات الفتن؛ والله أعلم، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم.
стр. 5742
[ورود رسالة من فارس فيها أربع مسائل والجواب عنها]
وقال بعضهم وقيل: إنه الشيخ محمد بن سلطان، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله عظيم الشأن، دائم الإحسان، الغني القوي السلطان، الأول ولا زمان، الآخر الباقي فليس بعده إنس ولا جان، الذي كتب آيات التوحيد والإيمان، بقلوب أهل التصديق، لما أوقد مصابيح التوفيق، فردا وإجمالا. لا يمثل للعيان، ولا يخيل للجنان، أخرج ذرية آدم بقدرته وحكمته، فقسمهم إلى ذي حظ وحرمان؛ فكم من حقير رفع، وكم من عزيز هان، صفى أسرار قوم، وكدر أسرار آخرين وأشان.
فأهل الكدر يتعارفون، وأهل الصفا يتهادون، ويتداعون كالإخوان، ويحذر بعضهم بعضا مواطن الغفلة والخسران، كما أمرهم بذلك خالق الخلق ومكون الأكوان، فقال في محكم القرآن: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] ، فسبحان من أظهر أسرار البيان، في تعليم تعظيم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن آية: ١-٢-٣-٤] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أحقق بها حقائق الإيمان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه داعيا إلى الله، وأرسله بالدين القويم ليظهره على سائر الأديان، ﷺ وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فورد على بعض إخواننا من فارس "ورقة" فيها
стр. 5743
كلام طويل، كل عاقل يرى الإعراض عنه، لأن أكثره لغو وهذيان، وتخليط أباطيل، يموه صاحبه بباطله على العميان؛ فرد أخونا على هذا المبطل ردا بسيطا، جزاه الله بالإحسان؛ ولكن أحببنا إعانة أخينا، امتثالا لقوله: " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " ١. وإن كنا لسنا من أهل هذا الشأن.
فقال هذا المبطل كلاما، كما قدمنا: أنه لغو وهذيان، ولكن ملخصه، وحاصله أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعطيل صفات ربنا الديان، وذاته تعالى وتقدس عظيم الشأن.
المسألة الثانية: تحليل الشرك وعبادة الأوثان، وجواز صرف الدعاء للأحياء والأموات، من الإنس والجان ; ويستدل هذا الجاهل المغرور، بعمومات كالسراب الذي بقيعة يحسبه ماء الظمآن.
المسألة الثالثة: إثبات الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن.
المسألة الرابعة: استحسان البدع المضلة، والمحدثات التي حذر منها النبي ﷺ في آخر الزمان.
فالجواب، نقول: يا معلم إبراهيم علمني، وإلى طريق الحق فهمني، أوجب الله على عباده اتباع ما أنزل عليهم في كتابه، وما جاءهم به رسوله، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [سورة طه آية: ١٢٣] .
стр. 5744
وذم الله من أعرض عن كتابه وما جاء به رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية [سورة السجدة آية: ٢٢] .
وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [سورة النجم آية: ٢٩-٣٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية [سورة الكهف آية: ٥٧] . والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
فإذا فهمت أن الله أوجب على عباده اتباع كتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وطاعة رسوله الذي بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة المائدة آية: ٩٢] .
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ٨٠] .
وقال ﷺ " لو كان موسى حيا، ما وسعه إلا اتباعي " ١ الحديث.
فإذا عرفت وجوب ذلك، فأوجب الله أيضا على العباد: أن يردوا ما تنازعوا فيه واختلفوا فيه، إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] .
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، [سورة البقرة آية: ٢١٣] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي
стр. 5745
اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٦٤] .
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٦٥] .
وقال ﷺ لأصحابه: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله " ١ وقال ﷺ " تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ".
فإذا عرفت هذه المقدمة - وهي الأصول الثلاثة - الاتباع، وتحريم الإعراض، ووجوب رد ما تنازعوا فيه، إلى ما أنزل إليهم من ربهم، وما جاء به نبيهم من السنة، وما عليه سلف الأمة.
فالجواب: أن هذه البدعة بدعة الجهمية، ومقالتهم في الصفات، إنما حدثت في أواخر عصر التابعين، ومأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين؛ وأول من حفظت عنه هذه المقالة: الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ هذه المقالة عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت - وما اختلفوا فيه -، وطالوت عن لبيد اليهودي، الذي سحر النبي ﷺ ؛ ومستندهم في ذلك قول الأخطل، كافر نصراني; فإذا عرفت: أن أصل هذه المقالة - التحريف التعطيل - مأخوذة عمن ذكرنا: تلامذة الصابئين، والمشركين، واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدع
стр. 5746
سبيل الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!
فإذا عرفت أن مضمون مقالتهم هذه، واتباعهم سبيل الجهمية والمعتزلة، مضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم، والإخبار بصفات الله الذي أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وإلى طريقة السلف؛ بل يردون عند التنازع إلى طريقة طواغيت الفلاسفة، والمجوس واليهود.
وقد أنكر الله على من أراد أن يتحاكم إليهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠-٦١-٦٢] ؛ فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله في الكتاب، وإلى الرسول بعد وفاته، وهو الدعاء إلى سنته، أعرضوا عن ذلك، وقالوا: إنما قصدنا وما أردنا بذلك إلا إحسانا علما وعملا؛ ثم ضربوا للكتب الإلهية أنواع التحريف والتبديل، وأصناف المجاز والتأويل، ولا أبقوا العقول على ما فطرها الله عليه، مضاهاة للكثير من اليهود والصابئين، بدليل قوله ﷺ : " لتركبن سنن
стр. 5747
من كان قبلكم " ١ الحديث.
ولكن قام برد هذه البدع أصحاب الكتاب، والآثار المأخوذة عن سيد المرسلين، وهم أهل القرآن والحديث، الباحثون في كل باب في العلم، من الصحابة والتابعين، من السابقين الأولين، الذين أخبر بهم النبي ﷺ حيث يقول: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". وكانوا هم أئمة الإسلام، الذين هم قدوة المؤمنين، بحيث كان أرباب هذه البدع في أيامهم أصاغر مغموصين.
