بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة.
وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية، بخلاف ملوك الدنيا، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها. ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده، بل كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم - خصوصا إذا كان كريما - أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضى والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن في الآدمي، فكيف يظن برب العالمين؟! فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيا لها من حجة ما أعظمها وأبينها! لكن لمن فهمها كما ينبغي.
стр. 5917
[ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ]
وقال الشيخ ﵀: ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] إلى الجزء.
ففي الآية الأولى مسائل:
الأولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها; لأنه ما جعله إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به; وسئل بعضهم: أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين.
الثانية: إذا كان يبتلي الأنبياء هل يفعلونه أم لا، فكيف بغيرهم؟
الثالثة: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التي ابتلاه بها ; وقيل: إن الله لم يبتل أحدا بهذا الدين فأتمه إلا إبراهيم، ولهذا قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم آية: ٣٧] .
الرابعة: أنه سبحانه جازاه على ذلك بأمور: منها: أنه جعله للناس إماما ; ولما علم ﵇ كبر هذه العطية، سألها للذرية: وهي الخامسة.
السادسة: أن الله أجابه أن هذه المرتبة لا ينالها ظالم، ولو من ذرية الأنبياء.
السابعة: أن هذا يدل على أن الإمامة في الدين تحصل لغير الظالم، فليست بمختصة.
الثامنة: معرفة قدر هذه المرتبة التي أكرم بها، وهي: الإمامة في الدين.
وأما الآية الثانية، ففيها مسائل:
الأولى: كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة، مع المشاق العظيمة، وذلك من الآيات.
الثانية: أنه
стр. 5918
جعله أمنا عند الكفار، وذلك من أعجب الآيات.
الثالثة: أمره أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهذا من الخصائص، فيتفطن المؤمن لشبهة المبتدعة; لأنه لا يجوز أن يتخذ من مقام غيره مصلى.
الرابعة: أن فيها الرد على أهل الكتاب الذين لا يعظمونه، مع ما فيه من الآيات، ومع ما عندهم من العلم بذلك.
وقال أيضا في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] : فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [سورة التحريم آية: ١٢] ، وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] . قال: وأما الآية الثالثة، ففيها مسائل:
الأولى: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة، ولذلك أنزل الله ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٨]
الثانية: أن فيها الرد على أهل الكتاب والمشركين.
الثالثة: العجب العجاب معاكستهم هذا الأمر، فلا يردون عنه إلا الطائفة المأمور بتطهيره لهم.
الرابعة. أنه نعتهم بالطواف والركوع والسجود والعكوف، فدل على أن نفس العكوف فيه عبادة.
الخامسة: أن التقدم عند الله بالأعمال الصالحة لا بالنسب، فأمره بتطهيره
стр. 5919
لهم وإن لم يكونوا من ذريته، وأمره بطرد ذريته عنه إذا لم يكونوا كذلك. وقال أيضا: قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير، وأبي العالية ومجاهد وقتادة: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٥] : لاقوا بلا إله إلا الله من أشرك.
وأما الآية الرابعة، ففيها مسائل:
الأولى: دعوة إبراهيم أن يجعله آمنا، ولا يناقض تحريمه يوم خلق الله السماوات والأرض.
الثانية: دعوة إبراهيم للبلد وأهله بالأمن والرزق.
الثالثة: الآية العظيمة في إجابة هذه الدعوة.
الرابعة: تخصيصه بها من آمن بالله واليوم الآخر.
الخامسة: قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ، فلما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته، ولما خص بالأمر الآخر من آمن قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ، وذلك للفرق بين الدارين.
السادسة: أنه لما أخبر أن ذلك للمؤمن وغيره، فقد يتوهم منه كرامة الجميع، فأخبر أنه لو عم العاصي فيه بالأمن والرزق فإنه يضطره إلى عذاب النار.
السابعة: أن المجاورة عنده كما أنها تنفع المطيع، فهي تضر العاصي، لقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٦] ، ولذلك انتقل ابن عباس منها إلى الطائف.
وأما الآية الخامسة، ففيها مسائل:
стр. 5920
الأولى: التصريح بأن الاثنين بنياه.
الثانية: جلال الله وعظمته في قلوب الذين يعرفونه لدعوتهما بالقبول، وكان بعض السلف لما قرأها جعل يبكي، ويقول: ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله، ويخاف أن لا يقبله؟
الثالثة: توسلهما بالصفات.
الرابعة: طلبهما أن يرزقهما الله الإسلام، وهما هما ; والغفلة عن هذه الكلمة من العجائب.
الخامسة: إشراكهما في الدعوة بعض الذرية، ففيها رغوب المؤمن وحرصه على صلاح ذريته.
السادسة: طلبهما أن يعلمهما المناسك، ففيها حرصهما على العمل بالنص مع عصمتهما.
السابعة: طلبهما أن يتوب عليهما وهما هما ; ففيها خوفهما من الذنوب.
الثامنة: التوسل بالصفات.
التاسعة: التعليل بكونه (التواب الرحيم) ولولا ذلك لاستحقا العقوبة.
العاشرة: الرد على المشركين وأهل الكتاب.
الحادية عشر: أن دعوتهما بهذه النعمة التي هي أعظم النعم للذرية، جعلها الذرية من أعظم المصائب.
وأما الآية السادسة، ففيها مسائل:
الأولى: دعوتهما للذرية ببعثة الرسول، فكانت عندهم أعظم البلاء مع دعواهم أنهم على ملتهما.
الثانية: أنهما أرادا بذلك أن يعلمهم الكتاب والحكمة، ويتلو عليهم الآيات ويزكيهم ; قيل: إن استماع التلاوة والتزكي بها فرض عين ;
стр. 5921
وأما الكتاب والحكمة ففرض كفاية.
الثالثة: أن نسبة الزكاة إلى السبب لا بأس بها، مع أن المزكي في الحقيقة هو الله وحده.
الرابعة. التوسل بالصفات.
وأما الآية السابعة، فهي من جوامع الكلم، وأظهر البراهين، فنذكر شيئا من ذلك:
الأولى: أنه بين أن ملة إبراهيم هي الإسلام، ومنه تعظيم البيت وحجه ; ومع إقرار علماء أهل الكتاب بذلك يرغبون عنه ; وهذه مسألة مهمة، يدل عليه، قوله: " ومن رغب عن سنتي فليس مني " ١.
