التاسعة والعشرون: أن الذين اسودت وجوههم، الذين كفروا بعد إيمانهم، ففيه أن الواقعة كفر بعد الإيمان أو تجر إليه.
الثلاثون: الوعد الجزيل لمن سلم من ذلك.
الحادية والثلاثون: التذكر أن هذه النصائح والمواعظ هي آيات الله.
الثانية والثلاثون: أنه سبحانه يتلوها على رسوله لأجلنا.
الثالثة والثلاثون: تذكرنا بأن تلك التلاوة بالحق.
الرابعة والثلاثون: الاعتذار بأنه لا يريد ظلم أحد من العالمين.
الخامسة والثلاثون: تذكيرنا بأن له ما في السماوات وما في الأرض.
السادسة والثلاثون: تذكيرنا بالرجوع إليه.
стр. 5952
سورة النساء
وقال الشيخ محمد ﵀: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٧٩] الآية، بعد قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٧٨] ، لو اقتصر على الجمع أعرض العاصي عن ذم نفسه، والتوبة من الذنب والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس، فلم تزده إلا طردا كما زادت المشركين ضلالا، حين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٨] ؛ ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد، والإيمان بالقدر، واللجأ إلى الله في الهداية، كما في خطبته ﷺ : " الحمد لله نستعينه ونستغفره " ١ يشكره ويستعينه على طاعته،
стр. 5953
ويستغفره من معصيته، ويحمده على إحسانه، ثم قال: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا " ١ إلى آخره لما استغفر من المعاصي استعاذه من الذنوب التي لم تقع.
ثم قال: "ومن سيئات أعمالنا" أي: ومن عقوباتها، ثم قال: "من يهد الله فلا مضل له" إلخ: شهادة بأنه المتفرد في خلقه، ففيه إثبات القضاء الذي هو نظام التوحيد؛ هذا كله مقدمة بين يدي الشهادتين ; فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته، واستغفاره واللجأ إليه، والإيمان بأقداره؛ فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان.
وكون الحسنات من الله، والسيئات من النفس، له وجوه:
الأول: أن النعم تقع بلا كسب.
الثاني: أن عمل الحسنات من إحسان الله إلى عبده؛ فخلق الحياة، وأرسل الرسل، وحبب إليهم الإيمان. وإذا تدبرت هذا، شكرت الله فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال.
الثالث: أن الحسنة تضاعف.
الرابع: أن الحسنة يحبها ويرضاها، فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع، ولهذا تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه، والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٨] إلى قوله ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٠] .
الخامس: أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة.
السادس: أن
стр. 5954
الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة; لأنها إما فعل مأمور أو ترك محظور؛ والترك أمر وجودي، فتركه لما عرف أنه ذنب وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا الوجه.
وقد جعل النبي ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك ; وجعل المنع لله من كمال الإيمان ; وهو أصل الترك؛ وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا، بل صادرا عن بغض وعداوة؛ وأما السيئات فمنشؤها الظلم والجهل، وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها، فإن هذا خاصة العقل ; وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة؛ والغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] الآية.
السابع: أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه.
الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه من إنعام الله عليه ; فيرجع في ذلك إلى الله ولا يرجو إلا هو، فهو يستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره، وإنما يستحق من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه، ولكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق، ونعم المخلوق منه أيضا، وجزاؤه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله.
стр. 5955
فإذا عرف أن ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ٢] صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده. وإذا عرف ما يستحقه من الشكر الذي يستحقه، صار ... ١ له والشر انحصر سببه في النفس، فعلم من أين يؤتى، فتاب واستعان بالله.
كما قال بعض السلف: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه. وقد تقدم قول السلف - ابن عباس وغيره - إن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا من فوائد تخصيص الخطاب، لئلا يظن أنه عام مخصوص.
التاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [سورة النور آية: ٢٦] الآية قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثات للخبيثين، وقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٦] ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، والأقوال والأفعال صفات بالقائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث، فمحلها ما يناسبها.
فمن أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح ; بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى تصلح للجنة، كما في حديث أبي سعيد الذي في الصحيح، وفيه " حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة " ٢.
стр. 5956
فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه، لم يطمع في السعادة التامة، مع ما فيه من الشر ; بل علم تحقيق قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٣] ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة آية: ٧] إلخ، وعلم أن الرب عليم حليم عدل، وأفعاله على قانون العدل والإحسان كما في الصحيح: " يمين الله ملأى " إلى قوله: " والقسط بيده الأخرى "، وعلم فساد قول الجهمية، الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل، إلى أن قال:
ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا، كما يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مما يوجب أن يجوز عنده ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة ص آية: ٢٨] .
ويدعون بأدعية فيها اعتداء، كما في: " حزب الشاذلي "؛ وآخرون من عوامهم، يجوزون أن يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر أو كافر، ويقولون: هذه موهبة، ويظنونها من الكرامات، وهي من الأحوال الشيطانية، التي يكون مثلها للسحرة والكهان، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠١] إلى قوله: ﴿هَارُوت وَمَاروت﴾ وصح قوله: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم " ١،
стр. 5957
فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام، إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره، واتبع ما تتلو الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ونهيه، ولا يوالي من أمر القرآن بموالاته، ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق. ثم منهم من يعرف أنه من الشياطين، لكن يعظم لهواه، ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء كفار، قال الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] .
وفي قوله تعالى: ﴿مِن نَّفْسِك﴾ من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى نفسه; ولا يشتغل بملام الناس وذمهم ; بل يسأل الله أن يعينه على طاعته ; ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه دعاء الفاتحة.
وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة. ويدخل فيه من أنواع الحاجات ما لا يمكن حصره، ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا في القرآن قصة إلا لنعتبر ; وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول.
فلولا أن في النفوس ما في نفوس المكذبين للرسل، لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٣] .
وقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٣] ، وقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٨] ، ولهذا في الحديث:
стр. 5958
" لتسلكن سنن من كان قبلكم "، وقد بين القرآن أن السيئات من النفس. وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به، وطلب أن يكون شريكا له، وكلا هذين وقع.
قال بعضهم: ما من نفس إلا وفيها من نفس فرعون، وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس، أي من يبغض نظيره وأتباعه حسدا، كما فعلت اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى، ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون.