واعلم: أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين، لنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدا ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين، والأئمة الأربعة عليهم رضوان الله أجمعين، وأن ما أصف: فرع هؤلاء.
وإذا كان ذلك كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو، إما نص شاهر، أو لفظ ظاهر: أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء، وأنه استوى على العرش.
مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] .
ومثل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
стр. 5748
[سورة فاطر آية: ١٠] .
وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [سورة الملك آية: ١٦-١٧] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [سورة السجدة آية: ٥] .
وقوله في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٥٠] ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، في ستة مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [سورة غافر آية: ٣٦-٣٧] ، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] ، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] ، ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة فصلت آية: ٢] ، مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة.
مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله، وصعودها إليه، وقوله ﵇ في الملائكة الذين " يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم " ١. وفي الصحيحين في حديث الخوارج: " ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر
стр. 5749
السماء صباحا ومساء " ١.
وفي حديث الرقية، الذي رواه أبو داود وغيره، وفي حديث الأوعال: " والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه " ٢ كما رواه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وفي حديث الجارية، وقوله في الحديث الصحيح: " إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضب ي" ٣، وقوله في حديث قبض الروح التي يعرج بها إلى السماء.
وكذلك في حديث أبي موسى الأشعري، الذي في صحيح مسلم، وأمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو أبلغ; تواترت اللفظية والمعنوية، التي تورث علما يقينا من أنفع العلوم الضرورية، عن الرسول ﷺ المبلغ عن الله بإثبات صفات الذي أرسله، من العلو والكلام إلى غير ذلك، كما فطر الله على ذلك جميع الخلق، عربهم وعجمهم، إلا من اجتالته الشياطين، ثم في ذلك عن السلف من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين ألوفا.
وهذا وأمثاله كما قدمنا، يعلم البصير العاقل: أنهم مستحقون ما قاله الشافعي، ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام، أن يُضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام، إلى غير ذلك من ذم أهل الكلام، وأنهم مبتدعة، كما قُتل الجعد، والجهم بن صفوان، وغيرهما.
стр. 5750
وأما مذهب السلف في ذلك، واعتقادهم: فيثبتون للرب ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من الصفات العلى، والأسماء الحسنى، كما قال بعضهم يروي ذلك عن مالك، ﵀، وعليه السلف، كما قال ربيعة وابن عيينة، وغيرهما من أهل العلم بالقبول، لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب.
وروي عن بعضهم مثل ذلك، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [سورة طه آية: ١١٠] ، فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إلها أحدا صمدا ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٣-٤] .
وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٨٠-١٨١-١٨٢] ، في تبليغهم ما أرسلوا به، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٥] .
وأما قولك: "في" تقع ظرفية، فهي تقع ظرفية، وتقع بمعنى الاستعلاء، كما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [سورة التوبة آية: ٢] . وقال، إخبارا عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه آية: ٧١] ، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١] ، أي على الأرض; وهذا مفهوم معهود في خطاب القرآن، فقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ، بمعنى الاستعلاء، أي: من على السماء.
ولكن قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ، مرض
стр. 5751
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٧] .
وفي الحديث عن عائشة ﵂، عنه ﵇: " إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه ويتركون المحكم، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم " ١.
فصل
وأما المسألة الثانية، وهو قوله: إنكم تنكرون الاعتقاد في الأولياء ودعاءهم عند المهمات والاستشفاع بهم.
فالجواب: أن هذا هو الشرك الأكبر المحرم، الذي لا يغفره الله، وحرم الجنة على فاعله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وهذا هو شرك المشركين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
وقوله: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
وهذا أيضا هو اعتقاد قوم نوح، كما قيل عنهم: ما عظم أولنا هؤلاء، إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله; فعبدوهم بذلك. وهذا الاعتقاد هو شرك الأولين أيضا؛ فبعث الله الرسل تدعوهم إلى التوحيد، وتخبرهم أن هذا هو الشرك الأكبر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] .
стр. 5752
وكما ذكر الله في دعوتهم قومهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] .
فإذا عرفت فرضية التوحيد والأمر به، فاعرف أن الله حرم الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥١] .
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] .
وقال تعالى إخبارا عن عظم الشرك، وبطلان عمل صاحبه، لما ذكر الأنبياء قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] .
وقال في نبيه محمد ﷺ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥-٦٦] .
وأخبر جل وعلا أنه لا يغفره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وأخبر أنه حرم الجنة على فاعله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وأخبر أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين، فقال تعالى في حق نبيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، [سورة التوبة آية: ١١٣] .
فإذا كان هذا عظم الذنب العظيم، وعظم جرم فاعله، فكيف يليق بمن له أدنى عقل وفقه يبيحه للناس، ويدعو إليه؟!
стр. 5753
ولكن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه.
فإن قال هذا الجاهل: الاعتقاد في الأولياء ودعاؤهم، والاستشفاع والتوسل بهم، ليس بشرك.
فيقال: أوجب الله علينا أن نرد ما اختلفنا فيه، وما وقع فيه النّزاع، إلى كتابه وسنة رسوله، كما قدمنا، فإنه قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] .
وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة النحل آية: ٦٤] .
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] .
فنقول: ورد في القرآن العزيز، نفي ما أثبت اتخاذه مع الله، كذلك ورد نفي الشفيع والولي من دون الله، واتخاذ الأنداد معه أيضا، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] .
وخاطب الله من زعم ذلك واعتقده بالكفر، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٢] ، إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٦] ، كذلك قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] .
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ
стр. 5754
أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [سورة الزمر آية: ٨] .
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ لما سئل: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١.
وأما الكلام على الدعاء، فالدعاء من أجل الطاعات وأعظم العبادات، وصرفه لغير الله من أعظم المنكرات، وقد بين الله في كتابه العزيز، خصوصا، فيه: الآيات المحكمات; ولم يكثر الله في نوع من أنواع العبادة في كتابه أعظم من الدعاء، كالسجود لغير الله، فذكر الذبح في موضعين، وذكر أنواع العبادة كذلك; وأما الدعاء فذكره في نحو ثلاثمائة موضع على أنواع.