الثانية: أن أكثر الناس رغبوا عن اسم الإسلام، وعندهم لا فضيلة فيه، ولا بد عندهم من نسبة دين خاصة.
الثالثة: أعجب من ذلك أنهم لا يعرفون معنى الإسلام، وعندهم لا فضيلة فيه؛ بل هذا عندهم صورة لا معنى لها.
الرابعة: أعجب من الجميع أنهم إذا بين لهم معناه اشتد إنكارهم لذلك، مع قراءة هذه الآية وأمثالها.
الخامسة: التي سبق الكلام لأجلها أنك إذا عرفت ملته فالواجب الاتباع، لا مجرد الإقرار مع الرغوب عنها.
السادسة: أن من فعل ذلك لم يضر إلا نفسه.
السابعة: أن ذلك في غاية الجهل والسفه الواضح، مع ادعائهم الكمال في العلم، كيف يطلب أفضل من طريقه، والله سبحانه هو الذي اصطفاه، ووعده في الآخرة ما وعده بسبب طريقه؟!
стр. 5922
وأما الآية الثامنة، ففيها مسائل:
الأولى: أن مسألة الإسلام، الذي هو سبب الكلام والخصومة، أن الله سبحانه هو الذي أمره بذلك.
الثانية: أنه استجاب لله فيما أمره، فقال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣١] .
الثالثة: وصفه ربه سبحانه بما يوضح المسألة، وهو الربوبية للعالم كله، فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء، والتوضيح للإسلام، مع حقارته وإنكاره عند من يقرأ هذه الآيات وما بعدها.
وأما الآية التاسعة: ففيها العجب العجاب:
الأولى: أن الله سبحانه ذكر أن إبراهيم وصى بالإسلام ابنيه وهما هما.
الثانية: أن يعقوب وصى بها بنيه وهم هم.
الثالثة: تحريضه الذرية على ذلك، بأن الله الذي اختاره لهم، فلا ترغبوا عن اختيار الله.
الرابعة: أنه مع هذا التقرير الواضح عند من يدعي كمال العلم ويدعي اتباع الملة، أحقر الطرائق ولا مدح فيه، ولا يصير من المسكوت عنه إلا من رغب عنه إلى اسم غيره، وإلا من اقتصر عليه اتخذوه هزوا، فاعتقدوا غاية جهله، بل أفتوا بكفره وقتله.
والخامسة: قوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٢] فحرضهم على لزوم ذلك إلى الممات، وعدم الزيادة عليه، لما في طبع الإنسان من طلب الزيادة، خصوصا مع طول الأمل.
وأما الآية العاشرة: ففيها مسائل:
стр. 5923
الأولى: وصية يعقوب عند الموت، ولم يكتف بما تقدم.
الثانية: لبنيه وهم هم.
الثالثة: أنه لشدة التحريض وكبر الأمر عنده، أخرجه مخرج السؤال.
الرابعة: أنه قال: ﴿من بعدي﴾ لأن الغالب أن الأتباع بعد موت كبيرهم ينقصون.
الخامسة: جوابهم له ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية، لأن في هذا معنى الحجة، وظهور الأمر أن من اتبع الصالحين يسلك طريقهم ; وأما كونه يترك طريقهم بزعمه أنه اتباع لهم، فهذا خلاف العقل.
السادسة: قولهم: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ يعنون للخلائق كلهم، لكن متبع مهتد وضال.
السابعة: إخباره لهم بلزومهم الإسلام بعد موته.
الثامنة: ذكرهم له أن ذلك الإسلام لله وحده لا شريك له، ليس لك ولا لآبائك منه شيء.
التاسعة: أن العم أب; لأن إسماعيل عمه، لكن مع التغليب.
العاشرة: أن ذلك من أوضح الحجج على ذريتهم، مع إقرارهم بذلك، ومع هذا يزعمون أنهم على ملتهم، مع تركها وشدة العداوة لمن اتبعها.
الحادية عشر: أن فيها ردا عليهم في المسألة الخاصة، وهي: اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا.
وأما الآية الحادية عشر: ففيها مسائل:
الأولى: المسألة التي ضل بها كثير، وهي: ظنهم أن صلاح آبائهم ينفعهم.
الثانية: البيان أن الذي ينفع الإنسان
стр. 5924
عمله.
الثالثة: أن الذي يضره عمله، ولا يضره معصية أبيه وابنه.
وأما الآية الثانية عشر: ففيها مسائل، وهي من جوامع الكلم أيضا:
الأولى: أن من دعا إلى أي ملة كانت، وهي من الملل الممدوحة السالم أهلها، قيل له: بل ملة إبراهيم؛ لأنها إن كانت باطلة فواضح، وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل، كما قال ﷺ :" أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة ".
الثانية: وهي مما ينبغي التفطن لها، أنه سبحانه وصفها بأن إبراهيم حنيفا بريئا من المشركين، وذلك لأن كلا يدعيها، فمن صدق قوله بالفعل، وإلا فهو كاذب.
الثالثة: أن الحنيف معناه: المائل عن كل دين سوى دين الإسلام لله.
الرابعة: أن من الناس من يدعي أنه لا يشرك، وأنه مخلص، ولكن لا يتبرأ من المشركين؛ وملة إبراهيم الجمع بين النوعين.
وأما الآية الثالثة عشر: ففيها مسائل:
الأولى: أمر الله سبحانه، أن نقول ما ذكر في الآية، وليس هذا إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل.
الثانية: الإيمان بجميع المنزل.
الثالثة: عدم التفريق بينهم.
الرابعة: التصريح بالإسلام.
الخامسة: التصريح بإخلاص ذلك لله، وليس هذا من الثناء على النفس ; بل من بيان الدين الذي أنت
стр. 5925
عليه، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه.
وأما الآية الرابعةعشر: ففيها مسائل:.
الأولى: قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٧] فيها التصريح أن الإيمان هو العمل.
الثانية: أن هذا الكلام في غاية إنصاف الخصم.
الثالثة: أن الذي لا ينقاد له، ليس داؤه داء جهالة بل مشاقّة.
الرابعة: أنك إذا أنصفته وأصر فهو سبب الانتقام لله منه.
الخامسة: الاستدلال بالصفات.