قال الشيخ محمد ﵀ في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٦] : هذا في مقابلة الجهل والضلال ; والبيان ضد الجهل ; والهدى ضد الضلال؛ وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٧] في مقابلة الإفراط؛ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٨] في مقابلة الضعف.
وذكر في تفسير الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٢٣] : إذا كانت نازلة في أناس من السابقين الأولين الذين ما يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولكن ما هاجروا بسبب أن أهلهم حبسوهم أولا وآخرا رفضوا ... ١، وخرجوا مع الكفار يوم بدر، ويودون نصر المسلمين،
стр. 5959
ويرفعون عنهم الرمي، فلما جرى عليهم ما جرى شق على المسلمين، وقالوا: قتلنا إخواننا فأنزل الله الآية. وقيل لهم: ﴿فيم كنتم﴾ من أي الطائفتين؟ وتعذروا أنهم مستضعفون وعذرهم، دليل على أنهم برحوا يدعون أنهم على الدين.
وقيل لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] الآية، يعني ما لكم عذر، ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٩٨] هذا مما يزيل عن الإنسان إشكالات كثيرة واقعة، أن من أحب الدين أنه صاحب دين حتى يتوصل أن الذي لا يسبه يمدح.
قال أيضا: شيخ الإسلام. في تفسير آيات أشكلت، ومنها قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [سورة المائدة آية:٦٠] : والصواب عطفه على قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ : فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، والفاعل: الله مظهرا أو مضمرا، وهذا الفعل اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في عبد، ولم يعد حرف (من) لأن هذه الأفعال لصنف واحد وهم اليهود.
стр. 5960
سورة الأنعام
وقال الشيخ محمد أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ َلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٠] .
فيها من المسائل:
الأولى: أمره بمحاجتهم بهذه الحجة الواضحة للجاهل والبليد، لكن بشرط التفكر والتأمل، فيا سبحان الله! ما أقطعها من حجة! وكيف يخالف من أقر بها؟!
الثانية: إذا تحققت معنى هذا الكلام، مع ذكر الله تعالى له في مواضع من كتابه، عرفت الشرك الأكبر وعبادة الأوثان. وقول بعض أئمة المشركين: إن الذي يفعل في زماننا شرك، لكنه شرك أصغر، في غاية الفساد. فلو نقدر أن في هذا أصغر أو أكبر، لكان فعل أهل مكة مع العزى، وفعل أهل الطائف مع اللات، وفعل أهل المدينة مع مناة، هو الأصغر، وفعل هؤلاء هو الأكبر؛ ولا يستريب في هذا عاقل، إلا إن طبع الله على قلبه.
الثالثة: أن إجابة دعاء مثل هؤلاء، وكشف الضر عنهم، لا يدل على محبته لهم، ولا أن ذلك كرامة ; وأنت
стр. 5961
تفهم لو يجري شيء من هذا في زماننا، على يدي بعض الناس، ما يظن فيه من يدعي العلم، مع قراءتهم هذا ليلا ونهارا.
الرابعة: معرفة العلم النافع، والعمل الذي لا ينفع؛ فمع معرفتهم أنه لا يكشفه إلا الله، ومع معرفتهم بعجز معبوداتهم، ونسيانهم إياها ذلك الوقت، يعادون الله هذه المعاداة، ويوالون آلهتهم تلك الموالاة، قال تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٧٢] .
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٢] إلى قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٥] ففيها مسائل:
الأولى: ذكر سنته سبحانه في خلقه.
الثانية: أن ذلك تسليط البأساء وهو: القحط والمجاعة، والضراء وهي: الأمراض.
الثالثة: أن الله سبحانه أخبرنا بمراده أنه سلط ذلك عليهم ليتوبوا فيحصلون سعادة الدنيا والآخرة، وليس مراده تعذيبهم على عظم جهالتهم وعتوهم، كيف لم يتضرعوا لما جاءهم ذلك؟ يعرفك أن هذا من أعظم الجهالة والعتو.
الرابعة: ذكر السبب الذي منعهم من ذلك مع اقتضاء العقل والطبع له، وهو قسوة القلب، وكون عدوهم زين لهم ما أغضب الله عليهم، فلم يعرفوا قبحها، بل استحسنوها.
الخامسة: أنهم لما فعلوا هذه العظيمة فتحت عليهم أبواب كل شيء، فيا لها من مسألة!
стр. 5962
السادسة: أنهم استبشروا بعذابهم، كما استبشر قوم لوط بمجيء أضيافه.
السابعة: أنه لم يأخذهم حتى وقع الفرح.
الثامنة: أن ذلك الأخذ بغتة.
التاسعة: أنه بعد تلك النعمة.
العاشرة: أنه سبحانه المحمود على إنعامه على أوليائه ونصرهم.
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] إلى قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٥] ففيها مسائل:
الأولى: أمر الله سبحانه رسوله أن يخبرهم، بأنه بريء ممن ادعى خزائن الله.
الثانية: إخبارهم البراءة ممن ادعى علم الغيب.
الثالثة: إخبارهم بالبراءة من دعوى أنه ملك؛ وأنت ترى من ينتسب إلى العلم، كيف اعتقاده في هذه المسائل المعاكسة؟ .
الرابعة: اقتصاره على ما يوحى إليه، واليوم عند أكثر الناس هو هو.
الخامسة: أن الذي يقتصر على الوحي هو البصير، وضده الأعمى؛ ومن يدعي العلم بالعكس في هذه المسألة، والتي قبلها، ولست أعني العمل، بل عقيدة القلب.
السادسة: حثه سبحانه على التفكر الذي هو باب العلم، كما حث عليه سبحانه في غير موضع.
السابعة: الإنذار الخاص لهذه الطائفة المنعوتة بهذين الوصفين.
الثامنة: أن من فقدهما لم تنفعه النذارة.
التاسعة: فائدة الإنذار وثمرته، واحتياج هذه الطائفة له.
стр. 5963
العاشرة: النهي عن طرد المتصفين بما ذكر.
الحادية عشر: عظم شأن صلاة العصر والصبح.
الثانية عشر: عظمة الإخلاص.
الثالثة عشر: كون الأمر اليسير كثيرا كبيرا مع الإخلاص.
الرابعة عشر: ذكر القاعدة الكلية المأخوذة منها هذه الجزئية وهي: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] .
الخامسة عشر: أن طردهم يخاف أن يوصل الرجل الصالح إلى درجة الظالمين، ففيه التحذير من أذاء الصالحين.
السادسة عشر: حسن النية في ذلك ليس عذرا.