تارة يذكره على صيغة الأمر به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، سماه الله عبادة، فلأجل ذلك قرن الأمر به الأمر بالإخلاص أيضا، كما قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٥] .
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] ؛ فأمر، وأكد بأن يكونوا في دعائه مخلصين، كذلك قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، فأخبر أن لا يكره دعاءه، والإخلاص له في عبادته، إلا من كان صفته الكفر.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥-٦٦] ، فدلت هذه الآية الكريمة
стр. 5755
على فوائد:
منها: أن الدعاء هو أصل التوحيد، والشرك والعبادة، حيث ذكر لما دعوه مخلصين له العبادة في ذلك.
الفائدة الثانية: أنه الشرك إذا صرف لغير الله; الفائدة الثالثة: أنه كفرهم على ذلك حيث قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٥٥] .
النوع الثاني: ذكره بصيغة النهي، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ؛ وذكر ذلك باسم النكرة: قوله ﴿أَحَداً﴾ نافية، لا نبي ولا ولي ولا ملك; وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
وتارة يقع مع النهي الوعيد، قال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] . فإذا كان إمام الحنفاء وأعظمهم توحيدا لله - وهو معصوم - لو يدعو من دون الله أحدا لكان من الظالمين، ومن المعذبين.
وتارة يقع الإخبار بأن المدعو إله، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [سورة القصص آية: ٨٨] .
وقال تعالى إخبارا عن أهل الكهف: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٤] .
وفي حديث أبي واقد الليثي ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] إلى غير ذلك.
النوع الثالث: يقع في الخطاب، بمعنى الإنكار على الداعي،
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] .
النوع السادس: - وهو المقصود بالجواب - أن الدعاء هو العبادة، وأن صرفه لغير الله شرك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥-٦] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] سمى الله ذلك شركا.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأحقاف آية: ٤] .
ومما يؤيد ذلك: أن من دعا غير الله فهو عابد له بمجرد الدعاء، كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة مريم آية: ٤٨-٤٩] ، والآيات في ذلك أكثر من أن تحصر.
وكذلك الأحاديث عنه ﷺ مثل قوله: " الدعاء مخ العبادة " ١، ومخ الشيء خالصه أي خالصها، وقال ﷺ في الحديث
стр. 5758
الآخر: " الدعاء هو العبادة " ١ أي معظم العبادة ليس نفيا لغيره من أنواعها، كقوله ﷺ : " الحج عرفة " ٢ أي: معظم الحج عرفة.
فتبين بهذين الحديثين: أن من دعا الله، فقد صرف معظم العبادة، ومخها وخالصها لله، ومن دعا غير الله، فقد صرف معظم العبادة، ومخها وخالصها لغير الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا، أو وليا، شاء أم أبى; ومما يؤيد ذلك: أن الدعاء معظم كل عبادة، كما في الصلاة، وكما في الحج، وكذلك سائر الأركان، كالصيام، والقيام، وسائر العبادات.
ثم هو الدعاء أيضا، فمعظم العبادة وأنواعها تبعا له، كالتذلل; لأن العبادة في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد أي مذلل، وهو كمال الخضوع، مع المحبة والرجاء، والخوف والرغبة والرهبة، فهذه الأنواع معظم العبادة، وهي تبع له.
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية [سورة السجدة آية: ١٦] .
وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] .
وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٥] إلى قوله: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٦] .
فإذا فهمت: أنه معظم العبادة ومخها، فنهى الله عباده أن يشركوا به في عبادته أحدا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية
стр. 5759
: ١١٠] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] ، ورد نكرة في سياق النفي، فقوله: ﴿أَحَداً﴾ يتضمن نفي كل أحد، لا نبي ولا ولي ولا غيرهما; وإنما ذكرنا على الدعاء إشارة، لإكثار الله في كتابه وسنة رسوله، ذلك خشية الإطالة، والله المستعان.
فإذا عرفت ما تقدم على المسألتين من الجواب، على سبيل الإيجاز والاختصار، فعليك أيضا بمعرفة آية من كتاب الله، وما بعدها من الآيات، وما فيها من الدلالة على الأصول - كما قدمنا - وهي: قوله تعالى، لما أخبر عن الكفار ومقالتهم حين اعترفوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [سورة غافر آية: ١١] ، فأخبر سبحانه بعد ذلك رادا عليهم، ومخبرا لهم: أن أعظم ما اقترفوه، وأكبر ما ارتكبوه، قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [سورة غافر آية: ١٢] .
فدلت الآية الكريمة على أصول:
الأصل الأول: على أن معظم عبادة الله وحده لا شريك له، الدعاء، لقوله تعالى: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ [سورة غافر آية: ١٢] ، وكذلك ذكر الشرك بعده، وأنهم مؤمنون بالشرك به، ولم يذكر الله ذلك إلا في سياق الدعاء، وأن هذا هو أعظم ذنوبهم، وهذا هو عين مجادلة هذا الجاهل، ومذهبه وأتباعه، أعاذنا الله من الإيمان بالباطل.
الأصل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ [سورة غافر آية: ١٢] أي: الحكم
стр. 5760
القدري، والكوني، والشرعي له، أي: لا يحكم، ولا يشرع، ولا يقضي إلا هو.
﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة غافر آية: ١٢] ,
وهذا الأصل الثالث: إثبات الصفات، لأنه أثبت له جل وعلا العلو، وأنه الكبير؛ وهذا كثير في القرآن يجمع بين هذين الوصفين، كما قال تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [سورة الرعد آية: ٩] .
وتارة يجمع بين العلي والعظيم، كما في آية الكرسي; فيا سبحان الله! ماذا حُرمه المعرضون؟ فكيف وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] . فلما أثبت له جل وعلا هذين الوصفين العظيمين، قال في غير هذا الموضع مخبرا: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [سورة الحديد آية: ٩] .
وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [سورة غافر آية: ١٣] ، فأرشد سبحانه: أن العلي الكبير، الذي له الحكم أنزل على عبده محمد ﷺ آيات بينات.
وهذا الأصل الرابع على أن القرآن مُنَزَّلٌ من عند الله، منه بدأ وإليه يعود، وأنه آيات بينات، وهذا كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ١-٢] .