وأما الآية الخامسة عشر: ففيها مسائل:.
الأولى: قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: دين الله، فدل على أن ذلك هو العمل.
الثانية: الدلالة الواضحة، وهو أنه لا أحسن من الدين الذي تولى الله بيانه والأمر به.
الثالثة: أنكم أيها الخصوم إن افتخرتم بإسلامكم للأنبياء والصالحين، فإسلامنا لله وحده ; ومعنى ذلك: لزوم هذا الدين الذي تولى الله بيانه.
وأما الآية السادسةعشر: ففيها مسائل:
الأولى: أمر الله لنا أن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة، فإذا كان الله رب الجميع، وأيضا أنه بإقراركم أنه عدل لا يظلم، بل كل عامل فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصدينه مخلصين له الدين، وأنتم قصدتم غيره ; فكيف يساوي بيننا وبينكم، أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل.
الثانية: أن الخصوم محاجتهم في الله لا
стр. 5926
في غيره، مع فعلهم هذا في هذه الخصومة.
وأما الآية السابعة عشر: ففيها مسائل:
الأولى: إن كانت الخصومة في الصالحين، ودعواهم أنهم على طريقهم، فهم لا يقدرون أن يدعوا أن رسول الله ﷺ وأصحابه على طريقتهم ; بل يصرحون أنهم على غيرها، ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها، فكيف هذا التناقض؟! يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم، وزعمهم أن أحدا لا يقدر عليه.
الثانية: قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] فهذه لا يقدر أحد أن يعارضها، فإذا سلمها وسلم لك أن العلم الذي أنزله الله، ليس هو لعدم القدرة، فهذا الذي عليه غيره، وهذا إلزام لا محيد عنه.
الثالثة: أن منهم من يعرف الحق ويكتمه خوفا من الناس، مع كونه لا ينكره، فلا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فكيف بمن جمع مع الكتمان دفعها وسبها وتكفير من آمن بها.
الرابعة: الوعيد بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٤] . والله أعلم.
[ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ]
وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] الآية فهذه حجة أخرى ; وبيانها: أنا إذا أجمعنا على الإمام والأئمة أنهم ومن
стр. 5927
اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فهذه أيضا مثل التي قبلها.
فإذا كان رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل ; فنقول: هذه المسألة التي اختلفنا وإياكم فيها، هل رسول الله ﷺ وأصحابه على قولنا أو على قولكم؟ .
فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور، والبناء عليها، وجعل الأوقاف والسدنة عليها، من دين الجاهلية، فلما بعث الله محمدا ﷺ نهى عن ذلك كله، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور، ونهى عن دعاء الصالحين، وعن التعلق عليهم، وأمر بإخلاص الدعوة لله وأمر بإخلاص الاستعانة لله.
وبلغنا عن الله أنه يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ومضى رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون وأتباعهم، والأئمة وأصحابهم على ذلك، ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك، أعني: دعاء غير الله والبناء على القبور، وما يتبع ذلك من المنكرات.
فكيف تقرون أن رسول الله ﷺ وأصحابه، والأئمة بعدهم على ما نحن عليه، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى، مع إقراركم أنه الدين الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة؟ ! أم كيف تنصرون الشرك وما يتبعه من المنكرات، وتبذلون في نصره النفس والمال، مع إقراركم أنه دين الجاهلية المشركين؟ هذا هو الشيء
стр. 5928
العجاب، لا جعل الآلهة إلها واحدا، يا أعداء الله لو كنتم تعقلون!! وليس هذا في هذه المسألة وحدها، بل كل مسألة اختلفنا وإياهم فيها، وأقروا أن ما نحن عليه هو الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ; فهذه الخصومة فيها واقعة فاصلة لها.
فإن أقروا بذلك لكن زعموا أن الناس أحدثوا أمورا تقتضي حسن ما هم عليه، كقولهم: هذه بدعة حسنة، فيها من المصالح كذا وكذا ; وفي تركها من المفاسد كذا وكذا ; فيجاوبون بالمسألة الثالثة، وهي قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] ، فإذا كان رسول الله ﷺ بإقراركم أوصانا بقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " ١، فقد أقررتم أنه أمر بلزوم ما أمرتم بتركه، وأنه نهى عما أمرتم بفعله.
مع إقراركم أنه أوصى بهذه الوصية، عند وقوع الاختلاف في أمته، مع إقراركم أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فالله سبحانه قد علم ما يحدث في خلقه إلى يوم القيامة، ومع هذا أمر بطاعة رسوله الذي أقررتم به، وأنتم تشهدون أنه قاله.
فإذا بان لك أن الأولى في الأمر بالإخلاص والنهي عن الشرك، وأن الثانية في الأمر بلزوم السنة، والنهي عن البدعة، بان لك أن هذا هو تقرير القاعدتين اللتين عليهما
стр. 5929
مدار الدين، وهما: لا يعبد إلا الله ; والثانية: لا يعبد إلا بما شرع، فالأولى قوله: " إنما الأعمال بالنيات " ١ والثانية قوله: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٢.
فإذا كان المحاج لا يقر ببعض ذلك، بل أنكر شيئا من تفاصيل ما ذكرنا، فهي المسألة الرابعة، وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] ، فإذا كان هذا في الكاتم مع المحبة وتمني ظهوره، ولكن أحب الدنيا عليه، فكيف بالكاتم المبغض؟ .
فإن كان يدعي أنه لم يفعل ذلك، وأنه تابع لهذا الحق ولكن يكتم إيمانه، كمؤمن آل فرعون، مع معرفتك أنه كاذب، فهي المسألة الخامسة، وهي أن تقول له: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٤] .
فإن أقر بهذا كله، ولكنه استروح إلى أنه من ذرية رسول الله، أو أنهم جيرانه، أو غير ذلك من الأسباب، مثل مدحه الإمام الذي ينتسب إليه أو أصحابه، فهي المسألة السادسة، وهي قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٤] .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: قال ابن القيم ﵀ في الصواعق: الوجه الثامن عشر: أن تفسير وجه الله بقبلة الله، وإن قاله بعض السلف كمجاهد وتبعه الشافعي، فإنما قالوه في موضع واحد لا غير،
стр. 5930
وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] .