السابعة عشر: أن منعهم الجلوس مع العظماء في مجلس العلم هو الطرد المذكور.
الثامنة عشر: ذكر فتنته سبحانه بعض خلقه ببعض.
التاسعة عشر: ذكر بعض الحكمة في ذلك.
العشرون: أن من ذلك رفعة من لا يظن الناس فيه ذلك.
الحادية والعشرون: أن الدين إن صح فهو المنة العظيمة، التي لا تساويها منن الدنيا.
الثانية والعشرون: أن من الفتنة حرمانه سبحانه من لا يظن الناس أنه يحرمه.
الثالثة والعشرون: المسألة العظيمة الكبيرة، وهي الاستدلال بصفات الله على ما أشكل عليك من القدرة; لأنه سبحانه رد عليهم ما وقع في أنفسهم من استبعاد كون الله حرمهم، وخص هؤلاء بالكرامة.
الرابعة والعشرون: جلالة هذه المسألة، وهي مسألة
стр. 5964
علم الله; لأنه سبحانه رد بها على الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٠] الآية، ورد بها على الكفار الجهال في هذه الآية كما ترى.
الخامسة والعشرون: أنه متقرر عند الكفار عبدة الأوثان منكري البعث، أن الله سبحانه حكيم يضع الأشياء في مواضعها، والأشعرية يزعمون أنه لا يفعل شيئا لشيء.
[الجواب عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ]
سئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن قول الشارح الشيخ سليمان على آية الأنعام، وأن قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] نصب على الحال.
فأجاب: هذا عليه غير واحد من المفسرين، قال الجلال: وجملة النفي حال من ضمير ﴿يحشروا﴾ وهي محل الخوف ; وقال البيضاوي: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] في موضع الحال من يحشروا، فإن الخوف هو الحشر على هذه الحالة، وقد سبقهم إلى هذا الزَّجَّاجُ، وابن كثير حل المعنى ولم يتعرض لإعرابه، ويظهر مراده من تقرير كلامه.
قال وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] الآية أي: أنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٧] الذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد آية: ٢١] ، ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] أي: يوم القيامة،
стр. 5965
﴿ليس لهم﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] أي في التقريب له، ولا شفيع فيهم من عذابه ; أن مرادهم: ﴿لعلهم يتقون﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿لعلهم يتقون﴾ : يعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم الجزاء من ثوابه. انتهى.
وهو يشير إلى جواز جعلهم صفة لمخلوق دل عليه السياق ; والعائد في الجملة الوصفية يكفي تقريره، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [سورة البقرة آية: ٤٨] ، والبغوي لم يتعرض لتقدير شيء.
وبهذا يظهر الجواب عن قولك: ما يقال في تقريره؟ فإن الله أمر رسوله أن ينذر بالقرآن عباده المؤمنين الذين يؤمنون بلقائه، ويخافون فيه سوء الحساب، في يوم لا ولي لهم فيه ولا شفيع من دونه، لعلهم يتقون ذلك بفعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.
وعلى الأول يخافون الحشر وسوء الحساب، في حال تخليهم وانفرادهم عن الأولياء والشفعاء، وخصوا بذلك لأنهم هم المنتفعون بالإنذار، المتقون عذاب ذلك اليوم وعقابه، بخلاف من تعلق على الأولياء والشفعاء، واعتمد عليهم في نجاته، فإنه غير خائف ولا متق، لسكون جأشه واطمئنان قلبه بوليه وشفيعه، والله الهادي الموفق.
стр. 5966
قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] إلى قوله ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] .
فيه مسائل: تجاوب بها من أشار عليك بشيء تصير به مرتدا:
الأولى: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، يعني: كيف تدبر عن هذا وتقبل على هذا؟ .
الثانية: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، كيف إذا تصور التائه في المهامه التي تهلك إذا هدي إلى الطريق، ورأى بلده ينحرف على أثره في المهلكة؟
الثالثة: مشابهة من استجاب إلى الغيلان إذا دعته، مع علمه بأنها ستهلكه.
الرابعة: إذا زعم الداعي أنه ناصح مرشد للهدى - مع علمك أنه مضاد لهدى الله - قولك: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] .
الخامسة: إجابتك إياه أني مأمور بالإسلام لرب العالمين، كيف أوافقك على التبرؤ من ذلك؟ !
السادسة: أني مأمور بإقام الصلاة، ولا يمكنني إقامتها
стр. 5967
فيما تدعوني إليه.
السابعة: أني مأمور بمخافة الله واتقائه، وأنت تدعوني إلى ترك ذلك.
الثامنة: أنك تأمرني بمقاطعة ومعاداة من ليس لي عنه ملاذ.
التاسعة: أن المسألة التي تدعوني إلى تركها هي التي لأجل فعلها خلقت السماوات والأرض.
العاشرة: أن الذي تدعوني إلى التهاون بأمره والاستهزاء به، لا بد من يوم يقول له فيه: كن فيكون، مع عظم شأن ذلك اليوم.
الحادية عشر: أن ﴿قوله الحق﴾ لا خلاف فيه، وقد قال فيما تأمرني به من الوعيد ما قال، وفيما تنهاني عنه من الوعد ما قال.
الثانية عشر: أن الملك كله له يوم ينفخ في الصور، فكيف تؤثر عليه مالا أو حالا أو جاها أو غير ذلك؟
الثالثة عشر: أنه عالم السر وأخفى، فكيف لي بفعل ما تأمرني به وهو لا يخفى عليه؟ !
الرابعة عشر: أنه الحكيم الخبير، فلا يتصور أنه يشتبه عليه من يعصيه بمن يطيعه، ولا يتصور أنه يجعل من أطاعه كمن عصاه; لأنه الحكيم الخبير يضع الأشياء في مواضعها. والله أعلم.
ونقل عنه أيضا: وأما قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] إلى قوله ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] ، ففيه أربعة عشر جوابا لمن أشار عليك، بموافقة السواد الأعظم على الباطل، لأجل ما فيه من مصالح الدنيا والهرب من مضارها؛ ولكن ينبغي أن
стр. 5968
تعرف أولا: أن الكلام مأمور به مؤمن فقيه.
فالأول: أن تجيبه بقوله: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، وهذا تصوره كاف في فساده.
الثاني: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، وهذا أيضا كذلك.
الثالث: هذا المثل الذي هو أبلغ ما يرغبك في الثبات، ويبغض إليك موافقته.
الرابع: قولك له: إذا زعم أن الهدى في موافقة فلان وفلان بدليل الأكثر، فتجيبه بقولك: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٠] .