وهذا الأصل الخامس، وهو أن القرآن أنزل محكما مفصلا من لدن حكيم خبير، وأن زبدة ما جاء فيه: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ؛ وهو أيضا دال على إثبات أصول الإيمان، بسياق هذه
стр. 5761
الآيات، الإيمان بالله، والإيمان بالكتاب، والإيمان بالرسول لقوله: ﴿يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٩] ، ثم أخبر أنه لا يتذكر إلا من ينيب.
الأصل السادس: بعد ما ذم الله الكفار المشركين على شركهم، وإنكارهم توحيده ودعاءه بالإخلاص، قال آمرا لعباده المؤمنين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، وذلك بعد ذكره أنه أنزل كتابه، وأرسل رسوله، فبدأ بهذا الأصل العظيم، كقوله فيما تقدم: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، فأمر بدعائه، وأمر أن يكونوا فيه مخلصين.
ثم أخبر عن هذه الصفة العظيمة، أنه ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [سورة غافر آية: ١٥] .
وهذا الأصل السابع، وهذا كقوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٣-٤] . وإنما ذكرت إشارات، على ما تضمنته الآيات المحكمات.
ثم ذكر اليوم الآخر، وما يقع فيه إلى قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] ؛ فهو موصوف أيضا بهاتين الصفتين العظيمتين: الوحدانية والقهر، في ذلك اليوم وغيره، فهو واحد لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وواحد في ذاته وصفاته، لا مثل له ولا كفو له، ولا شبيه له ولا نظير له، تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا؛ وهاتان الصفتان يجمع بينهما في مواضع من كتابه; وتارة يقرن بين القهر والفوقية، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
стр. 5762
الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] .
والإيمان باليوم الآخر هو من أصول الإيمان أيضا؛ ثم ذكر أهوال يوم القيامة، وما ينفع فيه، ثم أخبر أن الظالمين في ذلك اليوم ما لهم من حميم ولا شفيع يطاع، وهذا الأصل الثامن: نفي الشفاعة الشركية; ثم أخبر عن عدله، وأنه يقضي بالحق، وأن الذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء، وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٩٧] ، تعم من سواه، ثم ذكر صفاته أنه ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الإسراء آية: ١] .
ولما سئل بعض العلماء عن الصفات، قال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
فصل
وأما الجواب على المسألة الثالثة، وهي قوله في الشفاعة الشركية، وما استدل به عليها من العموم، فنقول: انقسم الناس فيها ثلاث طوائف، فنفاها المعتزلة والخوارج، وأثبتوا نصوص الوعيد في أهل الكبائر من المسلمين، ونفوا رحمة أرحم الراحمين، وشفاعة الشافعين، وأثبتوا خلود الموحدين في العذاب من المذنبين.
وغلا فيها طائفة، وجعلوها هي القصد الأعظم، وتطلب
стр. 5763
من المخلوقين، حتى عند الحاجات، ودفع المهمات؛ يطلبها الطالب في كل وقت وحين، حتى سلكوا في ذلك مذهب المشركين، من الأولين والآخرين.
وتوسطت فيها طائفة، فسلكوا فيها سبيل السابقين الأولين، فأثبتوا ما أثبته الكتاب من البيان في ذلك والتبيين، وسنة سيد المرسلين، ونفوا ما نفياه؛ فكانوا بذلك من الموحدين، وكانوا وسطا بين الغالين والجافين.
فالشفاعة المثبتة، لا بد فيها من شرطين، كما بين الله ذلك في الكتاب المبين، وكما سنبينه إن شاء الله تعالى.
قال الله تعالى رادا على المشركين: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٤٤] .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٨] ، في الموضعين.
وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وهذا يحمل على الشفاعة الشركية، كما أنكر الله عليهم ذلك حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] كما قدمنا.
وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن، وأثبتتها السنة، فنثبتها، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية:
стр. 5764
٢٥٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] .
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] .
فتبين: أن الشفاعة المثبتة، لا بد فيها من شرطين: الإذن من الله للشافع، والرضى عن المشفوع فيه، كما بين ذلك، وكما دلت عليه السنة; وفي الحديث عنه ﷺ " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ﷺ ؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من ق لبه" ١، والخالص ضد المشوب، وهو التوحيد الخالص، العاري من الشرك والبدع.
والشفاعة من خصائص نبينا محمد ﷺ كما في حديث الشفاعة الطويل: " ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع " ٢ الحديث، فدل على الإذن من الله له بذلك; وفي بعض ألفاظ الحديث الواردة: " هي لمن مات لا يشرك بالله شيئا " ٣؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [سورة طه آية: ١٠٩] .
وأما الشفاعة الشركية، فنفاها القرآن كما قدمنا؛ ويعضد له أيضا قوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٨٦] .
والخصومة بين الرسل وأممهم فيها، كما جرى للنبي ﷺ
стр. 5765
مع قومه، حين تلا سورة النجم، وألقى الشيطان عليه في تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى; فلما بلغ السجدة سجد ﷺ ، وسجد المشركون معه كما ذكره المفسرون وأهل السير، حتى إن شيخا رفع كفا من حصى فسجد عليه، حتى إنه أظهر أن محمدا وافقه قومه قريش.
وبلغ الخبر الحبشة والمهاجرين، فذكر ذلك للنبي ﷺ فحزن، وخاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [سورة الحج آية: ٥٢] إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٥٣] .
فالشفاعة المثبتة: أن تطلبها ممن حقيقتها هي له، كقولك: اللهم شفع فِيّ نبيك، ومن شئت من خلقك. اللهم ارزقني شفاعة نبيك يوم القيامة، وأمثال ذلك.
وأما طلب الشفاعة من المخلوقين، وصرف ياء النداء المعهودة في الخطاب تطلبه الشفاعة، أو تستغيث به، فقد صرفت الدعاء للمدعو الذي هو نفس العبادة ومخها، وخالصها، كما قدمنا أنه معظم العبادة، وأنواع العبادة تبع له.
قال تعالى عن زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٣] إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٤] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٧٥] .