إلى أن قال: على أن الصحيح في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] أنه كسائر الآيات التي ذكر فيها الوجه ; فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع، غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] ، وهذا لا يتيقن حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على موارده ونظائره كلها أولى؛
يوضحه الوجه التاسع عشر: أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا؛ بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا يستعار اسمه له; نعم القبلة تسمى وجهة كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٨] ، وقد تسمى جهة وأصلها وجهة، إلى أن قال:
وأما تسميتها وجها فلا عهد به، فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى، مع أنه لا يعرف تسمية القبلة وجهة الله في شيء من الكلام، مع أنها تسمى وجهة، فكيف يطلق عليها وجه الله، ولا يعرف تسميتها وجها؟ !
وأيضا فمن المعلوم أن قبلة الله التي نصبها لعباده هي قبلة واحدة، وهي القبلة التي أمر الله عباده أن يتوجهوا إليها
стр. 5931
حيث كانوا، لا كل جهة يولي الرجل وجهه إليها، فإنه يولي وجهه إلى المشرق والمغرب والشمال وما بين ذلك، وليست تلك الجهات قبلة لله، فكيف يقال: أي وجهة وجهتموها واستقبلتموها، فهي قبلة الله؟
فإن قيل: هذا عند اشتباه القبلة على المصلي، وعند صلاة النافلة في السفر ; قيل: اللفظ لا إشعار له بذلك البتة، بل هو عام مطلق في الحضر والسفر، وحال العلم والاشتباه والقدرة والعجز، إلى أن قال:
وحمل الآية على استقبال المسافر في التنفل على الراحلة، أو على حال الغيم ونحوه، بعيد جدا عن ظاهر الآية وإطلاقها وعمومها وما قصد بها، فإن (أين) من أدوات العموم، وقد أكد عمومها بما أراده لتحقيق العموم، كقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٤] والآية صريحة في أنه أينما ولى العبد فثم وجه الله من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة ; وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال، بل سياقها لمعنى آخر، وهو بيان عظمة الرب تعالى وسعته، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي.
فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] منبها بذلك على ملكه لما بينهما، ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما ولى العبد
стр. 5932
وجهه فثم وجه الله، ثم ختم باسمين دالين على السعة والإحاطة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] فذكر اسمه الواسع عقب قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] كالتفسير والبيان والتقرير له، فتأمله.
ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير هذا المعنى، وبيان عظمة الرب، وبيان سعة علمه وملكه وحلمه ; ثم قال في الوجه الحادي والعشرين: أنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله، لكان قد أضاف إلى نفسه القبل كلها إلى أن قال:
يوضحه الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد بالوجه الجهة والقبلة لكان وجه الكلام أن يقال: فأينما تولوا فهو وجه الله، لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة، فهي التي تولي نفسها ; وإنما يقال، ثم كذا إذا كان هناك أمران، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [سورة الإنسان آية: ٢٠] ، فالنعيم والملك تم; لأنه نفس الظرف؛ والوجه لو كان المراد به الجهة نفسها لم يكن ظرفا لنفسها، فإن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه ; فتأمله، إلى أن قال: الوجه السادس والعشرون: أنك إذا تأملت الأحاديث، وجدتها مفسرة للآية مشتقة منها، كقوله ﷺ : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإنما يستقبل ربه "١ وذكر الأحاديث.
وقال أيضا - في ذكر أقوال المعطلين - إنه على المجاز لا على الحقيقة، إنه ثوابه وجزاؤه ; ثم قال:
قال عثمان بن
стр. 5933
سعيد الدارمي، وقد حكى قول بشر المريسي، أنه قال في قول النبي: " إذا قام العبد يصلي، أقبل الله عليه بوجهه " ١ يحتمل أن يقبل الله عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله، وما أوجب للمصلي من الثواب.
فقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] أي: ما توجه به إلى ربك من الأعمال الصالحة ; وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] أي: قبلة الله ; قال الدارمي: لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله، أقبل قبل وجه الله ذي الجلال والإكرام، لينفيه عنه، إلى أن قال:
واستمر الجحود به، حتى ادعى أن وجه الله الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام، مخلوق ; لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقة يتوجه بها إليه، وثواب وإنعام مخلوق يثيب به العامل، وزعم: أنه قبلة الله، وقبلة الله لا شك مخلوقة ; ثم ساق الكلام في الرد عليه، والقول بأن لفظ الوجه مجاز، باطل. انتهى.
[مواعظ القرآن]
وقال عبد الله بن الشيخ محمد: وما ذكرت من حال الموعظة فلا أرى أعظم من مواعظ القرآن، قد ذكر أن رجلا طلب من أخ له موعظة، فسأله: هل أنت تقرأ القرآن؟ فقال. نعم ; فقال: إن لم يعظك القرآن ما وعظك غيره.
ولكن آية قرأت على الشيخ في سورة البقرة ; قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] إلى قوله ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] وتكلم عليها كلاما
стр. 5934
حسنا، أحببت أن أنقله لكم، بسبب عظم فائدته، وما أحسن ما قال أبو العالية، قال: وفي هذه الآية مخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وصفة كلامه في المذاكرة.
الأولى: قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] يعني على الإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك كما في بعض القراءات " كان الناس أمة واحدة ثم اختلفوا ".
الثانية: كونه سبحانه أرسل الرسل.
الثالثة: الحكمة في إرسالهم، كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] .
الرابعة: إنزال الكتب.
الخامسة: كونه بالحق، فيها علم من أعلام النبوة.
السادسة: الحكمة في إنزاله الكتاب، فذكر المراد في إنزاله، وهو: الحكم بين الناس عند الاختلاف ; فما أعظم هذه الحكمة، وما أكبر فائدتها لمن فهمها، وما أكثر الجهل بها خصوصا للذين يدعون العلم، وهم من أبعد الناس عنه؛ ولا يعرف ذلك إلا من تأمل أصولهم وفتاويهم الباطلة.
السابعة: قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] كما قال الشاعر: عثا بها يا ابن الندى تسيارها
وهذه من آيات الخوف، وفيها عدم الوثوق بنفسك وبغيرك، خصوصا إذا عرفت أن الذين أوتوه هم الذين اختلفوا فيه، وعرفت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ
стр. 5935
كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾
[سورة التوبة آية: ٣٤] الآية.
الثامنة: اختلافهم في ذلك ليس هو لعدم العلم، بل من بعدما جاءتهم البينات.