الخامس: أن تجيبه بقوله. ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، فإذا أمرتني بالإسلام لفلان وفلان، فالله أمرني بما لا أحسن منه.
السادس: أن تقول وأمرنا بإقامة الصلوات، وهذه خصلة مسلمة لا جدال فيها، ولا يقيمها إلا الذي أمرتني بتركهم؛ والذين أمرتني بموافقتهم لا يقيمونها.
السابع: أنا مأمورون بتقوى الله، وأنت تأمرني بتقوى الناس.
الثامن: أن هذا الذي أمرتني بترك أمره ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٢] ، كما قال السحرة لفرعون لما دعاهم إلى ذلك: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٥] .
التاسع: أنه ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] ، وهذا مقتضى ما نهيتني عنه، والذي تأمرني به يقتضي أنه خلقها باطلا.
العاشر: أن هذا الذي تأمرني بترك أمره، إليه حشر هذا الخلق العظيم، ما دونه إلا قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٧] .
الحادي عشر: أن هذا الذي أمرتني بترك أمره ﴿قوله
стр. 5969
الحق﴾ .
وقد قال ما لا يخفى عليك، ووعد عليه بالخلود في النعيم، ونهى عما أمرتني به، وتوعد عليه بالخلود في الجحيم؛ وهو لا يقول إلا الحق. فكيف مع هذا أطيعك؟ !
الثاني عشر: أن ﴿له الملك يوم ينفخ في الصور﴾ فإذا أقررت بذلك اليوم، وأن عذابه ونعيمه دائمان، فما ترجو من الشفاعات كلها باطلة ذلك اليوم. وقد بين تعالى معنى ملكه لذلك اليوم في آخر الانفطار.
الثالث عشر: أنه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] ، فلا يمكن التلبيس عليه، بخلاف المخلوق ولو أنه نبي.
الرابع عشر: أنه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] ، فلا يجعل من اتبع أمره ولو خالف الناس، كمن ضيع أمره موافقة للناس، حاشاه من ذلك؛ ولهذا يقول الموحدون يوم القيامة - إذا قيل لهم: قد ذهب الناس -: فارقناهم في الدنيا أحوج ما كنا إليهم ... إلى آخره. والله أعلم.
وقال أيضا: قال شيخ الإسلام: قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا ب﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] الآية، يريد هؤلاء المنحرفون أن يفعلوا بالمؤمنين، فيدعون من دون الله ما لا ينفع ولا يضر؛ ويريدون أن يرتد المؤمنون على أعقابهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويصيرون حائرين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
стр. 5970
[المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ]
وقال الشيخ محمد ﵀: ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] إلى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩٠] .
الأولى: قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] : السؤال عن معنى الآلهة، فإنها جمع إله، وهو أعلى الغايات عند المسلم والكافر، فكيف يتخذ جمادا؟ ! وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضيا ; لأن الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان هذا من خشب أو حجر لم يعص الله، فكيف بمن اتخذ فاسقا إلها؟ ! مثل نمرود، وفرعون. فإن كان اتخذه بعد موته فأعجب وأعجب.
الثانية: القدح في حجتهم لأنها السواد الأعظم، ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ في مخالفتهم بالأدلة اليقينية لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٥] ، فإن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة ببديهة العقل، لأن من رأى نخلا كثيرا لا يتخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه، فكيف بملكوت السماوات والأرض.
الرابعة: أن هذا النفي إنما نفي لأجل الإثبات.
الخامسة: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ، فلم يكمل غيره حتى كمل.
السادسة: عظم مرتبة اليقين عند الله، لجعله التعليم علة لإيصاله إليه.
السابعة: براءته من شركهم، نفى أولا
стр. 5971
كونها لا تستحق ; ونفى ثانيا عن نفسه الالتفات إليها.
الثامنة: نفى النقائص عن ربه.
التاسعة: ذكر توجهه الذي هو العمل.
العاشرة: ذكر الدليل الذي دله على النفي والإثبات.
الحادية عشر: تحقيقه ذلك بكونه حنيفا، وهذه المسألة التي قال الله في ضدها: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] .
الثانية عشر: تصريحه لهم بما ذكر، ولم يدار مع كثرتهم ووحدته.
الثالثة عشر: تصريحه بالبراءة منهم، بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٩] .
الرابعة عشر: قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٠] ، ولم يذكر حجتهم; لأن كلامه كاف عن كل ما يقولون.
الخامسة عشر: أنهم لما خصموا رجعوا إلى التخويف لفعل أمثالهم، فذكر أنه لا يخاف إلا الله ; لتفرده بالضر والنفع، لخلاف آلهتهم، فذكر النفي والإثبات.
السادسة عشر: سعة القدرة ; وهاتان هما اللتان خلق العالم العلوي والسفلي لأجل معرفتنا لهما.
السابعة عشر: أن من ادعى معرفتهما وأشكل عليه التوحيد فعجب، ولذلك قال: ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ؟.
الثامنة عشر: قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨١] إلى آخره، يدل على أنها حجة عقلية تعرفها عقولهم.
التاسعة عشر: قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٤] يدل على أن من أشكلت عليه هذه الحجة فليس له علم.
العشرون: البشارة العظيمة، والخوف الكثير في
стр. 5972
فصل الله هذه الخصومة إذا عرف ما جرى للصحابة، وما فسرها لهم به النبي ﷺ .
الحادية والعشرون: تعظيمه سبحانه هذه الحجة بإضافتها إلى نفسه، وأنه الذي أعطاها إبراهيم ﵇ عليهم.
الثانية والعشرون: أن العلم بدلائل التوحيد وبطلان الشبه فيه، يرفع الله به المؤمن درجات.
الثالثة والعشرون: معرفة أن الرب ﵎ حكيم يضع الأشياء في مواضعها.
الرابعة والعشرون: كونه عليما بمن هو أهل لها، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [سورة الفتح آية: ٢٦] .
الخامسة والعشرون: ذكر نعمته على إبراهيم بالذرية التي أنعم عليهم بالهداية.
السادسة والعشرودن: أن العلم والهداية أفضل النعم، لقوله: ﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٤] .
السابعة والعشرون: هداية المذكورين، أصولهم وفروعهم، ومن في درجتهم.
الثامنة والعشرون: ذكره الذي هداهم الله إليه، وهو الصراط المستقيم، وهو المقصود من القصة.
التاسعة والعشرون: التنبيه على الاستقامة.