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٣] .
стр. 5766
وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ؛ سمى النداء دعاء، والدعاء نداء، كما تقدم، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . وقد تقدم في بيان ذلك ما فيه كفاية عن إعادته هنا، ولكن ما يتذكر إلا من ينيب.
ومن عرف ما ابتلي به كثير من المشركين والمبتدعين، من الزخارف، والتزيين، في تحسين دين المشركين، وتعطيل صفات رب العالمين، معنى ولفظا، وإبراما ونقضا، عرف ضروريته إلى الدعاء المروي عن سيد المرسلين، فيما روت عنه عائشة ﵂: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل " ١ إلى قوله: "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ٢.
وفي دعاء الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦] .
فرع:
قال تعالى منكرا على من عدل عن الكتاب والسنة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: ٥١] .
وقال ذاما لمن اتبع الظن، الذي يسمونه المعقول اليوم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٣] .
стр. 5767
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١٥٣] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] .
وأمره الله تعالى، أن يقول: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] ، "ومَنْ" تفيد العموم إلى يوم القيامة.
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] .
وما أحسن ما أخبر الله به عن الجن إذ سمعوه، قال مخبرا عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن آية: ١-٢] ، فعرفوا أن الهدى إلى الرشد فيه؛ ثم ذكروا أنه أفادهم أصلين عظيمين: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ [سورة الجن آية: ٢] ، استلزم ذلك الإيمان بجميع ما فيه.
الأصل الثاني: قولهم: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢] ، لا نبيا مرسلا ولا ملكا مقربا.
فأين هذا ممن هدم هذه الأصول الثلاثة، الذين مدح الله المتصفين بهم، عند مجرد سماعهم كلامه، بخلاف من قدمنا مقالته - والعياذ بالله -.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٤] .
وأما الكلام على حياة الرسول ﷺ ، فاعتقادنا في ذلك
стр. 5768
اعتقاد سلف الأمة ومتقدميها، وهم الأسوة وسط، أخذوا ذلك من الكتاب، ومشكاة النبوة؛ وهو أنه ﷺ قبض ودفن، وزالت عنه الحياة الدنيوية، كما قال أبو بكر ﵁ حين قبله – (ما أطيبك حيا وميتا ... ) إلخ.
وأما حياة البرزخ، فهو حي الحياة البرزخية، وكذلك الشهداء أيضا أحياء، كما نص على ذلك الكتاب والسنة; ولحوم الأنبياء لا تأكلها الأرض; ويبلغه التسليم ممن سلم عليه.
فلو كان حيا حياة دنيوية، فما يقال في وقعة الحرة، وما جرى فيها من القتل والسبي، أفلا نهاهم؟ ولا جاء أحد من أصحابه يرفع الأمر إليه، لعلمهم بذلك، كما صرح به القرآن ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ، وله من الحرمة كما له في حياته، والآثار والأخبار يطول تتبعها في ذلك، وإنما ذكرنا إشارة.
وأما الاستغاثة به فنهى عنها ﷺ في حياته، قال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله " الحديث; وكذلك إنكاره تعالى على الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، وذكر مقالتهم إلى قوله: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٩] ، ولم يقل ورسوله، أفردوا الرغبة له تعالى; وأنكر ﷺ على من قال: " ما شاء الله وشئت; قال: أجعلتني لله ندا؟ "١ الحديث، فنعوذ بالله أن نكون كالنصارى، حيث لم يقبلوا ما قال لهم نبيهم فيه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي
стр. 5769
بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] .
وأما نسبته آدم والأنبياء من بعده إلى الشرك، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! ولم يسبقه إلى ذلك يهودي ولا نصراني، فضلا عن المنتسبين، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٩] .
فصل
وأما الجواب عن المسألة الرابعة - أعني البدع - واستدلاله عليها، فنقول: أكمل الله الدين وأتم النعمة على عباده، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٣] . ونزلت بعد حجة لوداع، بعدما أكملت الفرائض وتم الدين، كما صرح بذلك أهل التفسير.
وقال ﷺ لأصحابه: " اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم " ١ الحديث ٢.
وقال ﷺ : في حديث عائشة ﵂، الذي ذكره العلماء، أنه ثلث الدين: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٣، وفي لفظ "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٤. وهذا أمر منه ﷺ في هذا الحديث الصحيح الصريح: أن كل عمل من أعمال البر، ووجوه القرب، كالصلاة والدعاء، والقراءة، إذا لم يكن مأمورا به وبوقته وفعله، فهو رد.
стр. 5770
وكذلك في حديث العرباض بن سارية، قال فيه ﷺ : " فإنه مَنْ يعشْ منكم فسيرى اختلافا كثيرا " ١، ثم أمر وأوصى عند الاختلاف: " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ٢، ثم أكد الأمر باللزوم: " عضوا عليها بالنواجذ"، ثم نهى عن المحدثات في الدين، فقال: "وإياكم ومحدثات الأمور! " ثم أخبر "أن كل محدثة بدعة "، ثم أخبر عن الأمر المشكل، استحسان البدع، فقال: "وكل بدعة ضلالة " الحديث.
وقال في صفة الفرقة الناجية من الفرق: " ما كنت عليه اليوم وأصحابي " ٣. ولما رأى ابن مسعود من يفعل ما لم يكن على عهدهم، قال: "لقد جئتم بدعة ظلماء، أو قد سبقتم أصحاب محمد فضلا؟ " فكل ما أشكل عليك، اعرضه على طريقة محمد ﷺ وأصحابه، فإن خالفهم فاطرحه كائنا من كان، لقوله ﷺ : " من رغب عن سنتي فليس مني " ٤.
والإخلاص والمتابعة شرطان في العمل، كما ذكر عن العلماء؛ وكانوا ينهون عن الحدث في الدين، كما ذكر عن حذيفة، وأُبَي، والفضيل بن عياض، والحسن البصري وغيرهم، وكما قال ابن عباس ﵄؛ وتتبع ذلك يطول; وأما فعل معاذ فهي قضية عين، كما ذكر ذلك الفقهاء، ﵏.