التاسعة: كونه بغيا بينهم.
العاشرة: قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] فيها معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ٧] .
الحادية عشر: التنبيه على ثمرة ما هداهم إليه من الاختلاف، وذلك قوله: ﴿من الحق﴾ .
الثانية عشر: قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] .
فإذا أشكلت عليك مسألة الهداية والإضلال، وأردت ما يزيل هذا الإشكال، فاعرف المسألة الثالثة عشر، وهي مسألة علم الله، ومعرفتها من أجل العلوم وأنفعها، وذلك قوله: ﴿بإذنه﴾ وبالله التوفيق.
وقال أيضا الشيخ محمد، قدس الله روحه، في الدرس من الفقه بعد الآية، وقوله:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكمو عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإني وإن عنفتموني بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد
وفي القصة من الفقه: معرفة الأشهر الحرم، والبلد الحرام، ما لا يوجد. وفيها: ما كان في الجاهلية من بقايا دين إبراهيم ما لا يوجد مثله اليوم. وفيها: أن من الكبائر
стр. 5936
كبير وأكبر. وفيها: أن الصد عن سبيل الله أكبر من الكبائر. وفيها: أن الكفر بالله نوع آخر غير الصد. وفيها: بيان الرب الرحيم أن القتل لو كان شديدا فالشرك أشد منه. وفيها: بيان مطلب عدو الدين وما يرضيه منك.
وقال أيضا: وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٠] ، فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء ﵈، فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنا، فإذا كان محتاجا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة، فكيف بغيره؟ ولذلك قال النبي ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇ " ١.
وأما قوله في كلام البقرة والذئب: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" ٢ ﵄، وليسا في ذلك المكان؛ هذا من الإيمان بالغيب المخالف للمشاهدة; وذلك أن الناس يشاهدون البهائم لا تتكلم، فلما أخبر الرسول ﷺ أن هذا جرى فيما مضى، تعجبوا من ذلك مع إيمانهم، فقال: "آمنت به أنا وأبو بكر وعمر " ٣.
فلما ذكرهما في المقام العظيم الذي طلب إبراهيم في مثله العيان ليطمئن قلبه، مع كونهما ليسا في المجلس، دل على أن إيمانهما أفضل من إيمان غيرهما، خصوصا لما قرنهما بإيمانه ﷺ ، ومع هذا فأمور الإيمان من الأمور البينة، لكن لعلكم تفهمون منها شيئا، إذا قرأتم كتاب الإيمان، والله أعلم.
стр. 5937
وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
فصل [فيما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم]
قد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة، من تقرير أصول العلم، وقواعد الدين، أن الله افتتحها بذكر الكتاب الهادي للمتقين ; فوصف حال أهل الهدى، ثم الكافرين، ثم المنافقين، فهذه جمل خبرية.
ثم ذكر الجمل الطلبية فدعا الناس إلى عبادته وحده، ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض وبناء السماء، وإنزال الماء وإخراج الثمار رزقا للعباد، ثم قرر الرسالة وذكر الوعد والوعيد، ثم ذكر مبدأ النبوة والهدى، وما بثه في العالم من الخلق والأمر، ثم ذكر تعليم آدم الأسماء، وإسجاد الملائكة له لما شرف به من العلم.
فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمدا ﷺ من الهدى ودين الحق، فقص جنس دعوة الأنبياء. ثم انتقل إلى خطاب بني إسرائيل، وقصة موسى معهم، وضمن ذلك تقرير نبوته، إذ هو قرين محمد ﷺ ، فذكر آدم الذي هو أول، وموسى الذي هو نظيره، وهما اللذان احتجا، وموسى قتل نفسا فغفر له، وآدم أكل من الشجرة فتاب عليه. وكان في قصة موسى رد على الصابئة ونحوهم ممن يقر بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ما جاؤوا به، وقد
стр. 5938
يتأولون أخبار الأنبياء. وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد ﷺ وتقرير نبوته.
وذكر حال من عدل عن النبوات إلى السحر ; وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم ; وذكر النصارى وأن الأمتين لن يرضوا حتى يتبع ملتهم ; كل هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة.
ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام المبني على ملة إبراهيم، فذكر إبراهيم الذي هو إمام الناس، وبناءه البيت الذي بتعظيمه تميز الإسلام عما سواه، وذكر استقباله وقرر ذلك، فإنه شعار الملة الفارقة بين أهلها وغيرهم، ولهذا يقال: أهل القبلة، كما قال: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم "١. وذكر من المناسك ما يختص بالمكان، وذلك أن الحج له مكان وزمان ; والعمرة لها المكان فقط، والعكوف والركوع والسجود شرع فيه، ولا يقيد به ولا بمكان ولا زمان; لكن الصلاة تتقيد باستقباله، فذكر سبحانه هذه الأنواع الخمسة، من العكوف، والصلاة، والطواف، والعمرة، والحج؛ والطواف يختص بالمكان فقط. ثم أتبع ذلك بما يتعلق بالبيت من الطواف بين الجبلين، وأنه لا جناح فيه، جوابا لما كان عليه الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل إهلالهم لمناة ; وجوابا لقوم
стр. 5939
توقفوا عن الطواف بهما، وجاء ذكر الطواف بعد ذكر العبادات المتعلقة بالبيت. بل وبالقلوب والأبدان والأموال، بعدما أمروا به من الاستعانة بالصبر والصلاة، اللذين لا يقوم الدين إلا بهما؛ وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر ; لأن ذلك من تمام أمر البيت، لأن أهل الملل يخالفون فيه، فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد عنه.
وذكر الصبر على المشروع والمقدور، وبين ما أنعم به على هذه الأمة من البشرى للصابرين، فإنها أعطيت ما لم تعطه الأمم قبلها، فكان ذلك من خصائصها وشعائرها، كالعبادات المتعلقة بالبيت.
ولهذا يقرن بين الحج والجهاد لدخول كل منهما في سبيل الله ; فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله، بالنص والإجماع في الأصح، كما قال: "الحج من سبيل الله" وبين أن هذا معروف عند أهل الكتاب، بذمه لكاتم العلم.