الثلاثون: القاعدة الكلية أن هذا الطريق هو هدى الله، ليس للجنة طريق إلا هو.
الحادية والثلاثون: التنبيه على أن الهداية إليه بمشيئته، ليظهر العجب وتشكر النعمة.
الثانية والثلاثون: العظيمة التي لم يعرفها أكثر من يدعي الدين، وهي مسألة تكفير من أشرك وحبوط عمله، ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم.
стр. 5973
الثالثة والثلاثون: ذكره أنه أعطاهم ثلاثة أشياء: الكتاب، والحكم، والنبوة؛ فلا يرغب عن طريقهم إلا من سفه نفسه.
الرابعة والثلاثون: ما في قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٩] إلى آخره، من العبر، والتحريض على الحرص على طلب العلم من طريقهم، وما فيه من النفور من الجهل وتقسيمه.
الخامسة والثلاثون: قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩٠] أن دينهم واحد، وأن شرعهم شرع لنا.
السادسة والثلاثون: النهي عن البدع، فإن في التحريض عليه نهيا عن ضده.
السابعة والثلاثون: كون النذير البشير، مع مقاساة الشدائد في ذلك، لم يطلب منا أجرا عليه.
الثامنة والثلاثون: كونه ذكرى، ففيه الرد على من يقرأ بلا تدبر.
التاسعة والثلاثون: قوله: ﴿للعالمين﴾ فيه تكذيب من قال: لا يعرفه إلا المجتهد.
الأربعون: الحصر فيما ذكر. والله سبحانه أعلم.
وقال: قال شيخ الإسلام: هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ:
منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٩] والآية بعدها، أشكلت قراءة الفتح على كثير، بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة. وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر (أن) .
والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون،
стр. 5974
وأنا أفعل بهم هذا، لم يكن قسمهم صدقا، بل قد يكون كذبا، وهو ظاهر الكلام المعروف: أنها " أن " المصدرية، ولو كان: ﴿ونقلب﴾ إلى آخره كلاما مبتدأ، لزم أن كل من جاءته آية، قلب فؤاده، وليس كذلك، بل قد يؤمن كثير منهم.
ومنها قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٦] ، ظن طائفة أن (ما) نافية، وهو خطأ، بل هي استفهام، فإنهم يدعون معه شركاء، كما أخبر عنهم في غير موضع، فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون، لا أنهم يتبعون، وإنما يتبع الأئمة. ولهذا قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] ، ولو أراد النفي، لقال: إن يتبعون إلا من ليس شركاء، بل بين أن المشرك لا علم معه، إن هو إلا الظن والخرص، كقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [سورة الذاريات آية: ١٠] .
[حكم ما ذبح لغير الله متقربا إليه]
وقال أيضا شيخ الإسلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: الأولى: ما ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم ; وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، يتقربون للكواكب ; وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.
ومن هذا ما يفعله الجاهلون بمكة شرفها الله من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن ذبائح الجن"، وأيضا ما رواه أبو داود في سننه عن ابن عباس قال:
стр. 5975
"نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب، فقال: إني أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به ".
وعن عبد الله بن الجارود، قال سمعت الجارود، قال: "كان من بني رباح رجل - يقال لى سحية بن وثيل - شاعر نافر أبا الفرزدق الشاعر بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إبله إذا وردت الماء. فلما وردت الإبل، قاما إليها بأسيافهما، فجعلا ينسفان عراقيبها. فخرج الناس على الحمير والبغال، يريدون اللحم، وعلي ﵁ بالكوفة. فخرج على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله"، فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد بذبحه غير الله.
وقال أيضا، رحمه الله تعالى: ذكر ثلاث مسائل:
الأولى: من ذبح لغير الله فهو مرتد، فيحصل في الذبيحة مانعان.
الثانية: أن ما ذبح لقربان لا يجوز الأكل منه، وإن ذكر اسم الله فيه، بخلاف ما ذبح للحم.
الثالثة: أن معاقرة الأعراب مما أهل به لغير الله، كما ذكر عن علي ﵁.
وذكر في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٦] ، فأعظم الفوائد: كون الجاهلية يجعلون لله نصيبا.
стр. 5976
والذي ذكر: أن القبيلة اسمهم خولان، وهم حاضرة وبادية، ولهم صنم، ويجعلون لله بيدرا ولآلهتهم بيدرا، وما طارت به الهواء من الذي لله على الذي للآلهة تركوه، وقالوا: الله غني وهم فقراء، وقال الله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٦] .
وأما أهل زماننا فهم أفضح الزكاة ١ وما كان واجبا عليهم لا يلتفتون له، وأما الذي للشيطان فيحملون قناطير الحديد. وكون أهل الخرج يقولون: يوم البركات تجعل بيدرا، والنذور بيدرا، وكون العلماء يتمنون هذا.
[تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ]
سأل بعضهم، عن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤١] ،
فأجاب: وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤١] ، قال بعضهم: في الزكاة المفروضة، ثم رواه أنس بن مالك. وكذا قال ابن المسيب. وقال العوفي عن ابن عباس، وذلك أن الرجل إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج منه شيئا، فقال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤١] إلى آخره.
وقال الحسن: وهي الصدقة من الحب والثمار، وقاله قتادة وغير واحد. وقال آخرون: هي شيء آخر سوى الزكاة، قال أشعث عن ابن سيرين ونافع، عن ابن عمر في الآية: "كانوا يعطون
стр. 5977
شيئا سوى الزكاة"، وعن عطاء: "يعطى من حضر يومئذ ما تيسر، وليست الزكاة". ""
وقال ابن المبارك: عن سالم عن سعيد بن جبير ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤١] قال: "هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة ; والضغث لعلف الدابة" ; وفي حديث ابن لهيعة عن دارج، عن أبي الهيثم، عن سعيد مرفوعا، في الآية قال: "ما سقط من السنبل" وقال آخرون: "هذا شيء كان واجبا، ثم نسخه الله بالعشر، ونصف العشرة" حكاه ابن جرير عن ابن عباس، وابن الحنفية، وإبراهيم وغيرهم، واختاره - يعني ابن جرير -. وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكره في سورة نون ; انتهى النقل من تفسير ابن كثير. فقد علمت كلامهم على الآية، ونقل ابن جرير عن ابن عباس وابن الحنفية وإبراهيم، وهو اختياره: أنها منسوخة، يعني بآية الزكاة.