وأما استدلال بعض الجهال بذلك على أنه يزيد في العبادة فرضا سادسا، فهذا ما قال به أحد؛ بل نهى عنه العلماء، وأن من اعتقد ذلك يستتاب؛ فكيف يلزم العباد ما لم يلزمهم الله ورسوله؟
стр. 5771
وأما كلام آخر، مثل مدحه شيخه وهذيان قاله، فقد مدح الله المعرضين عن مثل ذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣] .
وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة القصص آية: ٥٥] .
آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
[رسالة الشيخ سليمان بن سمحان في الرد على بشرف نزيل البحرين]
قال الشيخ: سليمان بن سمحان، ﵀:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرض; وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنه بلغني أن الرجل المسمى: بشرف - نزيل البحرين - لما سمع بما كتبته من الرد على بابصيل المكي، فيما افتراه هو وشيخه أحمد بن زيني دحلان، على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، من الأكاذيب المخترعة الخاسرة، والتزويرات المبتدعة الجائرة، ومن الله بالرد عليهما فيما افترياه، ولفقاه من الشبهات، وإبطال ما سفسطا به من التمويهات والخرافات،
стр. 5772
أخذته الحمية لأخدانه، واحتملته العصبية القبلية لإخوانه، حين شرق بما سمع في الرد عليهما من الحق، والتحقيق، الذي هو على أهدى سنن، وأقوم طريق، ولله في ذلك المنة، وله الحمد.
فقام فانتصر لأنداده، فقال في خطبته يوم الجمعة، وبعدها في يوم العيد على المنبر، بعد ما أثنى على الأئمة الأربعة، وذكر شيئا من مناقبهم، قال: فهم أئمتنا، فإنا بهم مقتدون، ولهم مقلدون; ومن طرف هذه الكتب التي دارت في بلدكم هذه، أن الذي ألفها سالك فيها مسالك الفرقة الضالة المضلة، الكافرة الخارجية الشيطانية، المجسمة المبتدعة الوهابية، وأنه مؤول فيها الاستواء بالاستقرار - قاتله الله -، والله تعالى خال عن الجهات الست، وأنه منكر فيها زيارة رسول الله ﷺ .
فمن عنده منها شيء فليأتنا به سريعا، ولا تحدثوا فيها تحريفا ولا تمزيقا، لأن فيها آيات قرآنية، وأحاديث من الصحاح نبوية، أراد بها مؤلفها التلبيس والتشبيه على العوام الطغام، الجهال الشرذمة القليلة الذميمة; فنقول: يا عباد الله، وعليكم بطريقة الأشعرية، والماتريدية ; هذا لفظه الذي نقل إلينا بحروفه.
فلما تأملت ما نقل إلينا من كلامه، وعرفت قصده في مرامه، فإذا هو عن معرفة العلوم الشرعية، والاعتقادات السلفية بمكان بعيد، قد انهمك والعياذ بالله في مهامه الغي،
стр. 5773
وانحسر في فلوات البغي، فما على جهله وهوسه من مزيد؛ وعرفت أنه لم يأنس بشيء من العلوم، ولا دراية لديه بالمنطوق منها والمفهوم، وأنه ليس بكفء أن يجاب، بأزيد مما ذكرته من الخطاب، لأنه ليس من أهل العلم، ولا ممن عرف بالدراية والرواية والفهم.
فلأجل ذلك رددت عليه بهذه القصيدة، واتبعتها بذكر انموذج من العقيدة، وبما كان عليه إمام هذه الدعوة، مما درج عليه أهل التحقيق والصفوة من عقيدة السلف الأبرار، والأئمة الأخيار، خصوصا الأئمة الأربعة، الذين يزعم أنه يقلدهم ويقتدي بهم، ويحض على ذلك، وذكرت شيئا قليلا من كلام الأئمة، ليتبين لكل منصف ممن أراد الحق وطلبه، تزوير هذا المفتري وكذبه.
وأن هؤلاء الجهلة الصعافقة، الحيارى المفتونين، قد ركبوا غارب الزور والبهتان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، وأنهم في سكرتهم يعمهون، وفي فلوات الغي ومهامه البغي يهيمون، وأنهم فيما يقولونه وينقلونه إلا ما شاء الله قد اقترحوا كذبا وزورا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٣] .
والمقصود بما نقله عن الأئمة الأعلام، وأذكره في هذه الأوراق من ذلك المرام، إنما أقصد به من يطلب الحق، مع من كان وأينما كان، ولا يتعصب للباطل وأهله بكل إمكان؛ وأما
стр. 5774
هؤلاء الصعالكة الغافلون، الذين هم في غمرة ساهون، وعماية في الدعوى عما عليه أهل الحق وكلمة التقوى، فهم لا يرعوون إلى ما فيه نجاتهم وسلامتهم من الغواية، ولا يقبلون هذا الحق ولو جاءتهم كل آية; والله المسؤول المرجو الإجابة أن يجزل لنا بفضله ورحمته الإثابة، وأن يمدنا فيما نقوله ونعتقده بالإصابة.