ثم ذكر أنه لا يقبل دينا غير ذلك، ففي أولها ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، وفي أثنائها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] . فالأولى نهي عام ; والثانية نهي خاص؛ وذكر بعد البيت، لينهى عن قصد الأنداد المضاهية له ولبيته، من الأصنام والمقابر ونحو ذلك، ووحد نفسه قبل ذلك، وأنه ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٣]
стр. 5940
ثم ذكر ما يتعلق بتوحيده من الآيات، ثم ذكر الحلال والحرام، وأطلق الأمر في المطاعم; لأن الرسول ﷺ بعث بالحنيفية وشعارها وهو البيت؛ وذكر سماحتها في الأموال المباحة، وفي الدماء بما شرعه من القصاص ومن أخذ الدية.
ثم ذكر العبادات المتعلقة بالزمان، فذكر الوصية المتعلقة بالموت، ثم الصيام المتعلق برمضان، وما يتصل به من الاعتكاف، ذكره في عبادات المكان وعبادات الزمان، فإنه يختص بالمسجد الحرام، والصلاة تشرع في جميع الأرض، والعكوف بينهما.
ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل، وذلك أن المحرم نوعان: نوع لعينه كالميتة، ونوع لكسبه كالربا والمغصوب، فأتبع المنع الثابت بالمحرم الثابت تحريمه لعينه، وذكر في أثناء عبادات الزمان المنتقل الحرام. ولهذا أتبعه بقوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٩] الآية، وهي أعلام العبادات الزمنية؛ وأخبر أنه جعلها مواقيت للناس في أمر دينهم ودنياهم; وللحج; لأن البيت تحجه الملائكة والجن، فكان هذا نصا في أن الحج موقت بالهلالي الزماني، كما أنه موقت بالبيت المكاني.
ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان مع المكان، من إتمام الحج والعمرة ; وذكر المحصر، وذكر تقديم الإحلال
المتعلق بالمال وهو الهدي، عن الإحلال
стр. 5941
المتعلق بالنفس وهو الحلق ; لأن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل بالأسهل فالأسهل، ولهذا كان آخر ما يحل عنه الوطء، فإنه أعظم المحظورات، ولا يفسد النسك بمحظور سواه.
وذكر التمتع بالعمرة إلى الحج لتعلقه بالزمان مع المكان، فإنه لا يكون متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وحتى لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، وهو الأفقي، فإنه الذي يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين عنه؛ أما الذي هو حاضر، فسيان عنده، تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج.
ثم ذكر وقت الحج وأنه أشهر معلومات، وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة، فإن هذه تختص بزمان ومكان، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٧] ولم يقل والعمرة لأنها تفرض كل وقت.
ولا ريب أن السنة فرض الحج في أشهره، ومن فرض قبل خالف السنة; فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر، إذ ليس فيه نقض للمشروع، وليس كمن صلى قبل الوقت، وإما أن يلزم الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمرا، وهذان قولان مشهوران.
ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره ; وقضاؤها - والله أعلم - هو قضاء التفث والإحلال. ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٣] هو أيضا من العبادات الزمانية
стр. 5942
المكانية، وهو ذكر الله مع رمي الجمار ومع الصلوات، ودل على أنه مكاني قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٣] الآية. وإنما يكون التعجيل والتأخير بالخروج من المكان، ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال: أيام منى، وإلى عملها فيقال أيام التشريق، كما يقال: ليلة جمع، وليلة مزدلفة ; ويوم عرفة، ويوم الحج الأكبر، ويوم العيد، ويوم الجمعة، فتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال، إذ الزمان تابع للحركة والحركة تابعة للمكان.
فتدبر تناسب القرآن وارتباط بعضه ببعض، وكيف ذكر أحكام الحج فيها في موضعين: موضع ذكر فيه بيته وما يتعلق بمكانه ; وموضع ذكر فيه الأهلة فذكر ما يتعلق بزمانه.
وذكر أيضا القتال في المسجد الحرام، والمقاصة في الشهر الحرام، لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق بالمكان، ولهذا قرن سبحانه ذكر كون الأهلة مواقيت للناس والحج.
وذكر أن البر ليس أن يشقي الرجل نفسه، ويفعل ما لا فائدة فيه، من كونه يبرز للسماء فلا يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره، فأخبر أن الهلال الذي جعل ميقاتا للحج شرع مثل هذا، وإنما تضمن شرع التقوى. ثم ذكر بعد ذلك أحكام النكاح والوالدات، وما يتعلق بالأموال، والصدقات والربا والديون وغير ذلك. ثم ختمها
стр. 5943
بالدعاء العظيم المتضمن وضع الآصار والأغلال، والعفو والمغفرة والرحمة، وطلب النصر على القوم الكافرين الذين هم أعداء ما شرعه من الدين في كتابه المبين.
стр. 5944
سورة آل عمران
وسئل أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، عن قوله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] إلى قوله سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦] ما معنى هذا التكرار؟ هل هو تأكيد أم غير ذلك؟
فأجاب: وأما قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] فذكروا في تفسيرها (مسائل) :
الأولى: إعلام بأن الله سبحانه شهد بهذا، وكذلك كل عالم يشهد به، وليس هذا ثناء على نفسه مجردا، بل هو قيام بالقسط؛ وأما الكلمة الثانية فهي: تعليم وإرشاد ; والله أعلم.
[شروط الإسلام التي يصير بها الإنسان مسلما]
وسئل الشيخ عبد الله عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ، وعن شروط الإسلام التي يصير بها الإنسان مسلما، هل هي غير ما أثبت للناس رسول الله ﷺ في زمانه، وسماهم به مسلمين؟ أم غير ذلك؟ .
فأجاب: الإسلام وشروطه ما بينه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وتوفى الله رسوله وأصحابه عليه في حياته، وفي زمن خلفائه الراشدين المهديين، ﵃، وما حدث بعد ذلك فليس من الدين،
стр. 5945
بل كان بدعة وضلالة، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ١، وهذا مجمع عليه عند جميع الأمة، ولكن الشأن في تحقيق القول بالعمل. فإن من الناس من يزعم أنه مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو كافر مشرك بالله، مكذب لرسول الله ﷺ ، كما أن اليهود يزعمون أنهم مسلمون على الحق وكذلك النصارى، وهم كافرون بالله ورسوله.