وأما الاستحباب فلا يخفى، وإنما اختلافهم في الوجوب، فلا ينبغي لمن أعطاه مولاه نعمة أن لا يؤدي حقها، والمال يعتريه حقوق كثيرة غير الزكاة، والله أعلم.
стр. 5978
سورة الأعراف
قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: مسائل في سورة الأعراف:
الآية الأولى: ١ فيها: وصفه بأنه كتاب.
الثانية: كونه منزل إلى النبي ﷺ .
الثالثة: النهي عن الحرج.
الرابعة: فاء التفريع.
الخامسة: ذكر الحكمة في ذلك، وهي الإنذار العام، والذكرى الخاصة.
الآية الثانية: فيها:
الأمر باتباعه.
الثانية: التحريض على ذلك ; بأنه منزل إلينا من ربنا.
الثالثة: النهي عن اتباع ما سواه.
الرابعة: أنه لا بد من هذا وهذا.
الخامسة: ذكر أن التذكر منا قليل.
الآية الثالثة: ذكر عقوبات من لم يفعل.
الثانية: أن ذلك كثير.
الثالثة: أن البأس جاءهم وقت الغفلة.
الآية الرابعة: فيها:
ذكر إقرارهم بالظلم عند نزوله.
الثانية: أن ذلك الإقرار ليس لهم دعوى غيره.
الآية الخامسة: فيها: أنه لما ذكر عقوبة الدنيا توعد بالحساب.
الثانية: أن الحساب متوقف على الرسالة.
الثالثة: أنه عام حتى المرسلين.
وفي الآية السادسة: أنه يقص عليهم ما فعلوا بعلمه.
الثانية: أنه شهيد على الجزئيات.
стр. 5979
وفي الآية السابعة والثامنة: الوعيد بالميزان.
الثانية: أنه الحق لتقطع الأطماع.
الثالثة: أن الفلاح بسبب ثقله.
الرابعة: إن الخسارة بسبب خفته.
الخامسة: ذكر سبب الخفة.
الآية التاسعة: فيها: ذكر نعمته بالتمكين في الأرض.
الثانية: ذكر نعمته بما فيها من المعايش.
الثالثة: ذكر قلة شكرهم.
وفي الآية العاشرة: ذكر نعمة الخلق.
الثانية: ذكر نعمة التصوير.
الثالثة: ذكر نعمة أمر الملائكة بالسجود لأبينا آدم.
الرابعة: أنهم امتثلوا كلهم.
الخامسة: إلا بإبليس.
الآية الحادية عشر: فيها: سؤال الله إياه عن علة الامتناع.
الثانية: تعظيم الفعل بقوله: ﴿إذ أمرتك﴾ .
الثالثة: أن الاستدلال بالعموم صحيح.
الرابعة: جواب إبليس أن ذلك لأجل كونه خيرا منه; لأن الفاضل لا يفعله مع المفضول.
الخامسة: الاستدلال على فضيلته عليه بالأصل.
السادسة: أن أصل الأبوين مما ذكر.
الآية الثانية عشر: فيها:
أن كثيرا من شبه أهل الباطل لا يخاض معهم في حلها، بل جوابهم العقوبة.
الثانية: قوله: ﴿فاهبط منها﴾ .
الثالثة: ذكر العلة.
الرابعة: ذكر فاء التفريع.
الخامسة: قوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣] .
السادسة: تغليظ شأن الكبر.
السابعة: معاقبة العاصي بضد قصده.
الثامنة: تغليظ رد النص بالرأي.
وفي الآية الثالثة عشر والرابعة عشر:
سؤاله النظرة.
стр. 5980
ولم ينزع إلى التوبة.
الثانية: ليزداد معصية.
الثالثة: النظر إلى عجيب القدر، كيف صدر هذا منه مع علمه وعبادته؟ .
الرابعة: علمه بالبعث وذكره في ذلك الموطن.
الخامسة: أن إجابة دعاء الداعي في بعض الأحيان، لا يدل على الكرامة.
السادسة: أنه قد يكون نقمة.
السابعة: أن طول العمر قد يكون نقمة.
الآية الخامسة عشر والسادسة عشر: فيهما الإيمان بالقدر.
الثانية: أن الاحتجاج به على المعاصي من طريقة إبليس.
الثالثة: ذكر تجرده لهذا الأمر بذكر القعود.
الرابعة: أنه قاعد على صراط الله المستقيم.
الخامسة: تفصيله ما أراد فعله، أنه يأتي من الجهات كلها.
السادسة: أن القوة على فعل القبيح والتمدح بذلك من فعله.
السابعة: أن الفاسق قد يعطى من الذكاء ما يصير به من أهل الفراسة.
الثامنة: ما في هذا السياق من تقبيح المعصية.
التاسعة: ما فيه من تقبيح ترك الشكر.
العاشرة: أن الاعتراض على الحكمة بمثل هذا من فعله.
الحادية عشر: لو وقع المحذور، فالاعتراض به على الحكمة من فعله.
السابعة عشر: إجابته بهذا الجواب.
الثانية: أنه خرج في هذه الحال ضد ما طلب.
الثالثة ; وعيد من اتبعه بالنار.
الرابعة: أنها لا تملأ إلا بهم، ففيه الرد على من زعم أن أطفال المشركين منهم.
الخامسة: امتلاؤها مع ما ذكر من عظمتها.
стр. 5981
الثامنة عشر: ما ذكر من إكرام آدم وزوجته.
الثانية: إباحته لها جميع ما في الجنة إلا شجرة واحدة.
الثالثة: تأكيد النهي.
الرابعة: ظلم دون ظلم.
وفي التاسعة عشر، والعشرين، والحادية والعشرين: ذكر وسوسته لهما.
الثانية: ذكر غرضه في ذلك.
الثالثة: ذكر تعليله النهي بضده.
الرابعة: ذكر حلفه الفاجر.
الخامسة: ذكر تدليه إياهما بالغرور.
السادسة: أنهما لما فعلا بانت لهما العاقبة.
السابعة: رحمة الله بعبده فيما حجره عليه، وأنه لم ينهه إلا عما يضره.
الثامنة: أن بدو العورة مستقبح شرعا وعقلا.
التاسعة: تكليم الله لهما.
العاشرة: أنه ذكر لهما أنه نصحهما عن الأمرين.
الآية الثانية والعشرين: وفي الآية الثانية والعشرين: أن الاعتراف بالذنب هو الصواب، وهو من أسباب السلامة.
الثانية: الاستغفار.
الثالثة: المبالغة فيه.