وهذا هو الجواب، ومن الله استمد الصواب:
الحمد لله حمدا دائما وكفى ... حمدا كثيرا فكم أعطى وكم لطفا
ثم الصلاة على المعصوم سيدنا ... أوفى البرية بل أزكاهم شرفا
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... والتابعين على منهاج من سلفا
وبعد فاعلم بأن القول أحسنه ... ما وافق الحق حتما واقتضى النصفا
وقد أتانا من البحرين معضلة ... مقالة قالها من جانب الشرفا
يدعونه شرفا جهلا بحالته ... ولو دروا لدعوه بينهم سرفا
والله ما كان ذا علم وذا شرف ... كلا ولا كان فيما قاله الظرفا
مهذبا فطنا أو بلتعا لسنا ... بل كان فدما أفينا جانفا حلفا
أغراه قوم طغاة لا خلاق لهم ... فوازروه فأبدى جهله السرفا
لو كان يدري به عيسى ويعرفه ... حق الدراية أبدى اللهف والأسفا
أو كان يعلم أن الوغد داعية ... إلى الضلال لأضحى واجلا وجفا
فإنه كان جهميا أخا بدع ... يدعو إلى الكفر والإشراك دون خفا
والله لو كان يدري عن جهالته ... لم يرض أن يرتقي فوق الذرى شرفا
وأن يصلي إماما بالورى سفها ... يا ويحه من إمام قد أتى جنفا
فالفدم ليس له علم ومعرفة ... بل قال بالجهل لما أن طغى فهفا
стр. 5775
بل كان بالجهل معروفا ومتصفا ... بالمنكرات التي تهفو بمن شرفا
يحكيه أهل التقى والصدق حيث غدا ... للزور مقترفا بالإفك متصفا
لو لم يكن جاهلا ما قال من عمه ... مقالة قالها لما علا الشرفا
في يوم عيد وقبل العيد في جمع ... ما قال ذلك فيما ينقلون خفا
يحذر الناس كي لا يسمعوا كتبا ... تدعو إلى الله من قد ند وانصرفا
تدعو إلى الحق والتوحيد ليس إلى ... أوضاع جهم وتأويلات من صدفا
ولا إلى الكفر والإشراك حيث غلا ... في الصالحين أناس فيهم شغفا
فيهن نور الهدى كالشمس شارقة ... ما شابها الزور يوما أو أتت جنفا
تحمى حمى معشر بالحق قد صدعوا ... عن إفك قوم طغام قد أتوا سرفا
كما تعيب أناسا قد بغوا وطغوا ... لم يعرفوا الحق لما أن بدا وضفا
والله ما كان فيها من سفاسفهم ... ومن ضلالاتهم ما يوجب التلفا
والله ما كان فيها من شقاشقهم ... ومن جهالاتهم ما يوجب الأنفا
بل كان فيهن إثبات العلو له ... مثل ما وصفا
بالقدر والقهر والذات التي ارتفعت ... عن كفر من رام تعطيلا لها فنفا
على السماوات فوق العرش مرتفعا ... مباينا لجميع الخلق متصفا
بكل أوصافه العليا التي كملت ... وليس هذا بحمد الله فيه خفا
فلم نؤول كما قد قاله عمها ... ونتبع الجهم فيما قال وانصرفا
ولم نجسم كما قالوا بزعمهم ... بل نثبت الفوق والأوصاف والشرفا
إن المجسمة الضُّلاّل ليس لهم ... في غيهم من دليل يوجب النصفا
بل يزعمون بأن الله خالقنا ... جسم تعالى إلهي ما بذا اتصفا
والمصطفى لم يقل هذا وصحبته ... والآل يوما ومن بالعلم قد عرفا
стр. 5776
والله ما قال منا واحد أبدا ... بأنه كان جسما إن ذا لجفا
كما يقول هشام إذ يقول له ... سبحانه وفرة تبا لمن جنفا
فلا نقول بهذا القول نثبته ... أو نبتغي النفي فالقولان قد نسفا
بل نثبت الذات والأوصاف كاملة ... كما به الله والمعصوم قد وصفا
ولم نشبه كأهل الزيغ حين بغوا ... واستبدلوا بضياء الحق ما انخسفا
إن المشبهة الضلال حيث غلوا ... قد شبهوا ربهم لما أتوا سرفا
بخلقه في مقالات لها ابتدعوا ... راموا بذلك إثباتا فصار سفا
ولم نعطل كجهم والذين على ... منواله نسجوا ممن طغى فهفا
فإنهم زعموا أن لا إله لهم ... على السماوات فوق العرش قد عرفا
فليس داخل ذي الأكوان خالقهم ... أيضا ولا خارجا منها فوالهفا
كلا ولا هو أيضا تحتها أبدا ... ولا مباينها من فوقها فنفا
ولا محايث بل لا يمنة أبدا ... ولا شمالا لقد جاؤوا بذا جنفا
ولا أماما ولا خلفا فقد كفروا ... بالله خالقهم جحدا له سرفا
هذا هو العدم المحض الذي عرفت ... كل الخلائق إلا من هفا وجفا
ونحن لم نعد آيات مبينة ... ونص ما قاله المعصوم حيث شفا
إن الإله له الأوصاف كاملة ... حقيقة بمعانيها كما وصفا
فإن يكن وصفنا لله خالقنا ... بكل أوصافه لم نبتدع جنفا
كفرا وجهلا وتجسيما ومنقصة ... فليشهدوا أننا قلناه غير خفا
وأن ذلك دين الله قال به ... من كان بالعلم والإنصاف متصفا
كمالك وابن إدريس وثالثهم ... أعني ابن حنبل والنعمان من شرفا
стр. 5777
وكالبخاري ويحيى والذين مضوا ... كابن المبارك وابن الماجشون قفا
ومسلم والعقيلي في عقائدهم ... والتابعين لهم ممن سما وصفا
وكل أهل الحديث العاملين به ... العالمين بما قد قاله الحنفا
وكل حبر فقيه عالم ثقة ... يدري الحقائق لا يبغى لها خلفا
على الصراط السوي المستقيم مضوا ... ما خالفوا من لهم في الدين قد سلفا
إلا أناسا إلى جهم قد انتسبوا ... ما منهم بالهدى من كان متصفا
كانوا لبشر وجهم في عقائدهم ... من أعظم الناس فيما أحدثا كلفا
أو آخرين أولي علم ومعرفة ... لكن دهاهم من التأويل ما صرفا
وأحسنوا الظن فيما قلدوه عمى ... عن رؤية الحق لما أن بدا وضفا
ظنوه لله تنْزيها وما صدقوا ... لما اجتروا ونفوا أوصافه سرفا
والله ما لأبي بكر ولا عمر ... ولا لعثمان من قد أكملوا الشرفا