فمن أراد الله هدايته ووفقه للعمل بكتابه وسنة رسوله باتباع أصحاب رسول الله ﷺ من أهل البيت وغيرهم، فهذا هو العصمة والنجاة; كما كان العلماء ﵃ يقولون: السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، والله أعلم.
[سبب نزول قوله تعالى " ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ]
وقال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] الآيتين.
إذا عرفت أن سبب نزولها قول أهل الكتاب: نحن مسلمون نعبد الله، إلا إن كنت تريد أن نعبدك; عرفت أنها من أوضح ما في القرآن من تقرير الإخلاص والبراءة من
стр. 5946
الشرك، ومن أعظم ما يبين لك طريق الأئمة المهديين من الأئمة المضلين.
وذلك أن الله وصف أئمة الهدى بالنفي والإثبات، فنفى عنهم أن يأمروا أتباعهم بالشرك بهم، أو بالشرك بالملائكة والأنبياء، وهم أصلح المخلوقات؛ وأثبت أنهم يأمرون أتباعهم أن يصيروا ربانيين، فإذا كان من أنزله الله بهذه المنْزلة، لا يتصور أن يأمر أتباعه بالشرك به ولا بغيره من الأنبياء والملائكة، فغيرهم أظهر وأظهر.
وإذا كان الأمر الذي يأمرهم به كونهم ربانيين، تبين طريقة الأنبياء وأتباعهم، من طريقة أئمة الضلال وأتباعهم، ومعرفة الإخلاص والشرك، ومعرفة أئمة الهدى، وأئمة الضلال، أفضل ما حصل المؤمن.
لكن فيه من البيان قول اليهود: إلا إن كنت تريد أن نعبدك، كما عبدت النصارى عيسى، وقول النصارى: تريد ذلك، أي: إلا إن كنت تريد أن نعبدك، كما عبدت اليهود عزيرا، أن عبادة غير الله من أنكر المنكرات ببديهة العقل، ولكن الهوى يعمي ويصم.
وفيه: معرفة الإنسان بعيب عدوه، ولا يعرف ما فيه من ذلك العيب بعينه، ولو كان فيه منه أضعافا مضاعفة. وفيه: ما على من قرأ القرآن من الحق من تعلم معانيه، وفيه: أن عليه أن يعمل به. وفيه: أن يكون ربانيا. وفيه: أن ذلك بسبب درس
стр. 5947
الكتاب وعلمه وتعليمه. وفيه: أن المسلم إذا أشرك بالأنبياء والصالحين كفر بعد إسلامه.
وفيه: معرفة أعداء رسول الله ﷺ بما هو عليه من العدل والتواضع، كيف يتفوهون له بهذا الكلام، وهم تحت يده محتاجون له. وفيه: أن من أشرك بشيء فقد اتخذه ربا. وفيه: أن قوله في القرآن: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣] ليس كما يقول الجاهلون ; لأن أهل الكتاب لا يتركون عبادات الله.
وقوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] الآيتين: فيه: ما هو من أبين الآيات للخاص والعام، وكونه ﷺ مذكورا مبشرا به في كتب الأنبياء. وفيه: حجة على أن دعوته عامة في الظاهر والباطن. وفيه: أن الإيمان به لا يكفي عن نصرته، بل لا بد من هذا وهذا.
وفيه: أخذه تعالى الميثاق على الأنبياء بذلك، دليل على شدته إلا على من يسره الله عليه. وفيه: أن من آتاه الله الكتاب والحكمة أحق بالانقياد للحق إذا جاء به من بعده، بخلاف ما عرف من حال الأكثر من ظنهم أنه لو اتبعه غيرهم فهو نقص في حقهم.
وفيه: مزيد التأكيد بقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] وفيه إشهادهم مع شهادته سبحانه. وفيه: أن من تولى بعد ذلك فجرمه أكبر. وفيه: أن الآخر مصدق لما معهم لا مخالف له.
стр. 5948
فإذا كان هذا في أهل الملل، فكيف بأهل الملة الواحدة إذا ضلوا، ثم جاءهم من يرشدهم إلى دينهم الذي أنزل الله عليهم، وهو الذي ينتحلونه ; فإن تولوا بعد معرفته فأولئك هم الفاسقون.
فإن جمعوا مع التولي تكذيبه، فإن جمعوا مع التكذيب الاستهزاء، فإن جمعوا مع ذلك عداوته الشديدة، فإن أضافوا إلى ذلك تكفير من صدق كتابهم ونبيهم واستحلال دمه وماله، فإن أضافوا إلى ذلك كله اتباع دين المشركين أعداء نبيهم، ونصروه بما قدروا عليه، وبذلوا النفس والأموال في نصرته، وعداوة دين نبيهم وإزالته من الأرض حتى لا يذكر فيها. فالله المستعان.
وسئل عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] هل المراد منه - عند الموت - من الكفر، عند عرض الأديان؟ أم المراد منه: أنه إذا أحدث حدثا لا يقص منه ما دام في الحرم؟.
فأجاب: التفسير المعروف في أن الله جعل الحرم بلدا آمنا قدرا وشرعا; فكانوا في الجاهلية يسفك بعضهم دم بعض خارج الحرم، فإذا دخل الحرم صافى الرجل قاتل أبيه لم يهجه، وحرمته في الإسلام كذلك أو أشد.
لكن إذا أصاب رجل حدا خارج الحرم ثم لجأ إليه، فهل يكون آمنا لا يقام عليه فيه الحد أم لا؟ .
فيه نزاع، وأكثر السلف على أنه يكون آمنا، كما نقل عن ابن عمر وابن عباس
стр. 5949
وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقد استدلوا بهذه الآية، وبقول النبي ﷺ في الحديث: " إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي ". ""
[المسائل المستنبطة من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ]
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ومن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [سورة آل عمران آية: ١٠٠] إلى قوله ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٨] .
الأولى: سبب النّزول يدل على شدة الحاجة لها، فإذا احتاجوا فكيف بغيرهم؟ !
الثانية: الخوف على مثلهم الردة بذلك، فكيف بمن دونهم؟ ! .
الثالثة: أن فيمن أوتي الكتاب من يدعو إلى الردة، مثلما أن فيهم من يدعو إلى الله.
الرابعة: التصريح بأن ذلك بعد الإيمان.
الخامسة: لطف الله تعالى بعبده بدعوتهم بهذا الوصف.
السادسة: استبعاد الكفر ممن تتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله، فإذا مضت الثانية فالأولى باقية.