الرابعة: أن العاصي لم يظلم إلا نفسه.
وفي الآية الثالثة والعشرين: أمره لهم بالهبوط.
الثانية: إخباره بعداوة بعضهم لبعض.
الثالثة: إخباره لهما بما لهم في الأرض.
الرابعة: مضرة المعصية ولو تاب فاعلها منها.
الخامسة: الرد على من قال بالعصمة.
стр. 5982
[ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ]
وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١١] إلى آخر القصة.
قال ابن القيم قال ابن عباس: " ﴿ولقد خلقناكم﴾ يعني آدم ﴿ثم صورناكم﴾ لذريته"، ومثال هذا ما قاله مجاهد: ﴿خلقناكم﴾ يعني آدم و ﴿صورناكم﴾ يعني في ظهر آدم، وفي الحديث المعروف أنه أخرجهم من ظهر آدم في صورة الذر، ونظيره ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [سورة الحج آية: ٥] والله سبحانه يخاطب الموجودين، والمراد آباؤهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٥٥] وغير ذلك من الآيات.
وقد يستطرد سبحانه من الشخص إلى النوع، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٢-١٣] إلى آخره، فالمخلوق من سلالة آدم، ومن نطفة ذريته، وقيل إن: ﴿صورناكم﴾ لآدم أيضا، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة الحجر آية: ٢٩] فأضاف النفخ إلى نفسه.
وفي الصحيح - في حديث الشفاعة -: "فيقولون أنت آدم، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء" فذكروا له أربع خصائص، فالمنفوخ منه الروح المضافة إلى الله، إضافة تخصيص وتشريف، والله هو الذي نفخ في طينته من تلك
стр. 5983
الروح ; هذا الذي دل عليه النص. وأما كون النفخة مباشرة منه سبحانه كما خلقه بيده، أو أنها بأمره، كقوله في مريم: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩١] مع قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [سورة مريم آية: ١٧] إلى آخره فهذا يحتاج إلى دليل، فإنه أضاف النفخ إلى مريم لكونه بأمره ; وإلى الملك لكونه المباشر للنفخ.
وفي القصة فوائد عظيمة، وعبر لمن اعتبر بها: منها: أن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد، كما استدل عليه سبحانه في غير موضع، وعلى قدرته سبحانه وعظمته ورحمته وعقوبته، وهيبته وإنعامه وكرمه، وغير ذلك من صفاته ; ومنها: أنها من أدلة الرسل عامة، ومن أدلة نبوة محمد ﷺ خاصة ; ومنها: الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم ; ومنها: الدلالة على القدر خيره وشره؛ فقد اشتملت على أصول الإيمان الستة في حديث جبريل.
ومنها - وهي أعظمها -: أنها تفيد الخوف العظيم الدائم في القلب ; وأن المؤمن لا يأمن حتى تأتيه الملائكة عند الموت تبشره، وذلك من قصة إبليس وما كان فيه أولا من العبادة والطاعة، ففي ذلك شيء من تأويل قوله ﷺ : "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع" إلى آخره.
ومنها: أن لا يأمن عاقبة الذنب، ولو كان قبله طاعات كثيرة، وهو ذنب واحد، فكيف إذا كانت الذنوب بعدد رمل
стр. 5984
عالج؟ ! ومن هذا قول بعض السلف: نضحك ولعل الله اطلع على بعض أعمالنا، فقال: اذهبوا فلا أقبل منكم عملا، أو كلاما هذا معناه.
وأبلغ منه قوله ﷺ : " إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه " قال علقمة: كم من كلام منعنيه حديث بلال، يعني هذا. ومنها: أنها تخلع من القلب داء العجب، الذي هو أشد من الكبائر.
ومنها - وهي من أعظمها -: أنها تعرف المؤمن شيئا من كبرياء الله وعظمته وجبروته ; ولا يدلي عليه، ولو بلغ في الطاعة ما بلغ. وقد وقع في هذه الورطة كثير من العباد فمستقل ومستكثر. ومنها: التحذير من معارضة القدر بالرأي، لقوله. ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٢] ؛ وهذه بلية عظيمة لا يتخلص منها إلا من عصمه الله، لكن مقل ومكثر.
ومنها - وهي من أعظمها -: تأدب المؤمن من معارضة أمر الله ورسوله بالرأي، كما استدل بها السلف على هذا الأمر، ولا يتخلص من هذا إلا من سبقت له من الله الحسنى. ومنها: عدم الاحتجاج بالقدر عند المعصية، لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [سورة الحجر آية: ٣٩] ، بل يقول كقول أبيه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٣] الآية.
ومنها: معرفة قدر المتكبر عند الله، خصوصا مع
стр. 5985
قوله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣] .
ومنها: الفخر بالأصل، وقد ورد عن النبي ﷺ التشديد في ذلك; والفخر منهي عنه مطلقا، ولو كان بحق، فكيف إذا كان بباطل؟
ومنها: الشهادة لما كان عليه السلف، أن البدعة أكبر من الكبائر ; لأن معصية اللعين كانت بسبب الشبهة، ومعصية آدم بسبب الشهوة.
ومنها: عدم الاغترار بالعلم ; فإن اللعين كان من أعلم الخلق، فكان من أمره ما كان. ومنها: عدم الاغترار بالرتبة والمنْزلة، فإنه كان له منْزلة رفيعة، وكذلك بلعام وغيره ممن له علم ورتبة ثم سلب ذلك، ومنها: معرفة العداوة التي بين آدم وذريته، وبين إبليس وذريته، وأن هذا سببا لما طرد عدو الله، ولعن بسبب آدم لما لم يخضع.
وهذ المعرفة مما يغرس في القلب محبة الرب ﷻ ، ويدعوه إلى طاعته وإلى شدة مخالفة الشيطان ; لأنه سبحانه ما طرد إبليس ولعنه وجعله بهذه المنْزلة الوضيعة بعد تلك المنْزلة الرفيعة، إلا لأنه لم يخضع بالسجود لأبينا آدم، فليس من الإنصاف والعدل موالاته، وعصيان المنعم ﷻ ، كما ذكر هذه الفائدة بقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [سورة الكهف آية: ٥٠] .
ومنها: معرفة شدة عداوة عدو الله لنا، وحرصه على
стр. 5986
إغوائنا بكل طريق، فيعتد المؤمن لهذا الحرب عدته، ولا يعلم قوة عدوه وضعفه عن محاربته إلا بمعونة الله، كما قال قتادة: "إن عدوا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، إنه لشديد المؤونة إلا من عصمه الله، وقد ذكر الله عداوته في القرآن في غير موضع، وأمرنا باتخاذه عدوا".