ولا علي ولا للتابعين لهم ... كانوا لهم تبعا في الدين حيث صفا
فصل
والاستواء فمعقول حقيقته ... لا يمتري فيه إلا بعض من خلفا
من الأشاعر الغالين أو فرق ... من شيعة الجهم ممن ضل وانحرفا
والكيف من ذاك مجهول وممتنع ... فاربأ بنفسك عن تكييف ما سجفا
لكنما السلف الأبرار قد ذكروا ... تفسير معنى استوى قولا شفى وكفى
ففسروا ذاك باستقراره وكذا ... بالارتفاع وباستعلائه شرفا
وبالصعود على العرش العظيم فخذ ... تفسير أعلم خلق الله من سلفا
حكاه عنهم وفي التفسير قرره ... حقا أبو جعفر ما قال ذاك خفا
стр. 5778
أعني إمام الورى دينا ومعرفة ... محمد بن جرير من كفى وشفا
وبعده الحبر والبحر الخضم حكى ... في كتبه ذاك واستقصى لها طرفا
من كان بالعلم والإنصاف متصفا ... وللهدى من أعادي الدين منتصفا
أعني به الحجة ابن القيم الثقة ... الحبر الإمام ومن بالعلم قد عرفا
وليس تفسيرهم معنى استوى بعلا ... أو استقر على تفسير من سلفا
معناه تكييف ما لا نستطيع له ... إدراك كنه وذا تأويل من جنفا
لكنما ذاك معقول حقيقته ... والكيف قد كان مجهولا كما وصفا
وليس يلزم من لفظ استقر بأن ... يكون جسما كما قد قال من صدفا
فاترك أقاويل جهم والذين غووا ... واستحدثوا بدعا صاروا بها هدفا
يرميهم بالهدى والعلم من حسنت ... في الدين منهم مساع عند من عرفا
وأنت سوف ترى من شؤم بدعتكم ... ما قد يسيء وما تلقى به الدنفا
فقل لطاغية البحرين أبد لنا ... علما مبينا عن الأمجاد كان شفا
إن الذي أثبت الأوصاف كاملة ... حقائقا ومعان قد أتى سرفا
مجسم خارجي قد أتى بدعا ... إن كنت ويحك ذا علم بمن سلفا
وما يقولونه في الله خالقهم ... والله ما منهم من يبتغي الجنفا
وقل لطاغية البحرين هات لنا ... على ابتداعك نصا وافق النصفا
عن الأئمة أو عن عالم ثقة ... من صحبهم حيث كانوا كلهم حنفا
دع من نحا نحو جهم في ضلالته ... لكن عن السادة الأمجاد من خلفا
ومن على نهجهم قد كان متبعا ... ممن نحا نحوهم في دينهم وقفا
والله ما كنت فيما قلت مقتديا ... أو المقلد فيما وافقوا السلفا
стр. 5779
لكن بجهم وبشر كنت مقتديا ... مقلدا لهما فيما بدا وخفا
ومن نحا نحو جهم من أشاعرة ... والماتريدية الضلال من عرفا
بالابتداع وبالأهواء حيث غلوا ... في الدين واتبعوا الجهمي حيث هفا
فانظر بعلم أهاتان الفرقتان على ... نهج الرسول النبي المجتبى شرفا
أو صحبه بعده والتابعين لهم ... أو الأئمة من كانوا لنا سلفا
أم أنت في غمرة عن نهج سنتهم ... للماتريدية الغالين منصرفا
والأشعرية أعني من بغوا وغلوا ... في الدين منهم بما قد خالفوا الحنفا
تحض أتباعك الغوغا وتندبهم ... إلى اتباع غواة قد أتوا جنفا
تبا وسحقا لمن يدعو إلى بدع ... تدعو الى النار من يهفو ومن زهفا
لو كان يعلم هذا الوغد حيث غوى ... ما قد جناه لأبدى اللهف والأسفا
وسوف يلقى غدا إن لم يتب ندما ... وغبّ ما قد جنى من شؤم ما اقترفا
يذم أهل التقى والدين من سفه ... ومن شقاوته لما ارتضى السرفا
يذم من أظهر التوحيد وانتشرت ... أنواره وعلت من بعد ما انخسفا
والناس في ظلمة من قبل دعوته ... لا يعرفون من الإسلام ما انكشفا
وبان بل ظهرت أعلامه وعلت ... لله در إمام أظهر الشرفا
والناس في غمرة في الجهل قد غرقوا ... وفي الضلالة هاموا فوا لهفا
على أناس وأقوام قد انهمكوا ... لم يعرفوا الحق لما أن بدا وضفا
والله لو كان يدري عن جهالته ... ما فاه بالزور يوما أو به هتفا
والله لو كان يدري عن غباوته ... ما اعتاض عن ساطع التوحيد ما انعسفا
والله لو كان يدري عن حماقته ... لم ينتصب جهرة بين الورى هدفا
стр. 5780
بل سولت نفسه أمرا ففاه به ... وقام منتصرا للكفر منتصفا
كقول هذا الغوي المفتري كذبا ... إنا خوارج هل يدري وهل عرفا
ما قالت الفئة البعدى التي مرقت ... لما غلت وتعدت طورها سرفا
أم كان فدما جهولا كاذبا أشرا ... ما نال علما ولا حلما ولا شرفا
إن الخوارج قوم كفّروا سفها ... من قد أتى بذنوب هفوة وجفا
فكفرت أمة التوحيد من عمه ... عن رؤية الحق إذ لم تعرف النصفا
وخلدت في لظى بل أنكرت سفها ... شفاعة المصطفى ويل لمن صدفا
والحق كالشمس لا تخفى دلائله ... إلا على جاهل بالعلم ما اتصفا
لكننا نحن كفّرنا الذين غلوا ... في الدين وانتحلوا الإشراك والسرفا
وأشركوا الأنبياء والصالحين ومن ... يدعونه غير ربي جهرة وخفا
فيما به الله مختص وليس له ... في ذاك شرك فهل كنا وهم ألفا
إن كان تكفير من يدعو وليجته ... مع المهيمن من يدعونه الحنفا
رأي الخوارج كالقوم الذين غلوا ... في الدين وانتحلوا الإشراك والجنفا
فقد كفانا العنا من رد شهبته ... إذ كان ليس بذي علم ولا عرفا
ولا اعتنى بعلوم الناس حيث غدوا ... في دينهم شيعا قد خالفوا السلفا
وإن أمتنا حقا قد افترقت ... سبعين زادت ثلاثا ليس فيه خفا
وإنها كلها في النار داخلة ... إلا من استن بالمعصوم والخلفا
والآل والصحب حقا وهي واحدة ... قد صح هذا عن المعصوم من شرفا