السابعة: أن آيات الله لا نظير لها في دفع الشر في سائر الكلام، كما أن رسوله لا نظير له في سائر الأشخاص في دفع ذلك.
الثامنة: الرد على أعداء الله الذين يزعمون أن القرآن لا يفهم معناه.
التاسعة: أن الاعتصام بحبل الله جامع.
العاشرة: أن الطرق فيها المعوج وفيها المستقيم.
الحادية عشر: ذكر حق تقاته.
الثانية عشر: لطافة الخطاب.
الثالثة عشر: لزوم
стр. 5950
الإسلام إلى الممات.
الرابعة عشر: فيه التنبيه على قوله: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ١ لأن ذلك سبب النّزول.
الخامسة عشر: كون الإسلام طاعة الرسول ومعصية أولئك.
السادسة عشر: خوفك من الردة وإن كنت من الصالحين.
السابعة عشر: ذكر الاعتصام بحبل الله، وهو القرآن ; ففيه دليل على أنه عصمة.
الثامنة عشر: الأمر بالاجتماع على ذلك.
التاسعة عشر: تأكيده ما تقدم بالنهي عن الافتراق، وفيه تذكيرهم بالنعمة التي هم فيها بعد تلك البلية.
العشرون: تذكيرهم بالنعمة العظمى وهي: إنقاذهم من النار بعد أن كانوا على شفا حفرة منها.
الحادية والعشرون: ذكره هذا البيان الواضح في آياته.
الثانية والعشرون: أن الفائدة في تعليم العلم تذكر المتعلم واهتداؤه.
الثالثة والعشرون: ذكر الأمر بطائفة متجردة للدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابعة والعشرون: تخصيصها بالفلاح.
الخامسة والعشرون: نهيهم عن مشابهة الذين تفرقوا واختلفوا من بعد مجيء الآيات.
السادسة والعشرون: فيه دليل على أن الله ذكر لنا من البينات، في دواء هذا الداء، ما فيه الشفاء.
السابعة والعشرون: وعيد من ارتكب هذا المنهي عنه بالعذاب الأليم.
الثامنة والعشرون: بياض الوجوه وسوادها.
стр. 5951
التاسعة والعشرون: أن الذين اسودت وجوههم، الذين كفروا بعد إيمانهم، ففيه أن الواقعة كفر بعد الإيمان أو تجر إليه.
الثلاثون: الوعد الجزيل لمن سلم من ذلك.
الحادية والثلاثون: التذكر أن هذه النصائح والمواعظ هي آيات الله.
الثانية والثلاثون: أنه سبحانه يتلوها على رسوله لأجلنا.
الثالثة والثلاثون: تذكرنا بأن تلك التلاوة بالحق.
الرابعة والثلاثون: الاعتذار بأنه لا يريد ظلم أحد من العالمين.
الخامسة والثلاثون: تذكيرنا بأن له ما في السماوات وما في الأرض.
السادسة والثلاثون: تذكيرنا بالرجوع إليه.
стр. 5952
سورة النساء
وقال الشيخ محمد ﵀: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٧٩] الآية، بعد قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٧٨] ، لو اقتصر على الجمع أعرض العاصي عن ذم نفسه، والتوبة من الذنب والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس، فلم تزده إلا طردا كما زادت المشركين ضلالا، حين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٨] ؛ ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد، والإيمان بالقدر، واللجأ إلى الله في الهداية، كما في خطبته ﷺ : " الحمد لله نستعينه ونستغفره " ١ يشكره ويستعينه على طاعته،
стр. 5953
ويستغفره من معصيته، ويحمده على إحسانه، ثم قال: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا " ١ إلى آخره لما استغفر من المعاصي استعاذه من الذنوب التي لم تقع.
ثم قال: "ومن سيئات أعمالنا" أي: ومن عقوباتها، ثم قال: "من يهد الله فلا مضل له" إلخ: شهادة بأنه المتفرد في خلقه، ففيه إثبات القضاء الذي هو نظام التوحيد؛ هذا كله مقدمة بين يدي الشهادتين ; فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته، واستغفاره واللجأ إليه، والإيمان بأقداره؛ فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان.
وكون الحسنات من الله، والسيئات من النفس، له وجوه:
الأول: أن النعم تقع بلا كسب.
الثاني: أن عمل الحسنات من إحسان الله إلى عبده؛ فخلق الحياة، وأرسل الرسل، وحبب إليهم الإيمان. وإذا تدبرت هذا، شكرت الله فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال.
الثالث: أن الحسنة تضاعف.
الرابع: أن الحسنة يحبها ويرضاها، فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع، ولهذا تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه، والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٨] إلى قوله ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٠] .
الخامس: أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة.
السادس: أن
стр. 5954
الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة; لأنها إما فعل مأمور أو ترك محظور؛ والترك أمر وجودي، فتركه لما عرف أنه ذنب وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا الوجه.
وقد جعل النبي ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك ; وجعل المنع لله من كمال الإيمان ; وهو أصل الترك؛ وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا، بل صادرا عن بغض وعداوة؛ وأما السيئات فمنشؤها الظلم والجهل، وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها، فإن هذا خاصة العقل ; وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة؛ والغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] الآية.
السابع: أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه.
الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه من إنعام الله عليه ; فيرجع في ذلك إلى الله ولا يرجو إلا هو، فهو يستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره، وإنما يستحق من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه، ولكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق، ونعم المخلوق منه أيضا، وجزاؤه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله.
стр. 5955
فإذا عرف أن ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ٢] صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده. وإذا عرف ما يستحقه من الشكر الذي يستحقه، صار ... ١ له والشر انحصر سببه في النفس، فعلم من أين يؤتى، فتاب واستعان بالله.
كما قال بعض السلف: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه. وقد تقدم قول السلف - ابن عباس وغيره - إن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا من فوائد تخصيص الخطاب، لئلا يظن أنه عام مخصوص.
التاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [سورة النور آية: ٢٦] الآية قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثات للخبيثين، وقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٦] ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، والأقوال والأفعال صفات بالقائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث، فمحلها ما يناسبها.
فمن أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح ; بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى تصلح للجنة، كما في حديث أبي سعيد الذي في الصحيح، وفيه " حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة " ٢.