ومنها - وهي من أعظمها - معرفة الطرق التي يأتينا منها عدو الله، كما ذكر الله تعالى عنه في القصة، أنه قال: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦-١٧] ، وإنما تعرف عظمة هذه الفائدة بمعرفة شيء من معاني هذا الكلام، قال جمهور المفسرين: انتصب صراط بحذف "على" التقدير لأقعدن لهم على صراطك.
قال ابن القيم: والظاهر أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه، ونحو ذلك. قال ابن عباس: "دينك الواضح ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧] يعني الدنيا والآخرة ﴿ومن خلفهم﴾ يعني الآخرة والدنيا ﴿وعن أيمانهم﴾ قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم"، وعنه أيضا: "من قبل الحسنات"; وقوله: ﴿وعن شمائلهم﴾ الباطل أرغبهم فيه"، قال الحسن: "السيئات يحثهم عليها ويزينها في أعينهم".
قال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه، إلا أنه لم يأتك من فوقك، ولم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله" وهو يوافق قول من ذكر هذه الأوجه، للمبالغة في
стр. 5987
التوكيد، أيضا: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم، ولا يناقض ما ذكر السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل، فالسبل التي للإنسان أربعة فقط.
فإنه تارة يأخذ على جهة شماله، وتارة على يمينه، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل من هذه سلكها وجد الشيطان عليها راصدا له، فإن سلكها في طاعة ثبطه، وإن سلكها بالمعصية حداه ; وأنا أمثل لك مثالا واحدا لما ذكر السلف، وهو: أن العدو الذي من بني آدم إذا أراد أن يمكر بك، لم يستطع أن يمكر إلا في بعض الأشياء وهي الأشياء الغامضة، والأشياء التي ليست بعالية.
فلو أراد أن يمكر بك في أمر واضح بين، مثل التردي من جبل أو بئر وأنت ترى ذلك، لم يستطع، خصوصا إذا عرفت أنه قد مكر بك مرات متعددة، ولو أراد ليمكر بك لتتزوج عجوزا شوهاء وأنت تراها، لم يستطع ذلك.
وأنت ترى اللعين - أعاذنا الله منه - يأتي الآدمي في أشياء واضحة بينة أنها من محارم الله، فيحمله عليها حتى يفعلها، ويزينها في عينه حتى يفرح بها، ويزعم أن فيها مصلحة ويذم من خالفه ; كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٨] الآية، وقوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٢] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] ، وهذا معنى قول
стр. 5988
من قال: ﴿من بين أيديهم﴾ من قبل الدنيا فإنهم يعرفونها وعيوبها ومجمعون على ذمها، ثم مع هذا لأجلها قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وفعلوا ما فعلوا، وهذا معنى قول مجاهد: ﴿من بين أيديهم﴾ من حيث يبصرون.
فهو لم يقنع بإتيانه إياهم من الجهة التي يجهلون أنها معصية، مثل ما فسر به مجاهد ﴿من خلفهم﴾ قال: "من حيث لا يبصرون، ولا من جهة الغيب"، كما قال فيها بعضهم، الآخرة أشككهم فيها، لم يقنع بذلك عدو الله، حتى أتاهم في الأمور التي يعرفونها عيانا أنها النافعة وضدها الضار، وفي الأمور التي يعرفون أنها سيئات وضدها حسنات، ومع هذا فأطاعوه في ذلك، إلا من شاء الله منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٠] .
وقال تعالى، حكاية عنه: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ١١٨-١١٩] الآية.
قال الضحاك: مفروضا معلوما، وحقيقة الفرض التقدير، والمعنى: أن من اتبعه فهو نصيبه المفروض فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وحزب الله وأولياؤه.
قوله: ﴿ولأضلنهم﴾ يعني عن الحق، ﴿ولأمنينهم﴾ قال ابن عباس: "تسويف التوبة وتأخيرها" وقال الزجاج: أجمع
стр. 5989
لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك. حظهم من الآخرة، وقوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [سورة النساء آية: ١١٩] البتك القطع.
وهو ههنا قطع آذان البحيرة.
وقوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ١١٩] قال ابن عباس: "دين الله"، وقاله ابن المسيب والحسن وإبراهيم وغيرهم ومعنى ذلك: أن الله فطر عباده على الفطرة وهي الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم آية: ٣٠] الآية.
وفي الصحيح: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه ... " الحديث، فجمع ﷺ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد وغيره، وتغيير الخلقة بالجدع؛ وهما اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما. ثم قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٠] فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرك وتنال من الدنيا وتعلو، والدنيا دول وستكون لك، ويطول أمله، ويعده الحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها؛ فالوعد فى الخير، والتمنية في الطلب والإرادة.
ومنها: أن معرفة هذه القصة تزرع في قلب المؤمن حب الله تعالى الذي هو أعظم النعم على الإطلاق وذلك من صنعه سبحانه بالإنسان وتشريفه; وتفضيله إياه على - الملائكة، وفعله بإبليس ما فعل لما أبى أن يسجد له، وخلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه; وإسكانه جنته.
стр. 5990
وقد خاطب الله سبحانه بني إسرائيل الموجودين في زمن النبي ﷺ بما فعل مع آبائهم، وذكرهم بذلك واستدعاهم به، وذكرهم أنه فعله بهم، كقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٥٠] وغير ذلك.
وذكر النعم التي هي أصل الشكر الذي هو الدين؛ لأن شكرها مبني على معرفتها وذكرها، فمعرفة النعم من الشكر، بل هي أم الشكر، كما في الحديث: " من أسدى إليه معروف فذكره فقد شكره، فإن كتم فقد كفره " هذا في الأشياء التي تصدر من بني آدم، فكيف بنعم المنعم على الحقيقة والكمال؟ واجتمع الصحابة يوما في دار يتذاكرون ما من الله عليهم به، من بعثة محمد ﷺ وجلس الفضيل وابن أبي ليلى يتذاكرون.
ومنها: أن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذرا لصاحبه، كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي ألقاها، كما لم يعذر من خالف النصوص متأولا مخطئا، بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره.
ومنها: أن مثل هذا التأويل ليس على أهل الحق أن يناظروا صاحبه، ويبينوا له الحق، كما يفعلون مع المخطئ المتأول ; بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقها بقدر